موقع الشاعر
سُوف عبيد

       

       الحلم والخرافة والحكاية في ـ الأرض عطشى ـ 
 

                             قاسم قاسم                                 

تمتد هذه المقطوعات 22 على مدى 7 أعوام أقدمها يرجع إلى عام 1973 وأحدثها إلى 1979 وقد حرص الشاعر على تاريخ قصائده حرصا ظاهرا وهذا أمر مهم لمعرفة تطور رؤية الشاعر وتأصله في بيئته وما اِختلف على هذه البيئة من خطوب لابد أن نرى أثرها في الشعر عامة... فهناك جدلية قائمة بين الشاعر كإنسان حساس ومتفاعل وبين بيئته وعالمه الذي يعيش فيه، فلم بعد الشاعر في عصرنا الحديث يعيش في برج عاجي كما يقال بل إن  شعر الشعراء المعاصرين ما هو في الحقيقة إلا صدى تأثير الحوادث الخارجية في نفوسهم وعقولهم، فالحياة الاجتماعية والسياسية لها الدور الفعال في إخصاب تجربة الشاعر وتفاعلها مع مكاسبه الفنية والشعورية. 

الملاحظ أن سنة 1975 كانت غزيرة الإنتاج بالنسبة للشاعر (9 مقطوعات) وأقل سنة إنتاجا هي سنة 1978 وتليها سنة 1979 (مقطوعتان) كما أن أجدب السنوات هما السنتان 1976 و1977 فلم نجد للشاعر فيهما شيئا  من الشعر في هذه المجموعة. 

ومن الملاحظ أيضا أن قول الشعر يمر تصاعديا من 1973 إلى 1975 ثم بنحو إلى الإقلال لينزل إلى الصفر في السنتين المشار إليهما أعلاه ولا يستيقظ " شيطان الشعر " عنده كما يقول القدماء إلا بعد ثلاث سنوات كاملة لينتج ثلاث قصائد في سنتين ولكن معدل قول الشعر عبر هذه السنوات لا يتعدى نسبة 3 في السنة وهي نسبة ضئيلة  فسوف عبيد يمتاز بالقلة في قول الشعر وخصوصا إذا لاحظنا " قصائده " قصيرة في أكثر الأحيان لا تتعدى المساحة المكانية لها الصفحة إلا في القليل النادر وحب الإيجاز على شعره لتكون القطعة عنده أشبه بلوحة الرسم  الصغيرة فيها من التكثيف اللوني والتشكيلي والعاطفي الشيء الكثير ، وهذا الحرص على الإيجاز في الإبلاغ إنما يأتيه على ما نظن من (وقع) العصر الذي هو عصر السرعة لا مكان فيه للقصائد الطوال أو الإيمان عنده بأن البلاغة هي الإيجاز وما قل ودل هو المذهب البلاغي العربي المعروف والمتمسك به وهو أستاذ اللغة العربية وأدبها العارف جيدا بكل هذه المذاهب ...

على كل حال لندخل الآن إلى عالمه الشعري والشعوري لنستكشف في إمعان هذه  " الدنيا " التي يخلقها الشاعر أمامنا ويعيش فيها بعاطفته وفكره ويريد أن يسلمها إلينا في طواعيه وإسماح عن طريق المجموعة التي نشرها الشاعر على نفقته الخاصة ووزعها سنة 1980 .. 

فكرة تسيطر على الشاعر سيطرة تامة هي مسألة الجدب والخصب فهو يكاد يري أن العالم الذي حولنا أصابه القحط القحط في الأرض وفي النفوس والقلوب أيضا فالجفاف يطغى  على كل المرئيات والمحسوسات والعواطف وعلى العالم. 

" يا جفاف إفريقيا وأسيا " ص 4  

" رأسي كرة أرضية تدور وعالم مجدب قفر " ص 10  

" الصيف والشمس والجفاف " ص 4  

وإذا كان هذه هو الواقع فالشاعر يؤمل دائما في النماء والرواء

والخضرة:  

" يا طرقات أمامي اعشوشبي

يا صخور في أخاديد جبيني أنبتي ص 3  

" متى ينبت في جبيني الزهر

ضمي رأسي بين نهديك حتى ينبت الزهر " ص10 

أما قمة الأمل في التغلب على هذه القحط والجفاف فيتمثل في هذه المقطوعة (باب الجنة) ص 23  

سنفتح في الجنة ذراعا

و ذراعا

و ذراع

مثني وثلاثا ورباع

وسنزرع في الجدب صاعا

وصاعا

وصاع 

فيحصد كل الجياع 

" فالعمل الحركي" هو الأساس للتغلب على هذا الجفاف والجدب والجوع والعطش ويتمثل هذا العمل في : 

الفتح

الزرع

الحصاد  

كلمات تنضج حركة ونشاطا زيادة على تأصلها في الأرض، فالتغلب على ( الوضعية الإنسانية) condition humaine وتبديل العالم غير العالم لا يكون إلا بالحركة الجادة وعدم الاِستسلام للجدب والقحط. 

وفكرة الجدب والقحط هذه وما يتبعها من نماء ورواء سيطرت على أكثر من فكر فيلسوف وشاعر ولنتذكر (سد) المسعدي الذي يعالج هذا الموضوع بذاته " سياسيا" أو ـ ت . س . اليوت ـ في قصيدته الطويلة الأرض اليباب يعالج الموضوع نفسه  "حضاريا" وهو موضوع ثري لأنه يتصل بالإنسان في كل مكان وزمان خصوصا إذا تغلبت على روحه المادية والانهزامية و الإتكالية  فيلجا الشعراء والأدباء إلى تنبهه من غفوته تلك وتبث فيه روح الوعي والاستقامة ليقطع سلاسل الانهزام والاستسلام " ليفتح في الجنة ذراعا، أو يزرع في الجدب صاعا وليحصد أخيرا كل الجياع"  

ومسألة الحرية والديمقراطية تلح على الشاعر في جميع فصائده إلحاحا ممضى بأسلوب رمزي تارة أو بتكثيف للصورة مرة أخري، أو بهذه الأحلام التي تؤرقه والتي يتفنن في صياغتها ، فالمسرجة عنده رمز الأمل والنور والضياء :  

بقطرة زيت في المسرجة

بحبة قمح

في السنبلة

نسرق من الشمس بسمتها ونوزعها بسمة

بسمة

بسمة  ص 7  

فبشيء قليل يمكن أن يتبدل العالم وجه الأرض المجروحة أن ( الزيت في المسرجة ) ضياء بل هو نور على نور كما جاء في القرآن و ( حبة القمح في السنبلة) إطعام الجائع وإرواء الظامئ وإعادة الحياة إلى السنوات العجاف.

فالإنسان محتاج إلى الضياء إلى الحرية والديمقراطية وإلى الطعام حيى يسترد حريته الغائبة . 

يمتاز الشاعر بوعي حاد للمرئيات الجزئية الصغيرة يصنع منها جوا شعريا مليئا بالتعبيرات والرموز الهادفة. 

انظر إلى هذه المقطوعة المعنوية باسم إشارة للمكان البعيد "هناك" فتراه ينظر إلى بعيد ليصف لنا ماذا كان

أو الصور الماضية التي عفي عنها الزمن واضمحلت الآن من "منظورنا المجتمعي " والمكاني فقد كان الماضي أكثر تحررا وأكثر ألفة مع الأشياء وأكثر رومانطيقية وشاعرية وأكثر حبا للحياة واستمتاعا بها وأكثر التصاقا بالطبيعة نباتها وحيواناتها وإنسانها أما اليوم فقد تعلق الإنسان بالوهم وبالقشور وأصبحت العصافير المزقزقة ، نتفرج عليها في بلة وحمق أو نستمع في صمم لغنائها المسجون بين القضبان فوق شرفات البيوت : 

" هناك كانت ياسمينة

نوارها زين النافذة في الصيف

هناك كانت عجوز تسبح في الظل

وكان طفل يلطمها بالكرة أحيانا

هناك كان السقاء يربط حماره يوزع الماء

أما هنا بالذات

فوق الشرفة الزرقاء

عصفور يزقزق في قفص" ص 9  

فالشاعر هنا شاهد أمين علي تحول العصر وتبدل حركاته الإيقاعية ومدى تأثير هذا التحول على الإنسان والمكان. 

وهذا قصيد رمزي مكثف له من الدلالات الوجدانية والفكرية الشيء الكثير فمن هي هذه  "العصفورة " التي لم تأو إلى عشها هذه المساء؟  

ومن هي هذه العصفورة التي تحمل كابوس الدنيا؟ والتي باتت تقفز على أسلاك الكهرباء إلى الفجر ثم طارت بعيدا بعيدا فوق كل البنايات. 

و من هي هذه العصفورة التي التصق وجودها بوجود " بائع الحليب والخباز وبائع الخبزر وسيارة الشرطة"

إنها في أكبر الظن "روح الشاعر " التي أصبحت هائمة في  الآفاق لا تستقر في مكان معلوم من جراء ما أصابه من كوابيس الدنيا فلا هي ترتاح أو تستريح فقد فقدت لذة الحياة الهادئة المطمئنة في كنف الهدوء والسلم والحرية وفقدت لذة مرئيات المدينة بما فيها من ألوان الحياة الزاخرة. 

" عصفورة من العصافير لم تاو إلى عشها هذه المساء

جثم كابوس الدنيا على ريشها

مضت حتى انطفأت مصابيح تونس

على الساعة السادسة صباحا

باتت على أسلاك الكهرباء

وحينما مر بائع الحليب

وتلاه الخباز على دراجته

القديمة

وتحركت عربة بائع الفحم

ومرت تلوي سيارة الشرطة

طارت بعيدا بعيدا  

فوق كل البنايت 

فأنظر إلى هذا " الطباق " المعنوي (بين بائع الحليب وبائع الفحم) ليوظف جليا بين (معني الأبيض والأسود) في الحياة عامة. 

أما في قصيدة (بحر النيل أخضر) ص: 17 فيعالج الشاعر قضية سياسية كانت لها أبعادها على السياسة العربية عامة وهي هذه الاتفاقيات التي أمضاها السادات مع العدو الصهيوني وعرفت باتفاقيات " كامب............. "  

لم يتكلم 

" بحر النيل أبكم

بحر النيل أبكم " 

ولكن الأحداث بعد كتابة القصيد عرفتنا أن النيل تكلم فعلا وفاض بمياهه على السادات نفسه فأغرقه في لج الموت الزؤام والنسيان معا... 

والملاحظة الأخيرة التي تفرض نفسها على المتأمل في هذه الديوان الصغير أن الشاعر قد وظف أساليب كثيرة جدا قيمة منها توظيفه للحلم والخرافة والحكاية وحتي القصة في شعره خصوصا في قصائد ومقطوعات مثل ـ رؤيا ـ و ـ خرافة ـ و ـ الحذاء ـ و ـ الحصان الأبيض ـ و ـ الطفل والسمكة ـ و ـ صبية ـ و ـ لا شيء يستحق الذكر ـ و ـ شبحان ـ  

قاسم قاسم

ص ب 1324 تونس

CSS Valide !
تصميم الموقع و متابعته - زياد عبيد - © 2011