الرّسالة السّندسيّة في حوّاء التّونسية

1
باِســم الــلّــه الرّحــــمــان الرّحــــيــــــــمْ . 
الذي أنزل القرآنَ الكريم .
وفيه كرّم الإنسانْ .
وأمر بالعدل والإحسانْ .
وخلق الذّكَر والأنثى من نفْس واحدةٍ
فأنصف القسمهْ .
وجعل بينهما مودّة ورحمهْ .
والصّلاة والسّلام على النّبيّ المصطفَى .
الذي أوصانا خيرًا بالنّساءْ .

أمّا بعد ـ
فلمّا رأيتُ أنّ مسألة مساواة الإرث بين الذّكر والأنثى قد جال فيها كلّ قلمٍ ولسانْ وكلّ له من وراء ذلك غرض وحُسبانْ قلت لابأس أن أعرض رأيي أيضا عسى أن يساهم في إنارة السّبيل لِما فيه الخير والصلاح . فأبدأ مُنطلِقًا من أنّ الإسلام جاء لتعزيز مكارم الأخلاق ومن أجل إسعاد الإنسان ولا تتمّ هذه السعادة المنشودة إلا على قيم خالدة من حرية وعدل وكرامة ونبذ الظلم والكراهية والاِستغلال والتمييز وكان سبيله الحكمة والموعظة الحسنة والتدرّج في الدعوة والأحكام بحسب الأحوال وقد اِستوعب تلك الروح السّمحة للدّين الحنيف عديدُ الصحابة الكرام وكثيرٌ من الفقهاء من بعدهم فأعملوا الرّأي واِجتهدُوا فأصابوا وسَدّدُوا
2
نذكُر اِجتهادات الخليفةِ الأغَرْ اِبنِ الخطّاب عمرْ عندما أبطل العمل ببعض الحدود كمنعه الزكاة إلى المؤلّفة قلوبهم وكإبطاله قطع يد السّارق مخالفا بذلك الأيات الصريحة وغيرها وتُنسب إليه اِجتهادات أخرى في الزواج والطلاق وصلاة التراويح وفي نصّ الأذان الذي أضاف فيه ـ الصّلاة خير من النّوم ـ وحتى مسألة المساواة في الإرث بين الذّكر والأنثى قد عمل بها حيث حَكم لحبيبة بنت زريق بالنصف ممّا ترك زوجُها عمر بن الحارث وأضاف إليها الرّبع أيضا وكانت حبيبة بنت زريق نسّاجةً طرّازةً وكان زوجها يتاجر في ما تنتجه
لقائل أن يقول وهل أنتم عُمر ؟ فنُجيبُ نحن على سبيل عُمر !
وقد عمل بهذا الاِجتهاد الفقيهُ المغربيّ اِبن عَرضُون وهو من فقهاء المذهب المالكي في القرن العاشر الهجري وقد نُظم شِعرا اِجتهادُهُ في المساواة بين الرّجل والمرأة في الإرث وهذا نصّه
وخدمةُ النّساء في البــــوادي ــ للزّوج بالدِّراس والحــصــــاد
قال اِبن عَرضُون لهنّ قسمهْ ــ على التّساوي بحَسْب الخِدمه
ومن أقوال الإمام اَبن عرفة التونسي المأثورة ـ إنّ الوقوف على ظاهر النصوص دون النّظر إلى تبدّل أحوال النّاس في الزّمان والمكان إنما هو ضلال وتضليل ـ واِجتهادات الفقهاء كثيرة ومتنوعة سواء في العبادات أو في المعاملات ممّا يؤكد حريّة النّظر والاِستنباط لديهم منطلقين من قاعدة أنه ـ لا رهبانيّة في الإسلام ولا سَدَنَة له .فاللّه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد ـ ومقولة الشافعي ـ رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب ـ وهو الذي غيّر من بعض اِجتهاداته عندما اِنتقل من العراق إلى مصر ملاءمةً لبيئتها المختلفة في بعض نواحيها عن البيئة العراقية .
3
إنّ مثل هذه الاِجتهادات وغيرها لم يقرأ أصحابها القرآن والسّيرة قراءة حرفية سطحية ولم يكونوا ـ كالحمار يحمل أسفارا ـ بل تدبّروا القرآن ولم تكن ـ قلوبُهم عليها أقفالها ـ ففكّروا وأعملوا العقل وفتحوا البصائر وجعلوا اِستنباطاتهم مُنبثقةً من روح النّص القرآني ومنسجمة مع مقاصده السّمحة لتُواكب أحوال الناس الذين تطوّرت ظروفهم من عصر إلى عصر فأبطلت المجتمعاتُ الإسلامية بفضل الاِجتهاد وبَعد رَدح من الزّمن العبوديةَ وألغت أحكام الرقّ والجزية ومنعت التسرّي والجواري والغلمان وبعض أنواع الزواج وغيرها وقد أنشا القيروانيون منذ القرن الثاني الهجري الصّداق القيرواني الذي يشترط عدم الزّواج بثانية وقد أدخل المسلمون عديد المستحدثات العصرية في سائر مجالات الحياة الاِجتماعية والاِقتصادية والسياسية وغيرها كطباعة المُصحف وقراءة القرآن في الراديو ومكبّرات الصوت في الأذان والصلاة وكتحديد أوقاتها بمقياس الساعات والدقائق وكتجديد المشاعر المقدّسة وتطويرها في الحجّ وتهيئة مسجديْ مكة والمدينة وتهيئة بئر زمزم ونقل جَثامين شهداء بدر وكرؤية هلال رمضان بالمنظار أو تحديد بداية رمضان والعيد بالتقويم القائم على الحساب الفلكي وغيرها من مجالات العبادة والمنشآت والمعالم الجليلة بما يلائم مستحدثات العصر ويستجيب للضّرورة الملحّة وما كان يتمّ ذلك إلا من خلال مسار الاِجتهاد وإعمال الرّأي في جميع الميادين والأحوال الهادف إلى تحقيق ما فيه المنفعة والخير والصّلاح
4
أمّا والحال في البلاد التونسية التي ِاختصّت فيها الأسرة بعادات وأعراف وبقوانين تميّزها عن كثير من البلدان الأخرى فإنّ الأنثى ـ رغم ذلك ـ ما تزال لا تنال نصيبها من الميراث لدى كثير من العائلات والجهات لذا فَمِنَ الأولويّات اليوم أن ندعو تلك العائلات ونحثّهاعلى أن تُعطي بناتها حقوقهنّ المشروعة في القانون باِعتبارها مكتسبات يجب العمل بها وتطبيقها وإنْ مَنَحَ الشّرعُ بالنسبة للأبناء الأنثى نصف ما للذّكر من الميراث في حالات محدودة فإنّ ذلك يُعتبر الحدّ الأدنى الذي أرى أنه لا يمنع الزيادة عليه إذ أن الذكور والإناث يرثون بشكل متساوٍ في ثمان حالات منها عندما تكون الأخت والزوج هما الوريثان ومنها إذا مات الرجل وترك ابنتين وأبًا وأمًا: فالأب السّدس والأم السّدس ولكل ابنة الثلث ويكون نصيب المرأة في حالات أخرى أكثر من الرجل
وعملا بقول النبيّ الأكرم صلّى الله علبه وسلم – أوصيكم بالنّساء خيرا – فمن باب الإحسان والمساواة أن لا يقلّ نصيب البنت عن نصيب أخيها وذلك باِعتبار تطور المجتمع التونسي ونيل المراة مكانة لاتقلّ عن مكانة الرّجل فيه إن لم تتفوّق في بعض الميادين كمجالات التعليم والصحّة والثقافة ونظرا لأن المراة التونسية في الرّيف والبوادي والمدن وفي خارج الوطن أيضا تتحمّل نصيبا وافرا من المسؤولية الاِقتصادية والاِجتماعية والتربوية وحتى السياسية وأضحت تساهم مساهمة واضحة في ميزانية العائلة وتوازنها بل عليها الاِعتماد في كثير من الحالات فقد أصبحت المرأة مواطنة فاعلة مِثلَ الرّجل وهي صِنْوُهُ في الحقوق والواجبات فمن الإنصاف والواجب حينئذ أن تنال أكثر من الحدّ الأدنى المضمون لها بالقانون ذلك الذي لايطبّقه الكثيرون جَشعًا وظلمًا ولم نسمع أو نقرأ لأحد مِمّن يتمسّكون بالقراءة الحرفية للنصوص ومن دون تدبّر فيها يُشهّر بغبن المرأة حقّها في الميراث ويُندّد بسطوة أقرب الأقرباء عليها فكمْ من فتاة يدفعونها إلى التنازل عن حقّها في الميراث وهي تُمضي عقد قرانها والزّغاريد من حولها ؟وكم من فتاة تعمل خادمة في المنازل وترسل أجرتها إلى أبيها وأخيها ؟وكم من اِمراة تقضي كامل اليوم وكامل عمرها منحنية في الحقول في الحرّ والقرّ وقد تلقى حتفها وهي في الطريق ليتمتع السيد زوجُها بعرق جبينها ؟ وكم من اِمرأة درست وتخرّجت من الجامعات واِشتنغلت في الوظيفة أو هاجرت وتغرّبت لتنهض بمنزلة أفراد عائلتها الأصلية وتضحّي من أجل أسرتها وعندما تعود تجد المطبخ والغسيل في انتظارها ؟كم ؟ وكم ؟
5
إنّ مراجعةً نقديّة رصينةً من خلال حوار هادئ وشامل ـ وبعيدا عن الحسابات المصلحية الحزبية ومن غير اِرتجال أو مزايدات ـ هذه المراجعة ستُمكّن من تطوير بعض قوانين مجلّة الأحوال الشّخصية لتُفسح المجال أمام إمكانية الاِختيار في بعض فصولها على قياس الفصل الحالي الذي يترك الحرية للزّوجين في صيغة الاِشتراك في الأملاك بحيث يمكن لهما أيضا اِختيار ما يناسب قناعتهما في الإرث خاصّةً أنّ بعض الآباء والأمهات يقسمونه بمشيئتهم وهم على قيد الحياة وهذه طريقة معروفة في المجتمع التونسي يمارسها إلى اليوم إلى غير ذلك من المسائل في مجال الحياة الشخصية التي تختلف من فرد إلى آخر بما في ذلك القناعات والاِختيارات الذّاتية وإنّ هامش الحرية المطلوب في بعض فصول مجلة الأحوال الشخصية سيجعل المجتمع يُرسّخ الاِختيار المناسب له وهي مراجعة أمست مطلوبة وضرورية بعد جيلين من تطبيقها في المجتمع التونسي الذي تغيّر تغيّرا جذريا في كثير من نواحيه ومظاهره عمّا كان عليه في منتصف القرن العشرين عند فترة الاِستقلال .
وإنّ المختصّين في علم الاِجتماع والقانون والتربية هم أولى بالوقوف على ما يجب تنقيحه في مجلة الأحوال الشخصية وفي غيرها من القوانين والتشريعات المختلفة بما يضمن لحوّاء التونسية مزيدًا من المكتسبات تعبيرا عن طموحات التونسيين في الحرية والعدالة والكرامة والمساواة ضمن قيم المواطنة والمدنيّة تلك القيم التي عُرفت تونس بمساهاماتها الرائدة فيها وبنضالاتها من أجل تحقيقها على مدى تاريخها القديم والحديث .
ـــــــــــــــ واللّه وليُّ التّوفيق والسّلامْ ــــــــــــــــ

* اللوحة للفنان علي بن سالم وهو من رواد الفن التشكيلي التونسي وأعلامه