الاِسمُ والمُسمَّى

 

الاِسمُ والمُسمَّى

شَذَرَاتٌ مِنْ ذِكْرَيَاتٍ

سُوف عبيد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اِستهلال

بقلم: جلال المخ

عاد الأديب والشاعر سُوف عبيد إلى عالم النشر بقوّة بداية من سنة 2017 التي أصدر فيها مجمل أعماله الشعرية في مجلّد بعنوان ديوان سوف عبيدونشر سنة 2019 كتاب الضفّة الثالثة قبسات من الشعر التونسي والعربيوها هو يصدر سنة 2020 كتابا آخر عنوانه الاسم والمسمّى، شذرات من ذكريات“.

وهذا العنوان يبعث على التساؤل، فما أو من هو المقصود بالاسم والمسمّى إذ أن كلّ اسم يدلّ على مسمّى وكلّ مسمّى يحمل ٱسما؟ وهل المسمّى هو الشاعر ذاته من خلال تجسيد الاسم له أم هو كلّ الشخصيات التي حواها الكتاب والتي لها أسماء تدلّ عليها كذلك؟

في خضمّ هذه التّساؤلات نقتحم قراءة الأثر لتطالعنا في أوّل الأمر قصيدة يُبْتَدأُ بها الكتاب وفي هذا مخاتلة يُسبّبها العنوان الفرعي شذرات من ذكرياتالّذي لا يدلّ على أنّ افتتاح العمل قد يكون شعريّا. ولا يربكنا هذا القصيد الأوّل فحسب لأنّ القصائد تتالى في هذا الكتاب بعضها نثري وبعضها عمودي ومواضيعها وأغراضها مختلفة تتنقّل بنا من التأمّلات الفلسفيّة والوجودية إلى التّأريخ لبعض الأحداث وإلى رسم بعض البورتريهات لتشمل كذلك بعض الإخوانيات والشعر المناسباتي.

إن عدد هذه القصائد كان يمكن بيسر أن يكوّن مجموعة شعرية أخرى للشاعر سوف عبيد ذي الثلاث عشرة مجموعة شعريّة أو تزيد، لكنّ المؤلّف لم يرد لها ذلك المصير بل أقحمها ضمن عدّة أجناس كتابيّة أخرى تحوم حول السيرة الذاتية بالخصوص إلى جانب المذكّرات والخواطر والشهادات بل والمقالات كذلك.

إن هذا التداخل الأجناسي الذي لا يحدث نشازا ولا نفورا في الكتاب على تعدّده، إصرار من سُوف عبيد على الكتابة في أجناس مختلفة ودليل على أنّه أديب متمكّن من الكتابة الأدبية شعرا وسردا ونقدا وهو يترجم موقفا كاملا من الكتابة عبّر عنه في إبداء رأيه في قضية كتابة الشعر النثري والعمودي في آن، فهو منفتح على الكتابة الشعرية بمختلف أنماطها، بل إن الشعر ذاته يمكن أن يتآلف مع أجناس كتابية أخرى ليكسر بذلك الحواجز والحدود بين أشكال التعبير بل نراه يجمع بين الكتابة والفن التشكيلي في أحد أعماله السّالفة في كتاب سابق عنوانه ألوان على كلمات“. وانفتاحه هذا جعله يقدم على نشر دواوينه كذلك لا ورقيّا بل الكترونيا ونقصد بذلك مجموعة حارق البحرالمنشورة على شبكة الأنترنيت عن طريق دار نشر إلكترونية سنة 2008.

وهذه القصائد في هذا الكتاب قد تؤلّف وحدة مستقلّة بذاتها وقد تنصهر في السّياق العام للنص لتدخل في مراوحات لطيفة بين فقرات سردية، فنجد أنفسنا أمام نصوص نثرية تروي حكاية أو خبرا تَعقبها مقاطع شعرية تساهم في تقدّم الأحداث وانسيابها، ويعتمد هذه الطريقة أي فقرة نصيّة ثم قصيد أو مقطع شعري في عشرات الصّفحات من هذا المؤلّف بإصرار يدلّ على اِقتدار أدبي لدى الكاتب وتمكّن من وسائل الكتابة بأنواعها،

ولنعد إلى موضوع الاسم والمسمّى لنجد تجسيدا له في الفصل الأوّل من الكتاب الذي يمسح ربعه تقريبا وفيه بحث عن أصول اسم سوفومعانيه بالعربية وبالإيمازيغيّة واستعراض لمختلف المدن التي تحمل هذا الاسم ولعدد من الطّرائف وقعت للشاعر في عدّة مناسبات بسبب هذا الاسم لا نريد ذكرها حتّى لا تفسد على القارئ لذّة مطالعتها واكتشافها من خلال قلم الكاتب الذي يكتب بأسلوب فيه كثير من البساطة والتشويق وخفّة الرّوح التي تجعلك تنتقل من فقرة إلى أخرى أو من سرد إلى شعر وشعر إلى سرد بطريقة تجتذبك بلطف وتشدّك إلى النصّ شدّا عجيبا.

ولا يفوته أن يتحدّث عن ظروف ٱختيار هذا الاسم وقرار إطلاقه عليه. ويصاحبُ الحديثُ عن الاسم كلاما عن المسمّى أي الشاعر الذي تقمّص شخصيّة السّارد وانطلق يروي لنا الأحداث التي عاشها ذلك المسمّى في طفولته الأولى مرورا بمراهقته وشبابه الأوّل ويصف لنا طريقة عيش أجداده وآبائه في البادية وتعلّقهم بالأرض وبقيم العمل والشرف وحبّ الحياة بكلّ بساطة ونقاوة سريرة. وقد ٱختار أن يروي الأحداث بضمير المتكلّم المفرد كما فعل ميخائيل نعيمة في كتابة سيرته الذاتية سبعونوكما لم يفعل طه حسين في كتابه الأياملمّا فضّل استخدام ضمير المفرد الغائب يتولّى السّرد ويستعرض الأحداث.

أمّا فصول الكتاب الأخرى فيمكن تقسيمها إلى ثلاثة تجسّد بأكثر وضوحا العنوان الفرعي شذرات من ذكرياتوتبرّره بمنطق جليّ لأنّه مجموعة من الذكريات بتداخل فيها كالعادة النثر والشعر وتتعلّق بمسميّات لمعت أسماء أصحابها في عالم الإبداع والأدب والثقافة في تونس ويُعتبَرُ مرورها به محطّات فارقة طبعته بسمات مميّزة وأثرت فيه تأثيرا دائما وضّح أبعاده وأهدافه وحدّد معالمه ومفاهيمه.

ويمكن ٱعتبار ٱثنين منهما موضوعي الفصلين المواليين في الكتاب لأهميّة هاتين الشخصيتين وبروزهما في دنيا الأدب والثقافة واتسامهما بدور الرّائدين والمؤسسين زيادة إلى كونهما مثقفين عضويين آمنا بجدوى العمل الثقافي والجمعياتي ودورهما في تغيير المجتمعات وتطويرها والتقدّم بها نحو الأفضل. ولم يكتفيا بعمليّة الكتابة الإبداعية رغم أنّهما يعتبران من أكبر الأدباء الذين عرفتهم البلاد التونسيّة.

الشخصيّة الأولى التي يهتمّ بها الفصل الثاني تتعلّق بالأستاذ محمد العروسي المطوي (1920-2009) أو سي العروسيكما يحلو لسوف تسميته حاضرا أو غائبا تقديرا وإجلالا لقيمته الإنسانية ومكانته الأدبية، فقد كان رئيس اتحاد الكتاب التونسيين ورئيس اتحاد الكتاب العرب وشغل عدّة مناصب ديبلوماسية وتخرّج من الكليّة الزيتونية ودرّس التاريخ والأدب وكتب وحقق المؤلّفات التاريخيّة زيادة إلى تمرّسه بالأدب بكلّ أنواعه إذ نظم الشعر وكتب القصّة والرواية وأدب الطّفل واشتغل بالبحث والنقد واشتهر بالخطابة وطَرَق كلّ أنواع الأنشطة والمسؤوليات الثقافية.

إن الأستاذ محمد العروسي المطوي علم في رأسه نار وإنجازاته ومؤلفاته الكثيرة المتنوعة معروفة ومحفوظة ومنتشرة تربّت على محتوياتها أجيال كاملة لذلك لم يعمد سوف عبيد إلى التعريف به وإلى استعراض معلومات يعرفها الجميع بل جنح إلى تصوير العلاقة الشخصية التي كانت تربطه بذلك العلاّمة والحادثات التي وقعت له معه وما دار بينهما من أحاديث خاصّة ومن طرائف أو مواقف غير معروفة سمحت له بها الظروف الحسنة التي جعلته يلازمه في كثير من جلساته وأسفاره منذ نعومة أظفاره لتكون تلك التسجيلات التي علقت بذهنه إضاءات فعلية وإضافات حقيقية تزيدنا فهما وإدراكا لشخصية الرّجل ولمواقفه التي طابعها المعرفة والتواضع والإنسانية.

ونشعر من خلال حديث الكاتب عن هذا الاسم الكبير والمسمّى الجليل بكثير من الاحترام والتقدير له وبشيء من الافتخار الذي جعله حسن طالعه يجنيه من تلك الملازمة لذلك كان في كتابته كثيرٌ من المتعة تنتقل إلى القارئ بيسر لأنها تتميّز بالصّدق والمحبّة.

وبما أنّ سنة 2020 تصادف مائوية الأديب الكبير الذي احتفت به العديد من الجهات الثقافية فقد احتفل اتحاد الكتاب التونسيين بذكرى رئيسه الأسبق وأحد مؤسسيه وشارك سوف في هذا المحفل بمادّة هذا الفصل التي نشرها لاحقا في مجلّة المسارالنّاطقة بلسان اتحاد الكتاب التّونسيين.

ويعقب هذا العلم مباشرة علم آخر مثّل ٱسمه علامة في تاريخ الشعر التونسي الحديث وأورده الشاعر لاستعراض صفات هذا المسمّى وإظهار أهميته والإلحاح على الجوانب الإبداعية في الشاعر والجوانب الإنسانية في الرّجل، ونعني به الأستاذ الشاعر الميداني بن صالح رئيس اتحاد الكتاب التّونسيين كذلك وصاحب ٱثني عشر عملا شعريّا بوّأته تلك المكانة الخاصّة بين شعراء تونس. وقد أراد سوف عبيد مرّة أخرى أن يفاجئنا بما لا ننتظر أو يخاتلنا فكان الفصل بأكمله قصيدة شعريّة مطوّلة تنتمي إلى قصائد النثر ويبلغ طولها مائة وٱثنين وتسعين سطرا بالتمام والكمال لتكون تقريبا أطول قصائد الشاعر ومعلّقة شعريّة حديثة ونثريّة. وقد صدّرها بهذا الإهداء: “إلى الشاعر الميداني بن صالح استلهاما من مسيرته بمناسبة بلوغه السبعين من عمره وجعل لها عنوانا: “القرط القديمإشارة إلى ديوان قرط أمّيالذي شكّل صدوره منعرجا حاسما في تطوّر الشعر التونسي في القرن العشرين شكلا ومضمونا. وما كان باستطاعة سوف أن يكتب مثل هذا القصيد شبه الملحمي ويتوسّع فيه كلّ ذلك التوسّع لو لم يكن يكنّ لزميله الكبير ودّا وإعجابا ولو لم يكن يعرفه جيّدا بحكم ملازمته له ومصاحبته ومشاركته نفس الرؤية في عدّة قضايا ومشكلات.

وهكذا خصّ المؤلّف علمين كبيرين وأديبين هامّين ورئيسي اتحاد الكتّاب بفصلين في هذا الكتاب جاء الفصل الأوّل نثريّا وكتبت كلّ أقسامه بعد وفاة المحتفى به بينما جاء الفصل الموالي شعريا وكتبت سطوره المائتان في حياة المحتفى به بمناسبة عيد ميلاده.

أمّا ما اعتبرناه فصلا رابعا فيشمل باقي الكتاب ويتمثل في مجموعة من الذكريات والأحداث عاشها المؤلّف مع عدد من رجال الثقافة والأدب مثل مصطفى الفيلالي ومحمّد البقلوطي ومحمّد الغزالي إلى جانب بعض القصائد المناسبتيّة موجّهة إلى الأديب عبد المجيد يوسف والشاعر عبد الحكيم زريّر ومجموعة من القصائد الإخوانية تبودلت بينه وبين الشاعر الكبير نور الدين صمّود جاءت في شكل ملاطفات. ويخترق الحديث عن هذه الأسماء والمسمّيات بعض القصائد ذات المواضيع المختلفة وحديث عن رحلات قام بها المؤلّف إلى باريس والجزائر وسوريا والعراق فيصف بعض معالمها وجوامعها وخاصّة مقاهيها، ويبرز دور المقهى في حياته وفي احتضان الأدباء والمبدعين وأنشطتهم ليضيف إلى التداخل الأجناسي في هذا الكتاب جنسا آخر هو أدب الرّحلة.

إنّ سوف عبيد متمرّس بالكتابة خبر أسرارها وأغوارها كما خبر الحياة وحلب من الدّهر أشطره وأنفق أكثر من خمسة عقود يعبّر عن شغفه بالكتابة والكتّاب والمثقفين ويخالطهم ويلازمهم ويتباحث معهم في شؤون الأدب والفنّ. وقد جاء هذا الكتاب ليكون مرآة تعكس هذا الشغف وهذا الإمتاع وتعكس ولعه بشتّى أجناس الكتابة وتقنياتها. وقد ٱستخدم في تأليفه عدّة ملكات مثل الذّاكرة والعاطفة والمخيّلة وعددّ فيه الأسماء والمسميّات ليبرز من وراء كلّ ذلك مسمّى كبير هو خلاصة كل هذه الحياة وهو الإبداع عموما والشعر خصوصا. وقد كتبه المؤلّف ولسان حاله يقول متمثّلا بالشاعر العربيّ القديم:

أثن على الشعر بآلائه وسمّه بأحســـــــــن أسمائه

حمام الأنف

17 جويلية 2020

ــــــــــــــــــــ النظّارة ــــــــــــــــــ

في داخلنا طفلٌ يبكي
لا يرى دُموعَه أحدٌ
غُصَصٌ في صُدورنا
تَظلّ مَوْؤُودَةً في أعماقِنَا
لا يسمعُها أحدٌ


*
في غَياهِب عُيوننا
إذْ نُغمضُ جُفونَنا
تَتَراءَى لنا رُؤًى
لو كشفناها
لن يُصدّقَها أحدٌ


*
مع ذلك
ُنبتسم
الدّمعةُ في عُيوننا
نَصمُتُ
الآهةُ في صُدورنا
َثمّ نضعُ نظاراتٍ سوداء
ونمضِي
فَلا يعرفُنا أحدٌ

ــــــــــــ الاِسمٌ والمُسمَّى ــــــــــــــــ

تاريخُ ميلاده غيرُ ذلك الذي في دفاتره المدرسية والجامعيّة ولا حتّى في أوراقه العسكرية والإدارية وليس ذاك المُسَجّل في البطاقة الشخصيّة وفي جواز سَفره 

تقول أمُّه إنها وضعته عند الحصاد ولم يكن والدُه حاضرًا وقتَها فقد كان يعمل في تونس العاصمةذلك عهدٌ لم تكن الإدارة موجودةً ولا قريبة من – بئر الكرمة – القريبِ من بلد ـ غُمْراسِنْ ـ حيث رُبوعُ أهله الممتدّةُ على مدى البصر في الجنوب التونسي .

كان الثّالث في المواليد

أختُه ـ آسيا ـ هي الأولى وقد تُوفّيت بعد شُهور

أخوه ـ الحبيب ـ مات وقد قارب عامه الأوّل

وشاء اللّهُ للمولود الثّالث أن يعيش مِنْ بعدهما شهورًا حتى بلغ عامه الثّاني وبعد أن تأكّدت العائلةُ أن الموت لن يخطفه ـ مثل أخته وأخيه ـ قرّرتْ بالإجماع تسميته باِسم جدّه فقصد أبوه يومَ السّوق الأسبوعية شيخَ البلد وسجّله في دفتره بتاريخ ذلك اليومِ ـ وهو اليومُ السّابع من الشّهر الثامن من سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وألف ـ لذلك يرى لزوم ما لا يلزم أن يحتفل بعيد ميلاده الذي لم ينتبه له أحدٌ قبل بلوغه العشرين وشكرا على كل حال لمن يُهنئنه ويذكّره بالمناسبة .

أمّا اِقتراحُ اِسمِه فقد اِتّخذه مجلسُ العائلة برئاسة الجدّات اللّواتي اِتّفقن بالإجماع أن يكون اِسمُ الحفيد الأوّل على اِسم جدّه وذلك على سُنّة قومه وتقاليدهم منذ سابق الدّهور جيلا بعد جيل .

وحكاية اِسمه…ما حكاية اِسمه؟

تَسَمّى على اِسم جدّه الذي تَسمّى على الفارس والشّاعر اللّيبي ـ سُوف المحمودي ـ الذي ذاع صيته وقتذاك أي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكلمة ـ سُوف ـ في اللغة العربية تعني الرّمل الرقيق الليّن أما في اللغة الأمازيغية فهي تعني ـ الوادي ـ والكلمة هي اِسم مدينة – وادي سُوف – في الجزائر وتعني كذلك اسم مدينة ـ سُوف الجين ـ أي الوادي الكبير وهي تقع في جنوب ليبيا وثمّة مدينة في بلاد الأردن قرب عَمّان تُسمّى أيضا ـ سُوف ـ وهي قائمة على وادٍ كذلك وقد زرتُها برفقة الصّديق الشّاعر يوسف رزوقة سنة 1992 بمناسبة مهرجان ـ  جرش ـ فظهر من غدٍ في إحدى الصّحف  خبرٌ عن هذه الزيارة بعنوان – سُوف في سُوف –

ومن طرائف المواقف التي وجدتُني فيها بسبب نُدرة اِسمي أنه بينما كنت ضمن مجموعة من الشّعراء والشاعرات العرب في أمسية شعرية أقامها أحد الأندية الثقافية على هامش مهرجان المربد بالعراق سنة 1986 إذ بمديرة الأمسية تقف على المنبر وترحّب بنا ثم تَفتتِح القراءات الشعرية داعية في البداية شاعرة تونسية تكريمًا للمغرب العربي ولتونس الخضراء قائلةً مرحبًا بالشاعرة التونسية الجميلة والأنيقة القادمة من بلاد الياسمين والزيتون بلاد أبي القاسم الشّابي فتعجّبتُ واِستغربتُ حينها لأن المجموعة التي جئت معها إلى الأمسية لا شاعر ولا شاعرة فيها من تونس إلا أنا ثمّ أردفتْ قائلةً لتتفضّل ـ الشّاعرة سَوْفَ عُبيد ـ فاِنطلقتِ الأكُفّ بالتّصفيق الحارّ خاصةً من اِلشباب فتسمّرتُ في مكاني لحظةً ثمّ عزمت ووقفتُ وقصدتُ خطوةً خطوةً المنبر ووقفتُ وقد ظنّ الحاضرون أنّني الشّخصُ المكلّفُ بتثبيت المِصدح والعناية به وعندما مكثتُ بُرهةً واقفا اِستثقلني الجمهور وأشار لي البعضُ بيده أن أنصرف بينما اِشرأبّتِ الأعناق باحثةً عن الشاعرة التونسية ـ الجميلة والأنيقة ـ فما كان منّي إلا أن اِقتربتُ أكثرَ من المصدح وقلتُ أهلا بكم أنا هو ـ الشّاعرُ التونسيُّ سُوف عبيد ـ  فاِهتزّتِ القاعة الكبيرة والمكتظّة بالضّحك والتّصفيق غير أنّ تصفيق الفتيات كان أقوى وأحرّّ وأظهرن الشّماتة بالفتيان…وكانت أمسية..!!

ـــــــــ الوكواك ـــــــــ

(1)

ظلٌت أمٌه في كل عيد إضحى تجمع له من الأقرباء سبع ألسنة ليأكلها على بركة اللّه مع الأمل أن تحُلَّ الألسنةُ السّبع عُقدة لسانه ولكن وبعد أن عادت أعياد عديدة ثم مضت ولا جديدٌ اِستسلمت الأمّ إلى القضاء والقدر يائسة حينا راجية أحيانا فما نفعت تلك الألسنةُ السّبع لسانَ ولدِها الوكواكِ بشيء

(2)

في حيّ الغُبار والشّمس وعلى مشارف صحراء الجنوب يُخبّىءالولد لسانه الثقيل عن الناس فلا يشارك في الكلام بينهم بل كان يكتفي بالبسمة مرة وبإشارة الرأس مرّة وبضرب الرِّجْل على الأرض تعبيرًا عن المكان القريب او برفع اليد إلى الأمام مشيرا بإصبعه كناية عن المكان البعيدهكذا تعلم الولد الصّمت والإنصات واِستغنى بقليل الكلام اليسير عن كثيره العسير وآمن بالطّبع أن البلاغة في الإيجاز فتجنّب ـ والحمد الله ـ عن الثرثرة ورُبّ ضارّة نافعة

(3)

وكان ذلك اليومُ العظيم وما أدراك ما ذلك اليومُ ! يومُ الدّخول إلى المدرسة فزاد لسانُ الولد ثِقَلا على ثِقَل وها هو يُرَحْرُحُه في فمه بين فكّيه يَمنةً ويَسرةً وأسفل وأعلى فلا يقدر على الرٌاء و الظاء والدّال وقد يسُدّ لسانه عليه الهواء إن هو حاول في الحلق إخراج القاف من الأعماق أمّا عندما تهُمّ به الباءُ أو الفاءُ فإنّ الدّنيا تنسَدُّ عليه تمامًا فلا يفتحُها أمامه إلا البكاءُ يُطفيء به جمرةً في القلب

(4)

الولدُ الذي جلس في الشّمس

ونام في المغارات

مازال يجلس فى الصّمت

يقف في القلق

يُراقب جدرانا مُشقّقة

وحوافر مفلّلة

وفوارس مُثخنة

وهوادج بلا زغردة

فالولد حزين حزين

جفّت بسمتهُ

كالطّين

(5)

معَ سيلان أعوام العمر بالصّبر والعذاب وبالمُجاهدة صارت الأبجدية سَلِسَلة على لسانه نعم إنٌ سيزيف أوصل هذه المرّة الصّخرة إلى القمّة ولم تتدحرج كالعادة نحو السّفح فجَرى الكلامُ على لسانه طَيّعا يدعُوه فيستجيب له ولكنّه اليومَ حينما يسقط حرفٌ من نصّه أو حينما تحتجب جريدة من الجرائد أو حينما يُمنع كتاب من الكتب فإن تلك الحالة القديمة تعود إليه فيثقل لسانه كما كان وتتعسّر الحروف وتضطرب في كلامه حتى يكاد يختنق فيتأكّد أنّه ليس وحده الذي لم يستطيع إبلاغ صوته ….نعم ليس وحدَه الوكواك !؟

ــــــــــــــ عُقدة اللّسان ـــــــــــــــ

عندما كنت صبيّا بل إلى عهد قريب كنت لا أقدر على الكلام الطّلق الذي يجري على ألسنة الناس مثلما يعبّرون عمّا يريدون بيُسر بلا عناء ولا ضيق وكنت ألاقي ـ العذاب اللّغوي ـ أنواعًا فهذه الحروف الحلقية تسدّ عليّ النّفَس حتى أقارب الاِختناق وتلك الحروف اللسانية تجعل لساني ينزل ويصعد فلا ينطبق على الحنَك أو على أعلى الفم أوبجانب الأسنان أما الحروف الشفوية فإنها تقف حَجَرعثرة وتسدّ النّطق بسبعة مفاتيح فإذا في الوجه تبدُو سَكراتُ الموت أظلّ أحاول وأحاول برغم الخجل وبرغم اِنتظار السّامع و إشفاقه وإذا بالمُعلّم يقول لي مرّة اُكتب المحفوظات أمامي عوض سردها

تلك هي اللحظات الأولى التي اِكتشفت فيها لذة مداعبة القصيدة على الورق حينما يعجز لساني عن النطق

لو أنّني وجدت في بيتنا آلة موسيقية لكنت ربّما من العازفين أو الملحنين أو لو أنني صادفت من يوجّهني إلى السّينما لسلكت طريق الإخراج السينمائي ولكنني من عائلة بدوية يسري في عروقها البيان سواء كان ترتيلا للقرآن أو رواية للشعر الفصيح ودارجه

وكان من حظّي أن اِطلعت مبكّرا على النّماذج الشعرية الجديدة فصادفت في نفسي هوى زاده تمكنا اِقتناعي بوجهة نظر الداعين إلى الجديد أثناء المعارك الأدبية التي كانت رائجة في سيتينات القرن العشرين فالظروف التاريخية التي عشتها هي التي جعلت منّي من يحاول الِابتكار وأن يسير في دروب جديدة لم يسلكها السائرون قبله

أيُّ معنى للكلمة في عصر صار كل شيء فيه خاضعا لسلطان الإعلام الذي بإمكانه أن يجعل من الحبّة قبّة والذي يتجاهل مآسي شعوب بأكملها عندما يريدأيُّ إحساس للإنسان في عصر كل شيء فيه صار يخضع لقاعدة العرض والطلب وفي عصر يمكن السيطرة فيه حتّى على الأذواق وعلى الأفكار وقل حتى على حركة التاريخ

أيّ معنى للقصيدة عدما يموت طفل إفريقي جوعا ويرزخ زنجيّ تحت الميز العنصري ؟

أيّ معنى للحرية وللسّلام عندما يُقهر الناس في الفيتنام وفي أفغانستان تحت شعارات الإنسانية البراقة

أيّ معنى للأديان عندما تُرسل الآلاف إلى جبهات القتال لينتظرها الحتف بينما مفاتيح البلاستيك معلّقة على صدورها في اِنتظار أبواب الجنه

أيّ معنى لكل هذا وذاك سوى المعاناة

كان الشاعر العربي سيّد الناس في قبيلة

له الفرس والنّاقة وله الظباء في الصّحارى وله أجمل النساء

كان الشاعر العربي سيّد الكلام لسانه سيفٌ إذا هجا وكلامه سحر إذا أحبّ وعلقم إن غضب

كان الشاعر العربي يرحل من قوم إلى قوم

ومن نجد إلى الشام

ومن القيروان إلى قرطبة

ومن غرناطة إلى بغداد

بدون جواز سفر

وبلا حرس حدود

واليوم….الشاعر العربي سجين لغة قديمة حسنة في قديمها ولكنّها لا تستطيع تسمية ما يوجد في البيت العربيّ بالتفصيل والتدقيق…. فما بالك بما يوجد في الشّارع و في المصانع وفي المخابر ؟

اليومكيف يتفاعل الشاعر العربي مع عالم معاصر لا يسمّي أغلب أشيائه المعاصرة ؟ من هنا ندخل عتبة بوّابة الجديدة والقديم تلك العتبة التي توقف عندها كل الشعراء الكبار في تاريخنا من طرفة بن العبد إلى بدر شاكر السيّاب ألا وهي عتبة الوعي باللغة والذات والواقع .ذلك ان الوعي اللّغوي يحدّد مجال اِستعمالك لها والوعي بالذات يمثّل مدى تجلّى بصماتك في قصائدك أما الوعي بالواقع فإنه يحدّد موقفك من تناقضاته وعليه فإن اللغة عندي كائن حيّ يولد ويموت يتطوّر ويتلاقح فهي إذن ليست من الثبات وهي ليست من القداسة إذا كان الثبات جمودا وقوالب إاذا كانت القداسة تعني عدم طرح الأسئلةأمّا الوعي بالذات فإنه الإنصات إلى خلجات النفس والامتلاء بتجارب الحياة صغيرها وكبيرها حقيرها وجليلها حتّى تكون التجربة صادقة

أمّا الوعي بالواقع فإنّه ينطلق من اِعتبار الإنسان هو القيمة الاولى وهو القيمة الأخيرة

أين البدايات الأولى والتجارب القديمة للقصيدة العربية ؟

أين قصائد الشعراء الذين لم يدخلوا بلاطات المناذرة والغساسنة ودمشق وبغداد وحلب والمهديّة وقرطبة ؟ أين الشعراء الذين لم يكتبوا إرضاءً لقواعد مدرسة الكوفة أو البصرة ؟

أين الشعراء الذين شاركوا في ثورات الّزنج و في ثورات المدن العربية ضدّ الإسبان والأنڨليز و الفرنسيس ؟ بعد هذه الأسئلة القليلة هل تُعتبر ذاكرة التاريخ سليمة؟

أنا لست وحدي

أنا من جيل يكتوي بالهزائم ويترشّف كل صباح مرارتها في فنجان قهوة

أنا مع يمشون على خريطة عربية كل شيء فيها وحولها يدعو إلى طرح الأسئلة برغم كل القناعات الجاهزة

أنا من أحفاد تراث زاخر يبدو رُكامًا على رُكام لكنّ نقط الإضاءة فيه عديدة وتحتاج إلى الكشف والدرس

أنا منفتح بدون اِنبهار على الثقافات الإنسانية الأخرى فثقافتنا كانت في أبهى عصورها هاضمة للثقافات القديمة وتائقة إلى الفضاء الإنساني

إن هذا الطموح العارم لكتابة شِعر يُعبّر عن أحوالنا في تجربتنا الحديثة ليس سهلا المنال لأن التخلّص من ذاكرة ستة عشر قرنا أو أكثر يبدو أمرا يحتاج إلى جهد خارق للعادة فالفشل في محولاتنا وارد أكثر من تحقيق النجاح لأن تجاوز الموروث والسّائد المتفشى صعب

هذا لا يعني أبدا التشكيك في قيمة إنجازات الشعر العربي القديم لأنه كان ممثِّلا لمعاناة الأجيال السابقة ولكننا نؤمن أن الاشكال تتفاعل مع المضامين فلكل تجربة جديدة مضمون جديد وشكلها المناسب مع الاِستفادة من مكتسبات الماضي وتطوير الآلة الفنية ضمن التعبير عن خلجات هذا الواقع الجديد في اِضطرابه وفي هزاته وفي طموحاته وخيباته أيضا

أنا لست إلا قطرة من بحر الشعر العربي فليس سهلا أن نكون شعراء بجانب طرفة بن العبد وعروة بن الورد وأبي نواس والمتنبي والشابي وبدر السيّاب وغيرهم

لكنو رغم كل شيء سنحاولنعم سنحاوللأننا نؤمن أنه في الإمكان أحسن ممّا كان

تونس 2000

ــــــــــ كلامُ العُيون ــــــــــ

رحمَ اللّه جدّي

كان لا يقرأ ولا يكتب

ويُصلّي بالفاتحةِ

جَهرًا

وبما تيسّر من الآيات سِرًّا

لم تكن لجدّي ساعةٌ

غيرَ أنّه كان يعرفُ وقتَ السَّحور

بالنّجوم

ويُقرّر صلاةَ الظّهر والعَصر

بظلّ الجدار أو النّخلةِ

النّخلةُ التي إذا تحرّك جريدُها

يعرفُ حالَ الطّقس مِنْ غَدٍ

وإذا مرّ السّحابُ على حُوشِنا

يرنُو إلى الآفاق

فيعرفُ أينَ سينزلُ المطرُ

و من أخبار جدّي

أنّه إذا سكتَ

ثمّ نظر هُنا أو هناك

وحدَها

جدّتي كانت تفهمُ

ما يقول

ــــــــــــــ أحفادُ البَدو ــــــــــــــــ

(1) 

كُنّا بدوًا نسير طويلا تحت الشّمس ونتأبّط البَلغة لنحافظ على لمعان جلدها المدبوغ وللأقدام أن تتحمّل عِوضًا عنها العثرةَ والشّوكة ولسعةَ العقرب. نعم كنّا بدوًا نأكل ما حضر ونلبس ما ستر ونصبر على الجدب أعواما ونتحمّل العطش أيّاما ننزل ونرحل في أرض اللّه الواسعة ولا نَحْنِي رؤوسنا لأحد من البشر وقد يهلك الرّجل منّا ودونه قطرة الماء الأخيرة يُؤثر بها رفيق الطريق!

(2)

نعم .. كنّا بدوا إذا تكّلمنا صدقنا فالكلمة عندنا – وما أدراك ما الكلمة – نقول إنها تخرج من الحلق كالرّوح تماما فإذا وعدنا أنجزنا وإذا توعّدنا فخذ حذرك !

ولكن لا خوف عليك ولا أنتَ تحزن إذا مررت على البدويّ ضيفا فهو سيرحّب بك وسيهتف لك من بعيد على المدى ومن النظرة الأولى أهلا وسهلا ومرحبا

والجود بأحسن الموجود طيلة ثلاثة أيام!

(3)

أجدادُنا البدوُ

كانوا يعرفون السّاعةَ باِنكسار الظلّ

يعرفون الأرض المِعطاءَ بقبضة التّراب

وباِتجاهِ البرق يعرفون المطرْ

وباِقتفاء الأثرْ

يعرفُون الذي مَرّْ

أجدادنا البدوُ

كانوا يُؤرّخون بعام الصّابة

أو بعام الجراد

أو بعام الوباءْ

مُحمّدٌ وعليٌّ وعائشةُ

عندهم أحسنُ الأسماءْ

وليس في الدّنيا عندهم أحبٌّ

من الأولاد

والخيل

والنّساءْ !

(4)

كُنّا بدوًا نشتاق الى البحر فنتخيّل الأمواج والماء والأسماك بالوصف فنتصوّر الرّمال مياها زرقاء كالسّماء تماما لكنّنا نقف حائرين عند تصور السّفينة والسّمك وحدث مرّة أن سافر جماعة من الأقارب الى البحر فحملوا معهم إلينا ماء البحر في بعض الزّجاجات. كانت أعجب شيء عرفناه في صبانا فجعلنا نتذوّق المُلوحة ـ العذبة ـ ذلك أن البدويّ لا يشتاق الى ماء زمزم كاشتياقه الى ماء البحر فماء زَمزم عنده بَركة وشِفاء أمّا ماء البحر فهو شيء آخر يُثير الخيال والمستحيل!

(5)

نخلةٌ في الشّموخ

وجَمَلُ في الجَلَدِ

ذلك هو البدويُّ

(6)

كُنّا بدوًا

في الأرض نصُول ونجُول

السّماءُ السّابعة لم تكن أطول من أنف أقصرنا قامةً ولكنّه الزّمان يمضي ويأتي زمانُ العماراتِ الشّاهقةِ التي لا نملك فيها أرضا ولا سماءً

إنّه زمان المُدن القصديرية وزمان المخيّمات إنه زمان الهزائم والمسلسلات: مسلسل التلفزات ومسلسل الاِنشقاقات والخلافات العربية. نعم كُنّا في زمن البداوة حيث الشّهامة والعزّة فدخلْنا في زمن سجائر رُعاة البقر حيث التبعيّة والمَذلّةإنّه زمن التَشيُّءِ فلا شيءَ كما هو وكلّ شيء في محلّ نظر الى أن يأتي ما يُخالف ذلك !

ـــــــ السّلاطين ــــــــــ

في زَمن بَوادينا القديم

يُسمَّي العريسُ

سُلطانا

يختارُ له وزيرًا

هُو الآمرُ النّاهِي

العارفُ بدقائق الأمور

*

نحنُ الصّغارُ

نُهيِّئُ الخيمةَ

نَفرُشُ الزّرابيَ والنّمارقَ

ونَهُبُّ بِقِصَاع الكُسكسِي

في نشاطٍ وحُبور

ثمّ نمضي بمَخالي الشّعير إلى الخَيْل

الخيلُ أيضًا

لابدّ لها مِنَ وليمةٍ قبل الغُروبِ

*

في زَمن بَوادينا القديم

نترقّب لحظةَ يُطلّ السّلطانُ من خيمتهِ

بالمِنديل الأحمر

إنّه ـ الفَتحُ المُبين ـ

إِذْ تَتَسارعُ طلقاتُ البَارودِ

مع قَرع الطّبول

والزّغاريدِ

فَتمتلئُ جيُوبُنا بالحلوى

نحنُ السّلاطينُ الصّغار

ـــــــ بين الضَبّ والثّعبان ــــــــــــــــ

قَيْلُولَاتُ الصّيف في رُبوع الجنوب طويلةٌ جدّا لدى الصّبيان, لا تُجدي في تقصيرها ألعابُهم تلك التي يتسلّون بها ويستنبطونها من جريد النّخل ومن الطين وحتى من الحجارة وكانوا ينتبذون الأمكنة ذات الظلال الثخينة سواء في الكهوف أو تحت الزياتين الوارفة لعلهم يظفرون بلفحة من النّسمات التي تَضَلُّ وِجهتها نحوهم من حين إلى حين فتهُبّ بَردا عليهم وسلاما .

وَلِقَيلُولاتِ الصّيف في الجنوب لذّة وأي لذّة حين نتخيّر أجود التّين اليانع الذي يتدلّى أخضر وأحمر وأصفر وأسود تحت أوراقه الخضراء الكبيرة فنقطف ما نشاء بالهناء والشّفاء, وقد تخطر على البال نزوةٌ من نزوات الصِّبا فنشتهي اللحم في القيلولة ولكن كيف السبيل إلى اللحم والشّمسُ كرة جمر وما في مدى البصر إلا الأودية بصخورها وكهوفها وتحت الصّخور الكبيرة والصّلدة وفي تجاويف المغارات يأوي الضَبُّ بأليته السّمينة ترانا نترصّدُه ونرقب حركاته إذ نلمحه أحيانا منبطحًا على السّفوح الحجريّة عند القيلولة في عزّ أيام الصّيف الوهّاجة.

الضَبُّ هو تمساح بادية الجنوب ولعلّه ينحدر من سُلالة أحفاد التماسيح الكبيرة التي عاشت في العصور القديمة الغابرة عندما كان الجنوب غابات وأنهارا فتأقلم مع طبيعة الجفاف لذلك نادرا ما يشرب الماء مكتفبا بالأعشاب غذاء وماء وهو لا يتجاوز الشّبرين وله أُلية عريضة طويلة شوكية لكنها ممتلئة لحمًا وعندما يشعر بنا ونحن نرصُده يُسارع إلى غاره بين شقوق الصّخر أو تحتها وإذا نحن ترصّدناها ولم نلمح أحدا منها لا نظلّ قابعين قانعين في نفس المكان وإنّما ننطلق ساعِين حفاة لا نبالي بلظى الحجارة متنقّلين من واد إلى واد ومن كهف إلى كهف باحثين بدقّة عن جُحورها حيث تكمُن والتي علينا أن ننحني لنُطلّ على كل جُحر أو غار أو أخدود لعلّنا نلمح ضبًّا فيه ولن أنسى أبدا ذلك اليوم الذي لمحتُ فيه أنا وابنُ عمّي ونحن في السّابعة أو الثّامنة من العُمر أُلية ضبّ تختفي سريعا داخل جُحره تحت صخرة كبيرة فأسرع اِبنُ عمّي واِنبطح وأمسك بالذّنب لكنّه لم يُفلح في القبض عليه بمِلء يده وفي مثل هذه الحال ليس لنا من بُدٍّ إلا أن نحفر بالقضيب الحديدي الشّديد تحت الصّخرة لنُمسك بالضبّ ونظفر به فعقدنا العزم وشرعنا في دَكّ الحِصن الحَصِين دكّا حتّى اِتّسع الجُحر ولاحت لنا أُليةٌ لم نر أكبر منها ففرحنا فرحا شديدا بالغنيمة ومددتُ يدي داخل الجُحر لأمسك بالصّيد السّمين ولكنْعندما لمستُ إذْ لمستُ لم أشعر بمَلمس أليةِ ضبّ خَشِنة وإنّما شعرت بملمس ذَنَب أملسَ فَيَا ويْلتي إنّه ثُعبان ولا شكّثعبانولكنَّ اِبنَ عمّي لم يصدّقني وأصَرّ أنّه ضبٌّ وأدخل يده وجعل يسحبه بقوّة رُويدا رويدا وهو يصيح ما أكبر أليةَ هذا الضبّ!!ثمّ صاح ثعبان ثعبان!رغم ذلك ظلّ مُمسكا به ويجذبه بكل شجاعة وإصرار وما كاد رأسُه ببدو حتّى أهويتُ عليه بالقضيب مرّات ومرّات

عندما مالت الشّمس نحو الغروب جلسنا نشوِي ذلك الثّعبان على الحطب والحجارة المَلساء بعدما قطعنا منه الرّأس وطرحناه بعيدا .

لقد أكلنا الثعبان !

فما ألذّه من لحمٍ يذوب كالشّهد..!!

ـــــــــــــــــــ لوحةُ الكتف ـــــــــــــــ

أمّي التي لم تقرأ

ولم تَكتبْ أبدًا

أفصحُ منّي

تُسمّي يومَ الأربعاء

إرْبِحَاء

مرّةً قلتُ لها

قُولي ـ أَربَعاء ـ

فقالت

إربِحاءإربِحاء

إنّه يومُ الرّبح

والرّحمة

رَحماكِ يا أمّي

*

كلَّ عام

فِي يَوم ثالثِ عِيدِ الأَضْحَي

تأخُذ أمّي لَوحةَ كَتِفِ الشّاةِ الأيْمن

تُقلّبُها وتُمرّرُ عليها أناملَها وكفَّها

ثُمّ تتأمّل خُطوطَها وتَتَملّاها

كأنّها تَتهجّاها

*

تَصمُتُ بُرهةً

ثمّ تبتسِمُ وتقول

ثمّةَ في العام المُقبل ـ إن شاء اللّه ـ الخيرُ والبَركة

وسنَفرحُ مرّتين

أو ثلاثًا

رُبّما بكذاأو كذا

وتَصْدُقُ نُبوءاتُ أمّي

*

في آخر سنةٍ

السّنةِ التي فيها أمّي رحلت

رأيتُ وَجهَها مُكْفَهِرًّا كمَا لمْ أرهُ مِنْ قبلُ

لم تَبتسمْ ولمْ تَتكلّم

*

اليومَ

اليومَ فقط

بعدمَا مَرّتْ سنواتٌ وسنوات

منَ العُمر

تذكّرتُ أنّي رأيتُ آنذاك تَجْويفةً

في وَسَطِ لوحةِ الكَتِف

رأتْها أمّي ـ ولا شكّ ـ

تَجْويفةَ القَبر

ــــــــ كَفُّ الحِنّاء ــــــــــ

عندما عاد خالي الأكبر

من السّوق

يركب حِمارًا

فرحتْ جدّتي

وأسرعت إلى الماء والحِنّاء

وضربتْ بكفّها

على ناصيةِ الحِمار الجديد

*

بعد صيفين أو ثلاثٍ

عاد خالي الأصغرُ من فرنسا

وما نزل من سيّارته

حتّى ضربتْ جدّتي

زُجاجها الأماميَّ

بكفّ الحِنّاء

*

قالتْ جدّتي وقتذاك

هَذهِ أيضًا نركبُها

وهي مثلُ الحمار

!…تسيرُ على أربع

ـــــــــــــــــ الحليبُ الأسمرُ ـــــــــــــــــ

كنتُ في أمسية ثقافية نظّمتها جمعية اِبن عرفة بتونس العاصمة بمناسبة الاِحتفال بالتّراث في جهة غُمراسن وقد شاركتْ فيها جمعيات عديدة فبعضُها عرض مختلف الأزياء التقليدية وبعضها قدّم أصناف الأطعمة وشرح طرق إعدادها ومكوّناتها وقد تخلّل الأمسيةَ حفلُ الطّبل قامت به أعرق فرقة في ـ غمراسن ـ بقيادة ـ الشّيخ البغدادي ـ الذي وهو في عِقده التاسع ما يزال ـ إذا دَندن الطبل ـ سَرَى في مفاصله نشاط وخفّة فتراه يرقص به ويطوف ويميل ويرفعه على رأسه حينا ويتأرجح به ويدور به وهو يضرب بعصاه الكبيرة في يمينه وبالعُصَيّة الثانية في شماله في تَمَوُّج إيقاعيّ لطيف خفيف حينا وعنيف أحيانا فيُراوح بين الشّجون العميقة الرّاسبة في غياهب الوجدان وبين الاِهتزازات القوية الطافحة على مُهجة النفس

أعرف الشّيخ البغدادي منذ طفولتي عندما كنت أرافق والدي إلى الأعراس فألاحظ طربه وتفاعله اِنتشاءً مع دقّات الطبول وأنغام المزمار على وقع الأغاني الوطنية الحماسية والأغاني الغزلية البدويّةكان زمان!

اليوم ألتقي الحاج البغدادي وقد عرفني عندما تفرّس مليّا في ملامحي فترحّم على والديما شاء الله على عَمْ البغدادي وعلى صحّته وعلى ذاكرته وفراستهوبعدما اِنتظمت الفرقة بزيّها الأحمر والأبيض والتي جميعُ عناصرها من أحفاده أعطى لهم الإشارة بالشّروع فنقر الطّبلَ نقراتٍ خفيفةً وعَلا المزمار عاليا صادحا .

حينذاككان لابدّ وبعد كل وصلة من رشق بعض الأوراق المالية على رؤوس عناصر الفرقة تشجيعًا لهم وتكريما وتلك من عادات الأفراح لدى أهل غمراسن الذين يعتبرون العائلات السّمراء فُروعا من عشائرهم فالعلاقةُ بينهم قائمة على المودّة والتقدير ـ لا غير ـ بل إن بعض العائلات السّمراء الإفريقية تحمل لقب بعض عائلات أهل غمراسن وتُقاسمها أملاكها العقارية أبًا عن جدّ وتتآزر معها في الأفراح والأتراح

 وبينما أنا أتابع الحفل في بهجة واِنشراح مع أفرادٍ من عائلتي وثُلّةٍ من الأصدقاء إذْ بحسناءَ سمراءَ مشرقةِ الوجه تقصدني مسرعةً فرحة وتحتضنني بشوق قائلةً بصوت مرتفع أهلا أهلا بخالي سُوف !!..فتعجّب جميعُ من كان حولي …نعم أنا خَالُها حقّا وبالتّمام والكمال…فقد رضعتُ مرّاتٍ ومرّاتٍ مع أمّها من صدر ـ أمّي فائزة ـ السّمراء الإفريقيّة رحمها اللّه وتلك عادة عائلتي منذ أجيال…

ــــــــــ ثرثرة ــــــــــــ

كُنّا صِغَارًا
نَتباهَى فِي عِيدِ الفِطْر
بِجَدِيدِ ثِيابِنا
وَألعَابِنا
وَنَنْتَظِرُ عِيدَ الأَضْحَى
لِنُفاخِرَ بِالقُرونِ الكبيرةِ لأكْبَاشِنَا
وَبشَدِيدِ نَطْحِهَا

*
كبُرْنا قَليلًا
صِرْنَا نَتَفَاخَرُ بِشُوَيْعِرَاتٍ
ِفَوْق الشّوَارب

ثُمّ مَرَقَتِ بِنَا السّنواتُ
فِي السّنواتْ
فَلَمْ نَدْرِ كَيْفَ مَضَتْ بِنَا الدّنيا

حتّى رَأيْنَا مَا رَأيْنَا

وغزانا الشّيبُ
فأمْسَيْنا نَفْخَرُ بِأَبْنائِنَا
وعُدْنَا نَتَنَافَسُ فِي السّباق

وَلكنْ

معَ الأحْفادِ

*
عِندمَا نَتْعَبُ
نَجلِسُ بينهُم نُثَرْثِرُونُثَرثرُ
نُفاخِرُ بآبائِنا والأجدادِ

كانُوا وكانُوا
وَكُنّا فِي هَذا اَلْبَلَدْ
رُبّما

يَأتِي زمَانٌ

وَلَا يَذْكُرُنَا أحَدٌ

ـــــــــ أوّلُ أمسيّة شعريّة ــــــــــ

في آخر أيام الرّبيع من سنة1969 كنت أستمع إلى الإعلانات التي كانت تبثّها الإذاعة التونسية وقتذاك فشدّ اِنتباهي بلاغُ اللجنة الثقافية بضاحية أريانة التي أعلنت أنها ستنظم أمسية شعرية بمناسبة مهرجان الورد وتدعو من يرغب في المشاركة أن يرسل قصيدين إليها .
لست أدري كيف عقدت العزم وأرسلت أربع قصائد وقرّرت الحضور حتى وإن لم أشارك في الأمسية فمساء الجمعة مناسب لأنه خال من الدّروس وضاحية أريانة قريبة والفصل ربيع وهي مناسبة لاِكتشاف أجواء الأمسيات الشعرية التي لم تكن منتشرة في ذلك العهد .
وكم كانت المفاجأة كبرى بعد أسبوع تقريبا عندما عدتُ من معهد اِبن شرف عند منصف النهار فوجدت رسالة من اللجنة الثقافية تحمل اسمي مسبوقا بالشّاعركانت وماتزال وحتى بعد انقضاء نصف قرن تُمثل ذكرى من أجمل ذكرياتي التي تبعث في وجداني شعور البهجة والغبطة
قبل ساعة كنت أجلس في قاعة كبيرة لعلها قاعة البلدية منتحيا مكانا جانبيا وأخذت أراجع نصوص القصائد متثبّتا من حركات أواخر الكلمات خاصة وعندما رفعت بصري وجُلت به يمنة ويسرة وجدت أغلب كراسي القاعة قد امتلأت بالحاضرين وقتها تملّكتني رهبة لم أشعر بها من قبل أبدا وبعد برهة صعد إلى المنصّة الشعراء وأذكر من بينهم خاصة أحمد اللغماني والميداني بن صالح ومُحي الدين خريف وعندما أخذوا أماكنهم نادى رئيس اللجنة الثقافية على اِسمي وعلى الشّاعر سُويلمي بوجمعة راجيا منا إن كنا حاضرين أن نصعد بجانبهم إلى المنصة .
ما أعظمها من فرحة وما أروعه من شعور بالاِرتياح أن يُنادى على اِسمي مسبوقا ـ بالشّاعر ـ ثم أن أجلس على المنصة مع صف الشعراء الكبار الذين كنت أقرأ لهم وأستمع إلى بعضهم في الإذاعة وكم كانت فرحتي عارمة عندما بدأت الأمسية بنا إذ افتتحها سُويلمي بوجمعة بقصيدين وما زلت أذكر طريقة أدائه بنبرة شجية خافتة نالت إعجاب الحاضرين ثمّ تقدمتُ إثره إلى المصدح فوقفت أقرأ قصيدتي الأولى من دون النظر إلى الورقة أما القصيدة الثانية فقد شدتني ورقتها أكثر وأذكر أن الشاعر أحمد اللغماني قد أبدى ارتياحا خاصة للسلامة اللغوية والعروضيية وشجّعنا أن نكتب بروح تفاؤلية أكثر نظرا لأننا في مرحلة الشباب وكذلك لأننا في مهرجان الورد وفي فصل الربيع وأبدى اِحترازه بل رفضه لقصيدي الثاني لأنه خال من الوزن العروضي ولم يعتبره شعرا أصلا فالتجديد حسب رأيه لايكون إلا ضمن إيقاع التفعيلة والقافية لكنّ الشاعر الميداني بن صالح قد عبّر لنا في كلمته عن اِرتياحه للمواضيع التي تناولناها بما فيها من طرق للقضايا الاِجتماعية والوجدانية.
قبل هذه الأمسية كنت أرسل نصوصي إلى الأديبة حياة بالشّيخ التي كنت أقرأ لها في صحف ومجلات ذلك العهد وقد كان أخوها فيصل بالشيخ زميلي وصديقي منذ أن كنا ندرس بمعهد الصادقية فكنت أسلّمه نصوصي فتقرأها وتسجّل ملاحظاتها بدقة وعناية وأذكر أنني عندما اِلتقيت بها سنة1972 بنادي القصّة في مكتب الأديب محمد العروسي المطوي أبديت لها شكري وتقديري وأثنيت على ملاحظاتها المفيدة .
تحيّة شكر وعرفان ووفاء لكل الشّعراء والأدباء والأساتذة والصُّحفيين ولجميع الذين أخذوا ببدي وشجّعوني وفتحوا أمامي مختلف المجالات الأدبية والثقافية.
فما أكثر ما أخذتُ وما أقلّ ما أعطيت….

ـــــــ أوّلُ ما نشرتُ ــــــــــــــــ

ـ جُدران ـ

الحياة غرفة ظلام

الإنسان لا يستطيع أن يرى في الظلام.

أمشي في غرفتي بدون عينين تدفعان الظلام

لابدّ أن أصطدم بما في غرفتي

اِصطدمت في حياتي بأشياء

أشياء مختلفة من حيث تأثيرها في نفسي

أوّل ما أستذكر أنني عندما كنت ألعب الغميضة مع الصبيان اصطدمت بجدار فأصيب رأسي بجرح خفيف

ضحك الصّبيان ضحكا طويلاالجدار الذي اِصطدمت به لبناتُه ناتئة

الجدران تسجُن ما نسمّيهم مجرمين

الجدران تتكوّن منها المدينة

نحن نعيش بين الجدران

الجدار يفصُل الفضاء

الجدار يفصل الجائع عن الرغيف

كل الناس يعملون من أجل الرغيف في بادئ الأمر فإذا تحصّلوا على الرغيف تجاوزوه إلى أشياء أخرى فحياة الإنسان كلها جدران..

إلى أن يصل إلى جدار قويّ فيظلّ يصطدم به مرّات ومرّات

حتى تسقط عليه لَبِنة منه فيموت.

الجدار الأخير أقوى من الإنسان الذي لا يعلم أن مصيره سينتهي إذا أراد تجاوز هذا الجدار

الإنسان يريد تجاوز كل شيء.

الإنسان لا يهتمّ باشتعال الضوء الأحمر الذي على الجدار

إنه جدار الموت.

الإنسان لا يهتم بالخطر،

الإنسان يتحدّى جدار الموت،

ولكنّ جدار الموت يتحدّاه، جدار الموت يقول لنا إنّني قويّ، أقوى منكم جميعا، إنه يجذبنا إليه فنطاوعه ونظل نناطحه حتى يتسرّب إلينا الإعياء، فنموت

الإنسان ينتهي مصيرُه على جدار الموت القويّ الذي يأبى أن يتهدّم

جدار الموت يأبى أن يفنى.

الفناء هو ما حدث في هيروشيما منذ سنين واِستنكر الإنسان أينما وُجد، هذه (الجريمة) قام بالمظاهرات وعلت الأصوات، وكتب في الجرائد بحروف سوداء بارزة، ولكن لم يجد نفعا، السلاح ظل ممنوعا منذ القدم – وبالرّغم من ذلك فهو موجود، إنه موجود إلى الآن، السّلاح يتطور بتطور الانسان.

الموت يتطور بتطور الانسان وتأكّد الإنسان من ذلك اليوم أن حياته في خطر، أصبح لا يعرف عن غده شيئا، وضع في حُجرة مظلمة ليمشي وكلّما خاف أن يصطدم بشيء، لعله كرسي، لعله منضدة أو سرير ولعله يصطدم بجدار الغرفة، إنه لا يعرف ماذا سيحدث عندما يتقدم أو يتأخر ولا يستطيع أن يقف مشلول الحركات ليضمن لنفسه النجاة.

الغرفة مظلمة،

الغرفة تتلاعب بها الأمواج،

الإنسان لا يستطيع الثبات فوقها،

الظلام يحجب عينيه فلا يرى موضع قدميه

يظل يتعثّر ويتعثّر

حتّى يصطدم بالحدار

.

جريدة الصّباح ـ تونس ـ 6 ـ 12 ـ 1970

ــــــــــ سِي العروسي ــــــــــــــــ

محمد العروسي المطوي 1920م ـ 2005 م

ـ 1 ـ

هذا الأديب التونسي الكبير الذي يُمثّل أحسن ما يكون مقولة ـ الأدب هو الأخذ من كل شيء بطرف ـ فقد خاض قلمُه غمار الشّعر والقصة والرّواية والسّيرة والنّقد والتّحقيق إلى جانب المقالة والخطابة والمحاضرة في النوادي والندوات والجمعيات وفي الإذاعة وفي المحافل وغيرها من المناسبات ممّا جعل مدوّنة المطوي متعدّدة المواضيع متنوّعة الأجناس والمشاغل فهو يمثّل الأديب الشامل الجامع بل وله قَصَب السّبق في بعض نواحي الاِبتكار والتجديد سواء في الشّعر أو في السّرد .إلى جانب ذلك الرّصيد الثريّ من الأعمال الأدبية فإنّ لمحمد العروسي المطوي إسهامات واضحة في الحياة العامة الاِجتماعية منها والسياسية إضافة إلى قيامه بتدريس التاريخ والأدب سنوات عديدة لطلبة جامع الزيتونة خاض بعدها إثر اِستقلال تونس المجال الدبلوماسي فجميع هذه النواحي جعلتْ منه شخصية متميّزة كنتُ محظوظا بالاِقتراب منها في مناسبات وفترات مختلفة وعديدة منها الخاصة والعامة ضمن النشاط الثقافي وكم كنت سعيدا بمرافقة سِي العروسي في الحِلّ والتّرحال إلى بعض البلدان فأنِستُ بطيب مَحْتَدِهِ وعِشرته ونَهلت من معرفته وخبرته واِهتديت أحيانا ببعض مواقفه منذ عهد شبابي الأوّل إلى أن شاب رأسي وإلى سنوات ـ سِي العروسي ـ الأخيرة .ـ سِي العروسي ـ كذلك كنت أسمّيه سواء عند حضوره أو في غيابه و ـ سي ـ هذه أعتبرها عنوان التقدير والإجلال وأتحدّث بها ـ إلى وعن ـ أساتذتي الكبار مثل سيّدي البشير العريبي وصالح القرمادي وتوفيق بكّار ومنجي الشّملي ومحمد البعلاوي وسعد غراب وغيرهم أولئك الذين أدين لهم بالكثير من وطابي الأدبي .

ـ 2 ـ

أوّل ما لقيت سي العروسي كان في النادي الثقافي أبي القاسم الشابي بضاحية الوردية وهو النادي الذي تأسّس مع جملة من النوادي الثقافية التي أُنشِئت عند مطلع ستّينيات القرن العشرين ومن بينها النادي الثقافي الطاهر الحدّاد الذي كان مقرّه في مدخل حديقة البلفدير ثم تحوّل إلى  المدينة العتيقة في أوائل السبعبنيات والنادي الثقافي علي البلهوان في شارع فلسطين وكان نادي أبي القاسم الشّابي مقصد الكثير من الأدباء والمثقفين التونسيين والعرب فذهبت إليه مع جملة من التلاميذ مرافقين أستاذنا سي البشير العريبي الذي كان يدرّسنا العربيّة في معهد الصّادقية في ما أذكر سنة 1968 ومن حينذاك صرت أتردّد على المكتبة الثريّة في النادي الثقافي أبي القاسم الشّابي وأحضُر كلّما تسنّى لي ذلك في  مناسباته الأدبية وشيئا فشيئا صرتُ قريبا من سِي العروسي خاصة بعد أن أصبحت طالبا بكليّة الآداب بتونس ففي سنة 1973 اِنعقد بتونس أول مؤتمر للأدباء العرب مع مهرجان الشعر العربي وكانت بعض الأمسيات الشعرية تنتطم بدار الثقافة اِبن رشيق والأبواب محروسة بالشرطة فلا يسمح بالدخول إلا بالدعوات الخاصة فكنت من ثلّة من الأدباء الشّباب والطلبة الذين اِجتمعوا محتجّين أمام دار الثقافة فإذا بنا نرى سي العروسي وسي الميداني بن صالح يخرجان من داخل القاعة ويسمحان لنا بالدخول ومتابعة الأمسية من الطابق الأول .
حدّثني سي العروسي مرّات عن دراسته في جامع الزّيتونة وعمّا كان يعانيه الطلبة من شظف العيش إذْ لم يكن طعامهم أحيانا إلا حفنة من بسيسة القمح والشّعير يعجنونها بالماء فقد عاشوا سنوات ضنكة على وجبات نزر قليل من التّمر أو من التّين المجفّف أو الزّيت والزّيتون والهريسة فكانوا في الشّتاء يتقاسمون في اليوم صحفة لبلابي ساخنة ما فيها إلا حبّات حمص ومرق .

وذكَر مرّة أنه عندما كان داخلا من باب جامع الزيتونة إذ هبّت ريح قويّة خلفه رفعت طَرَفَيْ بُرنسه عاليا فرآه شيخه على تلك الحال فقال له مازحًا ـ الحمد للّه يا عروسي …لوْ لم تكن المَطويَّ لَطيّرتْك الرّيح !!

ـ 3 ـ

من مواقف سي العروسي المطوي الوطنية الغير معروفة وذلك لتواضعه ولضُمور النزعة الأنانية لديه أذكر أنه كان من جملة المثقفين التونسيين الذين شجّعوا الشّباب ودفعوهم إلى التطوّع في حرب فلسطين سنة 1948 وعندما كان سِي العروسي سفير تونس بالعراق نالت الكويت اِستقلالها عن بريطانيا فاِعترفت تونس بذلك الاِستقلال لكنّ حكومة العراق وقتذاك اِعترضت عليه لأنها اِعتبرت أن الكويت تابعة للعراق ممّا أوقع خلافا سياسيا كبيرا بين الرئيس الحبيب بورقيبة والرئيس العراقي عبد الكريم قاسم وقد وجد حينذاك سي العروسي إغراءات كبيرة ليخالف موقف بلاده ويبقى في بغداد مُعزّزا مُكرّما لكنه لم يستجب وعاد إلى تونس منشغلا بالحياة الثقافية وصار نائبا عن ولاية قابس في البرلمان ضمن لجنة التربية والثقافة وساهم في الإذاعة الوطنية التونسية ببرنامج خصّصه لمختلف مراحل تاريخ تونس وعصورها وكان الرئيس بورقيبة حريصا على الاِستماع إليه وحتّى عندما لا يتمكن من ذلك مباشرة فإنّ مدير الإذاعة كان يرسل إليه ما فات من الحلقات مسجّلة ووصل البرنامج إلى الحديث عن الدولة الحفصية فاِتصل بورقيبة بسي العروسي ملاحظا له أنه قد أطنب وفصّل القول كثيرا في التاريخ وأنه أبطأ في الحديث عن تاريخ الحركة الوطنية وإبراز تفاصيل نضال الرّئيس فكان جواب سِي العروسي أن التاريخ يجب أن يكون متسلسلا لذلك لا يمكنه أن يتجاوز العصور ويقفز على الأحداث بسرعة وأنه سيصل إلى ذكر تاريخ تونس المعاصر لا محالة وسيذكر ـ الزعيم المجاهد الأكبر ـ بورقيبة ـ إلا أنه يبدو أن الرئيس كان يريد العجلة في الحديث عنه فلم يتواصل البرنامج بعد تلك المكالمة .

ـ 4 ـ

أذكر مرّة أنّي كنتُ جالسّا معه في إحدى المقاهي بالعاصمة تونس وعندما أقبل النّادل بالطّبق ووضع أمامه الفنجان قال له ـ تفضَل يا سي العروسي ـ وبعدما تحادثنا وهَمَمْنا بالاِنصراف بادر سِي العروسي بنقد النادل ورقةً من فئة الخمسة دنانير راجيا منه بلطف أن يترك الباقي لديه وعندما غادرنا المقهى قلت لسي العروسي إنّ النادل كان يرضى ويبتهج بما يتبقّى له من دينار واحد على أساس أن القهوتين معًا لا ﻻيتجاوز ثمنهما نصف الدينار ! فما كان منه إلا أن قال لي ـ يجب أن أكرمه لأنه عرفني وقال لي ـ سي العروسي

وهو لئن بدا على غاية من الكرم في هذا الموقف فإنّه على عكس ذلك في موقف آخر عندما يطلب أحدُنا منه ورقةً ونحن في  جلسة باِتحاد الكتّاب التونسيين أو في النّادي الثقافي أبي القاسم الشّابي فإنه يأخد ورقة ويقسمها نصفين أو على أريع ويقول إن تلك تكفي لكتابة ملاحظات أو أسئلة فسأله أحدهم  – مُمازحا – لماذا هذا التقتير وأراد اِستفزازه  بحضورنا فكان ردّ سِي العروسي أنّ حسن التصرّف في المال العام واجب وأنّ نصف ورقة أو ربعها كاف لكتابة بعض السطور الضرورية أما من يريد كتابة قصة أو رواية أو ديوان أثناء الاِجتماع فما عليه إلا أن يحضر معه كرّاسًا !ذاك زمن…

ـ 5 ـ

عندما حضرت لأول مرة مؤتمر اتحاد الكتاب التونسيين في آخر سنة 1981 بدار الثقافة اِبن خلدون كان عدد المؤتمرين من الأدباء لا يتجاوز الثمانين ودام المؤتمر يوما واحدا وكان الغداء ـ شاطرا ومشطورا ـ وبينهما هريسة وبعضُ الفَتْفَتَات من التُنّ أو السّردين وقطراتِ رذاذٍ من الزيت لا غير وكنا سعداء ولم نبال لأننا عقدنا مؤتمر الاتحاد وأصدرنا بيانا يتضمن المطالبة بحرية الكلمة وبدعم نشر الكتاب وتوزيعه وتضمين التعليم في جميع مراحله قدرًا أكبر من الأدب التونسي وفتح فروع للاتحاد في مختلف ولايات البلاد والتفكير في إنشاء مجلة خاصة تصدر عن الاِتحاد والعمل على ترجمة مختارات للأدباء التونسيين المعاصرين فكان المؤتمر نقلة نوعية في تاريخه ثم بعد أن تولّى الأستاذ محمد مزالي الوزارة الأولى اِستقال من رئاسة الاتحاد وخَلَفه نائبُه سي العروسي واِنتقل مقر الاتحاد من مكتب صغير في دار الثقافة باب العسل إلى مقره الحالي بجانب المعهد العالي للموسيقى ودار الثقافة ابن رشيق في قلب تونس العاصمة وهو مقرّ محترم وكان حلما للأدباء المؤسسين ويعود الفضل الأكبر لاِكتساب هذا المقرّ وهو من أملاك الدولة إلى مَسعى الأستاذ بشير بن سلامة وزير الثقافة في حكومة مزالي وبِحِرصٍ كبير من الأدباء محمد العروسي المطوي ومحمد المرزوقي والجيلاني بالحاج يحي وغيرهم…

وباِنتقال اِتحاد الكتّاب إلى مقرّه الحالي 20 شارع باريس وبرئاسة سِي العروسي اِنطلق في طور جديد وذلك بإنشاء عديد النّوادي والفروع وإصدار مجلّة  ـ المسار ـ

ـ 6 ـ

 في آخر سنة 1989 بدأ الاِستعدادات لعقد المؤتمر فطلب منّى سي العروسي ذات يوم بعد اِنتهاء جلسة أحد النوادي أن آتي إلى الاِتحاد من غدٍ باكرا لمراجعة بعض مواد مجلة المسار قبل طبعها فذهبت من غدٍ ولكن لم يُسلّمني ملفّ المجلة بل مدّ لي رسالة من اِتحاد أدباء العراق والثانية وكانت بالفرنسية من المعهد العربي بباريس وقال لي هل بإمكانك الإجابة عنهما مضمّنا موافقة اِتحادنا على ما فيهما فقلت له ـ حسنا ولكن هذه مهمّة الكاتب العام سي مصطفى الفارسي ـ  فقال لي إنه منشغل بمسؤوليته في اِتحاد كتّاب إفريقيا وآسيا والأخ مصطفى لا ينوي أن يكون في الهيأة المديرة القادمة ثم أردف قائلا بشىء من الحزم – إنّ اتِحادنا في حاجة إلى كلّ أعضائه وسلّمني ورقتين فأخذتهما مع الرسالتين واِنصرفت إلى المكتبة لأردّ عليهما وما كادت نصف ساعة تمضي حتى رأيت سي العروسي يدخل المكتبة قائلا هل أتممتَ ؟ فقلت ـ نعم وسلّمته الإجابة عن الرسالتين الأولى بالعربية طبعا والثانية بالفرنسية ورافقته إلى مكتبه فجلس وقرأهما ثم أبدى اِنشراحه وقال لي مبتسما ـ ما قصّرتش يعطيك الصحّة ـ فشعرت كأنني نجحت في الاِمتحان فسِي العروسي حريص على الدقة وحسن ضبط الكلمات وتنسيق الفقرات مع مراعاة بروتوكولات المقام والمناسبة وقد عَلِمتُ كل ذلك من خلال إملاءاته وملاحظاته عندما كنت أراجع معه بعض المراسلات… وأمر لي بقهوة ثمّ مال بالحديث إلى شؤون المجلة فإذا به يأخذ ورقةً صغيرة ويكتب فيها بقلم الحبر ويمدّها إليّ كالسِرّ دون أن ينبس بأيّ كلمة فأخذتها كالوديعة وقرأت ما فيها….جملة واحدة فقط هي :

الترشّح إلى الهيأة المديرة –

وبدون تردّد وبسرور كبير قلت له ـ نعمْ… ولكن بشرط أن أكون معك يا سِي العروسي !

وكان المؤتمر في آخر ديسمبر 1989 بدار الثقافة اِبن خلدون وبعد الاِنتخاب كان نصيبي أكبر الأصوات وتولّى سي العروسي الرّئاسة وسي الميداني بن صالح نائبه والأخ محمد العاشمي بلوزة تولّى أمانة المال والأخ جلول عزونة تولّى مسؤولية العلاقات الخارحية أما الكتاية العامة للاِتحاد فكانت مسؤوليتي وضمّت الهيأة أيضا الأدباء أبا زيان السّعدي وسمير العيادي وعبد الحميد خريّف والطيب الفقيه ونور الدين بن بلقاسم والتابعي الأخضر فحاولنا قدر المستطاع الإضافة والعمل على تحسين منزلة اِتحاد الكتّاب التونسيين وإشعاعه سواء داخل البلاد أو خارجها فقد ضمّ الاِتحاد في تلك السنوات العدد الأكبر من الأدباء والشعراء والجامعيين على توالي أجيالهم واِختلاف قناعاتهم الفكرية واِنتماءاتهم السياسية وعلى تنوّع ألوانهم الأدبية والفنيّة وتعددّها وقد تولّى أيضا اِتحادنا رئاسة الاتِحاد العام للأدباء والكتّاب العرب فأصيح سِي العروسي رئيسه في ظروف خلافات عربية حادّة إبّان حرب الخليج كادت تعصف بالاِتحاد أيضا .

 من كان يظنّ أنّ ذلك الشّاعر الشّاب الواقف مع جَمْعٍ من الأدباء الشبّان وقد مُنعوا من دخول الأمسيات الشعرية عندما اِنتظمت بمناسبة مهرجان الشّعر العربي بتونس سنة 1973 سيكون من بين الفاعلين في تنظيم ذلك المهرجان سنة 1991

ما كنتُ أحسب يوما أنّني سأكتب البعض من هذه الذكريات بما فيها من معاناة وتحدّيات ولكن ما أمتعها…!

رحم الله سي العروسي !

 

ــــــــــــــ القُرط القديم ــــــــــــــــــــ

إلى الشّاعر الميداني بن صالح اِستلهامًا من مسيرته بمناسبة بلوغه السّبعين من عمره

هِيَ ذِي خُطاهُ
تُوصِلُني إلى مَشاهدِهِ القَديمةِ
وَقفتُ أمامَ البوّاباتِ
صَلدةُ ذاتِ الصَّخرِ
على هَيْأةِ الأقواس
مِنْ أعْمِدةِ المَرْمَرِ قُدَّتْ
قرأتُ نَقِيشَتهُ الاِسمَ والعُنوانَ
حَملتُ زادِي… واصَلتُ الطّريقَ
عِندَ كُلّ فَرْسَخٍ  أسألُ عنهُ
نَفْسُ مَا يُقالُ ومَا قيلَ
كانَ قد مَكثَ هُنا قَليلا
ثُمّ شَاقهُ السّفَرُ نَحْوَ البَعيدْ
تُرى أينَ ألقاهُ هُوَ الرّاحِلُ دائمًا
مِنْ بِيدٍ إلَى بِيدْ
*
هِي ذِي خُطاهُ
ضاربةٌ في ثَنايَا القَفْر عندَ السّباسبِ
على مَدى البَصَر

خُطاهُ
قارعةٌ رَصيفَ المُدن مِنْ شَرقٍ
 إلى غربٍ
مِنْ غُروبٍ إلى شُروقٍ
كلّما شَدّهُ خيطٌ
أَوِ اِنقطعَ وَتَرْ
عَجّل بالرّحيل
إذْ تصغُرُ حَوْلَهُ السّاحاتُ حتّى تَضيقَ
هو الحُرُّ الطّليق
لا يَنامُ على مُستقَرْ
*
كَشفْتُ رُؤاهُ
اللّيلُ والأحلامُ… والطّريق
مِنْ أقصَى الواحاتِ
مِنْ آخِرِ نَخلةٍ في الصّحراء
جَاء يَسْعَى
أيُّ آتٍ من الأيّام سَيَلقاهُ الفتَى
وأيُّ قِطافٍ مِنَ السّنواتِ سَيقبِضُهُ
بَدَلَ حَفْنةِ التّمر
والقُرطِ القَديم ؟
هُوَ ذا لِمَنْ يَراهُ
نَحيفٌ كرُمح
خافقٌ كمِثل جَناح
وَهْوَ في السّبعينَ إذْ يحُثُّ خُطاهُ
يَبدُو كطِفل السّابعةِ
يُسَابقُ في مَداهُ
*
أتْعَبْتَنا يا سيّدِي
فأنتَ الجَمُوحُ
مُهْرٌ بِلا لِجام ولا سَرْج وَلا رِكابْ
وِهَادٌ قَطَعْتَها أنهارًا وشِعابْ
دُونكَ المَمالكُ وَالمَسالِكُ
لَمْحُ سَرابْ
كُنتُ ثَانيَ إثنينِ مَعَكَ فِي الطّريق
الإسْفَلْتُ
وَالمَسافاتُ
وَهَذا الجَنوبُ
*
فِي مَا مَضَى
مِثلَ صِغارِ العَصافير
كُنّا نُزقْزقُ الحُروفَ
نَتهَجَّى سِرْبَ الكلماتِ
عَلى أجْنحةِ اللّغةِ العَذْراء نَنطلِقُ
نَمْتَشِقُ الفَضاءاتِ الجديدةَ
نَطيرُ عَاليًا وبعيدًا
لا نَعبَأ باِحتِراقِ الرّيشِ في الشّمسِ
وَلا بِتَمْزيقِ الوَرق
حَوْلهُ نَجتَمعُ
فَمِنْ أجْل رَبيع الفَراشَاتِ
كُنّا نأتلِقْ
هُوَ الصّقرُ الذي حَلّق قَبْلَنَا
وَطَواهَا مِنْ مَداهَا إلى مَداهَا
أبعادَ الأفُقْ
*
مِثلَ نَجم يَأتَلِقْ
مَازلتَ يا سيّدي تَهدِي السَّفائنَ
والقَوافلَ
نحوَ الأقاصِي عَبْرَ التُّخُوم والسَّباسبِ
وبَدَلَ أنْ تَستريحَ وتَتْرُكَنَا في الخلاءِ
عِند مَهَبِّ الرّيح
هَا أنتَ تُمَدِّدُ جَناحَيْكَ مِنْ جَديد
وتأخُذُنَا مَعك
*
يا عُروةَ الشُّعراء
دَمِيَتْ يَداكَ مِنَ الشَّوْكِ ولمْ تُخَلِّصِ اَلْحَريرَ
مِنَ العَوْسَج
فَأيُّ جِراح سَتُناوِبُنا إيّاهَا
يا عُروةَ الشّعراء
هِيَ ذي خَيمتُكَ مُشْرَعةٌ للأحبّةِ
الظِلّ والرِّفْدُ فيها والمَاءُ
لِمَنْ ضلّوا إليكَ الطّريقَ
ولِمَنْ ضَاعَ في المَدائن بين الحَوانيتِ
والواجهاتِ
جاءكَ مُرتجفًا يَسْعَى يَطرُق الباب
آمِنًا يدخُل نحوَك عليه السّلام
تَمسحُ الأحزانَ عنه
فتُرفْرفُ حَولهُ حمامةُ الرُّوح
تُناولهُ الزّادَ وعناوينَ الكُتبْ
فَمِنْ أوراقِكَ يا ـ أستاذُ ـ
اِشتعلَ جِيلُ الغَضبْ
*
وَاحَرَّ قَلباهُ ـ قُلتَ
آهٍ مِنْ زمنِ العَرَبْ
آهٍ مِن صَحْوي وسُكري
ومُروقي ولِجَاجِي
وسُكوني وظنُوني
واِنطلاقِي وَهِياجِي
أهٍ مِنْ عَقلِي
ـ إذا مَا ثَارَ بُركانًا
عَلى كُلّ الأحَاجِي ـ
*
مِثلَ كلّ مُسافرٍ فِي الفَيافِي
ينُوشُهُ الغُبارُ حَتْمًا مِن وَعْثَاءِ الطّريق
لكنّهُ عندمَا يتكدّسُ على الدُّروب
يَمْسحُ بِلا خَجل نَظارتَيْهِ
فَيرَى مَا لمْ نرَ
إذْ يَتَبَيَّنُ الظّلامَ والذّئابَ
غيرَ أنّه في الدّياجِي
يُشْعِلُ بَسْمةً
عندمَا يُطفِئُ شَمعةً
*
هُوَ ذَا أشْهَى التّفاصيلِ وأَحْلَى
كلّما تَاهَ فِي مُروج العِنبِ
وراءَ سَانِحةٍ لِذكرَى وتَجلّى
فَإذا أخْطأتِ الكأسُ شَفتيْه
اِبتسمَ وقَال
ـ تُخْطئُ البَوْصلةُ ذاتَ ريح
أوْ ذاتَ حَريق
ولاَ يُخطئُ قلبِي
هُو دَربي
وذاكَ الأفُق
ـ شِعْري لُهاثُ الكادِحينَ على الدُّروب
شَدْوِي أهازيجُ الشّعوب
مَنْ صَارعُوا الأمْواج
والبحرَ الغَضُوبْ
مَنْ غالبُوا الأقدار
واِقتحمُوا الخُطوبْ
مَنْ عبّدُوا الطّرُقَ المَديدةَ
فِي الجِبال ـ
*
مَرّةً ونحنُ على الجِسر قال
إنّنا لا نقطعُ النّهرَ مَرّتين
قلتُأريدُ أنْ أقِفَ على الضَّفَّتَيْنِ
قال مُسْتحيللا بُدّ أنْ تختارْ
فَإمّا يَمينٌوإمّا يَسارْ
قلتُ عَنيدًا عِندَئذ أَخْتارُ الوسَطْ
قالإذن سَيَجْرُفُكَ التيّار
ثُمّ في الأمْواج تَضيعْ
فَلا السَّاحلَ أدْرَكْتَ
وَلا سَقَتْكَ الينابيعْ
*
مَرّةً عندمَا اللّيلُ سَجَا
سَاءَلتُهُ عَن الأصدقاء
إنّهُم كَمَنْ يُغَربلُ الماء
زِدتُهُ قائلا
والنّساء ؟
صَمَتَ لَحظتين ثُمّ قال
– أوّلُهُنَّآخِرُهُنّ أمّي
فَمَنْ يَبِعْنِي اليَوم
ذلكَ القُرط القَديم
وبَكَى
*
هِيَ ذِي نَخلتُهُ مَا تَزال
يَامَا زَحفتْ عليها رمال
يَامَا رياحٌ عليهَا عَصَفتْ
يَامَا رماحٌ فيها رُشِقَت
ويُمْطرُ السَّحابُ
أوْ لا يُمطرُ السَّحابُ
فَقيرةٌ أوْ جائعة
ليستْ ذليلةً أوْ طامعَهْ
يَا نَخلتَهُ الصّامدَهْ
مَا سِرُّ خُضرتِكِ الخَالدهْ ؟
*
وَيْلِي مِنْ زَمَنٍ
البَسمةُ فيهِ بالأنيابِ
المُصافحةُ بينَ الأحبّةِ كَفِعْلِ الْمِقَصْ
قلتُ له وقدْ تَجرَّعتُ الغُصَصْ
كَيفَ نُزَاوجُ ألوانَ قَوْسِ قُزَح
وَكيفَ نُوالفُ بينَ الحَمَائمِ والفَضاء
عندَ بابِ القَفصْ
أجابَ عندمَا نَرسُمُ حبّاتِ المَطر
علَى الشّجرْ
عندمَا نَسْتهْدِي الأمواج
إلى السَّواحل دُونَ أنْ تنكسِرْ
وعندمَا نَنْظُمُ شَتَاتَ اللّآلِي
فِي الخَيْطِ الدّقيق
وقتَها نَبْنِي الفُلكَ
لِنَجْتازَ المَضيق
فَمَا أطولَهُ طريق
فَمَا أطولَهُ طريق
*
تلكَ خُطاهُ
تُوصِلُنِي إلى مَشاهدِهِ القَديمةِ
وَقفْتُ أمامَ البوّاباتِ
صَلدةُ ذَاتِ الصَّخر
على هَيأةِ الأقواس
مِنْ أعمدةِ المَرمر قُدَّتْ
قرأتُ نَقيشتَهُ الاِسمَ والعُنوان
حَملتُ زَادِيوَاصلتُ الطّريق
عِندَ كلّ فَرْسَخ أسْألُ عنه
نَفْسُ مَا يُقالُ ومَا قِيل
كانَ قدْ مكثَ هُنا قليلاً
ثُمّ شَاقهُ السّفرُ نَحْوَ البَعيدْ
تُرَى أينَ ألقاه
هُوَ الرّاحلُ أبَدًا مِنْ بِيدْ
إلى بِيدْ
وَفِي كلّ عَامٍ تَراهُ
بِعُمْرٍ جَدِيدْ 

ـــــــ في ذكرى صالح القرمادي ـــــــــــــــــ

لستَ بعيدا حتى أذكركلست قريبا حتى أراك

(1)


آخرعهدي به كان جالسا في سيارته يدير محركها بعد أن غادر المركز الثقافي الدولي بالحمامات إثر انعقاد جلسة صباحية طويلة في الملتقى الثاني للشعر
وقتها حضر أغلب الشعراء الشبان و عدد وافر من المثقفين و كان صالح القرمادي سيد تلك الجلسة بل إنه أذهل الذين استمعوا إليم لأول مرة و أفحم الذين كانوا يحملون عنه أفكارا مسبقة حول اللغة و الفكر لأن الرجل قد لخّص وقتئذ البحر في كأس حينما اِستعرض بفاعلية العمق و قوة الإيجاز تاريخ الشعر العربي فأقنع و أخرس الذين يتهمونه بالدارجة و الفرنكوفونية فكم كنتَ متواضعا يا سيدي حينما لم تفتخر بالكتب و المقالات التي نقلتها من الفرتسية الى لغة الضاد بينما كم من مُتحمّس لها قد أساء إليها

(2)


تلك الجلسة التاريخية ستظل وضاءة في حركة الشعر العربي بتونس لأنها طرحت أسئلة خطيرة في ذهن الشعراء الحاضرين أهمها سؤال اللغة و سؤال الفن كذلك سؤال الإيديولوجيا و أجاب المرحوم صالح القرمادي جوابا حاسما يدل على سعة الإطلاع على التراث العربي والمدارس النقدية الحديثة فبيّن أن سرّ لغة الشعر كامن في طرافة خروجها عن النّسق العادي المتوقع عند المتقبل وهو ما سماه بالاِنزياح أو ما عبّر عنه القدامى بالعدول أو التضمين
و تدخّل بعده الأستاذ المنجي الشملي و رشاد الحمزاوي لتوضيح هذه المسألة فكانت حقا جلسة نادرة بين النقاد و الشعراء ليتها تواصلت في مناسبات أخرى


(3)

إن شخصية المرحوم صالح القرمادي متعددة الجوانب قصةً وشعرا و دراسات لغوية ونقدية وترجمة ونقلا ومشاركة فعّالة في عديد المجالات من أهمها ضمن مجلات التجديد و ثقافة و (أليف إلا أن قيمة الرجل الحقيقية تكمن في تحريكه للسّاحة الثقافية بتونس منذ أواخر الخمسينيات إلى أوائل الثمانينيات بمُعاصرته عن قرب لشخصيات مُهمة مثل البشير خريف و محمد فريد غازي و تشجيعه لعدد هام من الشبان هم الآن قد أثبتوا مقدرتهم في عديد المجالات قصة ونقدا وشعرا فصالح القرمادي هو ثالث ثلاثة في كلية الآداب بتونس درسوا بعمق الأدب العربي المعاصر و كان لهم الفضل في تحديد ملامح هذا الجيل الأدبي الجديد وهل يمكن أن ننسى الأستاذين الجليلين توفيق بكار والمنجي الشملي .؟

(4)


إنّ صالح القرمادي مثال نادر للمثقف الذي عاش تناقضات عصره وبيئته فعبّر عنهما بصدق وبشجاعة ولم يركن إلى الأبراج العاجية بل خالط الناس جميعا وجلس إلى الأدباء الشبان وساهم في عديد النشاطات بحماس و بقدر ما كان يسمح به المجال

قد نختلف في قيمة شعره وقصصه ولكننا نكبر فيه مقدرته العلمية في المجال اللغوي بالخصوص ونتعلم منه تواضعه و دأبه في سبيل الكلمة الملتزمة

(5)


تمضي بنا السنوات يا سيدي و لكنّ صورتك وصوتك مايزالان في ذاكرتي جلاءً و شموخًا برغم جحود البعض وبرغم نسيان البعض الآخر وبرغم هذا الوقت الصعب
الآن و قد تركتنا وشأننا 
يا سيدي
سنقرع الأبواب وحدنا
مرة بلطف
ومرة بعنف إن لزم الأمر
وسنجلس على عتبات البيوت
القديمة
و في ردهات العمارات الشاهقة
كالأطفال الهرمين
يرسمون على الجدران خطوطا واهية
لنوقع … ربما … بالموت
في شباك الحروف

(6)
لأنه الشّتاء
تركتَ الموقد يشتعل على مهل
لأنه الظلام
ظل النور في غرفتك حتى الصباح
لأنها قلعة النحاس هي الدنيا
أبقيت الباب مفتوحا
هو الدهر أعمى
فتركتَ نظارتبك على المكتب
واِنسللت كي لا تعود ؟
فيا غزلان البحار ويا أسماك الصحاري
جُرح في البحر غزال
وخُنقت في البريّة سمكة

(7)


يا سيدي هل أقول لك صراحة ـ إنني لست بخير وأن الدنيا رديئة كما تعرفها فالأمطار قليلة على بلادنا هذا العام وهل أقول لك أيضا إن تلك الجلسة في المركز الثقافي الدولي بالحمامات لم تتكرّر فلقد أغلق ذلك المكان أبوابه أمام المثقفين و الشعراء الذين نظموا الملتقى الثالث و كان يحمل اِسمك و لكن – معذرة – لم يكن كما نُحب و كما نريد وهل أقول إن الملتقى القادم لا أحد يتكلم عنه إلى الآنفقد أصبح للشعراء طموحات أخرى غير القصيدة

بالأمس القريب كنا نتناقش و نتشاجر وربما نتقاتل من أجل الشّعر واليوم كذلك نحن و لكن من أجل الكراسي وتذكرة سفر فبرغم كل شيء وبرغم كل الأشياء سنواصل خطواتنا على درب الكلمة وقد نتعثر و قد نستريح و لكننا يا سيدي لن نسقط أبدا فما أعذب الشّعر و ما أقصر العمر
يا سيدي ها أنك تقول لي لا تقل كما قيل و اِطلع مكان الشّمس فما أعسر أن نقول أنفسنا بلسان حالنا وما أقرب الشّمس إلينا و لكن ما أبعد أصابعنا نحوها ؟
لستَ بعيدا حتى أذكرك
لستَ قريبا حتى أراك
فكل عام و أنت في ذاكرتي حيّ نابض لا تموت

جريدة الصياح ـ تونس ـ 25 مارس 1986


ــــــــــ أسئلة الكتابة ــــــــــــ

أنا من جيل فتح وعيه على الأسئلة الكبرى في الثّقافة والأدب وفي الشّعر خاصّة مثل سؤال بأيّ لغة نكتب؟ أَبِالعربية الفصحى ؟ أو بالعامية ؟ أو بالفرنسيّة ؟ ففي المرحلة الّتي عقبت سنة 1967 اِعترى الثّقافة في تونس وفي أغلب البلدان العربية وحتّى في الشّرق الأقصى وأوروبا وأمريكا حيرة حادّة اِستطاعت أن ترُجَّ كثيرا من الثّوابت بسبب التّأثير المباشر والحادّ للأزمات الّتي وقعت وقتذاك: فمِن حرب جوان 1967 إلى حرب فيتنام ومن أصداء الثّورة الثقافيّة في الصّين إلى أحداث ماي 1968 في فرنسا وإلى حركات التحرّر العارمة في أمريكا وإفريقيا تلك الّتي كانت كالسّيل العارم أو كالنّار تشبّ في اليابس من الأغصان وفي ما تهاوى من الجذوع واِنشرخ من الأغصان وفي ما تناثر من الأوراق

*

كان من الممكن أن أنخرط في سياق السائد من الشعر الّذي كان يتراوح بين معاني الغزل والمديح والعنتريّات وبين معاني الرثاء والبكاء وجلد الذات،  وكان من الممكن أن أباشر الكتابة بالعامّية مُتمثّلا مقولة أنّها أقرب إلى الجماهير وأسهل في التّداول والاِنتشار، بل كان بوسعي أن أنخرط حتى في الكتابة باللّغة الفرنسية باِعتبار أنّها اللّغة الثانية في تونس والّتي يمكن بها أن أتواصل مع مدى أوسع في العالم.

ولقد بدأتُ فعلا في الكتابة بتلك اللّغة ولكنّني اِكتشفت أنّ في العملية

اِنسلاخًا واِنبتاتا فتراجعت ولم أنخرط في الكتابة بالعامّية التونسيّة عند تلك المرحلة وذلك لسببين اثنين أوّلهما أنّني علمت أنّها كانت ضمن سياق الدعوة إلى القضاء على الهويّة الوطنيّة ذات الأبعاد العربية، وثانيهما عدم اِمتلاكي لمفردات قاموسها الكبير وبالتالي عدم قدرتي على الإحاطة بها والتّعبير عمّا كان يخالج نفسي من المعاني الغزيرة والعميقة بتلك اللغة

 ورغم ذلك فإنّي أرى أن الأدب العامّي شامل لرصيد تراثي غنيّ اِنصهرت فيه مختلف المكوّنات التاريخية تلك التي تتجلّى بوضوح من خلال الأمثال والحِكم والأزجال والأغاني والحكايات والخرافات والألغاز والنوادر وغيرها وإنّ النّهل من هذه التعبيرات إنّما هو إثراء للأدب العربيّ بل هو رافد مهمّ من روافد تجديده وتنوّعه

. وقد لاحظت أنّه عندما تصبح الدّعوة إلى الاِستغناء عن العربية الفصحى وإبدالها بالدّارجة كتابة وتداولا فإنّ الأمر عندئذ ينقلب إلى قضايا تتعلّق بمكوّنات الشخصيّة الوطنيّة الّتي  أعتبر أنّ اللغة العربيّة هي اللّبنة الأساسية في بنائها وتماسكها وأنا لست مستعدا للمساهمة في هذا المشروع الخطير على الكيان الوطني الذي تمتدّ جذوره الثقافية والحضارية عميقا في التاريخ إلى ما قبل القيروان وقرطاج

*

إن مرجعيّة الشّاعر الحديث اليوم ما عادت تقتصر كما كانت على الشّعر القديم المبثوث في المتون والمختارات والمصنّفات من الدواوين تلك الّتي يقتصر الإبداع الحقيقيّ فيها على بعض القصائد فحسب، بل صارت تلك المرجعيّة تستند أيضا إلى عديد النّصوص الأخرى في الآداب القديمة والمعاصرة تلك الّتي اِطّلعنا عليها فاِكتشفنا فيها آفاقا وأنماطا أخرى من الإبداع فحاولنا أن نقتبس من تلك المعالم الإنسانيّة إلى شعرنا الحديث من دون نسخ أو نقل مباشر فالآداب تتلاقح وتتمازج وتتحاكى وتتطوّر ليس بفعل التّرجمة والاِطّلاع فقط وإنّما بسبب العوامل الاِجتماعيّة والحضاريّة أيضا. فالجيل الّذي كتب قصائده على نمط التّفعيلة ـ الشّعر الحرّ ـ وخرج على نمطيّة البحور والقوافي عند منتصف القرن العشرين قد عبّر بذلك عن خروجه على نسق المجتمع العربيّ القائم على التّقاليد والقيم تلك الّتي تزحزحت بسبب التطوّر الكبير في حياتها الّذي ِاستطاع أن يؤثّر في كلّ شيء فيها من تخطيط المدينة ومعمارها، إلى فضاء البيت ومختلف العلاقات بين ذويه، ومن أدوات الكتابة والقراءة، إلى أدوات الفلاحة والطبخ، ومن الأثاث واللّباس، إلى الأفكار والإحساس

إنّ قصيدة جيل النصف الثاني من القرن العشرين عبّرت عن ذلك التغيير والشّرخ الكبير الّذي تمرّ به المجتمعات العربيّة بفعل دوافعه الاِجتماعيّة والتاريخيةّ العديدة.

*

أمّا الجيل الموالي الّذي تشكّل وعيُه في سنوات الثّلث الأخير من القرن العشرين فقد عاش فترة الِانهيار والانكسار والدّمار على المستوى المحلّي والقومي والعالمي وعلى مستوى الإديولوجيات والأحزاب السياسية خاصة فأراد أن يبني وأن يؤسّس على غير ما وجد لعلّه يجد الخلاص فرأيناه يَنشُد الجديد والغريب أحيانا ليس في الشّعر والآداب فحسب وإنّما في شتّى الفنون وقد اِستند على شرعية التّجديد والبحث والتجريب تلك الّتي ترنو إلى إنجاز إبداع يمثّل هواجسها ويعبّر عن همومها وأحلامها فذلك هو الأمل والمبتغى، فحسب كلّ جيل أن يثبت بصماته

*

لقد قلتُ مرّة إنّ المحاولة في التّجديد أفضل من النّجاح في التّقليد وإنّ إيماني بهذه المقولة كان نتيجة المناخ الثّقافي الّذي كان سائدا سنة 1970 تلك السنة الّتي بدأت فيها النّشر بصفة جديّة مواكبًا عن قرب مقولات الحركات الفكريّة والسياسيّة التي كانت قائمة على قدم وساق في تلك السنوات سواء في الجامعة أو في الشارع والمجتمع أو في الأحداث العربيّة والعالميّة حيث كنت متابعا لها و قارئا نهما لمختلف أطروحاتها وأدبيّاتها وكنت أرفض فيها الاِنضباط والتسلّط إِذْ رأيت أنّ التنوّع والاِختلاف ثراءٌ في المعرفة وزادٌ لملء الوطاب وغِنًى للفكر والفنّ وفُسحة للرّوح فلقد كنت أحبّ أبا ذر الغفاري وغيفارا معًا وكنت معجبا بغاندي وحنّبعل كِليْهما

أنا لست منظّرا في الفكر والإديولوجيا ولا ملتزما في السّياسة ولكنّني رأيت أنّ التاريخ الإنسانيّ أكبر وأشمل من كلّ النّظريّات،

وبالتّالي فإن الشّعر عندي لا يَحُدّه معنى ولا شكلٌ وهو أوسعُ من التفعيلات والبحور وأشمل من البلاغة والبيان وما اللغة إلا تعبيرة من تعبيراته العديدة والمتنوعة وقد تضيق به أحيانافالرّسم مثلا شِعر بالألوان والشّعر رسم بالكلمات والموسيقى شعر بالأصوات والرقص شعر بالحركات فالفنون تتداخل وتتمازج وقد تتضاءل الحدود بينها فما بالك بتلاشي الحدود أحيانا بين مختلف الأنواع ضمن الفنّ الواحد

*

ثمّة قصائد عندي ما مسكتُها بحرف ولا أسكنتها ورقةً فلا عجب أن كتبتُ في السّنوات الأخيرة بعض الأشعار العموديّة ربّما بسبب الحنين إلى الماضي أو بحثا عن طرافة القديم في خضمّ الجديد لِمَ لا ؟؟ ذلك أنّ الشّعر عندي :لا يُحدّ بشكل ولا يُعدّ بنوع ولا يقتصر على موضوع بل إنّ القصيدة يكتبها قارئها وسامعها أيضا…!؟

 

رادس ـ تونس ـ شتاء 2000

ـــــــ الأدبُ التونسيُ المَنسِيُّ ــــــــــ

إلى اليوم لم أصادف كتابا في تاريخ الأدب التونسي يتناول بالجمع أو حتّى بالإشارة الى الأدب الذي كان في هذه الرّبوع قبل الحضور العربي الإسلامي في إفريقية إذن المسألة تحتاج الى بسط وتمحيص.

أنا أرى أن البحث في ذلك الأدب التونسي قبل الحضور الثقافي العربي أمر مهمّ الآن بعد أن زالت مخاطر الاِهتمام به وحيث ترسخت مفاهيم الاِنتماء الوطني التونسي عبر منطلقات المغرب العربي والتجذّر في الثقافة العربية ضمن البعدين المتوسطي والإفريقي وصولا الى ملامسة الثقافات الأجنبية الأخرى غير أن ذلك لا ينبغي ان يشطب من تاريخنا الحضاري إسهامات بلادنا قبل التعريب فهذه المسألة كانت تثير تحفظ بعض الذين كانوا يرون أن تاريخ تونس يبدأ مع تأسيس القيروان أما البحث في ما قبل ذلك فهو ضرب من الدعوة إلى الإقليمية والاِنعزالية والمحلية.

إن كتب التاريخ قد حوت نصوصا متنوعة باللغة اللاتينية واليونانية قد ترجم بعضها الى اللغة الفرنسية لذلك يمكن تعريب هذه النصوص والتعريف بها كمرحلة أساسية من تاريخ الأدب التونسي القديم الذي أراد الأديب محمد البشروش في الأربعينيات من هذا القرن أن يبدأ به مشروعه الضخم في كتابة تاريخ الأدب التونسي ذلك المشروع الذي ظل دون تحقيق غير أن الباحث والمؤرخ محمد حسين فنطر قد أكد في بحوث عديدة على الابداع الثقافي التونسي في العصور الغابرة قبل الفتح من ذلك توصّل إلى إثبات شهادات أدبية تتمثّل في الكتب المتنوعة التي تهم مواضيع الفلسفة والخطابة والشعر والقصة والحقوق أيضا قد صنّفها أفارقة كانوا فخورين باِنتمائهم إلى هذه الأرض الطيبة وأعربوا عن هذا الشعور النبيل بصريح العبارة فهذا أبُلُيّوس قد تعلّم ودرّس في جامعة قرطاج وذاع صيته في أركان الإمبراطورية الرومانية و كانت له اذ ذاك الكلمة الأولى في دنيا الفلسفة و الأدب فقد كان يحسن لغة اليونان ولغة الرومان وكان يقول مفتخرا بانتسابه الى إفريقية إني جدالي نوميديوجدالي نسبة لقبائل جدالة التي كانت تسكن بجنوب البلاد و قال نوميدي نسبة الى نوميديا مأنه يؤمن بوحدة القبائل الافريقية من حيث الحضارة و التاريخ.

ويؤكد الدكتور محمد حسين فنطر ان الشاعر فُولٌورُوس الذي وُلد بقرطاج وتعلّم بها ولمّا بلغ اشدّه سافر الى روما حتّى شارك في مسابقة شعرية نظمت تحت إشراف الاِمبراطور دُمسّيُوس الذي تبوّأ عرش الأباطرة من سنة 81 الى سنة 96 بعد المسيح وتفوّق الشاعر ـ فلُوروس ـ بشهادة لجنة التحكيم لكن القيصر سحب منه الجائزة مشيرا أنّه من العار أن يفوز بها افريقيّ على حساب الرومان فما كان من فلوروس إلا أن قال بعد الصدمة إنّها كادت أن تذهب عقله!”

فالتراث التونسي زاخر قبل الفتح ومنه التراث الأدبي الذي آن الأوان ان نتعرف عليه عند استعراضنا لمسيرة الأدب في بلادنا لعله يكون رافدا آخر يميز التجربة الأدبية التونسية بما يوحي منه من أبعاد وتضمينات ذلك أن الأدب العربي يزداد ثراء بتعدّد الأمصار والعصور.

ـــــــ بين الشّعر والنّشر ـــــــ

كان نشر الكتاب وما يزال الهاجس الكبير الذي يؤرّق الأديب فإذا ما جمع أوراقه ونضدها واستقامت له جعلها في مخطوط وبعد ذلك يرقنها ومن النادر جدا أن يقوم بالرقن بأنامله التي ألفت الورقة والقلم فيلجأ إلى أحد الراقنين أو الراقنات  وكم لابد له من صبر ومراجعة ليقدم كتابه في أحسن حال إلى دار النشر
والحمد لله لقيت صديقي الأديب عُمر بن سالم فأخبرني أن صاحب دار نشر جديدة هي – سَحر – يرغب في نشر مجموعة شعرية لي ولمّا سألته عن صاحبها فقال إنه فلان وقد نشر له كتابا أو كتابين وكنت أعرف فلانا هذا في مناسبات معرض الكتاب فقلت لا بأس فالرّجل خبير في الطباعة والتوزيع وستنتشر مجموعتي الشعرية في حُلة قشيبة
وكان اليوم الموعود التقى فيه ثلاثتنا على المودة والأماني وسلمته مجموعتي الشعرية – نبع واحد لضفاف شتى – وبعد نحو شهر أعلمني بأنها طبعت فأسرعت طيرانا إلى مكتبه بشارع الحرية قرب الإذاعة وسلمني عشر نسخ على أن يضيف لي مائتي نسخة أخرى وهي قسطي من حقوقي مثلما اِتفقنا اتفاق – صداقة ورجال – واتفقنا وقتها أيضا أن يسلمنيها بعد أسبوعين مساء الخميس الساعة الخامسة من الشهر الخامس –ماي– عند حفل توقيع  ضمن أمسية شعرية بالمكتبة العمومية بضاحية رادس وقبل يومين من الموعد ذهبت إليه للتأكيد وكي يأتي معه ببضع مئات من النسخ لبيعها للمؤسسات التعليمية في الجهة لأن عددا من مديريها دعوتهم وعبروا عن استعدادهم لاقتناء المجموعة الشعرية من جملة جوائز الكتب التي سيهدونها في احتفالات آخر السنة الدراسية
وكانت الساعة الخامسة من يوم الخميس من الشهر الخامس وامتلأت قاعة المكتبة العمومية التي هيأنا مقاعدها ومنضداتها في أبهى تنسيق وحضر الأصدقاء والزملاء والأدباء والشعراء والمديرون ورواد المكتبة وبقيت أنتظر إطلالة صاحب دار سَحر إلى اليوم
المسألة قد اِتضحت لي بعد هذه الواقعة حيث أنه طبع من المجموعة الشعرية نسخا على قدر عدد ما اِقتنته منه وزارة الثقافة التي تُزوّد بها المكتبات العمومية إضافة إلى عدد ما وزّعه في المعارض والمكتبات التجارية … أما الشاعر فكان فنصيبه عشر نسخ فقط

أحيانا أصادف مجموعتي الشعرية تلك على أرصفة دكاكين الكتب القديمة فأشتريها مبتهجًا..

مَنْ أحسنتَ إليه

وأساءَ إليكَ

فلا تُبال

تلكَ هي القاعدةُ

*

مَنْ أحسنتَ إليه

ومَضى في سبيل حاله

لابدّ أن تشكُرَه

لأنّه خالفَ القاعدة

*

مَن أحسنتَ إليه

ورَدّ لكَ الجميل

فهو اِستثناء

! وعُملةٌ نادرةٌ

ـــــــــــــــ البابُ الثاني ـــــــــــــــــــ

يتحوّل نهج إنقلترا وسط العاصمة تونس إلى سُوق يوميّة للكتب المستعملة والصالحة لمختلف سنوات الدّراسة فينتصب البائعون بكتبهم على الرصيف مدة أسبوع قبل العودة المدرسية وبعدها بأسبوعين أو أكثر فقلت في نفسي عندما اِنتقلت إلى السنة الثانية من التعليم الثانوي في المدرسة الصّادقية لِمَ لا أبيع كتب السنة الماضية خاصة وهي ما تزال في حالة حسنة وأشتري بثمنها الكتب المبرمجة لهذه السنة ؟
فعزمت… وقبل يومين من يوم العودة المدرسية حملت الكتب إلى السّوق ونضّدتها بعناية فوق كرتون على الرّصيف ووقفت متكئا على الحائط أنتظر الرّزق وتوكّلت على الله ويافتاح يارزاق كما يكتب التجار في دكاكينهم ويقولون…
بعدما مرّ كثيرون وتصفّحوا الكتب وسألوا عن الثمن وقف فتى أمامي بدا لي في مثل سني أو أصغر بقليل…رأيته أنيقا مهذبا لطيفا وسألني عن الثمن الجملي لجميع الكتب فأجبته فاستبشر بالثمن وقال لي حسنا أشتريها كلها فابتهجت ابتهاجا كبيرا لسرعة بيع الكتب جميعها وبثمن قريب جدا من ثمنها جدبدة غير أنه قال لي إنه لا يملك الثمن معه لأن أمه تخشى عليه من السرقة وطلب مني أن أرافقه إلى بيته حيث يسكن مع أمه الوحيدة في الطابق الأول من عمارة قريبة فقلت له في نفسي … حسنا يا وحبد أمه وعزيزها….وأهلا وسهلا بك في العام القادم أيضا
واِحتياطا للطوارئ حملت الكتب وشددت عليها بقوة وسرت إلى جانبه حتى قادني إلى باب عمارة قريبة دخلناها وماكاد يسبقني بخطوتين حتى قال لي بأدب وبصوت ملائكي – لا تُتعب نفسك يا أخي وأعطني الكتب حتى تراها أمّي المعلمة ثم أنزل وأسلّمك المبلغ الذي اِتفقنا عليه بلا نقصان فزدت ثقة به واِطمئنانا وقلت كم هو على خُلق كريم هذا الفتى…كيف لا يكون كذلك وهو اِبن معلّمة…سيماهم على وجوههم ولا شك…
بقيت أنتظر أمام باب العمارة سارحًا في خيالي كيف سأعود غانمًا من تجارتي المربحة فذلك المبلغ يوفّر لي ثمن كتب هذه السّنة التي سأشتريها وسأبقِي على البعض منه أيضا….هكذا هي التّجارة أو لا تكون !
مرّ وقت…ساعةٌ…ثمّ ارتقيت المدارج إلى الطابق الأول فقابلتني مدارج أخرى نزلتُ فيها مُسرعا فوجدتُ نفسي في شارع آخر..

ــــــــــــــ كأسُ الماء ــــــــــــــــــ

 في يوم شديد الحر من منتصف شهر سبتمبر سنة 1981وعند السّاعة الثانية بعد الزوال بالضبط شرعت في الدرس الأول مع تلاميذ أحد الأقسام بمعهد فرحات حشاد برادس الذي اِنتقلت إليه بعدما كنت أدرّس بمعهد مدينة ماطر
أنا أستاذ جديد بالمعهد ويجب أن أفرض شخصيتي فيه بالاِعتماد على الجديّة التي تتمثل خاصة في الكفاءة المعرفية وفي الاِنضباط لذلك لم أسمح بدخول بعص التلاميذ الذين وصلوا متأخرين فشرعت مباشرة في سرد المحاور المبرمجة مُبيّنا أهميتها وخصائصها وماكادت الحصة تنتصف حتى أحسست بحدة الأوتارالصوتية وبأن الرّيق قد جفّ والحلق قد يبس فاِنخفض صوتي وثقُلت الحروف بل صارت مؤلمة النطق فوجدت نفسي في الهيجاء بدون سلاح وإذا بي أسمع من آخر القسم مناديا ينادي في لطف وحماس…سيدي…سيدي … هل آتيك بكأس ماء ؟
كيف أقول لا…ومن يقدر أن يقول لا…؟!
فأجبت بسرعة نعم وشكرا
فإذا به ينطلق مسرعا ويغادر وماهي إلا دقائق حتى دخل وفي يده كأس وقطرات الندى تتلألأ من الزجاج…عجبا !…من أين أتى بها وما في المعهد وقتذاك ثلاجة ولا قوارير ماء ولا مشربة ولا حتى مقهى قريب…لكني علمت بعدئذ أن المعهد يضم جناحا خاصّا لمبيت التلاميذ لا شك أنه أسرع إليه بعد أن تسلق الجدران وطلب من أحد معارفه الذين يشتغلون فيه تلك الكأس التي شربتها بردا وسلاما فروتني وشَفَت غليلي وجعلتني أواصل درسي الأول على أحسن ما يرام بفضل تلك الكأس .
كأس الماء…وما أدراني ما الكأس…!
مضى أسبوعان أو ثلاثة اِنتهجت فيها طريقتي في التدريس فلا أسمح لأحد أن يدخل متأخرا ولا أن يحضر بدون حفظ محفوظات أو بدون إعداد شرح النص فاِستقام لي الأمر كأحسن ما يكون
كأس الماء… وما أدراني ما الكأس…!
ذات يوم بعدما دخلت القسم وشرعت في شرح نصّ إذْ بالباب يطرق طرقا خفيفا لطيفا فقلت تفضّل وحسبت الطارق أحد القيّمين إذ ما كان يجرأ أحد من التلاميذ أن يقطع الدّرس وقد وصل متأخرا وتواصل الطرق فقصدت الباب وفتحته فإذا ذلك التلميذ يبادرني بصباح الخير والاِعتذار في أدب لكني لم أسمح له بالدخول ووبّخته على التأخير وعلى قطع الدّرس فما كان منه إلا أن ذكّرني بأسلوب فيه الكثير من الدّلال والمكر قائلا أنسيتَ يا سيدي أنني أنقذت حياتك بكأس ماء ؟
آنذاك كان لابدّ من السماح له بالدخول ردّا للجميل واِستثناء للقاعدة…
كأسُ الماء… وما أدراني ما الكأس…!
في اللحظة التي تجاوز فيها العتبة بخطوة واحدة ما راعني إلا وتلميذان آخران التحقا به ودخلوا جميعا..
مرحَى لهم فقد نجحوا في الحيلة والمثل يقول ـ لا تكن يابسا فتُكسر ولا طريّا فتُعصر…
كأس الماء… وما أدراني ما الكأس…!

ــــــــ موعد السّكلمان ـــــــــــ

السّكلمان أو ـ بخور مريم ـ زَهرة نادرة جميلة لطيفة شذيّة تراها ذات بتلات رقيقة متعدّدة الألوان وهي من الزهور الجبلية التي لا مثيل لها في برّ البلاد التونسية ولا تنبت إلا في غابة جبل بو قرنين الذي تنبسط بين سفحه وساحل بحره مدينة حمام الأنف في تناسق بديع الألوان كأنها قوس قزح يلوح من خضرة الجبل وبياض سطوح المنازل وحمرة قرميد الفيلات وزرقة الخليج وصفرة شمس الضحى وهي تبدو من ناحيته فإذا أنت أمام لوحة تَبارك الله أحسن الخالقين

عندما أقصد مدينة حمام الأنف من ناحية تونس العاصمة أو رادس سواء بالسيارة أو بالقطار لابدّ أن ألتفت إلى يميني قبل الوصول لأرى جبل بوقرنين ـ يقابلني بقرنيه وبينهما الثلمة الكبيرة التي ورد في المخيال الشعبي أنها حدثت بسبب ضربة سيف عليّ بن أبي طالب عندما كان يقارع الكافرين وللّه في خلقه شؤون ولكن يا سيّدنا عليّ كرّم الله وجهك بعد صولاتك وجولاتك في جيش الأعداء عاد العرب والمسلمون يضرب بعضهم رقاب بعض طمعًا في الحكم وتفرّقوا سَبَهْلَلَا وكلّ منهم يدّعي أنه على حق وأن الآخرين على باطل وهم إخوان الشياطين يا سيّدنا عليّ كرّم الله وجهك قد أمسى العرب المسلمون منذ قرون وقرون وعصور وعصور في أسفل السّافلين فلا علوم ولا صناعة ولا فلاحة ولا نظام ولا عدل إلا الخراب والتخريب

خراب قصر الباي خراب الحديقة التي أمامه خراب مبنى الحمّام خراب الكازينو خراب حوض السّمك والنّخيل الذي كان صفوفا صفوفا قطعوا اغلبه فيا حسرة على حمّام الأنف التي كانت في عهدها الزّاهر مثالا للنظافة والنظام والجمال والحضارة يا حسرتاه على الغابة في الجبل فقد غزتها البناءات  وهي التي صدرت فيها قوانين منع البناء ولكن حاميها حراميها وضاعت دماء الأشجار هدرا وتفرّقت بين المجلس البلديّ وإدارة الغابات ووزارة البيئة….إلخإلخ….

وبينما أنا في شجوني إذ بي أجدني في محطة حمام الأنف فنزلت من القطار وما كدت أغادر النفق حتى اِستقبلني صديقي الشاعر عبد الحكيم زريّر هاشّا باشّا ولكن بدون مصافحة ولا أحضان فنحن في زمن الكورونا يا صديقي وتكفي الاِبتسامة والكلمة الطيّبة وما في القلب يصل إلى القلب وصديقنا حكيم هذا من المتيّمين بحبّ حمام الأنف فقد نشأ فيه منذ الصغر وله أمتع ذكريات شبابه في أرجائها بين بحرها وجبلها فتسمعه متحدّثا عن جولاته وصولاته فيها بحنين وحرقة كلما مررنا بمكان يقول كان وكانتفيذكر السّاعةَ الكبيرة التي كانت وسط المدينة وهي ساعة أرقامها من الأزهار والورود على بساط عشب يانع ويذكر الحوض من الفسيفساء وفيه سابحاتُ الأسماك الملوّنة أمام الكازينوالكازينويا حسرتاه على الكازينو…!! ويضرب ـ حكيمُو ـ كفّا على كفّ في أسف ونكد ونحن نصل إلى الكرنيش الذي قطعوا نخيله فلم تبق من صفوفه إلا نخلات هنا وهناك لست أدري كيف ماتزال صامدة أمام هجومات ـ ياجوج وماجوج من الوندال والمغول والتاتار وأعراب بني هلال والذين يشبهونهم من الاِنتهازيين بعد الاِستقلال والثورجيين على أنواعهم وأشكالهم بعد 2001….خراب….خراب

فما الذي أتى بي إلى حمام الأنف إذن ؟

إنّه مجلس السّكلمان يا حبيبي ! وأكرم به من مجلس والبحر أمامك والجبل وراءك والنّسيم عليل والفصل خريف معتدل وأنت في أنس الأحبّة بين حديث يشمل آخر الأخبار السّياسية والاِجتماعية وبين اِستذكار الطرائف الأدبية والشعرية وبين التدقيقات التاريخية واللغوية وواسطة عقد هذا المجلس هو الصديق الأديب والشاعر والمترجم جلال المُخ الحريص على الحضور من منتصف النهار إلى الثانية ظهرا كامل أيام الأسبوع حتى في العطل والأعياد ـ حسب ما سمعت ـ حتى وإن لم يحضر أصدقاؤه الأدباء فلديه مُريدون عديدون من حمّام الأنف يسعون إليه في شغف واِحترام وصاحبنا هو أيضا من عشّاق حمّام الأنف ومن متيّميها وقد تَرجم عشقه هذا في كتاب عنها أصدره منذ سنوات والغريب الغريب والعجب العُجاب أن هذا الكتاب لم تقتن منه البلدية ولا نسخة واحدة فلاتحدّثني عن رواج الكتاب وتوزيعه في حمام الأنف ولا في غيرها ورغم هذا الجحود وهذا الإهمال فإنّ ـ جلال المخ ـ أصدر أكثر من أربعين كتابا في شتى الأجناس الأدبية باللغة العربية والفرنسية وهو يمثل واسطة العقد في نادي ـ إضافات ـ الذي يجتمع مرتين في الشهر في دار الثقافة وقد اِحتفى هذا النادي بعشرات الأدباء والشعراء والمثقفين من تونس وغيرها من الزائرين والمقيمين العرب وهو ناد يقوم على الجهود الذاتية طبعا ويضمّ نخبة من أقلام حمام الأنف من بينهم خاصة أذكر ـ عبد الحكيم زرير ـ فتحي جوعو ـ صالح الطرابلسي ـ فتحي جوعو. ـ هشام الخلادي ـ عمر سبيكة ـ منيرة الشطّي ـ علي بوزميطة

مجلس السكلمان أو هكذا أسمّيه أقصده من حين إلى ﻵخر لأجد فيه متعة السّماع وأقطف منه جمّ الفوائد من أناس ظرفاء أحبّوا الأدب ولا شيء غير الأدب !

 

ـــــــــ الرّابعة فجرًا ـــــــــــــــــ


ليس من اليسير أن يضرب لك أحدٌ موعدًا في قلب باريس على السّاعة الرابعة فجرَا ليحملك بسيّارته من الفندق إلى المطار ثم تجده من غدٍ في ذلك المكان والزمان وقبل خمس دقائق !…نعم… ذلك كان !

فقد حدث مع صديقي الرّاحل الأديب محمد الغزالي الذي عرفتُه عندما حضر في بعض جلسات نادي الشعر باِتحاد الكتّاب التونسيين في سنوات مطلع الثمانينيات من القرن العشرين… صديقي ذلك كان في اِستقبالي بمناسبة زيارتي لباريس سنة 1991 ضمن وفد ضمّ الأديب التابعي الأخضر والشعراء نورالدين صمود وفضيلة الشابي وآدم فتحي ومحمد الصغير أولاد أحمد بمناسية دعوة من جمعية الضفّتين في فرنسا التي كان يترأسها صديقنا ـ لخضر لالة ـ أحدُ قادة الحركة الطلابية بتونس سنة 1971
كانت الرحلة فرصة نادرة لقراءة قصائدنا على منبر المعهد العربي بباريس وفي المركز الثقافي بمدينة سترازبورغ وغيرهما وعند ليلة العودة أصرّ صديقي محمد الغزالي على الحضور إلى الفندق لتوديعي وليرافقني بسيارته ومعي الصديق الشاعر نورالدين صمّود إلى المطار في ذلك الوقت المبكّر حِرصًا منه على المصاحبة وعلى تأمين الوصول في زحمة المواصلات وتشعّب الطرقات بين الأنفاق والجسور فكم كان موقفه صادقا وشَهما حيث تجلّت فيه معاني التضحية والصداقة كأبهى ما تكون !
رحماك صديقي !
وفي هذه السنة سنة 2014 وقبل أشهر قليلة فقط ضرب لي موعدا في جمعية اِبن عرفة بالمدرسة السليمانية قرب جامع الزيتونة بتونس ذات مساء سَبت على الساعة الرابعة مساء هذه المرة ليكون في الموعد بالضّبط أيضا فيحضر قادمًا من ـ نفطة ـ بأقاصي الجنوب ليكون حاضرا بمناسبة تقديم روايته ـ ثمرة دُرْجِين ـ التي تتحدّث عن دلاعة كبيرة جدا وعجيبة وجدها أهل القرية وسط السّوق فاِحتاروا في كيفية التصرّف فيها باِعتبارها مثّلت حدثا غريبا وخارقا للعادة وقد عقدوا المجلس البلدي وتشاوروا مع السلطة المركزية في الأمر وشهدت القرية جحافل عديدة من الناس والصحفيين من كل حدب وصوب ليشاهدوا تلك الدلاعة العظيمة ويتابعوا الحدث العظيم لكأن الرّواية ترمز إلى قيام الثورة التونسية وما تلاها من تساؤلات واِختلافات .

رحماك صديقي رحماك !
رحماك في زمن قَلّتْ ونَدَرتْ فيه قيمُ الإخلاص والشّهامة والوفاء فأنت اِستثناء بما يجيش في وجدانك من حبّ عارم للأدب ومحبّة خالصة لموطنك الذي عملتَ جاهدا من خلال إنجاز مشاريعَ اِجتماعيةٍ وثقافيةٍ ليكون أحسن فليت كل المثقفين الذين غادروا الوطن يسيرون على خطاك…

لا تَحسُبْ عُمرك

بالسّنواتْ

ولا تُحْصِ ثروتك

بالآلاف والمِلياراتْ

بل اُحسُبْ عُمرك

بالأصدقاء

وثروتَك

بالذكرياتْ

ققلبُكَ ليسَ بالنّبض خَفقاتُه

إنّما بِالْمَحبّاتْ

ــــــــــــ ذُو النظّارة السّوداء ـــــــــــ

تحيةً لذلك الإسكافي الذي أصلح لي حذائي عندما زرتُ مدينة صفاقس سنة 1994 حيث كنت أتجوّل في حيّها العتيق وإذا بحذائي يبتسم بل يضحك نعلُه مٌقهقهًا ممّا أعاقني في السّير وإذا بي أرى بجانب السّور إسكافيا فتقدّمت منه وتعجّبت كيف يحمل نظّارة سوداء والحال أنّه يحتاج إلى إمعان النّظر في قيامه بعمله وما كدت أقترب منه حتى رحّب بي سائلا مطلبي فمددتُ له الفَردة الضّاحكة فجعل يجُسّها ثمّ يدقّ فيها المسامير حيث يجب وبعد مُتابعتي لحركاته تفطّنت أنّه كفيف البصر

أَيُّ طريقٍ بي مَضَى * كمْ طوَّحَتْني اَلْقــدَمُ

أَهْلًا وَقالَ مَــــرحَـبَا * كيــفَ رَآني أقْــــدِمُ

حَيَّيْتُهقلتُ الــــحِذَا * النّعلُ مِنهُ يَـبْــــسِمُ

تَبَـسُّمًا مِثلَ البُـــــكَا * رُبَّ اِبـتِـسام يُؤلـمُ

يَا صَاحبـي إنّ الْوَرَى * فِي حَقكَ قدْ ظلمُوا

يَا ويحَهم هُـمُ العمَـى * أناملُــــــكَ الأكْــرمُ

أنامـلٌ هُــنَّ الضِّــــيَا * لا تَـعَــبٌ لا سََـقَــمُ

اَلشّمسُ هُنّ والضُّحَى * في لمْسِهِنَّ الأَنـجُمُ

يَا مَـثَــلا لمـــنْ رَأى * ذِكرَاك عِندي تُـلْهِـمُ

ــــــــ المقهـى البحـريّ ــــــــــ

ذكرى صدبقي الشّاعر محمد البقلوطي

السّياقة في مدينة صفاقس عمليّة لا تُحسن عواقبُها بالنسبة للسّواق المارّين منها فالمدينة كثيرة التقاطعات ومزدحمة بالمترجّلين بالإضافة إلى حركة الدّراجات النّارية التّي يمكن أن تحاذيك و أن تقفز أمامك من حيث لا تدري و لا تحسب لحركتها البهلوانيّة على الطريق أيّ حساب وصحيح أنّ أصحابها ماهرون في صولاتهم وجولاتهم في الطرقات ولكنّ ذلك قد يكلّفني ما لا طاقة لي به لذلك اِخترت أن أترك سيَارتي نَؤُومَ الضُّحى في مَربضها الأمين وأن أستقلّ أوَل تاكسي تقودُني سالما مطمئنا إلى شاطئ ـ سيدي منصور ـ

في أواسط الخريف يكون الاِعتدال في الطقس متعة رائقة فلا الشّمس تلهب بسياطها ولا البرد ينخُر المفاصل، إلاّ النّسيم يخفق في الأفق وديعا مُنسابا حتّى لا يكاد يحرّك أشرعة الفلائك التي تبدو راسية أو تكاد على السّاحل

شكرا سيَدي هنا

و نزلتُ من التاكسي وحدي فقد تركتُ فيها صديقي الشّاعر محمّد البقلوطي الذي لم يرافقني هذه المرّة إلى مقهى البرّاكة الدّاخل في البحر, لعلّه آثر مواصلة الرّحلة وحده لماذا تركتني يا صاحبي عند ذلك المقهى و ذهبت ملتحفا في البياض إلى الأقاصي؟ و مثلما جلسنا فيه منذ عشر سنوات عند ضحى يوم جميل ها أنني أعود إليه و أجلس عند الركن الأيمن والشمس تنقر بأناملها البيضاء زجاج الكأس و تضع فيه قطعة واحدة من السّكر لعلَها هذه المرّة صارت حفنة من الملح. لماذا تركتني أعود وحدي و نحن اللّذيْن تواعدنا على المجيء معا إلى شاطئ سيدي منصور قبل عشر سنوات لنجلس ساعة أو ساعتين في الليل كنّا نريد أن نجلس بين البحر وهو يتخلّل الواح المقهى من تحتنا و بين خيوط القمر وهي تنسج من حولها هالة الصفاء والبهجةمعذرة يا صديقي أن تخلّفت كلّ هذه السنوات العشر ولم أحضر إلى موعدنا الجميل بالرغم أنّني مررت بصفاقس عديد المرّات و في كلّ مرّة ينتابني الحنين إلى جلستنا البحريّة بموجها الرّقيق و بنسيمها الحريريّ و بزوارقها الحالمة على الأزرق وبالأطفال الباحثين عن المَحّار يأخذونه بعد جمعه إلى السّوق كما كنتَ قد فعلتَ أنت ذات يوم عندما كان البحر أجمل و الزمن أرحب بالمرح والفرح رغم شظف العيش في سنوات اليُتمها أنني يا صديقي أعود وحدي غير أنّ ذكرى ذلك اليوم ما تزال عالقة كأنك الآن و هناك معي حول الطاولة في هذا المقهى الرائع حيث السّكينة و الهدوء رغم اِنبجاس الماء وهو يتخلّل الأخشاب و رغم حركة اِنسياب النسيم حولنا يزيدان الجلسة حميميّة بالتداخل مع العناصر وهي في حركتها الأليفة أحيانا نحن في حاجة إلى الإختلاء بذواتنا بعيدا عن صخب المدن و ثرثرة النّاس و مواثيق الحياة

هذا المكان يُتيح للمرء أن يتوغّل قليلا في مجالات طالما أحسّ بفقدانها رغم كلّ أثاث الدنيا الذي يملا عليه تفاصيل أيامه.

عند مغادرة المقهى البحريّ بشاطئ ـ سيدي منصور ـ وجدت نفس التاكسي في اِنتظاري وكان محمّد البقلوطي داخلها لم أصدّق الأمر ففتحت عينيّ مليًّا فرأيته من خلال النافذة يعود إلى الموج وحيدا

ــــــــــ مصطفى الفيلالي ــــــــــــ

الذي قال ـ لا ـ للكرسيّ

ـ1 ـ


كنتُ ألتقِيه من حين إلى آخر وهو يسير في شوارع مدينة رادس فأبادر بتحيته باِحترام فيردّ بلطف

ومَن في رادس لا يعرف سِي مصطفى الفيلالي الذي تراه كأيّها الناس يقضي شؤونه اليومية بنفسه فاِختلاطه بمختلف أصنافهم وأجيالهم لم يزده لديهم إلا تقديرا وتبجيلا وإنك تراه وقد تجاوز التسعين حَوْلا نشيطا في خَطوه أنيقا في هندامه العصريّ أو التّونسي بلا خُيلاء ولا كبرياء يحمل قُفّته ويشتري بضاعته منتظرًا دوره ويُحيّي هذا ويقف مع ذاك ثمّ يمضي إلى سيّارته
كنتُ أحيانا أصادف سِي مصطفى الفيلالي في مَحلّ ـ الببلينات ـ يراجع فصلا من أحد فصول كتبه ليكون جاهزا كأحسن ما يكون للطبع فالرّجل ولئن اِشتهر سياسيا باِعتباؤه من الرّعيل الأوّل لوزراء حكومة الاِستقلال بالإضافة إلى نشاطه النقابي والتّربوي فإنه كاتب بل أديب أيضا ذو أسلوب بليغ فقارئ كتبه المتنوّعة المضامين والمتراوحة بين السّيرة الذاتية والتأملات الفكرية والأطروحات السياسية والاِقتصادية والدّينية يستشّف من قلمه أنه مثقّف من طراز رفيع ومن كتبه نذكر ـ أمّ حامد ـ مانعة أيّام قرية الجبل ـ مجتمع العمل ـ موائد الإنشراح


ـ 2 ـ


إنّ الأستاذ مصطفى الفيلالي ينتمي إلى جيل من المثقفين التونسيين الذين عاصروا الحركة الوطنية فاِنخرطوا في مختلف مراحلها وتعبيراتها شأنَ عددٍ كبير من الأدباء مثل علي البلهوان ومحمود المسعدي ومحمد المرزوقي ومنوّر صمادح فعرف أغلبهم مَعْمَعَان السياسة واِكتوى الكثير منهم بجمر الحكم بعد الاِستقلال لكنّ سي مصطفى الفيلالي عرف كيف يخرج من أتّونها واِنزلاقاتها سالمًا مرفوع الرأس فليس من السّهل أبدا أن يرفض كرسيّ رئاسة الحكومة التونسية عندما حَظِيَ بإجماع الفاعلين السياسيين سنة 2013 ورشّحوه لهذه المهمّة الجسيمة حيث قال أبو العتاهية في المهدي العباسي عندما بُويع بالخلافة :

أَتَتــهُ الخِلافَــــــةُ مُنقادَةً إلَيـــهِ تُجَــــرِّرُ أَذيــالَها 
وَلَــم تَـــكُ تَصلُحُ إِلّا لَـهُ وَلَـــم يَــكُ يَصلُـحُ إِلّا لَها

لكن ّ سِي مصطفى أدرك برأيه الثاقب وبحنكة خبرته وكذلك بصفاء سريرته أنّ هذا الكرسيّ ـ لا يصلح له ولا به ـ وفي هذا الموقف تبدو وطنيّة الرّجل وصدقه ونبله فما أعظمه من مثقّف نادر الوجود خاصة في هذه السنوات التي اِختلط فيها الحابل بالنّابل مثل قول الشاعر القديم :

لقد هزُلت حتّى بدا مِنْ هُزالها كُلاها وحتّى سامَها كلّ مُفلسِ

ـ 3 ـ


حضرتُ سنة 2012 بدار الشّباب برادس ندوة حول ـ الزّعيم الحبيب بورقيبة ـ وقد أدلى فيها الأستاذ مصطفى الفيلالي بشهادته فيه فصرّح بين الحاضرين مؤكّدًا أنّ الحبيب بورقيبة كان كثيرا ما يستشير أعضاده ووزراءه وأنه لا يجد حرجًا في تغيير رأيه او موقفه في مسألة من المسائل بعد الإنصات إلى مختلف الآراء فيتراجع عن فكرته إذا تبيّن له الأصلح والأنسب وقد رأى سي مصطفى أنّ بعض الأخطاء التي عرفتْها البلاد في عهد بورقيبة لا يتحمّل وزرها بورقيبة وحده وإنّما المسؤولية يتحمّلها معه أيضا جميع الذين كانوا من حوله في أخذ القرارات وتنفيذها .
إنّها لَعَمْري شهادةٌ نادرة من رجُل دولة ما أحوج تونس لأمثاله !!

ـــــــــ حسناءُ سطيف ــــــــــ

ـ1 ـ

تأخّر نوّار اللّوز هذا العام عام 2019 ونوّار اللوز لرؤيته بهجةٌبهجةٌ اِفتقدتُها هذه الأيام كأن نوّار اللوز أخلف موعده في تونس مرّة أخرى
لم يكن سفري إلى الجزائر قد أعددت له أو مبرمَجا ولكنّي عندما أحسست بالضيق من البلاد والعباد ودعتني جمعية المتقاعدين برادس إلى المشاركة مع ثلّة كريمة في رحلة إلى شرق الجزائر اِستجبتُ لكأنّها صادفت – حاجة في قلب يعقوب – وقلت لعلها تكون فرصة للاستنشاق هواء جديد ففي الجوّ غبار خانق وسافرْ تَجدْ عِوضاوكفاكَ مِنْ حَمل أوزار الورقة والقلم

ـ ـ


كانت الرّحلة مضنية حقاليل ومطر ورياح وصقيع… رياحٌ عاتية والطريق مرتفعات ومنحدرات وكل ذلك طويناه ولا بأسإلا إجراء الِانتقال بين الحدود التي يشيب لها الغراب فتذكّرت قصيدة الشّاعر والأديب محمد خليفة التلّيسي التي ورد فيها خاصّة

ويُقَلِّبون هويّتي لكأنّـــها

حَمَلَتْ لهم تحت السّطور عقاربَا

ما كاد يرمقها ويُبصر لونها

حتّى اِنزوى عنّي وقَطّب حــاجبَا

ويَمُرُّ قُدّامي الغريبُ كأنّه

رَبُّ الدّيار منـــازلاً ومضـــــاربًـا

ويُفتّشون ملابسًا ودفاترًا

ويُقلّبون محافــظًا وحقــــــائـبَا

قُلْ فتّشوا قلبي فَفي أعماقهِ

حُبٌّ يَعمُّ أباعدًا وأقــــــــــاربَــا

عندما أصبح الصّباح بالغيوم وصلنا إلى مدينة سطيف
فتركتُ الجماعة الذين رافقتهم وقد يمّمُوا قِبلتهم شَطر الأسواق ليملؤوا حقائبهم بالبضائع ويخُوضوا في بورصة الصّرف والأسعار في هذه وتلك… وهنا وهناك… ورحت أجُوب مدينة سطيف المتربّعة على هضاب المنطقة الشمالية الشرقية للجزائرالجزائر هذا البلد الشاسع الأرجاء المتنوّع التضاريس والمناخ والأصول والحضارات تلك التي اِنصهرت مُهجتها في اِنسجام ووئام وتحالف وتآلف – وعَقدت العزم أن تحيا – كما أنشد شاعرُها مُفدي زكرياء فقدّمت التضحيات وتمكّنت بعد المكابدة من نيل الاِستقلال عن فرنسا التي جعلت من الجزائر مقاطعة أو ولاية فرنسية ولم يكن في حسبانها أبدا أن تتخلّى عنها وما مجزرة يوم ماي 1945 التي واجهتْ بها القوات الفرنسية المتظاهرين في سطيف والتي خلفت 45 ألف شهيد إلا دليل على مدى تشبّث فرنسا باِحتلالها للجزائر ولكنّ الشّعب الجزائري الأبيّ – أراد الحياة – فنال اِستقلاله

ـ ـ


أنا الآن وهنا في مدينة سطيف وعند ساحة الاِستقلال القريبة من القلعة البزنطية والحمامات الرومانية وساحة الاِستقلال محاذية أيضا للمسجد التركي والمباني الإداريةهنا مركز المدينة وعلى غير عادة مراكز أغلب المدن الكبرى فإن مدينة سطيف تبدو هادئة فلا ضوضاء ولا اِزدحام ولا صخب فالحياة تمضي فيها سَلسة في هدوء وسكينة وحتى التَّرَام الذي يشقّ السّاحة جيئة وذهابا تراه يطوي سكته مُنسابا فإن كان ولابدّ من التنبيه لأمر ما فإنّك تسمع له جرسًا يرنّ كنقر الأصابع على البيانُو

ـ4 ـ


مضيتُ أتملّى تفاصيل جمال هذه المدينة المُختطّة على الأنموذج الأوروبي فبَصمات المعمار الفرنسيّ ما يزال واضحا للعِيان في العمارات والشرفات وفي سطوح القرميد المخروطية الحمراء المناسبة للمناخ الشّتائي ولتساقط الثلوج
باردٌ هو اليوم في سطيف وفُندق ـ البشير ـ الذي نزلنا فيه يُطلّ على الساحة وهو دافئ ومُريح لكنّ ذلك لم يُغْرنِي بالبقاء في غرفتي فالسّير على الأقدام اِستهواني وحُب اِكتشاف هذه المدينة دعاني فخرجت أمشي فالمشي يبعث الدفء ويساعد على التأمل وعندما شعرت بثقل الحذاء  قلتُ لا بأس أن تجلس في مقهى مع كأس شاي بالنّعناع ويكون فاتحة لتبادل الحديث مع أهل البلد فالمقهى بمَن فيه وما فيه يُمثل خلاصة المدينة

ـ ـ


الناس في سطيف على قدر كبير من اللطف والمدنيّة وحتى عندما كنتُ أقطع الطريق فإنّ السائق يتمهّل من بعيد ويُفسح لي المجال ولاحظت أن الشوارع والساحات والكراسي فيها نظيفة وعندما دخلت حديقة وسط المدينة وجدت صندوقا يضمّ كتبا متنوّعة للمطالعة فالكتاب عنوان الحضارة والرّقيّ وكذلك المقهى فإنّك تجد آنية السّكر موضوعة على الطاولات حتّى على طاولات الأرصفة التي تعجّ بالمارة فلا تسمع صخبا ولا خصاما ولا زحاما إلا أن يبادروك بالتحيّة فيقولون سلاما سلاما
سلام يا سطيف على حَمامك تراه يختال أمامك في اِطمئنان وأمان أو يرفرف حول نافورة – الفوّارة – أو يحُطّ على حَسْنائها التي كلما مررتُ من ساحة الاستقلال حيث الفندق رأيتُها جذلى ناشرة جدائلها في تمام الحُسن والجمال تُنصت إلى رقرقة الماء المتدفّق من تحتها ومن الجهات الأربع والزّائرون حولها  مُعجَبون وهم طائفون ومُتأمّلون ومُصوّرون وهي لا تحرّك ساكنا لكأنّها غير شاعرة بهم فهي تبدُو تسبح عاليا وبعيدا في ملكوت الفنّ والإبداع و ـ تَبارك اللّهُ أحسنُ الخالقين ـ
حَسناء سطيف تلك هي مَرمر أبيضُ صقيل أبدعها إزميل النحّات الفرنسي الإيطالي ـ فرنسيس دي سان فيتال ـ سنة 1800 كما هو منحُوت في أسقل التّمثال وقد شاركتْ تلك الحسناءُ في معرض باريس الكبير سنة 1898 ورآها حاكم سطيف الفرنسي وقتذاك فأسَرَتْ فؤاده ولم يستطع فراقها ولم يُطِقْ الُبُعد عنها ولا صبرًا فأتى بها وجعلها على نُصْبٍ بديع في هذه الساحة عند ـ عين الفوّارة ـ التي لها شأنٌ كبير عند أهالي سطيف جيلا بعد جيل وعصر بعد عصرفسلام عليها وأزكى سلام

ـــــــــــــــ المقهى الدمشقي ــــــــــــــــ

 

مقهى ـ زهرة دمشق ـ بشارع أبي  فراس الحمداني بين القلعة وميدان المرجى السّاعة السابعة صباحا شعرت بفرح عارم عندما وقعت عيناي على هذا المقهى فقد دخل قلبي منذ النظرة الأولى فأنا رجل يعشق الجلوس في المقاهي الجميلة وبيني و بين المقاهي حكايات غرام لا توصف ففي المقهى أجلس للتأمل حينا ولأقرأ حينا و كذلك لأكتب أو أتحدث مع الأصدقاء ومقهى ـ زهرة دمشق ـ ذكّرتْني طاولاته الرّخامية البيضاء الجاثمة على قوائمها الحديدية المنقوشة بمقهى قديم كان عند باب سويقة و بمقهى الأندلس بالعطارين بتونس حيث كنّا نخرج إليه – زمن الشبيبة – من المكتبة الوطنية فنجلس بين شذى العطور وبين أريج الأشياء العتيقة حوله وكذلك هناك تستريح العين على أسراب السيّاح الوافدين من بلدان الثلوج.

والقهوة في الشام يضاف اليها الهيل كما نجعل نحن في المغرب العربي النّعناع في الشاي أو قطرات من ماء الزهر في فنجان القهوة.

وأذكر هنا أنّ اِنطلاق المقاهي كان من بلاد الشام التي سافر منها رجلان إلى إسطنبول (حيث بعثا أوّل مقهى فيها وذلك في أوائل القرن السادس عشر ومن هنالك اِنتشرت المقاهي الى أوروبا حتى أمست أحد مظاهر الحياة في المدينة ومقهى ـ زهرة دمشق ـ الذي جلست فيه على غاية من الحميمية فقد هيّأ لي النادل كرسيّا خشبيّا حيث وجدت المكان المناسب : الطاولة والنافذة في الرّكن على اليمين حيث كل شيء يساعدني حينئذ على الكتابة ولكنني ما اِستطعت كتابة سطر واحد ربّما بسبب قلّة التركيز بالإضافة إلى غلبة بقايا السّهر مع الاِنتشاء بالمكان.

إن المقهى خلاصة المدينة وهو عنوان الحياة  وعلامة للناس فيها وعند مقهى زهرة دمشق ثمّةَ تَرَقٍّ و لطف و حذق يدل على رسوخ الحضارة في ربوع الشّام من ذلك مثلا أن النادل يأتيك بالقهوة او الشّاي مع كأس الماء و السكر جميعا في طبق صغير و يضعه أمامك ثم ينصرف لخدمة غيرك أمّا ماسح الأحذية فكأّني به قد علم حرج بعض الناس إن هم مدّوا أرجلهم إليه وهو جالس لمسح أحذيتهم لذلك فإنه يطلب منك حذاءك مُهيئا موضعا لقدميك ثم يمضي بالحذاء فيجيء به بعدئذ على أحسن وجه أما كراسي المقهى فلا تتجاوز العتبة الى الرّصيف الذي يمرّ عليه الناس بدون مضايقة أحد  وقد لمحتُ مرة أخرى مقاهي ذات ساحة داخلية تظللّها الدوالي وتتخللها السّواقي و النوافير الصغيرة فيطيب في رحابها الجلوس

أما روّاد المقهى فهم إما جالسون مثلي أو لاعبون للنّرد أو الورق من غير صخب أو هم مولعون بالنارجيلة تنتصب أمام أحدهم في جمال وسحر وخيلاء كأنها الحسناء بدلّها و دلالها و تراه يراوح حبّات سبحته بنعومة بين أصابعه و لست أدري كيف جرى الحديث مع أحد الأخوة في ذلك المقهى حتّى علم أنني من الخضراء تونس هكذا جعل الخضراء أولا وهو يتمنى أن يزور قرطاج والقيروان وسيدي بوسعيد ويتمنى كذلك أن يذوق الكسكسي التونسي فهو أشهر الأطعمة عنده فذكرت له شعر أستاذي صالح القرمادي الذي وزنه صديقي الشّاعر نورالدين صمود على المتقارب فزاده رونقا :

أحبك حبّا طريّا شهيّا

كلحم الخروف على الكسكسي

فطرب أخونا طربا شديدًا وقد برّح به الشّوق أكثر الى تونس….

أتمنى أن أستقبله ذات يوم.

ــــــــــــــ في الجامع الأُمُويّ ـــــــــــــ

 

عندما هممت بخلع نعلي على عتبة باب الجامع الأموي بدمشق لاحت منّي نظرة الى الفضاء الرحب فإذا حمامات يرفرفن ثم يقعن على البلاط لالتقاط الحب ثم ينطلقن في سرب عاليا وبعيدا ربما سيمضي في رحلته الى صحن جامع الزيتونة في تونس فنفس هذا الحمام كنت أراه هنالك والجامع الأموي مقام على هيكل روماني قديم مازالت بعض أعمدته العملاقة قائمة فهي من آثار معبد جوبيتير الذي أقيم هو أيضا على أنقاض المعبد الآراسي وفي المعهد المسيحي أيام الامبراطور تيودوسيوس شيّدت كنيسة عرفت باسم القديس يوحنا وهو النبي يحي عليه السلام وهو صاحب مقام جليل وسط بيت الصلاة في الجامع الذي يبدو كتابا مفتوحا لمن يريد الاِطلاع على تاريخ دمشق.

الجامع الأموي عظيم البنيان شاهق الجدران، فسيح الأرجاء شامخ المآذن، متنوع الزخارف من ذهب الفسيفساء الى هندسة المرمر والجليز ومن النقش على الحجر الى الزخرفة على النحاس والخشب ومن التخاريم على تيجان الاعمدة والأقواس الى التصاوير ة الرسوم على الجدران فكأنّ الجامع الأموي متحف للعصور الغابرة كل زمن يبقى عليه خصائصه واثاره ففيه من ذكرياتنا ما به نباهي وفيه كذلك من الأحداث الأليمة مما يترك الحسرة واللوعة مثلما الحال عندما نزور فيه مقام الحسين ولعل في كل هذا وذاك عبرة للغادي والرائح.

ولئن اتفق الوليد بن عبد الملك لبنائه في أواخر القرن الأول الهجري خراج سبع سنوات من دولة أمية فجاء على غاية من الترف والبذخ فان الخليفة التقى عمر ابن عبد العزيز استنكر كل ذلك الاسراف وجميع ذلك الترف وكاد يأمر بنزع نفائسه وردّها الى بيت مال المسلمين، وقد جعلت سابقا في هذا الجامع عدة ساعات كان بعضها فيه منذ القرن الرابع الهجري وهي على شكل بديع و هندسة فريدة ذلك انه اذا تمت الساعة خرجت حية فصاحت العصافير وصاح الغراب  وسقطت بعدئذ حصاة في الطست على ما أورده بعض المؤرخين القدامى.

و بينما كنت أطوف بالجامع الأموي من ناحية بعض الأسواق التي تبيع الذهب والأشياء المستظرفة إذ بي أسمع وأشاهد أحد المبشّرين المسيحيين يدعو بأعلى صوته إلى المسيح بن مريم ويتلو من حين الى آخر من الكتاب المقدس والناس من حوله جيئة

وذهابا أو هم منشغلون في دكاكينهم كأن الأمر من عادة المكان فعجبت لروح التسامح بين القوم هناك و عندما ذهبت الى ناحية باب توما من دمشق وجدت مسجدا بجانب كنيسة فعلمت حينئذ ان البلاد الشامية ظلت محافظة منذ القديم على الألفة والاحترام و التسامح بين مختلف العقائد فيها و الذي يعود الى مآثر صلاح الدين الايوبي يقف على شواهد رائعة في الاخوة و في الإنسانية الراقية فتراثنا من هذه الناحية زاهر و رائع وعندما كنت عائدا الى الفندق مررت بالأسواق الدمشقية العتيقة فاذا هي تماما مثل الأسواق التقليدية في تونس من حيث التخطيط و الاختصاص ومن حيث الطبع في الناس كيف لا ؟ والفينيقيون هم الذين جاؤوا تونس من هذه الربوع ثم من بعدهم قَدِم العرب منطلقين من دمشق إلى إفريقية ومنها إلى الأندلس فالثقافة العربية تمتاز بالتمازج والتنوّع والشمولية.

ـــــــ ليلةُ الكازينُو ـــــــــــ

المسافة من حَلب إلى اللاذقية ليست طويلة ولكنّ الطريق بينهما أغلبها منعرجات خطيرة تنعطف مرّة مع اِنحدار الشّعاب كأنّها ستُلقي بنا في الهاوية و مرة ترتقي بنا على القمم حتى نكاد نصل الى حافة السّماء السابعة كأننا لن نعود إلى الدنيا ولكنّ سائقنا ـ أبَا ريمُون ـ عليم بالزّوايا والمزالق وبالأخطار جميعا في تلك الطريق ولكنه أحيان يغامر في المجاوزة وكأن عليَّ أن لا أنسى الآن المناظر الطبيعية التي تزخر بها تلك الطريق فكأننا كنا نسيل فيها مع الاِخضرار الذي كان يبدو من خلال نوافذ السيارة وهي تمرُق كالغزال بين الشّعاب والأدوية وبين البساتين والمروج أيضا فكل شِبر في هذه الرّبوع إمّا للفلاحة وإمّا للغابة الغَنّاء التي تشبه الى حدّ غريب غابات ـ عين دراهم ـ و ـ طبرقة ـ في الشّمال التونسيّ

السّاعةُ الخامسة في يوم من أيّام أُخريات الصّيف يكون عندها الكرنيش في مدينة اللاذقية قد تهيّأ لاِستقبال آخر المصطافين ويكون البحر بلونه الأزرق قد مضى في المدى البعيد حتى أكاد أرى من خلال لمعان اللجّة فيه شاطئ مدينة رادس هنالك نحو الضفة الأخرى من المتوسط قد أخذني الحنين إلى تونس الخضراء التي عند الحديث عن التاريخ القديم بين الشام وافريقية قال لي أحد الأدباء السّوريين إن أجدادنا قد غامروا بشجاعتهم مرّتين, مرة عند رحيل الفينيقيين ومرة عند الفتح الإسلامي الذي اِنطلق من دمشق عاصمة بني أمية فما كان منّي إلا أن اضفت وها إن الأحفاد يعودون اليكم ثمّ قال لي إن اِسمك (سُوف) لعله يكون اِسما بربريّا فقلت يمكن أن يكون كذلك و معناه الواد أو النّهر لكنه بالعربية معناه الصّبر والحجر الذي بين الصّلابة والليونة أو نحو ذلك و قد وردت هذه الكلمة في بعض القصائد لكنّ كلمة سُوف هي اِسم مدينة في جنوب الجزائر وكذلك هي ِاسم قرية توجد قرب عمّان في الأردن أيضا.

فالثقافة العربية اِستطاعت أن تجمع عبر عصورها الزاهرة تراث الجزيرة والشام والعراق ومصر وإفريقية وغيرها وهو سرّ تمازجها ضمن أبعادها الإنسانية الرحبة.

ذلك بعض الحديث الذي دار بيني وبين أحد أدباء اللاذقية في الكازينو، والكازينو مبنى جميل على النمط العربي القديم بأقواسه وبردهاته قد بناه الفرنسيون ـ بل الأيادي السّورية ـ في أواخر العشرينات من هذا القرن ليكون فندقا لاِستراحة الضباط وكبار الضيوف عندهم وهو ما يزال في حالة حسنة وصادفتْ زيارتُنا اللاذقية معرضا تجاريا أقيم على طول الكرنيش فاِغتنمت السّهرة في الذهاب والإياب فقد كادت رجلاي أن تتسمّرا في حذائي من كثرة الجلوس سواء في السيّارة أو عند الأمسيات الأدبية.

البحر في اللاذقية هو الذي أعطى المدينة سحرها الآخر وهو الذي أثّر في طبع الناس هنالك وهم يتفسّحون على نسيمه اللطيف إلى آخر الليل حتى يلتقي عند الكرنيش مَنْ كان عائدا من سهرته ومَنْ هو مُقبل على رياضته الصباحية

لن أنسى ليلة الكازينو السّاهرة فقد تمتّعتُ من الغرفة المُجاورة بنغمات سنفونيّةٍ بديعةٍ من أنف وحُنجرة بعض النّزلاء .

ـــــــ على ضفاف دجلة والفرات ـــــــ

هذه بغداد

 من تحت جناحي الطائرة تبدو في الليل كوشي بساط متلألئ هذه هي بغداد الرشيدبغداد دجلة وعيون المها بين الرصافة والجسر بغداد أبي نواس والتوحيديبغداد الكرخ ومقامات الهمذانيكنت سارحا في صفحات الأدب حتى شعرت بأن الطائرة العراقية تحط بتماس لطيف على الأرض فطفق الركاب يصفّقون بحرارة تحية شكر وإعجاب بالقائد وأغلب الركاب شعراء وأدباء تونس والجزائر والمغرب وموريطانيا حتى قال أحدهم مازحا إنه لو سقطت الطائرة وهلك من فيها من الشعراء المغاربة لكتب بقية الشعراء العرب  ديوانا كاملا في رثائهم…!

هذه بغداد

 حلم وتحقق أن أزور بلاد دجلة والفرات التي قرأت عنها منذ مطالعاتي الأولى وحدثنا عنها أستاذ التاريخ في معهد الصادقية سيدي  الهداوي الذي تخرج من كليتها فكان كثيرا ما يعرج بنا في الدرس للحديث عن ذكرياته في  بغداد فيصف لنا وصفا دقيقا شارع الرشيد وشارع المتنبي وحي الأعظمية حتى جعلنا نشتهي مختلف الحلويات البغدادية من كثرة ما حدثنا عن تفاصيل ذكرياته في العراق وهنا لابد من ذكر العلاقة الأدبية الوطيدة بين الأدباء التونسيين المعاصرين والعراق حيث أتمم كثير منهم دراسته الجامعية ونذكر على سبيل المثال أبا القاسم كرو والميداني بن صالح وعلي دَب الذي كان يجلس معنا أحيانا  بمقهى الكوليزي حيث أقبل علينا الأديب يوسف عبد العاطي ذات يوم من ربيع سنة 1984 وأعلمني أنه علم بدعوة عراقية لوفد من الشعراء والأدباء التونسيين وأن اِسمي من ببنهم فاِبتهجت اِبتهاجا كبيرا وكان اِستقبالنا بحفاوة كبيرة ناهيك أن سيارات فخمة خُصّصت لنا ضمن موكب تَحُفُّ به الدراجات النارية أوصلتنا إلى فندق الرشيد وهو أرقى فنادق العراق وكان رفيقي في الغرفة الصديق الشاعر محمد بن صالح الذي أتّفق معه في كثير من الأشياء ومنها تلك التفاصيل البسيطةعدم التدخبن مثلا….

عندما أصبح الصباح نزلت إلى بهو الفندق ذي الصالات الواسعة والرّدهات الممتدّة بعضها يُفضي إلى بعض وإذا بجموع الشعراء والأدباء والصحافيين وقد جاءت من بلدان القارات الخمس تتبادل التحايا وكلمات التعارف وتلتقط الصّور مع بعضها وتتهادى الكتب بعدما يخطّ الشاعر والأديب على صفحاتها الأولى عبارات المودّة وقد عدت بعشرات الدواوين والكتب من مختلف البلدان التي بدوري أهديت شعراءها ما حملت في حقيبتي من نسخ من ديواني الأول ـ الأرض عطشى ـ والثاني ـ نوارة الملح ـ وقد رجعت ـ والحق يُقال ـ بأكثر ممّا حملت معي

هذه بغداد

عشرة أيّام بلياليها اِنقضت في لمح البصر بين جلسات للقراءات الشعرية وزيارات سياحية للمعالم والآثار ولبعض المدن من بينها بابل والنجف والموصل وسامراء وغيرها وكلّما وجدت سُويعات خارج البرمجة حَثثت الخطى أجوب شوارع بغداد وأحيائها وأتمشّى على جسورها وعند ضفاف دجلة عندما صادفت تمثال شهريار وشهرزاد فمكثت أكثر من ساعة أتأمّل من مختلف الجهات ذلك الإبداع الجميل الذي جعل من الصّنم الجامد كيانا مُعبّرا حتّى لكأنّي كنت حينذاك أسمع حكاية من حكايات شهرزاد بينما شهريار يتّكئ كالمسحور من كلامها وكم هي كثيرة المنحوتات  والتماثيل الجميلة في العراق الذي يٌعتبر من أوّل البلدان العربية  في الفنون التشكيلية الحديثة .

هذه هي البصرة

حيث يلتقي في شطها دجلة والفرات وتتآلف الحضارات أيضا….هذه مدينة الجاحظ والخليل بن أحمد والسيّابكانت شمس الصباح قد لاحت من فوق نخيل مدينة البصرة بعد رحلة قطار الليل ولم أدر كيف وجدت نفسي وجهًا لوجه مع تمثال بدر شاكر السيّاب الذي نال منه الرّصاص والشّظايا في إحدى المواجهات الحربية بين العراق وإيران وهي الحرب التي ليتها لم تكن فقد كانت مآسي ودمارًا وكانت القوى الاِمبريالية هي المستفيدة الوحيدة منها وقد لاحظت أنّ عديد الشرفات والنوافذ تُسدل لافتاتٍ سوداء بأسماء شهداء عائلاتهانعم كانت تلك الحرب تضحية بالأرواح وهدرًا للطاقات وذلك بسبب غياب العقل الرّشيد بين الجارين 

لا أظن أن شاعرًا قديما أو معاصرا في العرب أو في العالم نال شهرة وحظوة بين الناس مثلما نالها نزار قباني الذي كان من ضيوف المهرجان الأول للشباب ببغداد سنة 1984 فهو الشاعر الذي تجد دواوينه في كل المكتبات والمعارض وتقرأ حواراته وكتاباته في المجلات والجرائد وتستمع إليه في الإذاعات والتلفزيونات وتتغنّى بكلماته نجاة الصغيرة ويشدُو بها عبد الحليم حافظ وكاظم السّاهر فكلّما حلّ نزار قبّاني أو مرّ إلا وكان الاِهتمام به من طرف الجميع وكثيرة هي باقات الورود التي أهديت إليه أمّا اِلتقاط صورة معه فهي فرصة يجب تصيّدها في كل حين وآناللهمّ لا حسد
كان المهرجان ملتقى كبيرا ضم عشرات الأدباء من شعراء وقصاصين وروائيين ونقاد وصحفيين من الأقطار العربية ومن عدد لا بأس به من أدباء البلدان الأخرى ولكن الطريف حقا هو تعرفي على الأدباء العراقيين الذين يكتبون باللغة السريانية والكردية واطلاعي على بعض دواوينهم ومجلاتهم
كانت برمجة أيّام المهرجان محكمة التنظيم فقد زرنا ـ  إيوان كسرى ـ بالمدائن جنوب بغداد ولي صورة تذكارية بصحبة صديقي الشاعر نورالدين صمود والإعلامي فرج شوشان أمام قصر أنو شروان حيث كان مركز الحكم الفارسي الذي اِنتهى بمعركة القادسية باِنتصار سعد بن أبي وقّاس ومباشرة بعد زيارة ذلك المعلم اِتجه الموكب بنا إلى ـ متحف قادسية صدّام ـ ويتضمّن لوحات كبيرة تصوّر معركة القادسية ولا شكّ أنّ مثل هذه الأعمال الثقافية تندرج ضمن الدّعم النفسي في الحرب ضدّ إيران وما اِستقبالنا من طرف الرئيس صدّام حسين إلا لهذا الهدف وهنا لابدّ من ملاحظة أساسية ففي تلك السنوات لم تكن وسائل الاِتصال في العالم مثلما أصبحت عليه بعد السنوات الأولى من مطلع القرن الحادي والعشرين لذلك كنا نرى العراق خاصة من خلال المجلات الأدبية الراقية التي كان يصدرها مثل ـ فصول ـ و ـ الطليعة ـ و ـ أقلام ـ وقد نشرت فيها منذ سنة 1976 بحيث لم نكن نعرف شيئا عن شؤون العراق الداخلية لذلك يمكن اِعتبار هذه الزيارة اِكتشافا للعراق
تعرفت في هذا المهرجان إلى صديقي الشاعر إبراهيم زيدان الذي كان نِعم الرّفيق والدليل في جولاتي البغدادية وكم كان عارفا بتاريخ المعالم التي زرناها ومنها مقهى أم كلثوم قرب شارع المتنبي المتفرّع عن شارع الرشيد ذلك المقهى الذي يمكنك أن تستمتع فيه على مدى كامل ساعات النهار والليل بأغاني أم كلثوم ولا أنسى أبدا الدعوة الكريمة التي اِستضافني فيها صديقي الشاعر إبراهيم زيدان في بيته وأعدّ لي مأدبة من عدد لا يُحصى ولا يُعدّ من أصناف الأطعمة العراقية حتى أنّ الغرفة ضاقت بالصحون من حولنا فكم تمنيت أن أستقبله في تونس بمثل ما اِستقبلني من لطف وأنس وكرم لعلني أردّ له البعض من جمائله
ثم توالت زياراتي للعراق بمناسبة مهرجان المربد الشعري الذي كان محفلا كبيرا للشعراء العرب تسنّى لي من خلاله الاِطلاع على آخر ما يكتبون وهو أيضا مناسبة للتعريف بقصائدي التي كانت مختلفة مع أغلب القصائد المنبرية السائدة فوجدت نفسي خارج السّرب أحلق مع عدد قليل من الشعراء الذين يطمحون إلى الجديد بحثا عن التميّز والإضافة وأذكر مرة أنني قرأت قصيدة ـ البرتقالة ـ وهي من قصار القصائد فنالت الإعجاب والتصفيق الحار خاصة أنني أنشدتها على إثر شاعر أطال في  قصيدته العمودية الحماسية
— 
البرتقالة
تقشرين برتقالة المساء
لظفرك شَبَهُ السكين
للدنيا مثل الدم
ناولتك برجا
ناولتني برجا
فتحنا أبراج الجزيرة
وبايعتك أميرة
من الماء
إلى الماء

ذلك هو العراق الذي عرفته فأحببت شعبه الكريم والأبيّ ولا أنسى أبدًا أنّ أوّل تاكسي ركبته من أمام فندق ـ الرّشيد ـ إلى شارع المتنبي قد فرح السائق بي فرحا كبيرا وأعلمني أنني أوّل تونسيّ يلتقيه ويحادثه فأعجب بلغتي العربية وقد كان يظن أن التونسيين لا يحسنونها لغلبة اللغة البربرية والفرنسية على بلدان المغرب العربي وبينما أنا أهمّ بنقده إذ به يقسم بأغلظ الإيمان أن لا يتسلّم منّي ـ ولا شيء ـ ثمّ يضيف يلهجة البغداديين الظريفة : تِتْدَلّلمن عيوني

ذلك هو العراق تماما مثل تمثال بدر شاكر السيّاب وهو منتصب واقف رغم الرّصاص والشّظايا

واقفٌ
يداهُ برغم الصّديدِيدانِ
تَجنيان بَلحًا
يداهُ في الحديدِيدانِ
تُسابحان طيرًا
تقُولان 
سلامًا
سلامًا
ستعودُ للشّرق
شمسُهُ
الآفلهْ

آخر عهدي بالعراق كان ضمن وقد اِتحاد الكتّاب التونسيين فوصلنا بغداد عبر عَمّان الأردن عن طريق البرّ قكانت رحلة شاقّة بمسافة ألف كيلومتر لأن الحصار كان شديدا على العراق بما في ذلك الخطوط الجويّة وقد حملنا وقتذاك ما اِستطعنا من الكتب الصادرة حديثا وما جمعناه من أدوية وأدوات مدرسية فلاحظنا الحالة اليائسة التي أمسى عليها أغلب الناس في هذا البلد أولئك الذين لقيناهم عامّة أول مرة ـ رغم بداية الحرب مع إيران ـ قي عيش رغد ونهضة عمرانية وعلمية وثقافية واضحة للعيان ولكنّ غياب السياسات الرّشيدة والاِستبداد في السّلطة هو الذي أدّى بالعراق إلى الهاوية

في إحدى المناسبات واكبتُ مع سي العروسي المطوي في قاعة المؤتمرات الكبرى خطاب الرئيس صدام حسين عندما طلب من أحد مساعديه مَدّه بقذيفة أو عُبوّة من سلاح جديد وظلّ يُراوحها بين يديه في اِعتزاز وتحدّ وزَهْو بينما اِهتزّت القاعة بالهتافات والحماس حينذاك همس لي سي العروسي متأسّفا وقال في أذني ـ ما كان عليه أن يكشف هذا السّلاح

فكان بعد ذلك على العراق ما كان

وا أسفاه….

ــــــــ مقهى أمّ كلثوم ـــــــــ

ـ أ ـ

شارع الرّشيد ببغداد يُمثّل قلبها النّابض الذي تنطلق منه وتعود إليه دورة الحياة في مدينة أبي جعفر المنصور الذي اِخطّتها على ضفاف دجلة بين بواسق النّخيل وشذى البساتين،

من شارع الرّشيد يمكن أن ترى الحضارة التي اِنبثقت في بلاد الرّافدين قبل آلاف الأعوام وذلك عندما نلاحظ البناء بقوالب الطّوب ومن خلال خطوط المباني وزواياها ثمّ إنك تلامس عبق الحضارة العربيّة عندما تشاهد خشب النوافذ والشّرُفات وقد نُقشت بدقّة وفنّ في ثنائية الأنوار والظّلال طبقا لمتطلبات المناخ ولأصول الشّرق في حُرمات البيت، هذا بالإضافة إلى شكل المآذن الأسطوانية والمُسَجّات بالخزف الأخضر والأزرق والأصفر في هندسة تثير التأمّل وتُشيع الجلال وتبعث الجمال نحو عوالم المحبّة والصّفاء

تلك هي بغداد: أخذت من كلّ الحضارات وصَهرتها ومع العصور اِستطاعت أن تجعل لنفسها طابعا خاصًّا يلوح في شاعريّة الحياة وفي الذّوق المرهَف وفي حركة الناس وهم يسعون بجدّ رغم مِحَن الحرب ورغم تحدّيات الزّمن.

ب

بالقرب من شارع المتنبي الذي يبدأ من شارع الرّشيد ثمّة مقهى أمّ كلثوم وقد أوصلني إليه في فسحة بديعة صديقي الشاعر إبراهيم زيدان الذي تعرّفت إليه سنة 1984 أثناء زيارتي الأولى لبغداد ومن تلك المناسبة صرنا أصدقاء

كلّ شيء عتيق في هذا المقهى : من البلاط الى الأرائك ومن الصّور على الجدران إلى المراوح المتدليّة من السّقف ومن الأغاني المسجَّلة على الأسطوانات إلى الأغاني الأخيرة في السبعينات لأمّ كلثوم تلك الأغاني التي تستمرّ من السّاعة السّابعة صباحا الى السّاعة الحاديةَ عشرةَ ليلا دون اِنقطاع.

أنشئ هذا المقهى في سنوات الستّين من القرن العشرين وظلّ محافظا على نمطه وتقاليده من بِ إلى اِبن بدون أيّ تغيير لأنّ صاحبه الأوّل كان من عشّاق أمّ كلثوم وروّاده محافظون هم أيضا على اِرتيادهم له من سنين طويلة للاِستماع و تراهم ينتظرون أغنيتهم المفضّلة الساعات الطّوال حتّى أنّهم صاروا يُعرفون لدى عريف المقهى بأغنية من أغاني كوكب الشرق فتراهم مُنصتين شاردين بين صوتها وصُورها في مختلف المناسبات عبر السّنوات وهي تُزيّن جدران المقهى التي ما عادت تلوح بينها أو تكاد، و الرّواد من أعمار متفاوتة ومن فئات متنوّعة في المجتمع تراهم يترشفّون الشّاي و كأنّني بهم يترشّفون الفنّ والإبداع باِستمتاع فما أروعها ساعةً في ذلك المقهى حيث رحّب بنا المعلّم ترحيبا بليغا سائلا عن تونس الخضراء.

ـ ج ـ

الأصدقاء الأدباء في العراق مشتاقون الى تونس وإلى النّشر في منابرها الأدبيّة سواء قصائدهم وقصصهم أو كتبهم ممّا يؤكّد متانة الرّوابط بين الأشقاء في المشرق والمغرب رغم أنّ الكتاب في جميع البلدان العربية يعاني من اِرتفاع ثمن الورق وغلاء تكاليف الطّبع وصعوبة التوزيع

إنّ الروابط التّاريخيّة بينمختلف الاقطار العربية من المفروض أنها تسهّل إنشاء المشاريع الثقافيّة ذات المصلحة العامة ولكنّ الثقافة في الوطن العربي ما تزال دُون درجة الضروريات بالإضافة الى تفشّي الأميّة في مناطق كثيرة مع سيادة قيم الاستهلاك و النّفع السّريع وكلّ هذه المعطيات مع غيرها من الخلافات السياسية تجعل الأدب بضاعة كاسدة مع الأسف

ــــــ بيني وبين صديقي الشّاعر ـــــــ

نورد الدّين صمّود

ـ1 ـ

 أرسل إليّ صديقي الشّاعر الدكتور نور الدين صَمُّود صورة يبدو فيها بيننا اِبني زياد الذي كان يبلغ من العمر سنتيْن وقد التُقطت لنا سنة 1986 بشاطئ مدينة المنستير  ديسمبر2017 بهذه الأبيات جاعلا لها ـ تحيّة صباحية ـ عنوانًا وقد ضمّنها إشارات في الحكمة :

تمُرُّ العُقودُ كمَرِّ السّــــــــحــابْ ويبلغُ ذا الطفلُ سِنَّ الشّبابْ
وجَدَّدَ سُوفـًا فأصبحَ جَـــــــــــدًّا جديَ الشُّعور وغَضَّ الإهـــابْ
وما شابَ عقلٌ لهُ شُعــــــــــورٌ ولكنّما شـَعْرُهُ اليومَ شَـــــابْ
وإنَّ المَشيب وقارُ الـشّـيـــــوخِ وذلك أمرٌ أتَى في الكتـــــابْ
وإنّ الشّبابَ أوْ إنَّ التّصابي بما قد يُؤدّي لشُربِ الــشّــرابْ
ونَظمِ القوافي وتركِ العَـفـافِ وبحثٍ على ما وراء النّقــــابْ
وكم قلتُ للشّعر:هل مِنْ مَتابٍ عنِ الشّعرقالوَ المَــتـــــابْ ؟

فأجبته قائلا في مساء نفس اليوم بتحيّة مسائية :

إذنْ يا صديقي أردُّ الجوابْ بشُكرٍ جزيلٍ بغر حِسابْ
على صُورةٍ لبُنيَّ صَــبِــيًّا وفي الصّيفِ كنّا وبحرًا عُبابْ
هُو العُمرُ يمضِي سريعًا فأيـنَ الطفولةُ ولّتْ وأينَ الشبابْ
ولكنّهُ الشّعرُ باقٍ وفِينَا يُشِــعُّوعَذبٌ كأحلَى رُضابْ
فَواصلْ صديقي صُمُودَ القوافِــــــــي فَـلا مِنْ مَـــتـــــــابٍ ولا مِــــــنْ مَــــــــآبْ

ثمّ رَدّ صديقي صمّود يقول يوم الأربعاء 6 ديسمبر 2017

السّلام عليك هذا الصباح من قليبية إلى تونس ولعله يصل إلى عاصمة النّور، وإلى اللقاء يوم السبت في نابل مع محبة ن ص

هداكَ الإلهُ لدربِ الصّـــوابْ فأحسنتَ رَدًّا بهذا الجَــوابْ

وصالحتَ فـَنَّ الخليل الـــذيتجنبته في زمان الشبـــــابْ

وأحسنتَ في ما نَثرتَ قديما وقد لـَذَّ نظمُك عندي وَطابْ

فإنّي أرى الدُرِّ في صُــــــرَّةٍ يظلُّ ثمينا، ولا يُسْتـَـــطابْ

ولكنْ إذا نَظَمُوهُ عُقُــــــــودًا وَ بنَحْرٍ نَضِيـــــرِِ الإهـــــابْ

سَبانَا بحُسن فَرُحْنَـا نغـــنّـي كمَا تتغنّى الطّيورُ الطـِّرابْ

فعُدتَ لنظْم الذي قد نَثَرتَ فلاحَ كَعِقدٍ بأحلَى الــرِّقــابْ

وليسَ بقيدٍ وليسَ بِــــغـُـلٍّ ولكنّهُ زينةٌ للْكِــــــــعـــــابْ

فكان الجواب صباح الخميس 7 ديسمبر 2017 حيث أقول

ألا إنّما الشّعرُ تِــبْـــرٌ يُـــــذابْ وسَبْكٌ جميلٌ إذا ما اِستجـابْ
فإنْ شئتَ حرٌّ طليقٌ بــديــــــعٌ وإمّا بِوَزْنِ الـبُــحُور يُــصَـابْ
و ـ صَمّودُ ـ في ذَا وذاكَ قــديرٌ بِسَبْح البُحور وشَقّ السّـحابْ
وإنّ الجميل يظلّ جـــمــيــــــلا ومهما تبدّل لـونُ الــثّــيـابْ
ومثلَ شذَى العِطرِ لمّا يَفوحُ فَلَا لِشَكْل الزّجاجةِ فيهِ اِسترابْ

ـ2 ـ

ــ وكتبتُ في تكريم الصّديق الشاعر الكبير الدكتور نور الدين صمّود بمدينة نابل يوم السّبت والأحد و10 ديسمبر 2017  أقول

أبا النّورمرحَى  *  وأسعدْ بتكريمْ
أبو الشّعر أنـتَ  بِقرْض وتحكيمْ
وفي كل بـَحْـرٍ  *  كتبتَ التّرانيــمْ
فَصارتْ حِساناً  كمِثل البراعيـمْ

لَأنتَ الجديـــرُ  بشُكر وتعظيمْ
أجيئكَ حُـــبّــا  بدُون المَراسيمْ
فطابَ اللّقاءُ  بأحلى التّقاسِيمْ

أبو النّور ـ هي كنية الصديق الشاعر نور الدين صمود التي أناديها بها في مخاطباتنا الخاصة

ـ 3 ـ

ونشر قصيدا جديدا في موقع ـ المثقف ـ فكتبت تعليقا بالمناسبة فكتب تحته قائلا

صـباحَ الخير يا (سُوفُ الذي قد * أتى من فَيْلَــ(سُوفٍوهْوَ عالـــمْ

يُضَاهي (أفلاطونـًا أوْ أرسْطــو) * ولكنْ ليس بُنـْكِـرُ قَــوْلَ (ناظِــمْ)

فقدْ رَفضَ الفلاسفةُ القُــدامَى * لِمَنْ قد ظلّ في الأشعَار حَــــالمْ

(مدينتُهمْ مُفضّلةٌ ــلديهــــــــمْ) * مُحرَّمة ٌ على (غَــــاو ٍ وهـائــــمْ)

فأجبته قائلا :

مساءَ الخير يا (نُورَالقوافِــــي وللأشْعارِ إنّك خيـــــــرُ نَاظـــمْ

بِإبداع الجَمال نَصُوغُ شِعـــرًا يَظلُّ ملاذَنا رغمَ المَــــظالــــــــمْ

فَـلا تَحزنْ لفَلسفةٍ تَهــــاوتْ وقُلْ بالشّعر تزدانُ العَــــوالــــــمْ

رادس في 23 ـ 9 ـ 2018

ثمّ أضاف الشاعر نورالدين صمّود قائلا :

صباحَ الخير يا سُوفَالقوافِي*لقد أصبحتَ للأشعار ناظـــمْ

وأضحى ما نثرتَ مـن اللآلي*كـعِــقـْــدٍ لامعٍ في كـَفِّ ناظـــمْ

[مديــنــتنا، بفرط الحسن فيها،] * تظل ملادَنا رغـم المظالـمْ

لِـبيتِ الشعر فيها ألفُ معـنـى* يـراه العاشقون بعـيـن حالــمْ

إذا ما القــلــبُ لم يسكرْ بشِـعْر ٍ* تراه للمحاسن غــير فاهـمْ

فـلا تـحزنْ لفـلســفـةٍ تـهـاوتْ وقلْبالشّعر تزدانُ العوالمْ

وتصبحُ كالرّياض بدون زهر ٍ *ومثــلَ الـدُّر يـبدُو دون نــــاظمْ

مدينـتـنا مَـدَى الأزمان ظلتْ * تجودُ بشِعرها أضعــافَ (حاتمْ)

وتـونـسُ تؤنس الـزُّوار فيـها بشعـر ٍ ظـلّ فـيه القـلبُ هائمْ

4

علمتُ بتعرّض الصّديق الشاعر الكبير نورالدين صمّود إلى بعض الرّضوض إثر سقوطه في إحدى ردهات منزله ممّا لزم نقله إلى إحدى المِصحّات فأرسلت له هذين البيتين يوم9 جانفي 2020

أبَا النُّورِ هَبْهَا كَسَقْطِ العَرُوضْ

فَقُمْ للبُحُور بِرغْمِ الرُّضُــوضْ

طبيبٌ لِكُلِّ الزّحَافاتِ أنـــتَ

وأنتَ العليمُ بِسَبْكِ القَريضْ !

وبعد أيام قليلة إثر تماثله للشّفاء أرسل لي هذه الأبيات

شكوتُ إلى اللّه شكوَى المريضْ

من الزّمن المُتعدّي البَغيض

رآني طبيبًا لكلّ القوافِـــــــــي

وراسخَ معرفةٍ بالقَريـــــضْ

وأبصرني كالخلبل بصيـــــــــرًا

بكلّ رحافات عِلْم العَـروضْ

إذا ما أردتُ النّهوضَ اِستعنتُ

بطفلٍ صغيرٍ بذاكَ النُّهـوضْ

وناديتُ عزمي: رجوتُك عُدْ لِي

ولا تترُكْنِي ضعيفًا مَهيــــضْ

5

الفطيرة

تحيّة إلى الكرام أهل ـ غمراسن ـ بالجنوب التونسي الذين عُرفوا منذ القديم بصناعة الفطائر والمخارق والزلابية ونشروها في جميع أرجاء تونس وفي سائر بلدان العالم وقد كانوا رمز الصّدق والشّهامة والوفاء والتّضحية وبكسبهم الشّريف تمكّن أبناؤهم وبناتهم من التقدّم في سُبل العلم والمعرفة وفي مختلف الوظائف والمهن والأعمال.
فالأمل أن لا ينسى الجيل القديم وأن يحافظ الجيل الجديد على القبم ـ الغمراسنية ـ الإنسانية الأصيلة بما فيها من عرّة وإباء وصبر وحبّ للخير لجميع النّاس

تَوَكَّلْ عَلَى اللّه خُذْ بِالـلُّجَـيْـنِ أََدِرْهُ بِلَمْسٍ يَصـيرُ فَـطِيـرَهْ

أَنَامِلُكَ السِّـحْـرُ مِنْهَا اَلْحَـــلَالُ بِِـفَـنٍّ تَـلُوحُ كَتَـاجِ الأمِـيـرَهْ

بِزيْتٍ وَقَمْحٍ وَعَزْمٍ عََـجَــنْــتَ جِـبَالا وََجُبْــتَ بِلَادًا كَـــثِيـرَهْ

إِلَى الرِّزْقِ تَسْعَى بِشَرْقٍ وَغَرْبٍ تَطُوفُ بِهَا وَنِعْمَ اَلسَّفِيرَهْ

لَكَمْ جَاءَكَ اَلْجَائِعُ وَاِشْـتَـهَـاهَا * هَنيئًا مَريئًا ـ مَلَاوِي ـ كَبِيرَهْ

وَشَــهْـدُ اَلْمَخارقِ مِثلُ الـزّلَابِي كَلَمْعِ الكَواكبِ وَهيَ مُنِيرَهْ

تَرَى اَلنّاسَ فِي كُلّ شَكْلٍ وَلَوْنٍوَوَاحِدٌ أَنْـتَ فِي كُلّ سِيـرَهْ

لَـئِنْ طَوَّحََتْـنَا اَلـدُّرُوبُ فَنَحْـنُ نَحِنُّ جَمِيعًا لِتِلْكَ اَلْـعَشِـيـرَهْ

نشرتُ هذه القصيدة بموقع ـ المثقف ـ بتاريخ 18 مارس 2020 وبصفحة جمعية اِبن عرفة فدبّج الصّديق الشّاعر الكبير نورالدين صمّود هذه الأبيات مشكورًا


أَيَا صانعًا من عجينٍ فَطيرهْ

يراها بأهل الفَخَار جديرهْ

يـُذهِّبُــُها غـَــليانَ الــزّيـــوتِ

فتغدُو نـُضارًا، كشمسٍ مُنيرهْ

لـ(غُمراسنَ) الشّكرُ مِن كلِّ مَنْ

رأى في الفطيرةِ خيــرَ سَفيرهْ

وشكرًا لـ(سُوف) على فخرهِ

فَاخِرون بصُنع الفطيرهْ

ــــــــ النّقطة ــــــــ

إلى الصّديق الشاعر العراقي أديب كمال الدين لذكرى لقائنا في بغداد سنة 1984

كمْ كان لابُدّ من شمس

تجري لِمُستقَرّ لها

فيتحوّلُ الضّوء إلى نُقطة

كم كان لابدّ من كوكب

لتتكوّر الأرضُ

كم كان لابدّ من كُسُوف وخُسُوف

من بُركان وزلزال

ليصير المستقيمُ زاويةً

والزّاويةُ مُثَلّثا

يتحوّل المُثلّثُ مُربّعًا

وما أدراكَ ما الدائرة !

كم مَضى من عَصر ومن مِصر

من لَوْح ومن حَجر

لنرسُم ظلّنا ألِفًا

لنرسُم الباءَ شَفةً

والخاءَ

كخَدّ الحبيبةِ

بِالهاءِ أتممنا رسم الأبجديّةِ

مثلَ وِثاق ربطناها

وعلى القِرطاس شَدَدناهَا

كمْ يلزمُنا مِنْ حِبر ومِنْ دَهر

لِمَحْو ثَرثرتَنا

حتّى يعودَ الحرفُ إلى نُقطةِ البدء

ويخرجَ طليقًا

تحتَ الشّمس

تونس– 16- 3-2006

ـــــــــ من التّهاني ــــــــــ

ـ 1 ـ

تهنئةُ الصّديق الأديب عبد المجيد يوسف بمناسبة زفافه بالشّاعرة الصديقة الشاعرة سهام صَفر

أَعَبدَ اَلْمَجيدِ سَـــــــلَامُ * ورُبَّ سَلام سِـــهَــــــامُ

سِهامٌ أصابتْكَ حُـــبًّــــا * فليسَ عَليها مَــــــــــلامُ

هيَ الروحُ تُحيي الفؤادَ * ويُزهرُ منها الحُـــطــــامُ

فَمِنْ بَعد مَرِّ السّنـــين * تَجَدّدَ فيكَ الــــــغَـــــرامُ

فلاحَ المَشيبُ نُجُومًـــا * وَهَا قَدْ دَعاكَ الهُـــــيــامُ

بِعَذْبِِ الأمَاني أهَنّــــي * وَمِسكُ الخِتـــــام سَــلامُ

ـ 2 ـ


تهنئة بمناسبة زفاف نجل الصّديق الشّاعر عبد الحكيم زرير


جَميلُ التّهاني أخِي يا حكيمُ *وبالخير أدعُو فأنتَ الكريـــمُ
هنيئًا زفافُ الأمير وأسْعِـــدْ * سيأتيكَ جيشُ بَنينٍ عظيـــمُ
و ـ سُوفُ عُبَيْدٍ ـ يُهنّي الجميعَ * سُرورٌ دعاهُ وقلبٌ سليــم

ـــــــــ أمام الحاسوب ــــــــــ

كان عليّ أوّلا أن أحذق لمس الأزرار الدّقيقة وأن أعرف بالتفصيل وظائفها العديدة

ثم كان علي أن أميز بين مختلف حروف الأبجدية على اللوحة

لم يتوقف الأمر عند هذا المستوى الذي كنت قد تعلمت منه الحدّ الأدنى

عند اِستعمالي ـ مضطرا ـ الهاتف المحمول وإنما كان عليّ كذلك أن أعرف الضروريّ اللازم من عمليات النسخ والإرسال والبحث عن المواقع بل إني إلى اليوم وبعد أكثر من ستة أشهر مازلت لا أستطيع كتابة مثل هذا النص بسرعة وإتقان

وكان عليّ أن أجمع كل ما عندي من عزم لأرسل نصّي الأول

فكان موقع ـ المثقف ـ أول ما نشرت به و يالها من فرحة تشبه تلك

الفرحة العارمة يوم نشرت لي جريدة ـ الصباح ـ التونسية أول نص كامل مع أسماء أدبية معروفة و ذلك بتاريخ غرة جانفي سنة 1970

عبر النشر بالأنترنيت أحسست بتحرّري من المكان والزمان ورأيتني كأنني أطير فوق الحدود والسّدود والجبال وأجتاز المحطات والمطارات والتأشيرات والجوازات ودُور النشر والتوزيع والمطابع وأصل بكلماتي دافقة نابضة مباشرة إلى القارئ خاصة عندما اِستطعت أن أجعل ديواني

: الأخير ـ حارق البحر ـ في موقعي الخاص وهو

www.soufabid.com

بحيث يمكن أن يُقرأ أو أن يُنزّل بيُسر في أيّ مكان وفي كل وقت

من هنا دخلت تجربة جديدة في الكتابة والنشر أربكتني إلى حين ولكنها تجربة تشبه الحالة النفسية التي اِنتابتني وأنا أمسك بريشة الحبر في المدرسة بعدما تعوّدت مسك القصبة تجري بها أناملي على صقيل لوحة الخشب هي حالة الدهشة الجميلة أيضا وأنا أجرّب الكتابة بالقلم الجاف الذي كان ثورة حقيقية عندي ضد قلم الحبر وقلم الرّصاص

تلك وقائعي القديمة والجديدة مع الكتابة والنّشر من القصبة واللوحة إلى الحاسوب والأنترنيت

لقد بدأ النشر في تاريخنا بالرّاوي ثم بالنسخ والتّدوين ثم ومنذ قرنين عرفنا طباعة الكتب والجرائد والمجلات إلى أن وصلنا في آخر القرن العشرين إلى مرحلة الطباعة عن بُعد وإلى وسائل الاِستنساخ السريع فوصولا أخيرا إلى هذه المرحلة ذات النشر والاِنتشار عبر الأنترنيت الذي أثّر إلى حدّ ما في النّصوص الأدبية ومن بينها النص الشعريّ خاصة من خلال الجانب الشكلي المرئي

 :ألاحظ بعد ممارسة تجريبية لهذه المرحلة الجديدة ما يلي

أولا ـ اِكتساب مساحة من حرية الكتابة كانت تُعدّ حلما بعيد المنال

ثانيا ـ وصول الكتابات إلى عدد هائل من القرّاء وإلى أماكن ماكانت تخطرعلى بالي مثل هيروشيما من بلاد اليابان وسِيدْنِي من قارّة أستراليا

ثالثا ـ حدوث تفاعل مباشر بين الكاتب وقارئه ممّا جعل النشر عبر الأنتريت يساهم في إرساء روابط التواصل عبر الحوار حيث جعلني أراجع بعض الكلمات بعد الملاحظة من بعض القرّاء

رابعا ـ لئن اِختلط أحيانا الحابل بالنابل فإن المحكّ الزّمنيّ بما فيه من غربلة على قاعدة البقاء للأصلح والأصحّ سيُبقي الأجدر وسيلغي الهامشي

و الرّديء وستكتسب بعض المواقع المهمّة شرعيتها وتصبح مراجع ذات مصداقية

خامسا ـ ما تزال فاعلية الأنترنيت محدودة التأثير بسبب تفشّي الأميّة ومحدودية اِنتشاره هنا وهناك وذلك لأسباب مختلفة ممّا يجعل النشر التقليدي بواسطة الورقة والكتاب ضرورة لا يمكن الاِستغناء عنها في هذه المرحلة وحتى إلى المستقبل المنظور

سادسا ـ نحن رهينة هذا الصندوق العجيب طالما أنّ الغير له الغلبة فهو المسيطر عليه ويملك أسراره و أزراره فما علينا حينئذ إلا أن نعمل جاهدين في سبيل نشر العلم والمعرفة والاِرتقاء بمجتمعاتنا نحو الأحسن

سابعا ـ مهما أفضت إليه الاِكتشافات الشكلية عبر وسائل الاِتصال الحديثة في النصوص الأدبية بما فيها من شعر وقصة ورواية وغيرها فإن الأثر الأدبيّ الحقيقيّ هو الذي يكتبه صاحبه عن معاناة صادقة وفي معاني الإنسانية وقيمها الخالدة وبصياغة فنيّة متطورة

ذلك هو الذي سيمثّل إضافة حقيقية في تاريخ الإبداع

ربيع 2008

ـــــــــــالحلقة المغقودة ـــــــــــ

أو نحو مشروع ثقافيّ تونسيّ بديل

ــ 1 ــ


مع سنوات منتصف القرن التاسع عشر ظهر في تونس مشروع حضاري متكامل يتلخّص في مقولة ـ الإصلاح ـ يشمل النّواحي السياسية والاِجتماعية والدّينية والتعليمية وتجلّى ذلك المشروع الحضاري خاصة في قرار تحرير العبيد وفي تأسيس المدرسة الحربية وإعلان الدّستور وتأسيس المدرسة الصّادقية للمزاوجة بين الأصالة التونسية والمدنيّة الأوروبية فنشأ ضمن هذا المشروع الحضاري العام منهج ثقافي متكامل سار على دربه أعلام حملوا مقولاته منهم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه ـ أليس الصبح بقريب ـ وفي تفسيره ـ التحرير والتنوير ـ والشيخ عبد العزيز الثعالبي في كتابه ـ روح التحرّر في القرآن ـ وكتابه ـ تونس الشهيدة ـ وكذلك الطاهر الحداد في كتابيه ـ العمال التونسيون ـ و ـ اِمرأتنا في الشريعة والمجتمع ـ وفي الشعر أبو القاسم الشابي ومصطفى خربّف وفي الفنون التشكيلية حاتم المكّي وقد اِنطلقت الحركة الوطنية من أسس ذلك المشروع الثقافي وأدبيّاته وتخرّجت مختلف أجيالها من مؤسّساته

ــــ 2 ــــ

عندما حقّقت تلك الأجيال الاِستقلال في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين سارعت الدّولة الوطنية وفي فترة عشر سنوات فقط من إرساء منظومة ثقافية شاملة ومتكاملة تتكوّن  أساسا من اللجنة الثقافية الوطنية التي تتفرّع عنها لجان ثقافية في كل ولاية ومعتمدية وأُحدثت عديد النوادي الثقافية مثل النادي الثقافي الطاهر الحداد والنادي الثقافي أبو القاسم الشابي بالوردية والنادي الثقافي علي البلهوان ونادي القصة وقد عمّت دُور الثقافة أغلب المدن فكانت تعجّ بالشباب من هواة فنون السينما والمسرح والأدب والرسم والموسيقى ونذكر منها مثلا دار الثقافة اِبن خلدون ودار الثقافة اِبن رشيق ودار الثقافة بصفاقس وقفصة وبنزرت والقيروان وغيرها ولا شك أن لوزارة الثقافة التي على رأسها الأستاذ الأديب الشاذلي القليبي الدّور الأساسي في تلك الاِستراتيجية الثقافية التي شملت تأسيس الفرق الجهوية للمسرح ومن بينها خاصة فرقتا الكاف وقفصة وتأسيس أيام قرطاج السينمائية والفرقة الوطنية للفنون الشعبية واِستقبال الأديبين الكبيرين طه حسين وميخائيل نعيمة لتونس إلخ….ناهيك عن إنشاء المكتبات العامّة والمكتبات المتجوّلة وحافلات السينما  في الأرياف والبوادي وعاضد تلك الحركات الثقافية إنشاء الشركة التونسية للإنتاج السينمائي وشركة النّغم للإسطوانات ثمالدّار التونسية للنشر والشركة التونسية للتوزيع فصار الكتاب التونسي مرجعا وعنوانا للثقافة الوطنية ليتحرّر من دور النشر في الشرق والغرب واِنتشرت مجلات ثقافية رائدة مثل ـ الفكر ـ التجديد ـ قصص ـ وظهر ديوان أغاني الحياة للشابي والسّد للمسعدي وشوق وذوق لمصطفى خريّف وبقايا شباب لمحمد المرزوق وقلب على شفة لأحمد اللغماني وسلسلة البعث لمحمد أبي القاسم كرّو  ودواوين منوّر صمادح وبرزت أسماء ثقافية جديدة مثل محجوب بن ميلاد وفريد غازي ومحمد الطالبي والطاهر قيقة ومحمد العروسي المطوي ومحمد مزالي وبدأ جيل ثقافي آخر يبشّر بحضوره المؤثر والمختلف والفاعل ثقافيا وسياسيا أيضا ألا وهو جيل الجامعة التونسية بمختلف كلياتهاولاحت في الآفاق الفنيّة أسماء جديدة ففي المسرح نذكر مثلا علي بن عيّاد وعمر خَلفة وفي السّينما أحمد الخشين وعُمار الخليفي وفي الفنون التشكيلية الهادي التركيي ومحمود التونسي وفي الأغنية بدأت تعلو نجوم جديدة مثل نعمة وعليّة وأحمد حمزة وفي الموسيقى قدّور الصّرارفي ورضا القلعي والطاهر غرسة وقِسْ على ذلك بقيّة الفنون والمعارف كلّ ذلك صار في ظرف عشر سنوات ـ فقط ـ من الاِستقلال

ــ 3 ــ

 على مدى السّنوات الأولى من الدولة الوطنية كان حال البلاد الاِجتماعي والاِقتصادي والإداري وكفاءاتها العلمية ومواردها المالية وغيرها أقلّ بكثير من وضعها سنة 2011 تلك السنة الحاسمة التي عرفنا بعدها هدمًا مُمنهجا للصّروح الثقافية التي كانت قائمة فبَدَل أن تبدأ مراجعة أهداف تلك المنجزات الثقافية وبرامجها المختلفة مع إعادة النظر في المُشرفين عليها لتواكب التطلعات الجديدة لتونس ولتعبّر عن آفاقها القادمة رأينا تخفيض ميزانية وزارة الثقافة وحلّ اللّجان الثقافية مع التضييق على الجمعيات الثقافية العريقة ذات المصداقية والمستقلة باِشتراط قائمة من الأوراق الإدارية المُجحفة لكأنها شركات كبرى وهي التي تنشط بتطوّع أعضائها لا غيرنذكر مثلا جمعيات ـ نادي القصة ـ جمعية قدماء الصادقية ـ جمعية ابن عرفة الثقافية ـ نادي مصطفى الفارسيفكادت هذه الجمعيات تقتصر على اِجتماعاتها الدّاخلية من حين لآخر محافظةً على وجودها واِندثرت ملتقياتها ونواديها ونشرياتها مثلما اِمّحت وغابت من صدى النشاط الثقافي عشرات الندوات والملتقيات الجادة التي كانت في كامل أنحاء البلاد من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربهاأين مهرجانات المسرح والسينما والفنون التشكيلية والفن الشعبي والشعر الشعبي والقصة والرواية وأين ملتقى ابن منظور في اللغة وملتقى اِبن عرفة في التراث وملتقى القلصادي في الرّياضيات وملتقى الإبياني في العلوم وملتقى اِبن رشيق في النقد ؟أين تلك المواعيد الثقافية الزاهرة في بنزرت وتطاوين وفي قرقنة وبوسالم وعين دراهم والمتلوي وقليبية وقُربة والمطوية وماجل بالعباس ومنزل عبد الرحمان وزغوان والقلعة الكبرى والمحرس وغيرها ؟

 كان من المفيد بعد 2011 أن يتمّ تطوير هذه المنجزات الثقافية ومراجعة أهدافها وطرق تسييرها ودعم مواردها  ولكن عوضا عنها لاحظنا اِنتشار ثقافة الاِستهلاك وتغييب الكفاءات العلمية والإبداعية وإبراز مظاهر الشعبوية واِحتفاء بأعمال مبتذلة لا تساهم إلا في تدنّي الذّوق وتفشّي الرّداءة وحتى حرية التعبير التي تحققت إلى حدّ بعيد تحوّلت إلى شتيمة وهتك أعراض وبذاءة قول وأخيرا انتهى حتى التعبير عن رأي أو نقل تدوينة على صفحة خاصة إلى أحكام بالسجن

ــ 4 ــ

كان من المفروض مثلا أن تُدعى هيأة ثقافية مشهود لها بالكفاءة والمصداقية من جميع المعارف والفنون وممثلة للأطياف الثقافية لتُشرف على برمجة ـ المدينة الثقافية ـ التي لاحظنا أن أنشطتها لا تختلف عن أيّ دار ثقافة أخرى في البلاد لو تمكّنت من ميزانيتها ؟

وخلاصة القول أنه يجب إرساء اِستراتيجية ثقافية واضحة وشاملة فتجعل المكتسبات الماضية رصيدا لها وتتجاوز ما لم يعُد يستجيب للطموحات الجديدة وتنبثق هذه الاِستراتيجية من ـ  مشروع ثقافي وطنيّ ـ يكون نتيجة لحوار واسع تساهم في إرسائه الأطراف الفاعلة في المجتمع ويكون ذلك من خلال مجلس وطني للثقافة تنبثق منه مختلف الأهداف والوسائل

نعم نحن في أشدّ الحاجة إلى مشروع ثقافي جديد يعتز بعبقرية شخصيتنا التونسية الضاربة في التاريخ والمتطلعة نحو المستقبل وكي لا يقال مرة أخرى في محفل رسميّ بقصر الإيليزي إن الاِستعمار الفرنسي لتونس كان فقط معاهدة حماية !!

ــــــــــــ مع الرّؤوس ـــــــــــ

ـ الرّؤوس ـ هو عنوان كتاب نقدي للأديب مارون عبّود رأيته معروضا في واجهة مكتبة صغيرة قرب جامع الزيتونة بينما كنت في طريقي إلى معهد اِبن شرف لمواصلة دراستي الثانوية في شعبة الآداب بعدما درست المرحلة الأولى في المدرسة الصادقية ومن المصادفة العجيبة أنّ الدرس الأول في معهد ابن شرف كان مع أستاذ الأدب العربي الشيخ السلامي ذي الهندام التونسي الأصيل وقد خصص الدرس الأول لاِستعراض برنامج السنة الدراسية فأشار علينا حينذاك بجملة من المراجع من بينها كتاب مارون عبود _ الرّؤوس _ وقد اِعتبر فيه الشعراء العرب الذين تناولهم بالدّرس رؤوسًا أي أنهم علامات كبيرة في تاريخ الشعر العربي بما لهم من إبداع وأتباعلن أتحدث عن هذا الكتاب ولا عن تلك الرّؤوس ولكني اِستعرت العنوان لاستعراض ذكرياتي مع الرّؤساء العرب الذين التقيت بهم في مناسبات مختلفة وهم الحبيب بورقيبة ـ زين العابدين بن علي ـ معمر القذافي ـ ياسر عرفات ـ صدام حسين

ــــــــ مع الرئيس الحبيب بورقيبة ــــــــ

أوّل مرة رأيت فيها الزعيم الحبيب بورقيبة سنة أو سنتين بعد الاستقلال بمناسبة مشاهدة موكبه مع زوجته ماتلد ـ مفيدة ـ وكانا واقفين في  سيارتهما المكشوفة يردّان على تحايا وهتافات الجماهير المحتشدة على جانبي الشارع بين باب الجزيرة وباب الجديد 

 أمّا المرّة الثانية فكانت بمناسبة جلاء المستعمر عن بنزرت وذلك عندما رافقت والدي رحمه الله إلى الاِحتفال بمغاردة الجيش الفرنسي بنزرت وكان معه وقتذاك أي في شتاء 1963 جمال عبد الناصر واحمد بن بلّة ووليّ العهد اللّيبي 

أما ثالث مرة فكانت أمام قصر الحكومة بالقصبة سنة 1965 بينما كنت ذاهبا إلى مدرسة الصّادقية حوالي السابعة والنصف إذ بي أرى أمام قصر الحكومة فصيلا من الجيش يعزف النشيد الوطني والرئيس بورقيبة واقف أمام العلم في اِستقامة وخشوع فوقفت مع الواقفين وكانوا في أغلبهم من التلاميذ وعندما اِنتهى العزف رأيناه ينحني ويقبّل العلم فطفقنا بعد ذلك نصّفق بحرارة ونهتف بأعلى أصواتنا ـ يحيا يورقيبة….يحيا بورقيبة ـ وماهي إلا بُرهة حتى اِتّجه نحونا وصافحنا واحدًا واحدًا ثمّ أمرنا في لهجة بين الحزم والحنان قائلا ـ هيّا أسرعوا إلى معهدكم واجتهدوا في دروسكم.

ـ بورقيبة ـ زعيم تونس فهو ـ المجاهد الأكبر ـ في عهد الاستعمار الفرنسي وقد أُطلق عليه هذا اللقب منذ اِعتقاله سنة 1934 في أقصى الجنوب التونسي مع عدد من رفاقه وهو الوحيد الذي رفض توقيع رسالة الاِعتذار أو طلب الإفراج من الحاكم الفرنسي لذلك استحقّ  ذلك اللقب من إحدى الصحف الصادرة وقتذاك 

 بورقيبةيمكن أن نذهب في قراءة مسيرته وشخصيته مذاهب شتّى والمؤرّخون والمختصّون هم الأقدر على دراسته وتحليله غير أنّه من المفيد لتونس أن تواصل إنجاز ما كان مفيدا وصالحا في عهده مثل ما تحقّق في مجالات الصحّة والتعليم والأسرة وغيرها وأن تقطع مع ممارسات الاِنفراد بالرأي وعدم التوازن بين مختلف جهات البلاد والتبعية للرأسمالية العالمية

 من أقوال بورقيبة التي أثبتها التاريخ ما نصح به الفلسطينيين في خطابه ـ بأريحا ـ سنة 1965 الذي دعاهم فيه أن يعوّلوا على أنفسهم وأن يعملوا باِستراتيجية ـ خذ وطالب ـ مع تاكيده على اِستمرار المقاومة

 ومن أقواله التي أثبتها الواقع أن تونس لا يجرؤ عليها أحد من خارجها وأنّ تدهورها وخرابها  لا يكون إلا من طرف أبنائها 

وسيظل الخطاب الذي ألقاه بقاعة البالماريوم بتونس العاصمة وبحضور العقيد معمّر القذافي درسا حضاريا للعرب عندما أكد أن تحدّي الحضارة الغربية المهيمنة لا يكون بالشعارات وإنما بالعلوم والاِجتهاد والعمل وأن وحدة الشّعوب العربية لا تكون بالمشاعر والخطب فقط وإنّما تتحقّق متى توثّقت بينهم الرّوابط الاِقتصادية والاجتماعية وغيرها   

.

ــــــــــ مع الرئيس زين العابدين بن علي ــــــــ

في سنة 1987 بلغت تونس أقصى درجات أزمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما جعل الجميع ينتظر نهاية حكم الزعيم الحبيب بورقيبة كيف ستكون والخشية الكبرى كانت أن تدخل البلاد مرحلة الصراع الدّموي بين مختلف الأطراف حتى جاء بيان السّابع من نوفمبر واضعا حدّا للحقبة البورقيبية التي طالت أكثر ممّا يجب ومبشّرا بعهد جديد زاخر بالوعود والأماني الجميلة تلك التي كانت تصبُو إليها أجيال تونسية متوالية بعد سنوات عديدة من الكبت والانفراد بالحكم ضمن دائرة ضيّقة وقد اِستبشر التونسيون ـ أو الأغلبية الساحقة منهم ـ بما ورد في ذلك البيان وابتهجوا أكثر بإزاحة بورقيبة التي كانت دون لجوء إلى العنف وبلا قطرة دم واحدة وقد اِنضم إلى المراكز المختلفة في السلطة الجديدة عدد وافر من اليساريين والقوميين والنقابيين وغيرهم ممّا أعطى بن علي شرعية كبرى في السنوات الأولى من حكمهكانت السّنوات الأولي لحكم الرئيس بن علي بصفة عامة مرضية فقد رأى التونسيون المستقبل بعيون ملئها الأمل وانطلقت الحركة الثقافية عارمة في جميع جهات البلاد بعدما كانت مكبّلة رتيبة ناهيك أن عديد المسرحيات والأفلام والكتب خاصة ومنها ديواني ـ نوّارة الملح ـ تعرّضت للحجز وقد كان لشعار ـ لا لثقافة التهميش ولا لتهميش الثقافة ـ الصّدى الواسع لدى المثقفين والمبدعين على مدى السّنوات الأولى من تغيير السّابع من نوفمبر خاصة بعد أن اِستقبل الرئيس مئات المثقفين والمبدعين والصحفيين من جميع أنحاء البلاد في اليوم الوطني للثقافة الذي كان مناسبة لتكريم ثلة منهم في كل سنة وقد صافحنا واحدا واحدا في قصر الرئاسة قرطاج يومذاك بعد ان خطب فينا خطابا مليئا بالوعود التي من شأنها أن تشجع على العمل الثقافي في كنف الحريّة لو أنها وجدت طريقها إلى التطبيق الحسن ولكن شتّان بين الشعارات والإنجازات…!!!أما المرّة الثانية التي لقيته فيها فبمناسبة ـ مهرجان الشعر العربي ـ الذي انعقد في تونس سنة 1994 والذي كنا نأمل أن يستمرّ كل سنة ولكنه كان بيضة الدّيك وقد دُعينا حينذاك إلى حفل اِستقبال فيه ما لذّ وطاب وذلك بالقاعة الكبرى في قصر قرطاج ثمّ صافحنا الرئيس واحدًا واحدًا وكان وزير الثقافة يقدّمنا إليه ببعض الكلمات لا غير

عندما شارف القرن العشرون على نهايته بدأ الاِنحدار واضحًا في منظومة الحكم زمن بن علي الذي ترك الحبل على الغارب لأفراد عائلته وأصهاره ينتهزون فرص الثراء الفاحش مستعملين جميع أدوات الدولة ومتحالفين مع الاِنتهازيين من جميع فئات المجتمع فسادت قيم الوصولية والمنفعية والمحسوبية والسّوق السوداء وازدادت البطالة تفشيا خاصة لدى الشباب الذي وجد في المغامرة عبر الزوارق الصغيرة تحت جنح الظلام أملا في الوصول إلى سواحل إيطاليا ومنذ سنة 2009 وعلى إثر الإعلان عن فوزه في الانتخابات بدأت باكرا حملات الدعوات تناشد بن علي للترشّح إلى الانتخابات الرئاسية القادمة في سنة 2014 فصار حال البلاد يشبه حالها في آخر عهد بورقيبة فقد تجمّعت أغلب المصالح بين أيدي عدد محدود من العائلات و ذوي النفوذ واِقتسموا خيرات البلاد وتركوا الخصاصة والبطالة للآخرين ممّا جعل الانفجار العارم أمرا لابدّ منه في أواخر سنة 2010 ويكون  يوم 14 جانفي 2011 حدا فاصلا في تاريخ تونس 

ــــــــــ مع الرئيس منصف المرزوقي ــــــــــ

عندما بدأ محمد منصف المرزوقي الكتابة على صفحات جريدة ـ الرأي ـ التونسية اِستبشرتُ مثل كثير من الأدباء التونسيين بمقالاته التي تنتصر إلى الهويّة التونسية الأصيلة مع الدّعوة إلى القيم الإنسانية الخالدة خاصة أنها بقلم ذي لغة عربية فصيحة ومن معين علمي يرشح بثقافة عالمية واسعة فاِعتبرناه مكسبا ثم توالت إصداراته تباعا وقد صدّر إحدى مقالاته في بعض كتبه وقتذاك بمقطع من قصيد لي عن التعذيب وأذكر أني أهديته قصيدا من مجموعتي الشعرية ـ صديد الروح ـ عربون صداقة وتقديرخاصة وأن المرزوقي أضحى عضوا معنا في اِتحاد الكُتّاب التونسيين الذي أمضى على ـ الميثاق الوطني ـ مثل أغلب الأحزاب والمنظمات والشخصيات السياسية وقتذاك وعندما كان رئيسا للرابطة التونسية لحقوق الإنسان اِستقبلني بصفتي كاتبا عاما للاِتحاد سنة 1990واِتفقنا على تنظيم ندوة في دار الثقافة اِبن رشيق حول مسائل تهمّ حريّة الكاتب والنّشر وقد ساهم في تلك الندوة عديد الأدباء والمثقفين والصحفيين تلك بعض التفاصيل البسيطة والمهمة في تاريخ تونس الذي كنّا شاهدين عليه ومساهمين فيه عسى أن يسترجع الذاكرة بعض الذين يريدون محو التاريخ والتنصّل من مواقفهم…وعندما حدث السابع من نوفمبر 1987 اِعتبرناه نقطة تحوّل تاريخية فارقة بعد كوابيس السّنوات الصّعبة التي حطّت بكلكلها على تونس وقد اِنخرط بعد ذلك في الكتابة عن أماني تونس الجميلة وأحلامها وفي كثير من المنابر عديد الأقلام الطامحة إلى الأفضل منهم قلم الدكتور محمد المنصف المرزوقي الذي أوغل في المديح السياسي المباشر للرئيس بن علي فلماذا لم يذكر نفسه في ـ الكتاب الأسود ـ الذي نشره مع جملة الصّحفيين والمثقفين والفنانين وغيرهم من الذين أيّدوا توجّهات بن علي وبرامجه الإصلاحية في فترة من الفترات؟ أين الحقيقة الكاملة وأين النزاهة وأين الشفافية ؟هل يتذكّر سي منصف المرزوقي مقالاته في بن علي منها مقالة ـ حتى تنجح التلميذة تونس بجدارة ـ ومقالة ـ صوّتوا لتونس ـ طبعا يقصد صوّتوا لزين العابدين بن علي ومقالته الصادرة ضمن كتاب ـ الميثاق الوطني لمحمد الحبيب حريز وكيف ينسى اِستقبالاته لهوعلى موائد الغداء أو العشاء مع باقة من وجوه المعارضة يمينا ويسارًاأمّا وقد ورد اِسمي في الكتاب فالجدير بي أن أوضّح أنني كنتُ حقا من الذين اِستبشروا بحدوث التغيير فساهمتُ من خلال اِتحاد الكتّاب وغيره من الفضاءات الثقافية في كثير من الأنشطة الأدبية المَحضة التي ساهمت في إبراز الأدب التونسي على الساحة الوطنية والتعريف به مشرقا ومغربا وفي العالم وأغلب تلك الأنشطة كانت تدعمها وزارة الثقافة مباشرة أو من خلال هياكلها وقد رشحتني وزارة الثقافة مرتين لنيل الوسام الثقافي الذي ناله أغلب المثقفين والمبدعين التونسيين وكثير من الأدباء والشعراء العرب أيضا وقد تحصّلت ـ مع غيري من المبدعين ـ وبفضل قانون ـ رخصة مبدع التي طالبنا بها سنوات عديدة ـ على تفرّغ لمدة ستة أشهر لإنجاز مشروع أدبي يتمثّل في جمع أشعاري وفتح موقع ألكتروني خاص وبخلاف هذا وذاك أصرّح أنني لم أتحصل من رئاسة الجمهورية ولا من سواها على أيّ منصب أو ترقية أو اِمتياز أو هبة أو منحة فليت السيّد محمد المنصف المرزوقي ـ وقد بحث في أرشيف القصر ـ أن يعمل على أن أسترجع الثمانية عشر يوما تلك التي خُصِمت لي من أجرتي ومن ترقيتي ومن جراية تقاعدي إلى اليوم…لعل ذلك كان بسبب أنني لم أكن ضمن حملات المناشدين سنة 2009 وسنة 2010 لترشيح بن علي للاِنتخابات سنة 2014….ختاما لا يسعني إلا أن أقول ـ إنّ المنصف المرزوقي قد خسرته الثقافة ولم تربحه السياسة ولم يقدم شيئا يذكر عندما وضعوه ديكورا على كرسي الرئاسة…ليته ظل كاتبا مدافعا عن القيم الجميلة فيا بؤس المثقّف عندما يتخلى عن نبل رسالته


ـــــــــــ مع معمّر القذافي ـــــــــــــ

كانت سنوات آخر الستينيات من القرن العشرين بالنسبة لشباب المعاهد والكليات سنوات الوعي بالقضايا العالمية وفي مقدمتها قضية  فلسطين وقضية فتنام وقد فتح ذلك الجيل وعيه على صدمة هزيمة الجيوش العربية في حرب جوان 1967 بالإضافة إلى تأثيرات حركات التحرّر في العالم مثل حركة الزنوج في الولايات المتحدة الأمريكية واِعتيال ـ لوثر كينغ ـ و ـ غيفارا ـ وكفاح إفريقيا الجنوبية بقيادة زعيمها مانديلا وصمود كوبا بقيادة كاسترُو ضدّ الغزو الأجنبي

وكانت أصداء الثورة الثقافية في الصين وحركة  ماي1968 في باريس وغيرها من الحركات العمالية والاِجتماعية تصل أصداؤها إلى شباب تلك السنوات فحرّكت فيه التوق إلى الحريّة والرفض الشديد لكل ماهو سائد من المنظومات السياسية والاِجتماعية والاِقتصادية والثقافية بمختلف أنماطها

في هذا المناخ العربي والعالمي زار العقيد معمر القذافي تونس لأول مرة بعد فترة قليلة من اِنقلابه العسكري في الفاتح من سبتمبر1969 وقد خرجتُ حينذاك مع صديقي صفوان بن مراد للوقوف مع المحتشدين فرأينا موكبه برفقة الرئيس بورقيبة في باب الجزيرة وقد وقفا في السيارة المكشوفة يرُدّان على هتافات الجماهير لرؤية خاصة ذلك الضابط الشاب بزيّه العسكري الذي ما اِنفكّ يردّد شعارات الوحدة العربية ومحاربة الاِستعمار والامبريالية وأذكر أنّي رفعت مع صديقي مطريّتي السوداء عندما لم نجد لافتة فكتبنا عليها بالطباشير الأبيض ـ تحيا الثورة العربية ـ وعندما رآها العقيد أشار إلينا بعلامة النّصر فاِبتهجنا اِبتهاجا كبيرا ممّا جعلنا نشُق أسواق المدينة العتيقة لنلتقي به من الجهة الأخرى مرّة ثانية في باب سويقة 

كنا نتابع خطابات القذافي الحماسية ومشاريعه الوحدويةمع الأقطار العربية  ولكن كان مآلها الفشل

في سنة 1974 ـ في ما أظن ـ فتحت الجماهيرية الليبية مركزا ثقافيا بتونس العاصمة وفي ساحة الجمهورية أي في مركز المدينة  وفي مكان محطة الميترو الٱن ـ أي سنة 2020 ـ وقد اِشتمل المركز على مكتبة كبيرة وبطبيعة الحال يوجد فيها ـ الكتاب الأخضر ـ بأعداد وافرة وفي طبعات مختلفة وقد استضاف المركز عديد الأدباء الليبين والعرب من بينهم الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي تعرفت إليه مباشرة في تلك الأمسية ثم لقيته في بغداد وعندما زار تونس في أول تسعينيات القرن الماضي نظمتُ له أمسية شعرية في دار الشباب برادس كانت حدثا ثقافيا ممتعا

ذات زيارة من زيارات العقيد لتونس دعتني وزارة الثقافة مع جملة من المثقفين إلى لقاء خاص للحوار معه في بيت الحكمة بقرطاج ويبدو أن العقيد هو الذي طلبه ليقنعنا بأفكاره أو أن بعضهم _ كما علمتُ بعد ذلك _ أراد له مناظرة ساخنة مع النخبة التونسية عسى أن تحدّ له من طموحاته وتراجعه في بعض أفكاره

كان موعد بداية الحوار الساعة الثالثة بعد الزوال لكننا بقينا ننتظر أكثر من ساعتين حتى هممنا بالمغادرة لكن شخصيات رسمية سامية ألحت علينا بالمكوث والانتظار حفاظا على حسن العلاقات بين تونس ليبيا فقد أطرد الأخ العقيد اكثر من خمسين الف عامل تونسي الذين وجدوا أنفسهم في الخلاء على الحدود بين عشية وضحاها وذلك في النصف الأول من الثمانينيات من القرن الماضي لأسباب سياسية ولا شك فما كان منا إلا الصبر بما أن المسألة صارت واجبا وطنيا  

أذكر أن العقيد لمّا دخل علينا لم يلق منا الترحاب الحار الذي تعوّد اِستقباله به في مختلف لقاءاته الأخرى لذلك بدأ كلامه بشيء من عدم الإرتياح وهو ينظر نحو سقف القاعة وأبوابها وجدرانها والقاعة كانت قاعة عرش ٱخر ملوك تونس ثمّ انتقل في حديثه من التاريخ إلى السياسة إلى الفقه وكدنا ندخل في هستيريا من الضحك عندما قال في سياق حديثه ما معناه أن الله لو أراد تغطية جسم المرأة لجعل لها ريشا مثل الدّجاجة او النّعامة

وبعد كلمته الطويلة طلب من الحاضرين أخذ الكلمة للحوار معه فأحجم أغلبهم عن الحديث بسبب الملل من الانتظار والسّماع خاصة وأن اليوم كان من أيام الصيف الحارة ثمّ انبرى الأديب مصطفى الفارسي له فتكلم مؤكدا على مسألة الحريّة التي هي مفقودة في البلدان العربية وبيّن أيضا أن العرب ما زالوا يعيشون في ماضيهم الذي يعتبرونه مرجعا ومثالا بينما العالم تطوّر في جميع المجالات ولم يتحمّل العقيد رأي مصطفى الفارسي الجريء فاِسترجع منه الكلمة كي لا اقول إنه قاطعه متشنّجا وقال إن الأدباء يحلمون ويعيشون في أبراجهم العاجية لكن رجال الدولة وزعماء الثورات ينجزون ويحققون آمال الشعوب والأمم 

وماهي إلا برهة حتى اِغتنما فرصة اِنتهاء جملته الأخيرة واِعتبرناها خاتمة حسنة لكلمته فوقفنا مصفّقين ثمّ خرجنا مسرعين وأظن أن القذافي كان ينوي الاِسترسال في خطابه

كان يمكن للشّقيقة ليبيا أن تكون أحسن حالاولكن الاِنفراد بالرّأي هو الذي جعلها مثل بقية الشعوب العربية تعيش على هامش اللحظة التاريخية التي يضبط عليها العالم الزمن

ـــــــــ مع الزّعيم ياسر عرفات ــــــــــــ

منذ الصّبا كنت أستمع إلى أحاديث الرٌجال الكبار في تخوم الجنوب التونسي وهم يتذاكرون خبر عدد كبير من المتطوّعين التونسيين الذين قصدوا المشرق العربي للمشاركة في حرب فلسطين 1948ولكنهم ظلوا مرابطين على الحدود لأن السلطات هنا وهناك في ذلك الزمن لم تسمح لهم بالمرور إلى المواجهات والجبهات! بعضهم بقي هناك في مصر أو في ليبيا….بعضهم عاد يجرٌ الأحزان والمرارة وبعضهم اِنضمٌ إلى حركات المقاومة المسلحة التي اِنطلقت من جديد في أوائل الخمسينيات في تونس والجزائر ومن ـ بُور سعيد ـ إلى الأطلس

رحم الله ياسر عرفاتعند أوئل الستينيات وفي شتاء 1963 وبعد تحرير مدينة بنزرت إلتقى عدد من الزّعماء العرب في الذكرى الأولى فكانت مناسبة تاريخية رائعة جمعت الحبيب بورقيبة وجمال عبد الناصر وأحمد بلة وولي العهد السنوسي وقتذاك وقد رافقت والدي رحمه الله_إلى بنزرت في ذلك اليوم فرأيت موكبهم المهيب يمر بين هتافات الجماهير المتحمسة للوحدة والأخوة ولتحرير فلسطين أيضا ولكن تمر السنوات بالشقاقات والخلافات والنكبات 

رحم الله ياسر عرفاتبعد حرب1967 بدأنا نسمع بالمقاومة الفلسطينية وبعمليات الفدائيين وخاصة بشعراء الأرض المحتلة وبقضية اللاجئين وصارت الكوفية الفلسطينية ترمز إلى النضال وتحدي الاِستعمار تماما مثل جاكيت الكاكي التي كان يرتديها كاسترو وغيفارا وياسر عرفات الذي بدأنا نعرفه بالصورة أكثر عندما فتح مكتب منظمة التحرير قرب ساحة روما بتونس

رحم الله ياسر عرفاتكيف اِستطاع أن يخترق ألسنة اللّهب وأن يقفز على حقول الألغام وأن يطوّع قضبان الفولاذ ويُليّن حيطان الإسمنت المسلح ويجعل فلسطين علما يرفرف بين أعلام الأمم والشعوب !؟من معركة ـ الكرامة ـ إلى ـ تل الزعتر ـ ومن ـ دير ياسين ـ إلى ـ صبرا وشاتيلا ـ ومن ـ أيلول الأسود ـ  في الأردن إلى إجتياح لبنان ومن حصار بيروت إلى ـ حمّام الشط ـ ومن بحر إلى صحراء ….إلى….ومن مطار إلى ميناء سفر على سفر.. وخطر على خطر كذلك عاش بين الأِحتراق والغرق

المرٌة الأولى التي التقيته كانت في دار الثقافة إبن خلدون بعد نزول كثير من الإخوة الفلسطينين في تونس إثر جلائهم من بيروت1982 وكان ذلك بمناسبة إحدى التظاهرات الوطنية الفلسطينية التي كنا كثيرا ما نشارك فيها بإلقاء القصائد فلم نلبث وقتا قصيرا حتى حضر بيننا الزعيم ياسر عرفات مع مرافقيه وجلس ينصت إلينا في آخر القاعة من الطابق الأرضي ثم ألقى كلمة حماسية على عجل وغادر بعد ذلك المكان فكانت من أجمل ذكرياتي في دار الثقافة ابن خلدون

بمناسبة ذكرى رحيل الشاعر مُعين بسيسو في أوائل سنة1991 دُعيت إلى إحياء ذكراه في منزله الكائن وقتذاك بشارع إفريقيا في المنزه الرابع او الخامس من ضواحي تونس العاصمة القريبة فحضر عدد من الأدباء ومن أصدقاء عائلة الشاعر الكبير فلاحظت المودّة والألفة بين جميع الحاضرين وماهي إلا برهة من الزمن حتى وجدتني وجهًا لوجه ياسر عرفات يدخل من أحد الأبواب برفقة ـ أبو إياد ـ وقد أصرّ  على حضور هذه المناسبة تكريما لروح الشاعر معين بسيسو ومساندة أخوية لأرملته ووفاءً  للذكريات التي جمعت شملهم في سنوات الخمسينيات في عهد الشباب والدراسة والأسفار والنضال …..في تلك السّهرة الطويلة والممتعة عرفت أن ياسر عرفات إنسان يهوى الأدب ويحفظ الشعر ويقدّر الأدباء بالإضافة إلى عفويته وأصالة اخلاقه ولطف حديثه مع كل الحاضرين وقد نقلت إذاعة المنستير صورا صوتية من تلك المناسبة أتمنى أنها مازالت مسجلة في خزينتها

المرة الثالثة التي إلتقيت فيها بياسر عرفات كانت بمناسبة تنظيم مؤتمر الأدباء العرب قُبيل إندلاع حرب الخليج وإجتياح الكويت بثلاثة أسابيع وقتها كانت العلاقات العربية الرسمية على المحكّ وفي مفترق الطرق فإمّا الوفاق أو الأفتراق الذي لا ريب فيه وفي تلك الظروف الصعبة نظم إتحاد الكتاب التونسيين مؤتمر الأدباء والكتّاب العرب ومهرجان الشّعر وشعراء العرب الذين وعلى هامش هذه المناسبة دُعي البعض من المشاركين إلى تناول الغداء مع ياسر عرفات في مقرّ منظمة التحرير وقتذاك ـ بخليح ڨمرت ـ قرب ضاحية المرسى وإستقبلنا الزعيم الراحل في صالون فسيح الأرجاء وكنت برفقة الأستاذ محمد العروسي المطوي رئيس اِتحادنا ورئيس المؤتمر فتحدث ياسر عرفات عن تلك الأزمة الخطيرة وعبّر عن أسفه من بلوغ الخلافات العربية تلك المرحلة الجارفة بالحدّ  الأدنى من التضامن العربي وقال إن أول من سيدفع ثمن تلك الأزمة هم الفلسطينيون غير ان السّحب المتلبدّة على ذلك المؤتمر وحوله وخلال ذلك اللقاء لم تحجب عنٌا ترحيب ياسرعرفات بنا فقد كان حريصا على ملاطفتنا على المائدة بنفسه وبمعيّة الشاعر محمود درويش حيث دعاني أبو عمّار أن أجلس بينه وبين محمود درويش   وقد أخجلاني حقّا وهما يقدّمان لي أصناف الطعام بأريحية ولطف 

رحم الله ياسر عرفات ياسر عرفات لقد كان من صنف اولئك الزعماء الذين يعرفون منزلة الكلمة وقيمة الأدباء لذلك قرّب إليه العديد من المثقفين الفلسطينين والأدباء العرب باِعتبارهم ذاكرة الأمّة كي تحافظ على قيمها الأصيلة 

 أولئك هم المثقفون والمبدعون الحقيقيون 

من الماضي يستلهمون

 عن الحاضر يُعبّرون

  وبالمستقبل يحلمون

 

ــــــــــــ مع صدّام حسين ــــــــــ

من أين أبدأ الحديث عن العراق؟

سأبدأ الحديث من ـ الجنائن المعلّقة ـ التي كانت في مدينة بابل وذلك عندما قرأت وأنا في العاشرة من عمري عن هذه الجنائن العجيبة بمجلة ـ العربي الصغير ـ التي كانت تصدر مع مجلة ـ العربي ـ الكويتية والتي كان اِبن عمّي ـ سي الحبيب ـ حريصا على اِقتنائها وهي مجلة ثقافية متنوعة وذات إخراج جميل ومادة دسمة كنت أطالعها تقريبا من الصفحة الأولى إلى آخر صفحة فيها ولم أكن أعلم وقتها أنني سأقف ذات يوم متجوّلا بين آثار مدينة بابل مع جملة من الأدباء والشعراء التونسيين والعرب من بينهم الشاعر نور الدين صمود

بعد قراءتي عن ـ الجنائن المعلقة ـ وإعجابي الكبير بها خاصة وأن تلك المقالة كانت مرفوقة بصور خيالية لتلك الجنائن وبعد مرور سنوات قليلة دخلت المعهد الصّدقي في أوّل سنة من التعليم الثانوي ودرستُ مادة التاريخ لدى الأستاذ ـ الهدّاوي ـ الذي أطلعنا على تاريخ العراق القديم وقد كان أستاذنا رحمه الله متخرّجا من إحدى كليّات العراق ومتزوّجا بعراقية فكان الحديث عن العراق في كل درس بطريقة أو بأخرى ممّا شجّع الكثير من تلاميذ ذلك العهد ـ وأنا من بينهم ـ على مراسلة شبّان عراقيين إذ كانت المراسلة هواية شائعة لدى ذلك الجيل ومع متابعة الدراسة والمطالعة عرفت العراق أدبا وتاريخا ومنذ أوائل السّبعينيات من القرن العشرين صارت المجلات الأدبية تصل إلى تونس بصفة منتظمة تقريبا فكنت من المواظبين على قراءتها لأنها كانت منبرا للأقلام الجادّة والجديدة أيضا ونشرت في البعض منها مثل مجلة ـ الأقلام ـ والطليعة ـ

في ربيع سنة 1984 جاءتني دعوة للمشاركة في المهرجان الأوّل للشّباب ببغداد ضمن مجموعة من الشعراء والأدباء والصحفيين فكانت فرحة لا توصف لأن السّفر إلى العراق لم يكن سهلا ولا بسيطا في تلك السنوات

كان مهرجانًا حقّا

فقد حضره مئات الشعراء والأدباء والمثقّفين والصّحفيين من أغلب البلدان العربية وأوروبا وآسيا وأمريكا وكنّا محلّ حفاوة كبيرة ليس على المستوى الرّسمي فحسب وإنّما من طرف عموم الناس الذين أبدوا لنا محبّة كبرى وقد تابع الكثير منهم قصائدنا عبر التلفزيون عندما أنشدناها في القاعة الكبرى لفندق الرّشيد الذي كان مقرّ إقامتنا وقد كان برنامج المهرجان ثريّا بالزيارات إلى عدد من المدن مثل النّجف وبابل والمدائن والموصل وقد اغتمت وقت الفراغ للتجوّل في مختلف أنحاء بغداد والوقوف على كثير من معالمها

عندما زرنا العراق لم نكن نعرف عن أحواله السياسية والاِجتماعية إلا القليل فوسائل الاتصال الحديثة وقتها لم تكن معروفة لذلك كنّا كالمكتشفين لهذا البلد المشرقيّ الذي نعرف أدبه وأعلامه وتاريخه القديم أكثر ممّا نعرف عن بقية المجالات فيه وقد كانت حربه حينذاك نعتبرها قضية قوميّة لذلك رأينا أنه يجب الوقوف معه دون الاِعتبارات الأخرى غير أننا وبعد سنوات قليلة لم نساند غزوه لدولة الكويت وكنّا ضدّ العدوان عليه من طرف التحالف الدّولي بقيادة الولايات المتحدّة

ذات صباح طلب منّا المرافقون أن لا نغادر الفندق لأن الرّئيس ـ صدّام حسين ـ سيستقبلنا بعد حين فبقينا ننتظر الحافلات الخاصّة التي حملتنا إلى أحد القصور الرئاسية فمكثنا فيه قليلا ننتظر الرئيس في إحدى الصالات الكبيرة وما هي إلا بُرهة قصيرة حتّى أعادونا إلى الحافلات فأصابنا شيء من الغرابة والتساؤل وقصدنا قصرًا رئاسيا آخر سرعان ما أطلّ الرّئيس علينا من باب جانبيّ وهو بزيّه العسكريّ والمسدّس على يمينه فوقف مرحّبا بنا وقال كلمة وجيزة موضوعها أن رجال الفكر والثقافة والفنّ هم في طليعة الأمم للذّود عن قيمها وكيانها وهي كلمة منتظرة منه في مثل ذلك الظرف التاريخي ولا شكّ أن المهرجان كان يهدف إلى دعوة أصحاب القلم لمناصرة العراق ثمّ صافحنا واحدًا واحدًا معبّرا لنا عن شكره وتقديره لقبول الدعوة

المرّة الثانية التي لقيت فيها صدّام حسين كانت بمناسبة دعوتي إلى المشاركة في مهرجان المربد أظن سنة 1986 فدُعينا على الصباح الباكر إلى قصر المؤتمرات وكنت برفقة الأستاذ محمد العروسي المطوي الذي جلست إلى جانبه في الصّفوف الأولى وقد ألقى صدّام حسين حينذاك خطابه الشّهير الذي أعلن فيه عن  اِمتلاك العراق لسلاح خطير يتمثّل في قنابل قويّة الفاعليّة وأمر بإحضار واحدة أو اثنتين منها وظلّ يراوح بواحدة بين يديه قائلا مازحًا أن لا نخشى من اِنفجارها فوقف الحاضرون هاتفين بحماس عندئذ همس سي العروسي في أذني متعجّبا من صدّام حسين كيف يكشف سرّ سلاحه !

يا حسرتاه على العراق !

بلد زاخر بالخيرات والحضارات وثريّ بالتنوّع الثّقافي 

يا حسرتاه على العراق  !

ذاك العراق كان يمكن أن يكون ضمن البلدان المتقدّمة الراقية لولا الصّراعات الداخلية والحروب التي وجد نفسه في أتّونها وكذلك لولا مُعضلة الاِنفراد بالحكم التي أصابته….

إنّ قصيّة الاِنفراد بالسّلطة والتعصّب بالرّأي والاِعتماد على روابط القُربى هي أساس المصائب الكبرى لدى العرب من سالف العصور إلى اليوم !! 

 ـــــــــ من غرائب المُصادفات ــــــــــــ

تلقّيت في الأيام الأخيرة رسالة عن طريق بريدي الألكترونية من جامعة مدينة نانسي Nancy في شمال غربي فرنسا يسألني أحد الباحثين فيها بعد أن اِطلع على ديواني المنشور في موقعي من أين أستنبط قصائدي أمِنَ واقع الأحداث أمْ من الخيال ؟ لأنه بصدد إنجاز بحث جامعي

فأجبت أنني أستوحي قصائدي من الواقع والخيال معًا

ظننت أن الأمر اِنتهى وتمنّيت له التوفيق والنجاح لكنّي فُوجئت بسؤال عن قصيدة قصيرة كيف جاءتني فكرة كتابتها لأنها تتطابق مع حادثة وقعت لبعض الأطفال في الجنوب التونسي بمنطقة ـ قصر الحداد ـ من معتمدية غمراسن التي أنتسب إليها حيث اِنفجر على ذلك الطفل لُغم أو قنبلة من مخلفات الحرب العالمية الثانية وفقد إحدى يديه مع بصره والقصيدة حسب الباحث تبدو مستوحاة من هذه الواقعة

حينذاك فقط تذكّرت أن أحد أقاربي فعلا قد اِنفجرت عليه إحدى قنابل الحرب وقد كان يزورنا في ربوعنا ببئر الكرمة القريب من منطقة قصر الحدادة وقريبي هذا هو اِبنُ اِبنةِ عمّ جدّي وقد كان يزورنا معها في بعض المناسبات إبّان عهد طفولتي في الجنوب

كيف ربط هذا البحث في تلك الجامعة بين قصيدتي وبين تلك الحادثة التي وقعت لقريبي في سنوات الحرب العالمية الثانية ؟

وكيف ظلت يد ذلك القريب راسخةً وراسبةً في ذاكرتي وطفحت دون أن أشعر في قصيدتي ؟ ثمّ لم أتذكّرها إلا بمناسبة هذا الاِستفسار ؟

هذه مسائل أتركها للمختصّين ولكنّي أظن أن واقعة اِنفجار القنبلة أو اللّغم على قريبي موثّقة في بعض السّجلات الخاصة في الأرشيف الفرنسي ضمن ضحايا الحرب العالمية الثانية وجرحاها في تونس

إنّ مثل هذه البحوث تتطلب الصّبر والمثابرة والدّقة والإحاطة بكثير من الجوانب وتؤكّد أنّ النّص المنشور ولو كان قصيدة قصيرة يمكن أن يكون مصدرًا لبحوث عميقة ومتنوّعة

التاريخ قد يُهمل لكنه لا ينسى.. لذاك سأظل أكتب على الحوت وألقي به في البحركما يقول المثل التونسي

Bonjour,

Je vous remercie énormément pour votre réponse. Je réalise un mémoire sur un livre d’Ibn Jazzar et en ce sens j’ai aussi étudier la Tunisie et particulièrement le Sud, je cherche à comprendre la vie des habitants dans leur histoire. J’ai récolté un témoignage dans un village du Ksar Haddada sur un triste événement survenu à un enfant dans les années 40 ayant perdu une main et la vue suite à un accident du à une grenade ou mine. Je m’interrogeais ainsi si il y avait un quelconque lien entre votre poème « la poignée de main » et cet événement.

Je vous remercie.

Très cordialement

ــــــــــ المُصافَحةُ ــــــــ

أربعينَ عامًا…لم نلتقِ

بالأحضانِ عانقنِي

أَمْهرَ رامٍ كانَ في البلدْ

مرّةً …أصابَ عُصفُورينِ

بِحَجَرٍ…أحَدْ

كيفَ أصَدِّقُ

أنّ ذاكَ الولدْ

لعِب يومًا بلعبةٍ من بقايا الحربِ

فصار

يُصافحُ…بلا يَدْ

* من مجموعتي الشعرية ـ نبع واحد لضفاف شتى ـ الدّيوان ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــــ سُوف عبيد ــــــــ

من مواليد موسم حصاد 1952 وسُجّل في دفتر شيخ المنطقة بتاريخ يوم 7 أوت 1952 ببئر الكرمة في بلد غُمراسن بالجنوب التونسي

* تخرّج من كلية اﻵداب بتونس بشهادة ـ  أستاذية الآداب العربية ـ ثمّ في سنة 1976 بشهادة ـ الكفاءة في البحث ـ حول ـ تفسير الإمام اِبن عَرْفَة ـ سنة 1979

بدأ النّشر  منذ 1970 في الجرائد والمجلات منها : الصّباح ـ الملحق الثقافي لجريدة العمل ـ الصّدى ـ الفكر ـ ألِف ـ الحياة الثقافية ـ الموقف ـ الشّعب ـ الرأي ـ الأيام ـ الشّرق الأوسط ـ القدسوبمواقع ـ دروب ـ إنانا ـ المثقّف ـ أنفاس ـ أوتار ـ ألف ـ قاب قوسين ـ

شارك في النّوادي والنّدوات الثقافية بتونس وخارجها : ليبيا ـ الجزائر ـ المغرب ـ مصر ـ العربية السعودية ـ الأردن ـ سوريا ـ العراق ـ إسبانيا ـ فرنسا ـ إيطاليا ـ ألمانيا ـ بلجيكا ـ هولاندا ـ اليونان ـ

من مؤسّسي نادي الشّعر بدار الثقافة ـ اِبن خلدون ـ بتونس سنة 1974 واِنضمّ إلى اِتّحاد الكتاب التونسيين سنة 1980 واُنْتُخِبَ في هيئته المديرة في دورة سنة 1990 كاتبا عاما ثمّ في دورة سنة 2000 نائب رئيس فساهم في تنظيم مؤتمر اِتحاد الأدباء العرب ومهرجان الشعر العربي بتونس سنة 1991 وفي إصدار مجلة ـ المسار ـ وفي تأسيس فروعه وفي تنظيم عديد الندوات والمهرجانات الأدبية وشارك في الهيئة الاِستشارية لمجلة الحياة الثقافية وأسّس منتدى أدب التلاميذ سنة 1990 الذي تواصل سنويا في كامل أنحاء البلاد إلى سنة 2010 ونظّم الملتقى الأوّل والثاني لأدباء الأنترنت بتونس سنتي 2009 و 2010 بالمكتبة الجهوية بمدينة ينعروس وترأس جمعية اِبن عرفة الثقافية سنة 2013 وأسّس جمعية مهرجان الياسمين بمدينة رادس سنة 2018

  • صدر له

ـ الأرض عطشى ـ 1980

ـ نوّارة الملح ـ 1984

ـ اِمرأة الفُسيفساء ـ 1985

ـ صديد الرّوح ـ 1989

ـ جناح خارج السرب ـ 1991

ـ نبعٌُ واحد لضفاف شتّى ـ 1999

ـ عُمرٌ واحد لا يكفي ـ 2004

ـ حارقُ البحر ـ نشر إلكتروني عن دار إنانا ـ 2008

ثم صدر عن دار اليمامة بتونس ـ 2013

ـ AL JAZIA ـ الجازية ـ بترجمة حمادي بالحاج ـ 2008 ـ

ـ ألوان على كلمات ـ بلوحات عثمان بَبّة  وترجمته ـ طبعة محدودة ـ 2008

ـ حركات الشّعر الجديد ـ دار الحريّة ـ تونس ـ 2008

ـ صفحات من كتاب الوجود ـ القصائد النثرية للشّابي ـ بيت الحكمة ـ تونس ـ2009

ـ  oxyde L’âme ـ قصائد مختارة ترجمها عبد المجيد يوسف ـ2015

ـ ديوان سُوف عبيد ـ عن دار الاِتحاد للنشر والتوزيع تونس2017

ـ الضقّة الثالثة ـ قبسات من الشّعر التونسي والعربي ـ عن دار الاِتحاد للنشر والتوزيع ـ تونس 2019 

ـ الاِسم والمُسمّى ـ عن دار الِاتحاد للنشر والتوزيع ـ تونس 2020