آخـــر المـقـالات

التصوّف لدى أبي القاسم الشّا

الغزل-الآخر-2

شُكري بلعيد…شاعرٌ أيضًا

بقلم سُوف عبيد

-1-
شَاربٌ كثيفٌ أسودُ وبجانبه على اليمين شامةٌ سوداءُ على بياض ,ذلك ما تراه على غلاف ديوان الشّهيد شكري بلعيد وما الشّارب والشّامة إلا سِمتان تمتاز بهما ملامح الشهيد الذي ـ ولئن عُرف مناضلا وطنيا بارزا ـ فهو لم يُعرف شاعرًا بين الأدباء والشّعراء خاصة لكنّني عندما قرأت ديوانه – أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة – تبيّن لي أنّ النصوص الشعرية الواردة ضمنه تمثّل شاعرا من الطّراز الرّفيع فهي تؤكّد أنّها صادرةٌ من لَدُن مُهجةٍ كثيفةِ الشّجون ومُعبِّرةٍ عن مُعاناةٍ صادقةِ التجربة وهي قصائد لُحمتُها وسَداها من نَسْج ثقافةٍ عميقة وشاملة  جعلت تلك القصائدَ ذاتَ أبعاد وآفاق مشحونةٍ بشواهدَ ودَلالاتٍ ذاتية واِجتماعية وتاريخية ناهيكَ عن قيمتها الأدبية فنقرأ مثل :
وجهك والريح في ما تقول الفصول
وجهك خيل المرايا
وامرأة عابرة
وجهك الآن ما خلفته الخبول
وما تركه الفاتحون على الأرض من دعوات
ومن أمنيات
وما شكلته الخفايا
إذن سوف تمضي وحيدا
إلى راية قاتلة ـ ص 58
أو كقوله أيضا :
إنّي الحلاج
هاكي الجبة فاللّه هنا يسكن فانوس الروح بأتعابي
هاكي الجبة واحتضني مسكن أيامي وعذابي
إني الحلاج
صبحي أقبل
يا امرأة من نيروز ومن شبق الذكرى
من خلجات المطلق حبن نساء الأرض تخون
فأنا المجنون
يا امرأة يخرجها الله من ضلعي أتيهُ بها في ليل الغربة
وأنادي
يا امرأة الطير ، هنا حُلّي في جسدي المسجون
وانفجري كالكلمات الحبلى
بنشيجي المخزون -ص54
-2-
كان من المُنتظر أن نقرأ شِعرا معناه في ظاهر لفظه ويَغلِب فيه الخطاب الإديولوجي ويطفُو عليه المنحى السياسي المِنْبري على النّواحي الفنية الجمالية فالشاعر مناضل عتيد وملتزم إلى النخاع بالقضايا الوطنية التونسية والقومية العربية في أبعادها الإنسانية ولكن ما نكاد نمضي في القراءة قصيدا تلو قصيد حتى ترتسم لدينا ملامح شاعر مُقتدر يمتلك ناصية القول الشعري فيرسل المعاني صُورا صورا فإذا المجازات والتضمينات والإلماحات تتوالى في إيقاعات متنوعة حتى تستحيل شعرا بديعا بما فيه من وهج الصدق والمعاناة وبما في أبعاده من انتصار لقيم المحبة والبذل فيبدو الكون الشعري لدى شكري بلعيد كونا قَدَّهُ من ملكوت شعريّ ذي بصمات خاصة قد اكتسبها ولا شك من اطلاعه على  مدونات القدامى الشعرية ونتلمّس في بعض نصوصه صدى معاصريه من الشّعراء ولا عجب في ذلك فالإضافة لا تأتي من فراغ والإبداع لا يتسنّى إلا لمن كان مُطلعا على منجزات معاصريه.
-3-
من الخصائص الدالة على القيمة الفنية لقصائد شكري بلعيد ذلك الانصهار الذي تمكّن به من المزاوجة بين الشّجن الذاتي الحميمي وبين الهاجس الاجتماعي العام كقوله :
حين أنهض في غيبتي
أرسم عمري على راحتيك
وأمضي قليلا
لقطف الندى
ثم أكتب سيرة عشقي
على نهدك
والعيون مدى
وأشد إلي البلاد وأصرخ
يا طير
يا بحر
يا نهر
يا حجر الموج يا فتنة الفجر
يا لون زهر المنافي
ويا كبرياء الأنوثة -ص55

وهو حتى عندما يعبر عن مواقفه النضالية فإنه لا يصرّح بها بإفصاح صارخ كما تُكتب الخُطب والبيانات وإنما يجعلها في صياغة فنية وبأسلوب فيه الكثير من الإيحاء كقوله :
رفاقي نشيدي الأخير
جنون حبهم للبلاد التي وزعوا نارها بينهم
ثم مالوا على جفنها.واستباحوا بريق عيونهم
وردة لانبلاج الصباح
نسجوا من الدم المتوحد
أغنية الرفض والعاشقين
ملء هذي الأرض نحن
ملء هذا العمر نحن
ملء كل الحب
شحذنا الروح من أزل
وقلنا وحدنا الباقون -ص147

ـ 4 ـ

إن قصائد مثل – القرمطي ـ اِنبلاج الجسد الفلسطيني ـ للحبّ طقوس فلترحل هذه الدنيا – أعتبرها منجزات إبداعية تمكّن فيها الشاعر من الموازنة بين المنحَى الفكري والسياسي وبين الوشائج الذاتية العميقة وما كان ليصل إلى هذا المستوى من القدرة لولا تمكنّه من تجاوز الكثير من الاِختلافات الفكرية وجعلها منسجمةً في أطروحة جديدة جعَلها كسنفونية لا يمكن عزفها إلا باِنسجام عديد الآلات الموسيقية المتنوعة…تلك هي القناعة التي توصّل إليها وعيُ الثلث الأخير من القرن العشرين والمتمثّلة في ضرورة تجاوز مقولات الإديولوجيات الجاهزة لأن الممارسة والتجارب أثبتت فشلها في شتّى نواحي العالم وليس أمام البلدان العربية خاصة إلا أن تجد الحلقة المفقودة بين تراثها وواقعها من ناحية وبين تحديات العصر وآفاق المستقبل من ناحية أخرى وإنّ قصائد مثل ـ رسائل بغداد ـ أو ـ نشيد الخيول ـ أو ـ القرمطي ـ تؤكّد أنّ شكري بلعيد شاعر اِكتسب أسلوبا خاصا به يتميّز بقاموس جَزْل المفردات أي التي فيها قوّة ووضوح وبنصاعة المعاني في غير مباشرتيّة عارية وبمعمار قائم على إيقاعات متنوّعة وثمّة قصائد أخرى مثل ـ حلم ـ  أو  ـ لوحة ـ أو  ـ طاولة المقهى ـ أو ـ وحدي ـ أو ـ إليّ ـ  نلاحظ فيها محاولات البحث والتجديد في مواضيع التفاصيل الصغيرة كما ترسم بعض الظلال من سيرته الشخصية فحضور بغداد مثلا واضح المعالم وهي قصائد وردت في شجن عميق  وبأشكال فنيّة قائمة على مخالفة النّمطية وبنهايات مفاجئة فشكري بلعيد شاعر واع بمسارات القصيدة العربية الحديثة ولا شكّ ,وقد كانت قصائده شاهدة أيضا على قناعاته فقد سار على منهاجها في حياته التي كانت ثمنًا لنضاله من أجلها فهو من هذه الناحية أحد الشّعراء الذين لا يجود بهم التاريخ إلا نادرًا وإنّ شاعريته الفيّاضة بمحبة الأوطان والقيم الخالدة للإنسان تلك الشّاعرية من رقّتها ولطفها وشفافيتها لامست أحيانا تخوم حالة من التصوّف في مقولة وحدة الوجود وذلك في قصيدة ـ إله ـ

واقفٌ في مَخرج الرّوح

لم يعتلّني القديم

يا رياحَ البنفسج لا تَنسيْني

بلّغي مُهرة الرّوح كلّ الجنون

سمّيني عندها بالفتى

والمدى

والحنين

ولِدِيني ثانيةً

كي يستطيع النّهارُ اِبلاع صدايْ

أنا واحدٌ في رؤايْ

عَدّدتني المراحل ثمّ هوتْ

فتَشكّلَ ثانيةً من دمايْ

ولدٌ ملأ البحر في كفّه

ومضى يُنشد انْ

لا إلهَ سِوايْ ـ ص 16

ثمّة كلمةٌ كثيرا ما تتواتر في قصائد شكري بلعيد وفي سياقات مختلفة ألا وهي ـ الدّم ـ باِعتبارها الرّمز للتضحية والفداء ولقد تحقّق له ما خطّه من نبوءته ذات صباح كأنه كان معها على موعد حيث ورد في قصيد ـ نشيد الخيول ـ  مثلا  :

فلتترجّلْ كل الوُعول التي أعلنت موتنا ذات فجر

فالخيول

في اِشتباك الفصول أخرجت لونها

واِحتفت بضجيج الصباح

هذا وجه الرّقفيق الأبيّ

هذا دمع الصبيّة حين يفارقها العاشقون

هذه أمّنا المتعبة تلوّح بالفجر بين يديها

وتعلن للذاهبين

دم للمرايا

دم للزوايا

دم للجسد

اِستعدْ

يا رفيق الكفاح اِستعدْ 

والبلاد على دَمِنا أجمعت عشقها

ـ 5 ـ

ختامًا لابدّ من إسداء الشّكر الجزيل للجهود التي أخرجت لنا هذه المدوّنة الشعرية فهي مرجع ينير جوانب أخرى من مسيرة الشّهيد شكري بلعيد بما في بعض القصائد من شواهد وإحالات وغيرها من الإشارات وإنّ هذه المدوّنة الشعريّة ذات قيمة إبداعية كبيرة فهي إضافة متميّزة للشّعر التونسي والعربي لذلك يجب اِعتيار شكري بلعيد ـ أيضا ـ ضمن الشّعراء التونسيين والعرب المعاصرين الكبار وقصائده البديعة شاهدة على ذلك .

غير أنّه كان من الأحسن لو أنّ الدّيوان ضمّ  النصوص الشّعرية كلّها  متواليةً حسب تاريخها قدر الإمكان وخاصة من دون حَجب البعض منها و رقابةٍ عليها بِتِعِلّةٍ أو لأخرى وبدون إضافة عناوين للقصائد التي ليس لها عناوين في الأصل وبدون جعلها في أقسام ثلاثة ذات عناوين ليست من اِختيار الشّاعر وبذلك يتسنّى لنا قراءتُها مثلما تركها صاحبُها بلا زيادة ولا نُقصان ولعلّ الطبعة الثانية يمكن أن تضمّ ما بقي من القصائد وتتلافى ما أشرنا إليه فالشّكر لأُولِي العزم مُسْبقًا.

إنّ ما دفعني إلى تسجيل هذه الملاحظة هو ما وقع لديوان الشّابي ـ أغاني الحياة ـ الذي لم يصدر ـ إلى اليوم ـ مثلما اِختار الشابي قصائده ورتّبها وعَنونها ففي كل مرة يصدر بإضافةٍ أو نقصان وكان من الأجدر أن يصدر الدّيوان كما أراده صاحبه ثم يُضاف إليه في مُلحق خاص القصائد الأخرى وللقارئ والدارس أن ينظر وأن يُمحّص النظر بعد ذلك من دون وكيل أو رقيب أو حسيب وعسى أن يكون لنا في ذلك عبرة .

سوف عبيد

 برادس في 3 فيفري 2019

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاعرةٌ بثلاثة ألسُن

رأسي في قفص الاِتهام – حرف ودمعة – حديث الرّوح – 

هذه ثلاث مجموعات شعرية صدرت عن دار  الاتحاد للنشر بتونس في الأيام الأولى لسنة 2019 وكل مجموعة شعرية تضمّ ثلاثة أقسام من الشّعر بالعربية الفصحى وبالعامية التونسية وباللغة الفرنسية قد نزلت بها دُفعة واحدة الشّاعرة التونسية زهرة الحواشي إلى الميدان الأدبي لتقول ها أنا ذا اِقرؤوني ! لكأنها تريد أن تستدرك ما فاتها من الفُرص فأقبلت ـ كجُلمود صخر حطّهُ السّيلُ من عَلِ ـ

إن صيغة الإصرار والتحدّي واضحة في كثير من نصوصها الشعرية حيث ورد قولها مثلا :

سنكتب

ثم نكتب

ثم نكتب

وإن قطعوا الورق

على أديم الأرض نكتب 

فوق هامات السحاب المفترق

على أجسادنا البالية

نكتب رغم الأرق

فلا تحترق

ونقرأ معاني التحدّي والصّمود في النصوص المكتوبة بالعامية أيضا كقولها :

كُونْ الثّارْ

يُومْ العدُو يطلڨ عليّ النارْ

دمّ الشّهيد على جبينك عارْ

وكذلك قولها

ْكُونْ الهَم

و انزلْ على العدوان مثل السُّم

ْراهِي الكرامة تِنْفَدَى بالدّم

هَكّا غيفارا ڨال … و عاودْ وَصَّى

فهي تدعُو إلى النّضال والغضب لرفع الظلم والحيف جاعلة الثائر ـ غيفارا ـ مرجعًا ورمزًا ومُلهمًا للرّوح الثّورية بل حتّى الحبّ لدى الشّاعرة لا تراه إلا تمرّدا وعصيانا كقولها :

أحبّكَ أنا

نافرًا

متمرّدًا

عَصِيًّا

كدخان المعارك

 وإنّ معاني التحدّي والإصرار مبثوثة حتّى  في بعض قصائدها باللغة الفرنسية كقصيدتها القصيرة التي بعنوان – كل مرّة – chaque fois – والتي تقول  فيها :

 chaque fois que je meurs

 je surgis en tempête

me rappelant que là derrière

 j’ai encore une autre dette

كلّما أموتُ وفي كلّ مرّة

أنبعث كالعاصفة

وأُذكِّرُ نفسِي أنّ هناك على كاهلي

ما يزال دَيْنٌ آخرُ لم أُسَدِّدْهُ

فالشّاعرة هنا ـ وهي متمسّكة بالحياة لأداء واجبها في مواصلة السّعي من أجل رقيّ الإنسان تشعر بفضل الغير عليها وترى أنه لابدّ من ردّ الجميل إليهم وتعتبر ذلك دينا  ـ فكأنّها تتمثّل أسطورة العنقاء ـ الفينيق ـ التي تنبعث في كل مرّة من رمادها نارًا تضيئ العالم ممّا يؤكّد إصرارها على إثبات ذاتها لتواصل البذل والعطاء رغم التحدّيات

وسُرعان ما يتناهى إلى سمعنا صوتٌ آخر للشّاعرة زهرة الحواشي هو صوت هادئ مُنساب في رقّة ولين كقولها في قصيدتها التي بالعربية الفصحى ـ فَرْخُ القَطا ـ معبّرةً من خلالها عن مكامن الحنين والرّأفة النابعة من فيض عاطفة الأمومة لديها حيث تقول :

أيّها الٌعمْلاقُُ يا فرْخَ القَطَا

يا نَقِيَّ الرُّوحِ يا قطْر النَّدى

أيُّ سرٍّ في ابْتسامٍ

مِنْ فُؤادي اسْتلَّ حزْنا

فانْتشَى

مِسْكٌ بروحِك مثْل غيْثٍ

غمَر الُقحْطَ بروحِي

فتعشَّبَ ثم أَزْهرَ…للرّواءْ

فابْتسمْ ثمّ ابتسمْ

ثمّ ابتسمْ

يا شِفاءَ الٌروحِ

يا نِعمَ الٌدّواءْ …

قصائد زهرة الحواشي سِجِلٌّ متنوّع المضامين تتراوح بين استحضار الطفولة واستلهام  النضال الوطني والعالمي مع تغنّ بقيم العدل والكرامة في كثير من القصائد مما يؤكد أن الشّعر لديها رسالةٌ سامية وشهادة من أجل حياة جميلة قائمة على الحرية والمحبة ومن المهمّ أن نلاحظ الحضور الكبير لربوع الرّيف ودلالاته في كثير من القصائد ويبدو أكثر وضوحا من خلال الشّعر العامي خاصة .

وثمّةَ غَرَضٌ قديم هو ـ المعارضة ـ نجد له حضورًا في هذه المدوّنة الصّادرة أخيرا حيث نقرأ معارضةً لقصيدة ـ الكلمات ـ للشّاعر التونسي منوّر صمادح التي نعتبرها من عيون الشّعر العربي المعاصر والتي مطلعها :

عنــدما كنت صغيرا كنت أحبو الكلمات

كنت طفلا ألعب الحرف وألهو الكلمات

كنـــت أصـواتا بلا معنى وراء الكلمات

وتخطـــيت سنينــــا عثــرتهـــا الكلمات

أركض الأحلام والأوهـام خلـف الكلمات

ووراء الزمــن الهــارب أعــدو الكلمات

فقد اِستلهمت الشّاعرة من هذه القصيدة ونسجت على منوالها قائلة:

أقتفي أثر الصمادح

في مقام الكلمات

عندما كنت صغيرا

كنت أحبو الكلمات

فتهيم الروح مني

عند عذب الكلمات

وتمضي الشاعرة في وجدانها تَرَقِيًّا حتى تجد منتهاها في وشائج منور صمادح عشقا للكلمات حتى لكأنها أضحت هي المريدة وهو القطب الذي سلكت طريقته للوصول إلى مقام الوجد أو الحلول حسب المفردات الصوفية ولا عجب فقصيدة صمادح جديرة بالاحتذاء إذ نقرأ نسجا آخر من لُحمة وسَدَى هذه القصيدة لشاعرة أخرى هي نازك الملائكة حيث ورد في قصيدتها ـ أغنية حبّ للكلمات ـ

فيمَ نخشَى الكلماتْ

وهي أحيانًا أكُُفٌّ من ورود

بارداتِ العِطْرِ مرّتْ عذْبةً فوق خدودِ

وهي أحيانًا كؤوسٌ من رحيقٍ مُنْعِشِ

رشَفَتْها, ذاتَ صيفٍ, شَفةٌ في عَطَشِ

فيم نخشى الكلماتْ

إنّ منها كلماتٍ هي أجراسٌ خفيّهْ

رَجعُها يُعلِن من أعمارنا المنفعلاتْ

فترةً مسحورةَ الفجرِ سخيّهْ

قَطَرَتْ حسّا وحبًّا وحياةْ

فلماذا نحنُ نخشى الكلماتْ

ولعلّ محمود درويش هو كذلك قد سلك درب منوّر صمادح في اٍستحضار الطفولة من خلال صور أخرى شبيهة عندما يقول في قصيده ـ إلهي أعدني ـ

عندما كنت صغيرًا

وجميلا

كانت الوردة داري

والينابيع بحاري

صارت الوردة جرحا

والينابيع ظمأ

إن البحث هو الذي سيكشف السابق واللاحق من بين هذه القصائد جميعا ومَنْ تأثر بمَنْ في توارد هذه النصوص الشعرية .

 ولا عجب مبدئيا ولا غَرْوَ أن يتغنّى الشعراء بالشّجون المتشابهة ضمن نفس الموضوع مستنبطين الصّورَ والكلماتِ نفسَها تقريبًا لأنّ ـ الشّعر ميدان والشّعراء فرسان ويقع الحافر على الحافر ـ مثلما قال اِين بسّام الشّنتريني الأندلسي وقد نقلتْ كتب الأدب مثل كتاب ـ نهاية الأرب ـ في هذا السّياق ما جرى بين الشاعرين اِبن رشيق واِبن شرف من اِتّفاق عجيب عندما وصف كلٌّ منهما الموز في مقطوعتين اِرتجلاها بمناسبة مناقسة بينهما اِقترحها عليهُما الأمير القيرواني المعزّ بن باديس فقال اين شرف من قطعته :

يا حبّذا الموزُ إسعادهُ * من قبلِ أن يمضغُه الماضغُ

لانَ إلى أن لا مَحَسّ لهُ * فالفم ُملآنُ بهُ فارغُ

وقال ابن رشبق من قطعته :

موزٌ سريعٌ سوغهُ * من قبلِ مَضغ الماضغِ  

فالفمُ من لينٍ بهِ * مَلآنُ مثلُ فارغِ

وإنّ مُحَصّلةَ القول في مسألة المعارضة أو الاقتباس والتضمين أو التناص إنما تكمن في الوقوف على مدى التميّز والإضافة والتجديد عند مقارعة النصوص بعضها ببعض فموضوع الطفولة والحنين إلى الصبا غرض كتب فيه عديد الشعراء قديما وحديثا فقيس بن الملوح قال فيه مثلا

تعلّقتُ ليلى وهي غِرّ صغيرة

ولم يُبدَ للأتراب من ثديها حجم

صغيرين نرعى البُهم يا ليت أننا

إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البُهم

والشاعرة زهرة الحواشي تستذكر طفولتها أيضا في بعض قصائدها الأخرى كقولها في قصيدة – طفلة أنا –

ما زلت أحضن دميتي

أصحو على شدو العنادل

أرخي جدائلي جداتين

أعدو في الحقول

تغمرني السنابل

أمّا من حيث المعمار الفنّي فإنّ الشاعرة زهرة الحواشي قد سلكت الأشكال الشعرية المختلفة ممّا يدلّ على تمكّنها إلى حدّ كبير من تقنيات النّسج الشعريّ فهي تراوح بين قصيدة البحر وبين فصيدة التفعيلة وبين القصيدة الحرّة التي لا تلتزم ببحر ولا قافية وإنّما تعتمد على اِيتكار إيقاع خاص في القصيدة يقوم حينا على التكرار وحينا على التناظر والتقابل وأحيانا على السرد والحوار وعلى العَود على البدء وعلى المباغتة ومراوغة القارئ بما لا ينتظره من سياق القصيدة

أما قصائد العامية التونسية فهي سليلة الذاكرة الشعبية لكن الشاعرة تنحو في كثير من القصائد نحو التجديد ضمن الالتزام الاجتماعي والوطني.

هذا مدخل للوُلوج إلى مدوّنة الشّاعرة زهرة الحواشي التي يمكن اِستيعاب مختلف خصائصها بعد المسك بالخيوط التي نسجت منها أشعارها باللغة العربية الفصحى وتلك التي بالعامية التونسية وكذلك قصائدها باللغة الفرنسية حتى تتسنّى الإحاطة بهذه المدونة الثرية والمتعددة الألسن والأشكال الفنية والأبعاد الذاتية والاجتماعية والثقافية وليس من السّهل الإحاطة بشاعرة وزّعت شجونها وهمومها ثلاثا في ثلاث وبثلاثة ألسن… ولكنْ حسبُنا أنّ ما لا يُدرك كلُّه يُؤخذ جُلُّه ويكفي القلادةَ ما أحاط بالعنق. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حسناءُ سطيف

ـ سُوف عبيد ـ

ـ 1 ـ

تأخّر نوّار اللّوز هذا العام ونوار اللوز لرؤيته بهجةٌبهجةٌ اِفتقدتُها هذه الأيام كأن نوّار اللوز أخلف موعده في تونس مرّة أخرى
لم يكن سفري إلى الجزائر قد أعددت له أو مبرمَجا ولكنّي عندما أحسست بالضيق من البلاد والعباد ودعتني جمعية المتقاعدين برادس إلى المشاركة مع ثلّة كريمة في رحلة إلى شرق الجزائر اِستجبتُ لكأنّها صادفت حاجة في قلب يعقوب وقلت لعلها تكون فرصة للاستنشاق هواء جديد ففي الجوّ غبار خانقوسافرْ تَجدْ عِوضاوكفاكَ مِنْ حَمل أوزار الورقة والقلم

ـ 2 ـ
كانت الرّحلة مضنية حقاليل ومطر ورياح وصقيعرياحٌ عاتية والطريق مرتفعات ومنحدرات وكل ذلك طويناه ولا بأسإلا إجراء الِانتقال بين الحدود التي يشيب لها الغراب
عندما أصبح الصّباح بالغيوم وصلنا إلى مدينة سطيف أخيرا
تركتُ الجماعة الذين رافقتهم وقد يمّمُوا قِبلتهم شَطر الأسواق ليملؤوا حقائبهم بالبضائع ويخُوضوا في بورصة الصّرف والأسعار في هذه وتلكوهنا وهناكورحت أجُوب مدينة سطيف المتربّعة على هضاب المنطقة الشمالية الشرقية للجزائرالجزائر هذا البلد الشاسع الأرجاء المتنوّع التضاريس والمناخ والأصول والحضارات تلك التي اِنصهرت مُهجتها في اِنسجام ووئام وتحالف وتآلف وعَقدت العزم أن تحيا كما أنشد شاعرُها مُفدي زكرياء فقدّمت التضحيات وتمكّنت بعد المكابدة من نيل الاِستقلال عن فرنسا التي جعلت من الجزائر مقاطعة أو ولاية فرنسية ولم يكن في حسبانها أبدا أن تتخلّى عنها وما مجزرة يوم 8 ماي 1945 التي واجهتْ بها القوات الفرنسية المتظاهرين في سطيف والتي خلفت 45 ألف شهيد إلا دليل على مدى تشبّث فرنسا باِحتلالها للجزائر ولكنّ الشّعب الجزائري الأبيّ أراد الحياة فنال اِستقلاله

ـ 3 ـ
أنا الآن وهنا في مدينة سطيف وعند ساحة الاِستقلال القريبة من القلعة البزنطية والحمامات الرومانية وساحة الاِستقلال محاذية أيضا للمسجد التركي والمباني الإداريةهنا مركز المدينة وعلى غير عادة مراكز أغلب المدن الكبرى فإن مدينة سطيف تبدو هادئة فلا ضوضاء ولا ازدحام ولا صخب فالحياة تمضي فيها سَلسة في هدوء وسكينة وحتى التَّرَام الذي يشق السّاحة جيئة وذهابا تراه يطوي سكته مُنسابا فإن كان ولابدّ من

التنبيه لأمر ما فإنّك تسمع له جرسًا يرنّ كنقر الأصابع على البيانُو

ـ 4 ـ
مضيتُ أتملّى تفاصيل جمال هذه المدينة المُختطّة على الأنموذج الأوروبي فبَصمات المعمار الفرنسيّ ما يزال واضحا للعِيان في العمارات والشرفات وفي سطوح القرميد المخروطية الحمراء المناسبة للمناخ الشّتائي ولتساقط الثلوج
باردٌ هو اليوم في سطيف وفُندق ـ البشير ـ الذي نزلنا فيه يُطلّ على الساحة وهو دافئ ومُريح لكنّ ذلك لم يُغْرنِي بالبقاء في غرفتي فالسّير على الأقدام اِستهواني وحُب اِكتشاف هذه المدينة دعاني فخرجت أمشي فالمشي يبعث الدفء ويساعد على التأمل وعندما شعرت بثقل الحذاء  قلتُ لا بأس أن تجلس في مقهى مع كأس شاي بالنّعناع ويكون فاتحة

لتبادل الحديث مع أهل البلد فالمقهى بمَن فيه وما فيه يُمثل خلاصة المدينة

ـ 5 ـ
الناس في سطيف على قدر كبير من اللطف والمدنيّة وحتى عندما كنتُ أقطع الطريق فإنّ السائق يتمهّل من بعيد ويُفسح لي المجال ولاحظت أن الشوارع والساحات والكراسي فيها نظيفة وعندما دخلت حديقة وسط المدينة وجدت صندوقا يضمّ كتبا متنوّعة للمطالعة فالكتاب عنوان الحضارة والرّقيّ وكذلك المقهى فإنّك تجد آنية السّكر موضوعة على الطاولات حتّى على طاولات الأرصفة التي تعجّ بالمارة فلا تسمع صخبا ولا خصاما ولا زحاما إلا أن يبادروك بالتحيّة فيقولون سلاما سلاما
سلام يا سطيف على حَمامك تراه يختال أمامك في اِطمئنان وأمان أو يرفرف حول نافورة الفوّارة أو يحُطّ على حَسْنائها التي كلما مررتُ من ساحة الاستقلال حيث الفندق رأيتُها جذلى ناشرة جدائلها في تمام الحُسن والجمال تُنصت إلى رقرقة الماء المتدفّق من تحتها ومن الجهات الأربع والزّائرون حولها  مُعجَبون وهم طائفون ومُتأمّلون ومُصوّرون وهي لا تحرّك ساكنا لكأنّها غير شاعرة بهم فهي تبدُو تسبح عاليا وبعيدا في ملكوت الفنّ والإبداع و ـ تَبارك اللّهُ أحسنُ الخالقين ـ
حَسناء سطيف تلك هي مَرمر أبيضُ صقيل أبدعها إزميل النحّات الفرنسي الإيطالي ـ فرنسيس دي سان فيتال ـ سنة 1800 كما هو منحُوت في أسقل التّمثال وقد شاركتْ تلك الحسناءُ في معرض باريس الكبير سنة 1898 ورآها حاكم سطيف الفرنسي وقتذاك فأسَرَتْ فؤاده ولم يستطع فراقها ولم يُطِقْ الُبُعد عنها ولا صبرًا فأتى بها وجعلها على نُصْبٍ بديع في هذه الساحة عند ـ عين الفوّارة ـ التي لها شأنٌ كبير عند أهالي سطيف جيلا بعد جيل وعصر بعد عصرفسلام عليها وأزكى سلام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 
مصطفى الفيلاليالذي قال لا للكرسيّ
سُوف عبيد

ـ 1 ـ
كنت ألتقيه من حين إلى آخر وهو يسير في شوارع مدينة رادس فأبادر بتحيته باِحترام فيردّ بلطف ومَن في رادس لا يعرف سِي مصطفى الفيلالي الذي تراه كأيّها الناس يقضي شؤونه اليومية فاِختلاطه بمختلف أصنافهم وأجيالهم لم يزده لديهم إلا تقديرا وتبجيلا وإنك تراه وقد تجاوز التسعين حَوْلا نشيطا في خَطوه أنيقا في هندامه العصريّ أو التّونسي بلا خُيلاء ولا كبرياء يحمل قُفّته ويشتري بضاعته منتظرًا دوره ويُحيّي هذا  ويقف مع ذاك ثمّ يمضي إلى سيّارته
كنتُ أحيانا أصادف سِي مصطفى الفيلالي في مَحلّ ـ الببلينات ـ يراجع فصلا من أحد فصول كتبه ليكون جاهزا كأحسن ما يكون للطبع فالرّجل ولئن اِشتهر سياسيا من الرّعيل الأوّل لوزراء حكومة الاِستقلال بالإضافة إلى نشاطه النقابي والتّربوي فإنه كاتب يل أديب أيضا ذو أسلوب بليغ فقارئ كتبه المتنوّعة المضامين والمتراوحة بين السّيرة الذاتية والتأملات الفكرية والأطروحات السياسية والاِقتصادية والدّينية يستشّف من قلمه أنه مثقّف من طراز رفيع ومن كتبه نذكر ـ أمّ حامد ـ مانعةأيّام قرية الجبل ـ مجتمع العمل ـ موائد الإنشراح
ـ 2 ـ
إنّ الأستاذ مصطفى الفيلالي ينتمي إلى جيل من المثقفين التونسيين الذين عاصروا الحركة الوطنية فاِنخرطوا في مختلف مراحلها وتعبيراتها شأنَ عددٍ كبير من الأدباء مثل علي البلهوان ومحمود المسعدي ومحمد المرزوقي ومنوّر صمادح فعرف أغلبهم مَعْمَعَان السياسة واِكتوى الكثير منهم بجمر الحكم بعد الاِستقلال لكنّ سي مصطفى الفيلالي عرف كيف يخرج من أتّونها واِنزلاقاتها سالمًا مرفوع الرأس فليس من السّهل أبدا أن يرفض كرسيّ رئاسة الحكومة التونسية عندما حَظِيَ بإجماع الفاعلين السياسيين سنة 2013 ورشّحوه لهذه المهمّة الجسيمة حيث قال أبو العتاهية في المهدي العباسي عندما بُويع بالخلافة :

أَتَتــهُ الخِلافَــــــةُ مُنقادَةً * إلَيـــهِ تُجَــــرِّرُ أَذيــالَها 
وَلَــم تَـــكُ تَصلُحُ إِلّا لَـهُ * وَلَـــم يَــكُ يَصلُـحُ إِلّا لَها

لكن ّ سِي مصطفى أدرك برأيه الثاقب وبحنكة خبرته وكذلك بصفاء سريرته أنّ هذا الكرسيّ ـ لا يصلح له ولا به ـ وفي هذا الموقف تبدو وطنيّة الرّجل وصدقه ونبله فما أعظمه من مثقّف نادر الوجود خاصة في هذه السنوات التي اِختلط فيها الحابل بالنّابل مثل قول الشاعر القديم :

لقد هزُلت حتّى بدا مِنْ هُزالها * كُلاها وحتّى سامَها كلّ مُفلسِ

ـ 3 ـ
وقد حضرتُ منذ سنوات بدار الشباب برادس ندوة حول ـ الزعيم الحبيب بورقيبة ـ وقد أدلى فيها الأستاذ مصطفى الفيلالي بشهادنه فيه فصرّح بين الحاضرين وأكّد أن الحبيب بورقيبة كثيرا ما يستشير أعضاده ووزراءه وأنه لا يجد حرجًا في تغيير رأيه او موقفه في مسألة من المسائل بعد الإنصات إلى مختلف الآراء فيتراجع عن فكرته إذا تبيّن له الأصلح والأنسب وقد رأى سي مصطفى أنّ يعض الأخطاء التي عرفتْها البلاد في عهد بورقيبة لا يتحمّل وزرها يورقيبة وحده وإنّما المسؤولية يتحمّلها معه أيضا جميع الذين كانوا من حوله في أخذ القرارات وتنفيذها .
إنّها لَعَمْري شهادةٌ نادرة من رجُل دولة ما أحوج تونس لأمثاله !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذاتَ مكان… ذاتَ زمان

شهادة في الشّاعر حسين العُوري بمناسبة تكريمه

بقلم سُوف عبيد

1

كانت دار الثقافة اِبن خلدون بالعاصمة تونس في سنوات سبعينيات القرن العشرين فضاءً ثقافيا نشيطا يعجّ طيلة أيام الأسبوع بمختلف البرامج المفيدة والمممتعة في السينما والمسرح والأدب والشعر والمسرح والموسيقى وكان نادي الشّعر من بين أبرز علاماتها حيث كان يجتمع أعضاؤه مساء كل يوم جمعة فيلتقي فيه الشعراء التونسيون وغيرهم من الشعراء العرب أحيانا وكنّا وقتذاك نرنو إلى كتابة شعر جديد ولكن من منطلقات فكرية وفنّية متعدّدة ولا شكّ أنّ ذلك التنوّع والاِختلاف بيننا هو الذي قد أذكى فينا الطموح والسّعي إلى الإضافة والتنوّع وذلك ما جعل ـ تقريبا ـ كلّ شاعر من جيل السبعينيات يحاول أن ينحت أسلوبه وبصماته في نصوصه ,في هذا الفضاء الثقافي الزّاخر أُتيح لي أن أتعرّف على أغلب الشعراء والأدباء التونسيين وحتّى العرب الذين عاصرتهم من محمد المرزوقي ومنوّر صمادح وهشام بوقمرة إلى مختار اللغماني وعبد الحميد خريف وعبد الله مالك القاسمي وهناك عرفت عن قرب الصديق الشاعر حسين العوري وتوطّدت الصداقة بيننا أكثر عندما صرنا نلتقي أكثر في مدينة رادس حيث جمعتْنا سَكَنًا وتدريسًا والمناسيات الأدبية والثقافية التي اِنتظمت فيها .

2

ـ ظمأ الينابيع ـ هو عنوان المجموعة الشعرية لصديقي الشاعر حسين العوري وقد صدرت في نفس الفترة تقريبا مع مجموعتي ـ اِمراة الفسيفساء ـ وكذلك مع مجموعة صديقنا الشاعر علي دَبْ التي بعنوان ـ تعجّلت الفرح ـ وقد أصدرتْ هذه المجموعات جميعا ـ دار الرّياح الأربع ـ التي كان يديرها الصديقان عبد المجيد الجمني وبوجمعة الدنداني وبهذه المناسبة نظّمت الدار أمسية شعرية بهيجة بالطابق العلوي الشاهق لفندق ـ إفربقيا ـ الفخم وسط العاصمة تونس وكان الشاعر حسين العوري أحد الشعراء المشاركين في تلك المناسبة وقد لاحظ أحدُ الحاضرين من الأصدقاء أنّ الأمسية كانت كأنها مخصصة لشعراء مدينة رادس لأن ثلاثتنا من متساكنيها وكنا نلتقي في أغلب المناسبات الثقافية والأدبية التي تنتظم بمختلف الفضاءات فيها ولا شكّ أن صديقنا حسين العوري هو أحد العلامات الأدبية الفاعلة في مدينة رادس وغيرها بما لديه من أنشطة ومساهمات ثقافية متعدّدة بالإضافة إلى مسيرته الأدبية والعلمية وقد أكسبه كل ذلك المصداقية والتقدير .

3

كانت ليلة شتاء باردة تلك التي قضيناها في مدينة بنزرت بمناسية مشاركتنا في مهرجان الشّعر الذي كان يشرف عليه صديقنا الشاعر البشير المشرقي وهو مهرجان اِستمرّ سنوات عديدة وكان منبرا لكثير من الشعراء التونسيين وفي دورته الأولى أو الثانية تعرفت على الأديب محمد المَيْ حينما كان تلميذا…على إثر تلك الأمسية اِستوقفني بأدب واِحترام وطلب مني نسخة من قصيدي ـ زمن الأزمنة ـ

في تلك الليلة كان رفيقي في غرفة الفندق الصديق حسين العوري وما أخذنا النّعاس إلا على هَدْهَدَةِ الشّعر وقد لسعنا البرد المتسرّب من الشّرفة البحرية…تلك الليلة ـ على كل حال ـ كان حالنا فيها أحسن من حال بيرم التونسي وقد أحرق ذات ليلة شتوية في باريس أوراق كتبه ورسائل أصدقائه ليتدفأ ويشوي بصلة !

4


قطار بغداد البصرة اللّيلي وما أعجبه من قطار!! اِنطلق بنا ذلك القطار الخاص بشعراء مهرجان المربد سنة 1986 بعدما تناولوا من العشاء ومن الشّراب أيضا ما لذّ وطاب وقد أخذوا مقاعدهم في العربات بعد شيء من الفوضى ولا عجب فقد يُباح للشعراء ما لا يباح لغيرهم عند الضرورات الشعرية ولكن صديقنا حسين العوري حريص دائما على اِحترام القواعد اللغوية ولا يستعمل في شعره الجوازات العروضية إلا نادرا لذلك فالسّفر برفقته ومع الصديق الشاعر يوسف رزوقة عبر بلاد بعيدة وفي حالكة اللّيالي أنس وأمان
 
ما كادت الضياء تلوح من نافذة القطار وتُبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود حتى بدا النخيل باسقا على مدى البصر صفوفا صفوفا في اِتساق عجيب وبعد ما مضت برهة قصيرة ومع اِنتشار خيوط شمس الصباح لاحت العراجين متدلية من النخيل والقطار ما فتئ يمضي وسط الواحات وعلى جانبيه الجداول الصغيرة تنساب رقراقة وتَسيح نحو السواقي فما أبهجه من منظر تحت شمس الضحى وهي تعلو على مدينة البصرة مدينة الجاحظ  ومدينة بدر شاكر السياب وقد اِنتصب تمثالُه فيها حِذو شاطئها حيث يلتقي نهر دجلة بنهر الفرات لكن يا لهول ما رأينا إذ رأينا تمثاله وقد اِخترقه الرصاص والشظايا وحتى كتابه الذي في الجيب لم يسلم منقصف المدينة أثناء الحرب التي لم تضع أوزارها بين العراق وإيران وهي الحرب التي تستهدف البلدين معا والتي كنّا دعونا في مناسبات عديدة إلى وقفها ولكن ولا مَناص من أن نساند الشّعب العراقي في محنته وداعين إلى السّلام والمصالحة في نفس الوقت عند تمثال السيّاب اِلتقط لنا أحد الأصدقاء صورة لا شكّ أنها ما تزال لدى الصديق حسين العوري لأنها بمصورته الدقيقة والتي تصاحبه في حلّه وترحاله وفي البصرة أنشدنا قصائدنا على منبر بَهيّ وفي قاعة فسيحة الأرجاء حيث كان الحاضرون يُعَدّون بالمئات ويتابعون بإنصات واِهتمام فكانت أمسية شعرية من أجمل الأمسيات لولا تلك الشّجون الأليمةكم أثخنتك الجراح يا عراق!؟

5

مِنْ ألبُوم صُوَري صورةٌ حديثة مع صديقي الشاعر حسين العوري اِلْتقطتُها له أمام المنزل الذي أقام فيه أبو القاسم الشابي في طفولته مع عائلته بمدينة زغوان عندما تولّى والده فيها القضاء وقد دلّني إليه مرافقُنا وهو من تلك المدينة وقد سألته عنها بعدما عرفت وتأكدت من سعة اِطلاعه على تاريخ المدينة ودقائق بناياتها وهو رجل تعليم قديم على قدر كبير من الثقافة والدّراية

كان ذلك بمناسبة رحلة نطّمتها جمعية المتقاعدين برادس في ربيع 2017 إلى مدينة زغواننعم يا صديقي أمسينا ضمن المتقاعدين وقد دخلنا حينئذ مرحلة جديدة من العمر بعد عشرات السّنين من التدريس والعطاء واليوم حان الوقت لوداع المحفظة ولكننا سنواصل النشاط الأدبي والثقافي كلما أتيحت لنا الفرصة وسنخصّص جميع وقتنا لمزيد من القراءة والكتابة فهذه هي الأيام التي كنا نحلم بها حيث لا تعوقنا التزامات أو تصُدّ من مهجتنا ضرورات التدريس والاِمتحانات فالحمد لله أننا بلغنا هذه الأمنية فالأديب في بلادنا وفي عصرنا لا يستطيع أن يعيش كريما وحُرّا بقلمه إلا إذا جعله في خدمة السلطة وما لديها من أبواق ومنابر فهو يحصل حينئذ على المزايا والمكرمات ولكننا عشنا وأنوفنا شامخة فما حقّقناه وكسبناه ـ إن كان قليلا أو كثيرا ـ كان عن جدارة وبشرف ومعاناة ومكابدة وإن كان في مسيرتنا بعض العثرات فهي من الحُفر والتحديّات التي اِعترضت طربقنا ونحن نَكِدّ ونجتهد بلا مَلل ولا كلل ولم نجلس على الرّبوة أو نقفْ وراء الجدار أو ندسّ رؤوسنا في التراب ولم نسلك السّبل السّهلة وإنّما حاولنا فنجحنا حينا ولم نحقّق ما نصبُو إليه أحيانا… ولكن ورغم ذلك كان سعيُنا صادرًا عن سريرة خير ومحبة للبذل والعطاء وتوق إلى الجمال وسنواص رغم الخيبات والتحديّات وإن قصائدُنا ونُصوصُنا وحتّى صُورنا وحدها هي الشّاهدة وبوصلة القلب هي الدّليل…

صورةالاِحتفاء في القاعة الكبرى بدار الجمعيات بمدينة رادس بصدور ـ ديوان سُوف عبيد ـ بمبادرة من الصّديق حسين العوري وبحضور الأصدقاء سُوف عبيد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الغَزلُ الآخرُ  في  ـ قصيد ـ بَوحٌ نادرٌ ـ 
 سُوف عبيد

ـ 1 ـ
ليس الغزل في الشّعر العربيّ واحدًا على مدى توالي العصور الأدبية بل يختلف من شاعر إلى آخر حتّى في العصر نفسه فغزل ـ قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ـ في العصر الجاهلي ليس هو الغزل في ـ فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم ـ  وليس غزل ـ بانت سعاد ـ في أوّل الإسلام كالغزل الذي قاله جميل في بثينة ولا كغزل اِين أبي ربيعة في ـ ليت هندا ـ وليس ما ذكرنا من شتى تلك الأنواع من الغزل مثل غزل المتصوفة كابن عربي في ـ أَلا هَل إِلى الزُهرِ الحِسانِ سَبيلُ – ولا كمثل الغزل المعاصر في – عذبة أنت كالطفولة – أو – عيناك غابتا نخيل ساعة السحر – وليس كما هو في- إني خيرتك فاختاري …
فالغزل على مدى تاريخ الشّعر العربي متعدد متنوع وهو يصطبغ بشخصية الشاعر وبظروف حياته وأطوارها وبتمثلاته الفكرية وارتساماته الوجدانية بالإضافة إلى تأثيرات عصره فجميع تلك العوامل جعلت من المدونة الغزلية ذات ألوان وأشكال عديدة وهي لئن تتمحور حول المرأة إلا أن زوايا النظر إليها تبدو من منطلقات وتصورات عديدة فالعلاقة بين المرأة والرجل لا تخضع لمقاييس واحدة ولا لضوابط ثابتة وذلك ما جعل موضوع الغزل أو غرضِِه أو تِيمَتِهِ ذا أبعاد متنوّعة لِما في المدوّنة الغزلية العربية من ثراء وائتلاف حينا واختلاف أحيانا .
الشّاعر التونسي ـ بُوراوي بَعرُون ـ قرأت له قصيدًا جديدًا بعنوان – بَوْحٌ نَادِرٌ – ينضوي في مثل تلك السّياقات الغزلية العامة ولكنّه قصيد يندرج ضمن المسار التجديدي فهو سنفونية شَبَقِيّة عزفها الشاعر مع أنثاه على مدى ثلاث حركات متصاعدة تبدأ هادئة مُنسابة ثم تتصاعد وتعلُو حتى تبلغ الذروة ثم تنزل وتَخفِتُ رويدا رويدا حتى تهدأ وتسكُن لكنّها ما إن هدأت وسكنت حتى تبدأ في عُنفوان جديد وتلكَ هي لَعَمْرِي الحركة
الطبيعية للرّغبة الحسية المتجدّدة أبدا بين الذّكر والأنثى بما تعبر عنه من اِنجذاب سَرمديّ كلٌّ إلى الآخر توقا إلى الاِكتمال بالوصال
ـ 2 ـ

هَذَا الْجَسَدُ بَحْرً

يُغْرِقُ لَيْلِي

يُغْوِينِي ..

مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذِا الْعُنْفُوَانُ؟

كَيْفَ أَرْكَبُ قَارَبِيَ

وَالْأنْوَاءُ

قتُرْبِكُ شُطْآنَي؟

تلك هي الحركة الأولى إنها كالبحر اِمتدادٌ وعمقٌ وسكونٌ وهَيجانٌ ومدٌّ وجزرٌ لكأنّ الشّاعر واقف يستعدّ للإبحار وخوض مغامرة الجسد فيخاطب أنثاه وهما في عنفوان الشّبق وقد تهبيأ لها وتهيأت له والليل يزيد انجذابهما سِحرًا وتوغّلا في الاِكتشاف فإذا هو بين بقظة وحلم مُرتبكٌ في خوض المغامرة ويصوّر حالته تلك كأنه قادم على الإبحار على مَتْن قاربٍ وفي طقس غير مناسبٍ بل يُنذر بالخطر ولكن لا مفرَّ له من خَوض البحر لأنه مُرغم على الاِحتماء به اِتّقاءً للنّارِ حوله تستعر بُركانا من الرغبة الجامحة  فَيُسائل التي فتنته قائلا ـ

فَاتِنَتِي .. مَا سِرُّ النَّارِ

تَسْتَعِرُ

حَوَالَيَّ

هَلْ بُرْكَانِي اِكْتَوَى بِلَهِيبِ النَّشْوَةِ ؟

في مِثل هذه الصّور وهذا الإيحاء نتذكّر قصيدة مصطفى خريّف ـ حُوريّة الموج ـ التي يخاطب فيها الشّاعر حبيبته ويدعوها إلى الوصال في تناغم واِنسجام حيث يقول في صورة تُمثّل الاِحتضان والاِعتناق والاِرتشاف ـ

إيهِ يا حورية َ المـوج إلــيّا * واِلْعبي بين يديّا

اِسبحي واِطوي عُباب البحر طيّا * لا تخافي منه شيَّــا
إنه مثلي عميدٌ صَبْ 
ذو فؤاد زاخر بالحُبْ
مغرمٍ بالحسن من قبلي وقبلِكْ
هذه الأمواج قد وافت لأجلكْ * تبتغي تقبيل رجلِكْ .
وارتمينا في انقباض وامتدادِ * وامتزاج واتحادِ
وهي تنزو بابتهاج وتنادي * فيلبّيها فؤادي :
يا حبيبي أنت لي وحدي 
فاِقترب واِشمُمْ شذى نهدي
واِرم بي للموج واِرجع فاِلْتقفني 
واِحتضني واِعتنقني واِختطفني * واِلْتقمني واِرتشفني 

ـ 3 ـ
فالحركةُ الأولى في قصيدة ـ بوح نادر ـ للشّاعر بوراوي بعرون تعبير عن توق وتدان وتقارب ودعوة الشاعر لحبيبته تليها الحركة الثانية بما توحي به من تلامس وتداخل إلى حدّ الاِنصهار والتّماهي مثلما ورد في القصيدة حيث تَسَمَّتِ الأشياءُ بأسمائها مرّة وبالإيحاء مرة أخرى ـ 

نَهْدَاكِ سُرَّتَا نَوْءٍ وَالشَّفّتّانِ مَلْحَمَتَانِ

يَا هَذِي النُّوتِيَّةُ

مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا الْقَمَرُ الْفَتَّانُ؟

وَكَيْفَ يَتَرَنَّحُ فِي الُّلجِّ نَشْوَانَ

أو كقوله أيضا ـ

فَاتِنَتِي .. حِينَ نَغْفُو يَرْتَجِفُ الْكَأْسُ

وَتَضْطَرِبُ الْأَنْفَاسُ وِتَمِيلُ الرُّوحُ

إِلَى عَبَقٍ فِي قَاعِ الرَّاحِ

حِينَئِذٍ فَاتِنَتِي .. نَشُدُّ الْقَارَب

لِلْمِرْسَاةِ وَنَقْطِفُ مِنْ تُفَّاحِ

الرَّوْضِ الْآسِرِ

وَنَغْرَقُ فِي بَحْرٍ لاَ قَاعَ لَهُ

ثُمَّ نُغَادِرْ ..

ـ 4 ـ

عند بلوغ أوج الوصال تبدأ الحركة الثالثة في النزول من أعلى القمّة رويدا رويدا حتى تصل إلى الهدوء والسّكون معلنة نهاية الوصال ـ

فَلْنَرْحَلْ إِذَنْ .. قَارَبُنَا

يَتَحَمَّلُ كُلَّ الْأَنْوَاءِ

وَالْقَافِلَةُ

لَنْ تَتَوَقَّفَ عَنْ دَقِّ الْأَجْرَاسِ

لكنّ الحركات الثّلاث وإن هدات وسكنت واِنتهت فإنّها تبدأ من جديد كلّما أوشكت على النّهاية فهي في تجدّد دائم حيث ورد في القصيدة ـ 

فَاتِنَتِي .. كَيْفَ نَغِيبُ؟

وَاللُّجَّةُ مَنْ يَسْقِيهَا؟

وَهَذَا اللَّيْلُ الزِّنْدِيقُ مَنْ يَرْكَبُهُ؟

وَالشَّعْرُ الْمُتَسَكِّعُ آنَاءَ الْكَتِفَيْنِ

مَنْ يُؤْنِسُ مُهْرَتَهُ؟

فَاتِنَتِي لَسْنَا نَغِيبُ…

إنّها تَوق سَرمديّ وعشق لا ينتهي يتجاوز مجرّد الوصال الآني إلى معانقة الوجود الأبديّ بأرضه وبحره وملكوته أجمعين في اِستحضار لذاكرة أساطير الأوّلين القدامى كأنها كتابة أخرى لنشأة الكون حتّى قبل خلق آدم وحوّاء ….القصيدةُ بَوْحٌ نادرٌ فِعْلًا بما نستشفّه فيها من صور موحية وإشارات خفيّة لغزل حميميّ من دون أن يعبّر عنه بالتصريح المكشوف والواضح كما في قصيدة اِمرئ القيس ـ ألا عِمْ صَبَاحاً أيّهَا الطّلَلُ البَالي ـ تلك التي ورد فيها قوله

سَمَوتُ إِلَيها بَعدَ ما نامَ أَهلُها
سُموَّ حَبابِ الماءِ حالاً عَلى حالِ
فَقالَت سَباكَ اللَهُ إِنَّكَ فاضِحي
أَلَستَ تَرى السُمّارَ وَالناسَ أَحوالي
فَقُلتُ يَمينَ اللَهِ أَبرَحُ قاعِداً
وَلَو قَطَعوا رَأسي لَدَيكِ وَأَوصالي
حَلَفتُ لَها بِاللَهِ حِلفَةَ فاجِرٍ
لَناموا فَما إِن مِن حَديثٍ وَلا صالِ
فَلَمّا تَنازَعنا الحَديثَ وَأَسمَحَت
هَصَرتُ بِغُصنٍ ذي شَماريخَ مَيّالِ
وَصِرنا إِلى الحُسنى وَرَقَّ كَلامُنا
وَرُضتُ فَذَلَّت صَعبَةٌ أَيَّ إِذلالِ
ـ 5 ـ

لكنّ قصيدة اِبن حمديس الصقلّي التي يتحدّث فيها عن إحدى مغامراته الغزلية تندرج هي أيضا ضمن هذا السّياق وسارت تقريبا على نفس منهج اِمرئ القيس الغزلي غير أن التعبير عن الحبّ الحميميّ لديه اِقترنت صُورُه بتضمين معجم الحرب وذلك راجع لمعايشة الشاعر للمعارك الطاحنة بين العرب والرّوم في صقلية حتّى لا نكاد نتبيّن في القصيدة الخيط الفاصل بين الحبّ والحرب أو بين الملحمي والغزلي إذ يقول اِين حمديس واصفًا ذلك من خلال صور موحية بليغة الرّموز

وذاتِ ذوائبَ بالمسك ذابت  * بلغتُ بها المُنى وهي التمنِّي

مُنعّمةٍ لها إعزازُ نفس  *  يُصرَف دَلّها في كل فنّ

شَمُوسٌ من ملوك الروم قامت  *  تدافع فاتكا عن فتح حصن

بخدٍّ لاح فيه الوردُ غضّا   *  وغصنٍ ماس بالرُمّان لَدْن

فطالت بيننا حرب زبون   *  بلا سيفٍ هناك و لا مِجنِّ

وفاضت نفسُها الحمراء منها      * وفاضت نفسي البيضاء منِّي

هذ الغزل الحميميّ الذي اِصطبغ يالجرأة والمغامرة حينا وبالفروسية والفتوّة حينا آخر قد كان مقترنا بروح من الهزل والدُّعابة مثل ما ورد على لسان مُحبّ كسول في كتاب ـ الكشكول ـ للبهاء العاملي حيث يقول

سألت اللّه يجمعُني بسَلمى * أليس اللّه يفعل ما يشاءُ 

ويطرحها ويطرحني عليها * ويُدخل ما يشاء في ما يشاءُ

 ويأتي من يُحرّكني بلطف * كمثل الزّقّ يَمْخُضُه الرِّعِاءُ 

ويأتي بعد ذا غيثٌ عَميم * يُطهّرُنا وقد ذهب العناءُ

وللمُنخّل اليَشْكُري قصيدةٌ هو أيضا يصف فيها بعض تفاصيل غزله ـ الوردي أو الأحمر ـ حيث ورد فيها قوله

ولَقد دَخَلتُ على الفَتاةِ الخِدْرِ في اليَومِ المَطيرِ
الكاعِبِ الحَسناءِ تَرفِلُ في الدِّمَقسِ وفي الحَريرِ
فَدَفَعتُها فَتَدافَعَتْ مَشيَ القَطاةِ إلى الغَديرِ
وأُحِبُّها وتُحِبُّني ويُحِبُّ ناقَتُها بَعيري

فَشَتّانَ بين هذه الأصناف جميعًا في تصوبر الغزل الحميميّ ـ  أو الأحمر أو الورديّ ـ بما فيه من كشف وجرأة حينا وبما يرمز إيحاءً وإشارةً حينا وماهو إلّا تعبيرٌعن الاِختلاف والتباين بين نظرة أولئك الشعراء إلى المرأة لذلك كانت قصيدة ـ بوح نادر ـ للشاعر التونسي بوراوي بَعْرون تتميّز بالإضافة والطرافة .

ـ 6 ـ 

ونحن إذْ رأينا  البعض من نماذج هذا الغزل الذي ورد على لسان الشعراء فإنّ هذا الغزل قد ورد أيضا في كتاب ـ بلاغات النساء ـ وعلى لسان إحدى الشاعرات قديما حيث تصرّح قائلة :

أيا ربّ لا تجعل شبابي وبَهجتي

لشيخ يعنّيني ولا لغُلام

و لكن لكهل قد علا الشّّيب رأسه

فَرُوج لأحراج النّساء حُسام

فقد اِختارت هذه المرآة الرّجل الكهل الذي جرّب أمور الحياة والذي قد لاح الشيب عليه فهو كالحسام مضاء وعزما .

أما في العصر الحديث فإنّ بعض الشاعرات عبّرن أيضا عن غزلهن منهنّ  الشاعرة التونسية  ـ ماجدة الظاهري ـ التي قرأتُ لها أخيرا قصبدة تشبه إلى حدّ بعيد من حيث الرموز قصيدة الشاعر بوراوي بعرون غير أنها جعلت من الموسيقى والرقص دلالات أخرى ورديّة عندما تقول في قصيدتها ـ تمرين في الرقص ـ 

وانت منشغل بسرب النّوارس

الموغل في الخفقان

أَسقَطَ من السّرب أثقل أجنحتي

رذادُ الحِبر المنذور

امدّ الجناح شراعا للحلم

تعال ـ أناديك ـ نفتّش في كروم الرّغبات

عن آخر خطواتنا المعلَّقة على سلّم اللّحن

أذكر أنّ الموسيقى خفتت….

……..

شُدّ ريحكَ لخاصرتي

وارقص معي

أيّها البحر مراكبي اِنطلقت

رفقا بي….

فالبحر  لئن كان البداية في قصيدة  بوراوي يعرون فإنه كان النهاية في قصيدة ماجدة الظاهريإنه بحر الغزل الأحمر الوردي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في ذكرى صالح القرمادي
لست بعيدا حتى أذكرك
لست قريبا حتى أراك
بقلم سوف عبيد

(1)
آخرعهدي به كان جالسا في سيارته يدير محركها بعد أن غادر المركز الثقافي الدولي بالحمامات إثر انعقاد جلسة صباحية طويلة في الملتقى الثاني للشعر
وقتها حضر أغلب الشعراء الشبان و عدد وافر من المثقفين و كان صالح القرمادي سيد تلك الجلسة بل إنه أذهل الذين استمعوا إليم لأول مرة و أفحم الذين كانوا يحملون عنه أفكارا مسبقة حول اللغة و الفكر لأن الرجل قد لخّص وقتئذ البحر في كأس حينما اِستعرض بفاعلية العمق و قوة الإيجاز تاريخ الشعر العربي فأقنع و أخرس الذين يتهمونه بالدارجة و الفرنكوفونية فكم كنتَ متواضعا يا سيدي حينما لم تفتخر بالكتب و المقالات التي نقلتها من الفرتسية الى لغة الضاد بينما كم من مُتحمّس لها قد أساء إليها

(2)
تلك الجلسة التاريخية ستظل وضاءة في حركة الشعر العربي بتونس لأنها طرحت أسئلة خطيرة في ذهن الشعراء الحاضرين أهمها سؤال اللغة و سؤال الفن كذلك سؤال الإيديولوجيا و أجاب المرحوم صالح القرمادي جوابا حاسما يدل على سعة الإطلاع على التراث العربي والمدارس النقدية الحديثة فبيّن أن سرّ لغة الشعر كامن في طرافة خروجها عن النّسق العادي المتوقع عند المتقبل وهو ما سماه بالاِنزياح أو ما عبّر عنه القدامى بالعدول أو التضمين
و تدخّل بعده الأستاذ المنجي الشملي و رشاد الحمزاوي لتوضيح هذه المسألة فكانت حقا جلسة نادرة بين النقاد و الشعراء ليتها تواصلت في مناسبات أخرى
(3)

إن شخصية المرحوم صالح القرمادي متعددة الجوانب قصةً وشعرا و دراسات لغوية ونقدية وترجمة ونقلا ومشاركة فعّالة في عديد المجالات من أهمها ضمن مجلات ( التجديد ) و ( ثقافة ) و (أليف ) إلا أن قيمة الرجل الحقيقية تكمن في تحريكه للسّاحة الثقافية بتونس منذ أواخر الخمسينيات إلى أوائل الثمانينيات بمُعاصرته عن قرب لشخصيات مُهمة مثل البشير خريف و محمد فريد غازي و تشجيعه لعدد هام من الشبان هم الآن قد أثبتوا مقدرتهم في عديد المجالات قصة ونقدا وشعرا فصالح القرمادي هو ثالث ثلاثة في كلية الآداب بتونس درسوا بعمق الأدب العربي المعاصر و كان لهم الفضل في تحديد ملامح هذا الجيل الأدبي الجديد وهل يمكن أن ننسى الأستاذين الجليلين توفيق بكار والمنجي الشملي .؟

(4)
إنّ صالح القرمادي مثال نادر للمثقف الذي عاش تناقضات عصره وبيئته فعبّر عنهما بصدق وبشجاعة ولم يركن إلى الأبراج العاجية بل خالط الناس جميعا وجلس إلى الأدباء الشبان وساهم في عديد النشاطات بحماس و بقدر ما كان يسمح به المجال

قد نختلف في قيمة شعره وقصصه ولكننا نكبر فيه مقدرته العلمية في المجال اللغوي بالخصوص ونتعلم منه تواضعه و دأبه في سبيل الكلمة الملتزمة

(5)
تمضي بنا السنوات يا سيدي و لكنّ صورتك وصوتك مايزالان في ذاكرتي جلاءً و شموخًا برغم جحود البعض وبرغم نسيان البعض الآخر وبرغم هذا الوقت الصعب
الآن و قد تركتنا وشأننا 
يا سيدي
سنقرع الأبواب وحدنا
مرة بلطف
ومرة بعنف إن لزم الأمر
وسنجلس على عتبات البيوت
القديمة
و في ردهات العمارات الشاهقة
كالأطفال الهرمين
يرسمون على الجدران خطوطا واهية
لنوقع ربما بالموت
في شباك الحروف

(6)
لأنه الشّتاء
تركتَ الموقد يشتعل على مهل
لأنه الظلام
ظل النور في غرفتك حتى الصباح
لأنها قلعة النحاس هي الدنيا
أبقيت الباب مفتوحا
هو الدهر أعمى
فتركتَ نظارتبك على المكتب
واِنسللت كي لا تعود ؟
فيا غزلان البحار ويا أسماك الصحاري
جُرح في البحر غزال
وخُنقت في البريّة سمكة

(7)
يا سيدي هل أقول لك صراحة ـ إنني لست بخير وأن الدنيا رديئة كما تعرفها فالأمطار قليلة على بلادنا هذا العام وهل أقول لك أيضا إن تلك الجلسة في المركز الثقافي الدولي بالحمامات لم تتكرّر فلقد أغلق ذلك المكان أبوابه أمام المثقفين و الشعراء الذين نظموا الملتقى الثالث و كان يحمل اِسمك و لكن معذرة لم يكن كما نُحب و كما نريد وهل أقول إن الملتقى القادم لا أحد يتكلم عنه إلى الآنفقد أصبح للشعراء طموحات أخرى غير القصيدة

بالأمس القريب كنا نتناقش و نتشاجر وربما نتقاتل من أجل الشّعر واليوم كذلك نحن و لكن من أجل الكراسي وتذكرة سفر . فبرغم كل شيء وبرغم كل الأشياء سنواصل خطواتنا على درب الكلمة وقد نتعثر و قد نستريح و لكننا يا سيدي لن نسقط أبدا فما أعذب الشّعر و ما أقصر العمر
يا سيدي ها أنك تقول لي : لا تقل كما قيل و اِطلع مكان الشّمس . فما أعسر أن نقول أنفسنا بلسان حالنا وما أقرب الشّمس إلينا و لكن ما أبعد أصابعنا نحوها ؟
لستَ بعيدا حتى أذكرك
لستَ قريبا حتى أراك
فكل عام و أنت في ذاكرتي حيّ نابض لا تموت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ