أَبْـجَـدِيَّـةُ حَـيَـاةٍ

أَبْـجَـدِيَّـةُ حَـيَـاةٍ ـ 1 ـ

ـ حكاية اِسم ـ

تاريخ ميلاده غيرُ ذلك الذي في الأوراق والدفاتر وليس ذاك المُسَجّل في البطاقة الشخصية ولا في جواز السّفر 

تقول أمُّه إنها وضعته عند الحصاد ولم يكن والدُه حاضرًا وقتَها فقد كان يعمل في تونس العاصمة وفي ذلك العهد لم تكن الإدارة موجودةً ولا قريبة من – بئر الكرمة – القريب من بلدة ـ غُمْراسِنْ ـ حيث رُبوع أهله الممتدّة على مدى البصر في الجنوب التونسي .

كان الثّالث في المواليد

أخته ـ آسيا ـ هي الأولى وقد تُوفّيت بعد شُهور

أخوه ـ الحبيب ـ مات وقد قارب عامه الأوّل

وشاء اللّهُ للمولود الثّالث أن يعيش مِنْ بعدهما شهورًا حتى بلغ عامه الثّاني وبعد أن تأكّدت العائلةُ أن الموت لن يخطفه مثل أخته وأخيه قرّرت بالإجماع تسميته باِسم جدّه فقصد أبوه يومَ السّوق الأسبوعية شيخ البلد وسجّله في دفتره بتاريخ ذلك اليومِ ـ وهو اليومُ السّابع من الشّهر الثامن من سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وألف ـ لذلك يرى أنه من العبث أن يحتفل بعيد ميلاده الذي لم يحتفل به أحدٌ قبل بلوغه العشرين وشكرا على كل حال لمن يُهنئنه ويذكّره بالمناسبة .

 أما اقتراح اِسمه فقد اِتخذه مجلسُ العائلة برئاسة الجدّات الأربع اللّواتي اِتفقن بالإجماع أن يكون اِسم الحفيد الأوّل على اِسم جدّه وذلك على سُنّة الناس وتقاليدهم منذ سابق الدّهور جيلا بعد جيل وجدّاتُه الأربع عِشن في وئام واِنسجام مع جدّه فلا خصامٌ ولا غيرةٌ ولا مشاحناتٌ لأنّهن يعتبرن قلب جدّه ـ أربعةَ أرباع ـ كما زعم لهنّ مرّة أنه على هيئة جسمه ذي الأربعة أطراف فكل طرف ضروري للجسم ولبقية الأطراف أيضا

تلك حكمة جدّه العجيبة والأعجبُ منها حقّا أنه لم يتبيّن جدّته الأصلية إلا بعد سنوات الصّبا فقد كان ذا حظوة لديهن جميعا .

وحكاية اِسمه…ما حكاية اِسمه؟

تَسَمّى على اِسم جدّه الذي تَسمّى على الفارس والشّاعر الليبي ـ سُوف المحمودي ـ الذي ذاع صيته وقتذاك أي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكلمة ـ سُوف ـ في اللغة العربية تعني الرّمل الرقيق الليّن أما في اللغة الأمازيغية فهي  تعني ـ الوادي ـ والكلمة هي اِسم مدينة – وادي سُوف – في الجزائر وتعني كذلك اسم مدينة ـ سُوف الجين ـ  في جنوب ليبيا وثمّة مدينة في بلاد الأردن قرب عَمّان تُسمّى أيضا ـ سُوف ـ وهي قائمة على وادٍ أبضا وقد زرتُها برفقة الشّاعر يوسف رزوقة سنة 1992 بمناسبة مهرجان ـ  جرش ـ فظهر من غد في إحدى الصّحف  خبرٌ عن هذه الزيارة بعنوان – سُوف في سُوف –

ومن طرائف المواقف التي وجدتني فيها بسبب نُدرة اِسمي أنه بينما كنت ضمن مجموعة من الشعراء والشاعرات العرب في أمسية شعرية أقامها أحد الأندية الثقافية على هامش مهرجان المربد بالعراق سنة 1986 إذ بمديرة الأمسية تقف على المنبر وترحّب ينا ثم تفتتح القراءات الشعرية داعية في البداية الشاعرة التونسية تكريمًا للمغرب العربي ولتونس الخضراء قائلة مرحبا يالشاعرة التونسية الجميلة والأنيقة القادمة من بلاد الياسمين والزيتون بلاد أبي القاسم الشّابي فتعجّبتُ واِستغربتُ حينها لأن المجموعة التي جئت معها إلى النادي لا شاعر ولا شاعرة فيها من تونس إلا أنا ثمّ أردفتْ قائلةً لتتفضّل ـ الشّاعرة سَوْفَ عُبيد ـ فاِنطلقتِ الأكفّ بالتّصفيق الحارّ خاصةً من اِلشباب فتسمّرتُ في مكاني لحظةً ثمّ عزمت ووقفتُ وقصدتُ خطوةً خطوةً المنبر ووقفتُ وقد ظنّ الحاضرون أنّني الشّخصُ المكلّفُ بتثبيت المِصدح والعناية به ثمّ مكثتُ بُرهةً حتّى اِستثقلني الجمهور وأشار لي البعضُ بيده أن أنصرف بينما اِشرأبّتِ الأعناق باحثةً عن الشاعرة التونسية ـ الجميلة والأنيقة ـ فما كان منّي إلا أن اِقتربتُ أكثرَ من المصدح وقلتُ أهلا بكم أنا هو ـ الشّاعرُ التونسيُّ سُوف عبيد ـ  فاِهتزّتِ القاعة الكبيرة والمكتظّة بالضّحك والتّصفيق غير أنّ تصفيق الفتيات كان أقوى وأحرّّ وأظهرن الشّماتة بالفتيان…وكانت أمسية..!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين الضبّ والثّعبان

قَيْلُولَاتُ الصّيف في رُبوع الجنوب طويلة جدّا على الصّبيان, لا تُجدي في تقصيرها ألعابُهم تلك التي يتسلّون بها ويستنبطونها من جريد النخلقَ ومن الطين وحتى من الحجارة حيث ينتبذون الأمكنة ذات الظلال الثخينة سواء في الكهوف أو تحت الزياتين الوارفة لعلهم يظفرون بلفحة من النّسمات التي تَضَلُّ وِجهتها من حين إلى حين فتهبّ بَردا عليهم وسلاما .

وَلِقَيلُولاتِ الصّيف في الجنوب لذّة وأي لذّة حين نتخيّر أجود التّين اليانع الذي يتدلّى أخضر وأحمر وأصفر وأسود تحت أوراقه الخضراء الكبيرة فنقطف ما نشاء بالهناء والشّفاء, وقد تخطر على البال نزوةٌ من نزوات الصِّبا فنشتهي اللحم في القيلولة ولكن كيف السبيل إلى اللحم والشّمسُ كرة جمر وما في مدى البصر إلا الأودية بصخورها وكهوفها وتحت الصّخور الكبيرة والصّلدة وفي تجاويف المغارات يأوي الضَبُّ بأليته السّمينة ترانا نترصّدُه ونرقب حركاته إذ نلمحه أحيانا منبطحًا على السّفوح الحجريّة عند القيلولة في عزّ أيام الصّيف الوهّاجة.

الضَبُّ هو تمساح بادية الجنوب ولعلّه ينحدر من سُلالة أحفاد التماسيح الكبيرة التي عاشت في العصور القديمة الغابرة عندما كان الجنوب غابات وأنهارا فتأقلم مع طبيعة الجفاف لذلك نادرا ما يشرب الماء مكتفبا بالأعشاب غذاء وماء وهو لا يتجاوز الشّبرين وله أُلية عريضة طويلة شوكية لكنها ممتلئة لحمًا وعندما يشعر بنا ونحن نرصُده يُسارع إلى غاره بين شقوق الصّخر أو تحتها وإذا نحن ترصّدناها ولم نلمح أحدا منها لا نظلّ قابعين قانعين في نفس المكان وإنّما ننطلق ساعِين حفاة لا نبالي بلظى الحجارة متنقّلين من واد إلى واد ومن كهف إلى كهف باحثين بدقّة عن جُحورها حيث تكمُن والتي علينا أن ننحني لنُطلّ على كل جُحر أو غار أو أخدود لعلّنا نلمح ضبًّا فيه ولن أنسى أبدا ذلك اليوم الذي لمحتُ فيه أنا وابنُ عمّي ونحن في السّابعة أو الثّامنة من العُمر أُلية ضبّ تختفي سريعا داخل جُحره تحت صخرة كبيرة فأسرع اِبنُ عمّي واِنبطح وأمسك بالذّنب لكنّه لم يُفلح في القبض عليه بمِلء يده وفي مثل هذه الحال ليس لنا من بُدٍّ إلا أن نحفر بالقضيب الحديدي الشّديد تحت الصّخرة لنُمسك بالضبّ ونظفر به فعقدنا العزم وشرعنا في دَكّ الحِصن الحَصِين دكّا حتّى اِتّسع الجُحر ولاحت لنا أُليةٌ لم نر أكبر منها ففرحنا فرحا شديدا بالغنيمة ومددتُ يدي داخل الجُحر لأمسك بالصّيد السّمين ولكنْ… عندما لمستُ إذْ لمستُ لم أشعر بمَلمس أليةِ ضبّ خَشِنة وإنّما شعرت بملمس ذَنَب أملسَ فَيَا ويْلتي إنّه ثُعبان ولا شكّ…ثعبان…ولكنَّ ابنَ عمّي لم يصدّقني وأصرّ أنّه ضبّ وأدخل يده وجعل يسحبه بقوّة رويدا رويدا وهو يصيح ما أكبر أليةَ هذا الضبّ!!…ثمّ صاح ثعبان ثعبان!… رغم ذلك ظلّ مُمسكا به ويجذبه بكل شجاعة وإضرار وما كاد رأسُه ببدو حتّى أهويتُ عليه بالقضيب مرّات ومرّات…

عندما مالت الشّمس نحو الغروب جلسنا نشوِي ذلك الثّعبان على الحطب والحجارة المَلساء بعدما قطعنا منه الرّأس وطرحناه بعيدا .

لقد أكلنا الثعبان !…

فما ألذّه من لحم يذوب كالشّهد..!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نفسُ المكان…

بعد ستّين عامَا أو بعد سِتّين عامًا نفسُ المكان وبعدما جاب الجنوب والشمال والشرق والغرب وقف في نفس المكان بعد ستّين عامًا… يقفُ في مِعطفِه الصّوفيٍّ الأسود بِأزْراره الخَشبيّةٍ السّوداء ووراءهُ سِياجُ حديد الحديقة الصغيرة في وسط الساحة الكبيرة… في نفْس المكان وقفَ …النّخلةُ خلفَهُ…صارتْ تلك النخلة أطولَ وسياجُ الحديد صار أقصر فمَذّ يدهُ إلى لمْسةٍ فلامستْ أناملُه يدَ صبيّ على جبينه الذي لفحته شمسُ أقاصي الجنوب… مرّتِ الأيّامُ…تَوالتِ الأعوامُ واِلْتقَى الصّبيُّ بِالصّبيّ فصَارَ هذا وذاك وَجهًا لِوَجهٍ بعد ستّين عامًا…في نفس المكان أدخلَ يدهُ في جيبهِ الأيمنِ مثلما أدخلها.. وَجد قطعةَ الشّكلاطة…في جيبه الأيسَر وجد عُلبةَ الجُبْن… وتلمّس قِطعَ النّقود ِفي جيبه الدّاخليِّ حيثُ خبّأها… كذلك أوصاهُ أبوهُ وهو يُودّعه عند درجات بابِ القطار…

 واِنطلقَ القِطارُ

بالمَحطّات تِلو المَحطّات ْ

سنوات وسنواتْ

أغمضَ عينيه…فتح عينيه

كانَ يَامَا كانْ

فِي لحظةٍ من زمانْ

مرّت أعوامُه الستّون على هذا المكان…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحليب الأسمر

كنتُ في أمسية ثقافية بتونس العاصمة ذات مرّة بمناسبة الاِحتقال بالتراث في جهة غُمراسن التي وَفَدَتْ منها جمعيّات عديدة تهتمّ بالتراث فبعضُها عرض مختلف الأزياء التقليدية وبعضها قدّم أصناف الأطعمة وشرح طرق إعدادها ومكوّناتها وقد تخلّل الأمسيةَ حفلُ الطّبل قامت به أعرق فرقة في ـ  غمراسن ـ بقيادة ـ الشيخ البغدادي ـ الذي وهو في عِقده التاسع ما يزال إذا دندن الطبل سَرَى في مفاصله نشاط وخفّة فتراه يرقص به ويطوف ويميل ويرفعه على رأسه حينا ويتأرجح به ويدور به وهو يضرب بعصاه الكبيرة في يمينه وبالعُصَيّة الثانية في شماله في تَمَوُّج إيقاعيّ لطيف خفيف حينا وعنيف أحيانا فيراوح بين الشّجون العميقة الرّاسبة في غياهب الوجدان وبين الاِهتزازات القوية الطافحة على مُهجة النفس…

أعرف الشّيخ البغدادي منذ طفولتي عندما كنت أرافق والدي إلى الأعراس فألاحظ طربه وتفاعله اِنتشاءً مع دقّات الطبول ومع المزمار على أنغام الأغاني الوطنية الحماسية والأغاني الغزلية البدوية…كان زمان…!

اليوم ألتقي الحاج البغدادي وقد عرفني عندما تفرّس مليّا في ملامحي فترحّم على والدي… ما شاء الله على عَمْ البغدادي وعلى صحّته وعلى ذاكرته وفراسته… وبعدما اِنتظمت الفرقة بزيّها الأحمر والأبيض والتي جميعُ عناصرها من أحفاده أعطى لهم الإشارة بالشّروع فنقر الطّبلَ نقراتٍ خفيفةً وعَلا المزمار عاليا صادحا .

حينذاك… كان لابدّ وبعد كل وصلة من رشق بعض الأوراق المالية على رؤوس عناصر الفرقة تشجيعا لهم وتكريما وتلك من عادات الأفراح لدى أهل غمراسن الذين يعتبرون الطائفة الزّنجية من عشيرتهم والعلاقة بينهم قائمة على المودّة والتقدير ـ لا غير ـ بل إن بعض العائلات الزنجية تحمل لقب بعض عائلات أهل غمراسن وتُقاسمها أملاكها العقارية أبًا عن جدّ

 وبينما أنا أتابع الحفل في بهجة واِنشراح مع أفرادٍ من عائلتي وثلّةٍ من الأصدقاء إذْ بحسناءَ سمراءَ مشرقة الوجه تقصدني مسرعة فرحة وتحتضنني بشوق قائلةً بصوت مرتفع أهلا أهلا بخالي سُوف …!!..فتعجّب جميع من كان حولي …نعم أنا خالُها حقّا وبالتّمام والكمال…فقد رضعتُ مع أمّها من صدر ـ أمّي فائزة ـ السّمراء رحمها اللّه مرّات ومرّات وتلك عادة عائلتي منذ أجيال …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوّل أمسية شعرية

في آخر أيام الربيع من سنة 1969 كنت أستمع إلى الإعلانات التي كانت تبثّها الإذاعة التونسية وقتذاك فشدّ انتباهي بلاغُ اللجنة الثقافية بضاحية أريانة التي ستنظم أمسية شعرية بمناسبة مهرجان الورد وتدعو من يرغب في المشاركة أن يرسل قصيدين إليها .
لست أدري كيف عزمت و أرسلت أربع قصائد وقد عزمت على الحضور حتى وإن لم أشارك في الأمسية فمساء الجمعة مناسب لأنه خال من الدروس وضاحية أريانة قريبة والفصل ربيع وهي مناسبة لاكتشاف أجواء الأمسيات الشعرية التي لم تكن منتشرة في ذلك العهد .
وكم كانت المفاجأة كبرى بعد أسبوع تقريبا عندما عدتُ من معهد ابن شرف عند منصف النهار فوجدت رسالة من اللجنة الثقافية تحمل اسمي مسبوقا بالشّاعر…كانت وماتزال وحتى بعد انقضاء نصف قرن تُمثل ذكرى من أجمل ذكرياتي التي تبعث في وجداني شعور البهجة والغبطة…
قبل ساعة كنت أجلس في قاعة كبيرة لعلها قاعة البلدية منتحيا مكانا جانبيا وأخذت أراجع نصوص القصائد متثبّتا من حركات أواخر الكلمات خاصة وعندما رفعت بصري وجلت به يمنة ويسرة وجدت أغلب كراسي القاعة قد امتلأت بالحاضرين وقتها تملّكتني رهبة لم أشعر بها من قبل أبدا وبعد برهة صعد إلى المنصة الشعراء وأذكر من بينهم خاصة أحمد اللغماني والميداني بن صالح ومحي الدين خريف وعندما أخذوا أماكنهم نادى رئيس اللجنة الثقافية على اِسمي وعلى الشاعر سويلمي بوجمعة راجيا منا إن كنا حاضرين أن نصعد بجانبهم إلى المنصة .
ما أعظمها من فرحة وما أروعه من شعور بالارتياح أن يُنادى على اسمي مسبوقا بالشاعر ثم أن أجلس على المنصة مع صف الشعراء الكبار الذين كنت أقرأ لهم وأستمع إلى بعضهم في الإذاعة وكم كانت فرحتي عارمة عندما بدأت الأمسية بنا إذ افتتحها سُويلمي بوجمعة بقصيدين وما زلت أذكر طريقة أدائه بنبرة شجية خافتة نالت إعجاب الحاضرين ثم تقدمتُ إثره إلى المصدح فوقفت أقرأ قصيدتي الأولى من دون النظر إلى الورقة أما القصيدة الثانية فقد شدتني ورقتها أكثر وأذكر أن الشاعر أحمد اللغماني قد أبدى ارتياحا خاصة للسلامة اللغوية والعروضيية وشجعنا أن نكتب بروح تفاؤلية أكثر نظرا لأننا في مرحلة الشباب وكذلك لأننا في مهرجان الورد وفي فصل الربيع وأبدى احترازه بل رفضه لقصيدي الثاني لأنه خال من الوزن العروضي ولم يعتبره شعرا أصلا فالتجديد حسب رأيه لايكون إلا ضمن إيقاع التفعيلة والقافية لكن الشاعر الميداني بن صالح قد عبّر لنا في كلمته عن ارتياحه للمواضيع التي تناولناها بما فيها من طرق للقضايا الاجتماعية والوجدانية .
قبل هذه الأمسية كنت أرسل نصوصي إلى الأديبة حياة بالشّيخ التي كنت أقرأ لها في صحف ومجلات ذلك العهد فقد كان أخوها فيصل بالشيخ زميلي وصديقي منذ أن كنا ندرس بمعهد الصادقية فكنت أسلّمه نصوصي فتقرأها وتسجل ملاحظاتها بدقة وعناية وأذكر أنني عندما التقيت بها سنة 1972 بنادي القصة في مكتب الأديب محمد العروسي المطوي بنادي القصة أبديت لها شكري وتقديري وأثنيت على ملاحظاتها المفيدة .
فتحيّة شكر وعرفان ووفاء لكل الشّعراء والأدباء والأساتذة ولجميع الذين أخذوا ببدي وشجعوني وفتحوا أمامي مختلف المجالات الأدبية والثقافية .
فما أكثر ما أخذت وما أقل ما أعطيت….

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كأس الماء

 في يوم شديد الحر من منتصف شهر سبتمبر وعند الساعة الثانية بعد الزوال بالضبط شرعت في الدرس الأول مع تلاميذ أحد الأقسام بمعهد فرحات حشاد برادس الذي انتقلت إليه بعدما كنت أدرس بمعهد مدينة ماطر
أنا أستاذ جديد بالمعهد ويجب أن أفرض شخصيتي فيه بالاعتماد على الجدية التي تتمثل خاصة في الكفاءة المعرفية وفي الانضباط لذلك لم أسمح بدخول بعص التلاميذ الذين وصلوا متأخرين وشرعت مباشرة في سرد المحاور المبرمجة مبينا أهميتها وخصائصها وماكادت الحصة تنتصف حتى أحسست بحدة الأوتارالصوتية وبأن الريق قد جف والحلق قد يبس فانخفض صوتي وثقلت الحروف بل صارت مؤلمة النطق فوجدت نفسي في الهيجاء بدون سلاح فإذا بي أسمع من آخر القسم مناديا ينادي في رأفة وحماس…سيدي…سيدي … هل آتيك بكأس ماء ؟
كيف أقول لا…ومن يقدر أن يقول لا…؟!
فأجبت بسرعة نعم وشكرا
فإذا به ينطلق مسرعا ويغادر وماهي إلا دقائق حتى دخل وفي يده كأس وقطرات الندى تتلألأ من الزجاج…عجبا !…من أين أتى بها وما في المعهد وقتذاك ثلاجة ولا قوارير ماء ولا مشربة ولا حتى مقهى قريب…لكني علمت بعدئذ أن المعهد يضم جناحا خاصا لمبيت التلاميذ لا شك أنه أسرع إليه بعد أن تسلق الجدران وطلب من أحد معارفه الذين يشتغلون فيه تلك الكأس التي شربتها بردا وسلاما فروتني وشفت غليلي وجعلتني أواصل درسي الأول على أحسن ما يرام بفضل تلك الكأس .
كأس الماء…وما أدراني ما الكأس…!
مضى أسبوعان أو ثلاثة انتهجت فيها طريقتي في التدريس فلا أسمح لأحد أن يدخل متأخرا ولا أن يحضر بدون حفظ محفوظات أو بدون إعداد شرح النص فاستقام لي الأمر كأحسن ما يكون
كأس الماء… وما أدراني ما الكأس…!
ذات يوم بعدما دخلت القسم وشرعت في شرح نص إذ بالباب يطرق طرقا خفيفا لطيفا فقلت تفضل وحسبت الطارق أحد القيمين فما كان يجرأ أحد من التلاميذ أن يقطع الدرس وقد وصل متأخرا وتواصل الطرق فقصدت الباب وفتحته فإذا ذلك التلميذ يبادرني بصباح الخير والاعتذار في أدب لكني لم أسمح له بالدخول ووبخته على التأخير وعلى قطع الدرس فما كان منه إلا أن ذكرني بأسلوب فيه الكثير من الدلال والمكر قائلا أنسيت يا سيدي أنني أنقذت حياتك بكأس ماء ؟
آنذاك كان لابد من السماح له بالدخول ردا للجميل واستثناء للقاعدة…
كأس الماء… وما أدراني ما الكأس…!
في اللحظة التي تجاوز فيها العتبة بخطوة واحدة ما راعني إلا وتلميذان آخران التحقا به ودخلوا جميعا..
مرحى لهم فقد نجحوا في الحيلة والمثل يقول ـ  لا تكن يابسا فتُكسر ولا طريا فتُعصر…
كأس الماء… وما أدراني ما الكأس… !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين الشّعر والنّشر

كان نشر الكتاب وما يزال الهاجس الكبير الذي يؤرق الأديب فإذا ما جمع أوراقه ونضدها واستقامت له جعلها في مخطوط وبعد ذلك يرقنها ومن النادر جدا أن يقوم بالرقن بأنامله التي ألفت الورقة والقلم فيلجأ إلى أحد الراقنين أو الراقنات  وكم لابد له من صبر ومراجعة ليقدم كتابه في أحسن حال إلى دار النشر
والحمد لله لقيت صديقي الأديب عمر بن سالم فأخبرني أن صاحب دار نشر جديدة هي – سَحر – يرغب في نشر مجموعة شعرية لي ولما سألته عن صاحبها فقال إنه فلان وقد نشر له كتابا أو كتابين وكنت أعرف فلانا هذا في مناسبات معرض الكتاب فقلت لا بأس فالرجل خبير في الطباعة والتوزيع وستنتشر مجموعتي الشعرية في حلة قشيبة
وكان اليوم الموعود التقى فيه ثلاثتنا على المودة والأماني وسلمته مجموعتي الشعرية – نبع واحد لضفاف شتى – وبعد نحو شهر أعلمني بأنها طبعت فأسرعت طيرانا إلى مكتبه بشارع الحرية قرب الإذاعة وسلمني عشر نسخ على أن يضيف لي مائتي نسخة أخرى وهي قسطي من حقوقي مثلما اتفقنا اتفاق – صداقة ورجال – واتفقنا وقتها أيضا أن يسلمنيها بعد أسبوعين مساء الخميس الساعة الخامسة من الشهر الخامس –ماي عند حفل توقيع  ضمن أمسية شعرية بالمكتبة العمومية بضاحية رادس وقبل يومين من الموعد ذهبت إليه للتأكيد وكي يأتي معه ببضع مئات من النسخ لبيعها للمؤسسات التعليمية في الجهة لأن عددا من مديريها دعوتهم وعبروا عن استعدادهم لاقتناء المجموعة الشعرية من جملة جوائز الكتب التي سيهدونها في احتفالات آخر السنة الدراسية
وكانت الساعة الخامسة من يوم الخميس من الشهر الخامس وامتلأت قاعة المكتبة العمومية التي هيأنا مقاعدها ومنضداتها في أبهى تنسيق وحضر الأصدقاء والزملاء والأدباء والشعراء والمديرون ورواد المكتبة وبقيت أنتظر إطلالة صاحب دار سَحر إلى اليوم …
المسألة قد اتضحت لي بعد هذه الواقعة حيث أنه طبع من المجموعة الشعرية نسخا على قدر عدد ما اقتنته منه وزارة الثقافة التي تزود بها المكتبات العمومية إضافة إلى عدد ما وزعه في المعارض والمكتبات التجارية … أما الشاعر فكان فنصيبه عشر نسخ  فقط  و أحيانا أصادف مجموعتي الشعرية تلك على أرصفة دكاكين الكتب القديمة فأشتريها مبتهجا..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البابُ الثاني

يتحول نهج إنقلترا وسط العاصمة تونس إلى سوق يومية للكتب المستعملة والصالحة لمختلف سنوات الدراسة فينتصب البائعون بكتبهم على الرصيف مدة أسبوع قبل العودة المدرسية وبعدها بأسبوعين أو أكثر فقلت في نفسي عندما انتقلت إلى السنة الثانية من التعليم الثانوي في المدرسة الصّادقية لِمَ لا أبيع كتب السنة الماضية خاصة وهي ما تزال في حالة حسنة وأشتري بثمنها الكتب المبرمجة لهذه السنة ؟
فعزمت… وقبل يومين من يوم العودة المدرسية حملت الكتب إلى السوق ونضدتها بعناية فوق كرتون على الرصيف ووقفت متكئا على الحائط أنتظر الرزق وتوكلت على الله ويافتاح يارزاق كما يكتب التجار في دكاكينهم ويقولون…
بعدما مرّ كثيرون وتصفّحوا الكتب وسألوا عن الثمن وقف فتى أمامي بدا لي في مثل سني أو أصغر بقليل…رأيته أنيقا مهذبا لطيفا وسألني عن الثمن الجملي لجميع الكتب فأجبته فاستبشر بالثمن وقال لي حسنا أشتريها كلها فابتهجت ابتهاجا كبيرا لسرعة بيع الكتب جميعها وبثمن قريب جدا من ثمنها جدبدة غير أنه قال لي إنه لا يملك الثمن معه لأن أمه تخشى عليه من السرقة وطلب مني أن أرافقه إلى بيته حيث يسكن مع أمه الوحيدة في الطابق الأول من عمارة قريبة فقلت له في نفسي … حسنا يا وحبد أمه وعزيزها….وأهلا وسهلا بك في العام القادم أيضا
واحتياطا للطوارئ حملت الكتب وشددت عليها بقوة وسرت إلى جانبه حتى وصلنا إلى باب عمارة قريبة دخلناها وماكاد يسبقني بخطوتين حتى قال لي بأدب وبصوت ملائكي – لا تتعب نفسك يا أخي وأعطني الكتب حتى تراها أمي المعلمة ثم أنزل و أعطيك المبلغ الذي اتفقنا عليه بلا نقصان فزدت ثقة به واطمئنانا وقلت كم هو على خلق كريم هذا الفتى…كيف لا يكون كذلك وهو ابن معلمة…سيماهم على وجوههم ولا شك…
بقيت أنتظر أمام باب العمارة سارحا في خيالي كيف سأعود غانما من تجارتي المربحة فذلك المبلغ يوفر لي ثمن كتب هذه السنة التي سأشتريها من السوق وسيبقى لي منه أيضا….هكذا هي التجارة أو لا تكون
مر وقت…ساعة…ثم ارتقيت المدارج إلى الطابق الأول فقابلتني مدارج أخرى نزلت فيها مسرعا فوجدت نفسي في شارع آخر..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  الرابعة فجرًا 


ليس من اليسير أن يضرب لك أحدٌ موعدا في قلب باريس على السّاعة الرابعة فجرا ليحملك بسيارته من الفندق إلى المطار ثم تجده من غدٍ في ذلك المكان والزمان وقبل خمس دقائق !

نعم… ذلك كان !

حدث مع صديقي الرّاحل الأديب محمد الغزالي الذي عرفتُه عندما حضر في بعض جلسات نادي الشعر باِتحاد الكتّاب التونسيين في سنوات مطلع الثمانينيات من القرن العشرين… صديقي ذلك كان في اِستقبالي بمناسبة زيارتي لباريس سنة 1991 ضمن وفد ضمّ الأديب التابعي الأخضر والشعراء نوردالدين صمود وفضيلة الشابي وآدم فتحي ومحمد الصغير أولاد أحمد بمناسية دعوة من جمعية الضفّتين في فرنسا التي كان يترأسها صديقنا ـ لخضر لالة ـ أحدُ قادة الحركة الطلابية بتونس سنة 1971
كانت الرحلة فرصة نادرة لقراءة قصائدنا على منبر المعهد العربي بباريس وفي المركز الثقافي بمدينة سترازبورغ وغيرهما وعند ليلة العودة أصرّ صديقي محمد الغزالي على الحضور إلى الفندق لتوديعي وليرافقني بسيارته ومعي الصديق الشاعر نورالدين صمّود إلى المطار في ذلك الوقت المبكّر حِرصًا منه على المصاحبة وعلى تأمين الوصول في زحمة المواصلات وتشعّب الطرقات بين الأنفاق والجسور فكم كان موقفه صادقا وشَهما حيث تجلّت فيه معاني التضحية والصداقة كأبهى ما تكون !
رحماك صديقي !
وفي هذه السنة سنة 2014 وقبل أشهر قليلة فقط ضرب لي موعدا في جمعية اِبن عرفة بالمدرسة السليمانية قرب جامع الزيتونة بتونس ذات مساء سَبت على الساعة الرابعة مساء هذه المرة ليكون في الموعد بالضّبط أيضا فيحضر قادمًا من نفطة بأقاصي الجنوب ليكون خاضرا يمناسبة تقديم روايته ـ ثمرة درجين ـ التي تتحدّث عن دلاعة كبيرة جدا وعجيبة وجدها أهل القرية وسط السّوق فاِحتاروا في كيفية التصرّف فيها باِعتبارها مثّلت حدثا غريبا وخارقا للعادة وقد عقدوا المجلس البلدي وتشاوروا مع السلطة المركزية في الأمر وشهدت القرية جحافل عديدة من الناس والصحفيين من كل حدب وصوب ليشاهدوا تلك الدلاعة العظيمة ويتابعوا الحدث العظيم لكأن الرّواية ترمز إلى قيام الثورة التونسية وما تلاها من تساؤلات واِختلافات .

رحماك صديقي رحماك !
رحماك في زمن قَلّتْ ونَدَرتْ فيه قيمُ الإخلاص والشّهامة والوقاء فأنت اِستثناء بما يجيش في وجدانك من حبّ عارم للأدب ومحبّة خالصة لموطنك الذي عملتَ جاهدا من خلال إنجاز مشاريعَ اِجتماعيةٍ وثقافيةٍ ليكون أحسن فليت كل المثقفين الذين غادروا الوطن يسيرون على خطاك…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين القلم والميزان

  • الكلمة التي ألقيتها بجمعية اِبن عرفة الثقافية  يوم الأحد 22 ماي 2011 بمناسة تكريم الصديق الأستاذ مختار اليحياوي ـ وهو القاضي التونسي الذي  قال لا في وجه الظلم والفساد فناله العسف الشديد وهو صديق الدراسة في معهد ابن شرف بتونس العاصمة وأصيل بلدتي ـ غمراسن ـ 

ذات صيف من أصياف سنوات النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين وفي باحة حوشنا الكبير ـ ببئر الكرمة ـ اِكتشفتُ المذياع فقد جاءنا به عمي ـ عليّ ـ العائد وقتذاك من الجزائر فكنت أجلس وراء المذياع بعد صلاة المغرب لعَلّي أشاهد عبر   الأضواء المنبعثة منه مصدر ما كان يعجّ به من أصوات وموسيقى حيث كنت أتخيل الناس داخله بحجم النمل أو الذباب !,,,في تلك الأيام بدأت أسمع في أحاديث الكبار كلمات لم أكن أعرف أبعادها مثل فرنسا ـ الجزائر ـ بريطانيا ـ بورقيبة ـ بن يوسف ـ جمال عبد الناصر ـ بريطانيا ـ الجبهة

بعد هذا الاِكتشاف المذهل بقليل داهمتنا أخبار الجندرمة والجيش الفرنسيالذي ظلّ يحتفظ بثكنة مدينة رمادة فطفقنا ـ نحن الأطفال ـ بأمر من الكبار طبعا ننتقل من حُوش إلى حوش نجمع القِرَبَ والمؤونة والأغطية نحملها على الأحمرة والبغال لتكون إسنادا للوطنيين الذين شاركوا في المعركة ولا أنسى ساعة وداع عمّي ـ مصباح ـ في صباح يوم مغيّم بارد
ليلتحق بالمجاهدين

بعد الجلاء عن مدينة ـ بنزرت ـ ولعل بمناسبة الذكرى الأولى اِصطحبت إليها والدي ـ رحمه الله ـ فرأينا أثر الرصاص على جذوع نخيل الشوارع مازال باديا ولا أنسى موكب الرئيس بورقيبة وهو يتوسّط جمال عبد الناصر
وأحمد بن بلة ووليّ العهد السنوسي

في جوان سنة1967 نزلنا أفواجا أفواجا تلاميذ وطلبة وشبابا إلى باب البحر من المعهد الصادقي ومعهد ابن شرف وكلية الآداب بالقصبة عبر باب المنارة وباب الجديد وباب الجزيرة كنا نهتف ونصيح فلسطين عربية,,, فلسطين عربية,,, ثم تجمّعنا أمام سفارات بريطانيا وألمانيا وفرنسا والمركز الثقافي الأمريكي وجميعها كان وقتذاك في منطقة باب البحر ولست أدري كيف رأيت السيارات أمامها تنقلب بسرعة ثم تشتعل,,,
بعد أيام كنا نودع كتائب من الجيش التونسي وهو يتجه إلى مصر فوصلها بعد فوات الأوان طبعا

من أتّون تلك السنوات ومن تحديات تلك المرحلة انطلق جيلنا يبحث عن كيانه فلم يتقوقع على الشعارات لانه رأى أن العالم أرحب من جميع النظريات فأحب الحرية والعدالة والجمال في جميع مظاهرها وألوانها
كنا جيلا نعشق أبا ذر الغفاري والحلاج
ونحب لوركا وغيفارا
ويستهوينا ماو وياسر عرفات
وننتمي بدءا من تونس
ومن تونس إلى المحيط والخليج
وإفريقيا والمتوسط والعالم
فالكون أرحب
الكون أرحب

كانت حرب رمضان أكتوبر 1973 وذلك النصر الذي لم يكتمل وكانت المظاهرات والمحاكمات والإضرابات وأخبار الثورات إلى أن جثم الخميس الأسود في جانفي 1978 على تونس فكان الرصاص ومنع الجولان ثم عاد ذلك الرصاص أيضا في جانفي 1984 فادلهمت السحب وانسدت الآفاق إلى ذات يوم سبت الموافق للسابع من نوفمبر سنة 1987
يومها وبعده من الأيام حسبناها نسمة الحرية
اِستبشر الذي استبشر
حلم الذي حلم
واِنخرط في الجوقة الذي اِنخرط
ولكن,,, ومع الأعوام اِنكشف الواقع المرير فبدأت الكوابيس تتكدّس والأمل يضيق والشباب يُلقي بنفسه في البحر طلبا للنجاة فاسودّت تونس الخضراء وصمت الذي صمت وانتهز الذي اِنتهز واِنتحر الذي اِنتحر ولكن قلّة بَرَرة صمدتْ وناضلت وتحمّلت الويلات وأصدعت بالحق وقالتهاعاليا,,, لا لا لا
وأنت من أولئك العظام يا صديقي
مثال للشّجاعة والصّمود والتحدّي والثّبات

اليوم لقيتك فكان العناق
المعذرة إذن
إن لم نلتق في زنزانة أو في سرداب
ربما اِلتقينا في مسيرة
أو في صخب
أو ذات يوم ربيعي في عزّ الشّتاء
المعذرة
إن اِفترقنا سنواتٍ وسنوات
المعذرة
إن أصابني الإعياء أو حتّى اليأس في وقت من الأوقات
اليوم لقيتك
فلقيت تونس الحريّة
تونس التحدّي تونس العطاء تونس الإباءتونس الخضراء

تونس التي تفخر بك
أنت يا صديقي
لأنّك أحد أبطالها الشّرفاء الذين قالوا زمن العُسر لا ,,,لا ,,,لا
فلمْ تنحنِ ولم تُساومْ
ْدائما كنتَ تقاوم
أمامًا تمضي
لا يمينا لا يسارًا
لا وسطْ

إنّي شاعر
القلمُ في يده ما سقطْ
وعزائي اليومَ وسُلواني ياصديقي
عندما قلت لي إنّك تقرأ لي دائما
ذلك شرفي
فقطْ

الأستاذ مختار اليحياوي ـ قاض تونسي قال لا في وجه الظلم والفساد فناله العسف الشديد وهو صديق الدراسة في معهد ابن شرف بتونس العاصمة وأصيل بلدتي ـ غمراسن ـ في الجنوب التونسي


رادس في 22 ماي 2011

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقهـــــى البحــــريّ

لذكرى صدبقي الشاعر محمد البقلوطي

السّياقة في مدينة صفاقس عمليّة لا تُحسن عواقبُها بالنسبة للسّواق المارّين منها فالمدينة كثيرة التقاطعات ومزدحمة بالمترجّلين بالإضافة إلى حركة الدّراجات النّارية التّي يمكن أن تحاذيك و أن تقفز أمامك من حيث لا تدري و لا تحسب لحركتها البهلوانيّة على الطريق أيّ حساب وصحيح أنّ أصحابها ماهرون في صولاتهم وجولاتهم في الطرقات ولكنّ ذلك قد يكلّفني ما لا طاقة لي به لذلك اِخترت أن أترك سيَارتي نَؤُومَ الضحى في مَربضها الأمين وأن أستقلّ أوَل تاكسي تقودني سالما مطمئنا إلى شاطئ ـ سيدي منصور ـ

في أواسط الخريف يكون الاِعتدال في الطقس متعة رائقة فلا الشّمس تلهب بسياطها ولا البرد ينخُر المفاصل، إلاّ النّسيم يخفق في الأفق وديعا مُنسابا حتّى لا يكاد يحرّك أشرعة الفلائك التي تبدو راسية أو تكاد على السّاحل

شكرا سيَدي هنا

و نزلتُ من التاكسي وحدي فقد تركتُ فيها صديقي الشّاعر محمّد البقلوطي الذي لم يرافقني هذه المرّة إلى مقهى البرّاكة الدّاخل في البحر, لعلّه آثر مواصلة الرّحلة وحده لماذا تركتني يا صاحبي عند ذلك المقهى و ذهبت ملتحفا في البياض إلى الأقاصي؟ و مثلما جلسنا فيه منذ عشر سنوات عند ضحى يوم جميل ها أنني أعود إليه و أجلس عند الركن الأيمن والشمس تنقر بأناملها البيضاء زجاج الكأس و تضع فيه قطعة واحدة من السّكر لعلَها هذه المرّة صارت حفنة من الملح. لماذا تركتني أعود وحدي و نحن اللّذيْن تواعدنا على المجيء معا إلى شاطئ سيدي منصور قبل عشر سنوات لنجلس ساعة أو ساعتين في الليل كنّا نريد أن نجلس بين البحر وهو يتخلّل الواح المقهى من تحتنا و بين خيوط القمر وهي تنسج من حولها هالة الصفاء والبهجةمعذرة يا صديقي أن تخلّفت كلّ هذه السنوات العشر ولم أحضر إلى موعدنا الجميل بالرغم أنّني مررت بصفاقس عديد المرّات و في كلّ مرّة ينتابني الحنين إلى جلستنا البحريّة بموجها الرّقيق و بنسيمها الحريريّ و بزوارقها الحالمة على الأزرق وبالأطفال الباحثين عن المَحّار يأخذونه بعد جمعه إلى السّوق كما كنتَ قد فعلتَ أنت ذات يوم عندما كان البحر أجمل و الزمن أرحب بالمرح والفرح رغم شظف العيش في سنوات اليُتمها أنني يا صديقي أعود وحدي غير أنّ ذكرى ذلك اليوم ما تزال عالقة كأنك الآن و هناك معي حول الطاولة في هذا المقهى الرائع حيث السّكينة و الهدوء رغم اِنبجاس الماء وهو يتخلّل الأخشاب و رغم حركة انسياب النسيم حولنا يزيدان الجلسة حميميّة بالتداخل مع العناصر وهي في حركتها الأليفة أحيانا نحن في حاجة إلى الإختلاء بذواتنا بعيدا عن صخب المدن و ثرثرة النّاس و مواثيق الحياة

هذا المكان يُتيح للمرء أن يتوغل قليلا في مجالات طالما أحسّ بفقدانها رغم كلّ أثاث الدنيا الذي يملا عليه تفاصيل أيامه.

و عند مغادرة المقهى البحريّ بشاطئ ـ سيدي منصور ـ وجدت نفس التاكسي في آنتظاري وكان محمّد البقلوطي داخلها لم أصدّق الأمر ففتحت عينيّ مليا فرأيته من خلال النافذة يعود إلى الموج وحيدا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلام في الرّيح 
 
ـ 1 ـ
تعدّدت وتنوّعت بعد سنة 2011 الأمسيات والملتقيات والندوات والمهرجانات الأدبية وتوالت وشملت أغلب نواحي البلاد التونسية وعلى مدى فصول السنة وقد قام بأمر تنظيمها جمعيات جديدة في أغلب الأحيان بالإضافة إلى المبادرات الشخصية وقد ساهم في برامج هذه الفعاليات عشرات الأدباء والشعراء وعشرات الأديبات والشاعرات أيضا من جميع الأجيال والمشارب الفكرية والأدبية من تونس ومن العرب مشرقا ومغربا وكان للأدباء والأديبات من بقية أنحاء العالم حضورهم أيضا ممّا يؤكد هذا الزّخم الكبير من الحراك الأدبى في تونس على مدى السنوات الأخيرة
وآن الأوان أن نقف متأملين ونحن على أبواب موسم ثقافي جديد في هذه التظاهرات الأدبية آملين أن تكون أنشطتها القادمة إضافة نوعية في مسيرة الأدب التونسي خاصة .
ـ 2 ـ 
من المظاهر الإيجابية التي لابدّ من تسجيلها نذكر ظهور أسماء جديدة عزّزت قائمة الأدباء والشعراء التونسيين من الجنسين ولعلّ حضور الأديبات والشّاعرات أضحى أكثر عددا وذلك يعود إلى النسبة العالية للتمدرس في شتّى ربوع البلاد حيث وجد العنصر النسائي فرصته سانحة في المجالات الأدبية للتعبير عن محتلف القضايا والشجون بروح فيها الكثير من المعاناة ومن الجراة أيضا
ومن المظاهر الإيجابية نذكر أيضا ازدهار حركة النشر التي شملت الشعر والرواية ولم تقتصر على العاصمة فقط بل أضحت هذه الحركة تصدر كتبها في مختلف نواحي البلاد 
ومن المظاهر الإيجابية التي لا بد من ذكرها تلك الصّلات الأدبية التي أصبحت وطيدة بين الأدباء التونسيين وأشقائهم في المشرق والمغرب وحتّى في بقية أنحاء العالم حيث أصبح العديد من الأدباء والأديبات من تونس يشاركون في المناسبات الثقافية التي تنتطم في بعض الأقطار العربية بل ويصدرون كتبهم فيها .
ـ 3 ـ 
غير أن هذه المظاهر الإيجابية العديدة لا ينبغي أن تحجب عنّا بعض السلبيات التي من الأجدر تلافيها في مستقبل الأيام ومنها طغيان المظاهرالاحتفالية على المقاصد الأدبية في كثير من هذه التظاهرات فترى الحرص على نشر الصور والتسجيلات أكثر بكثير من الحرص على نشر النصوص وتوثيقها بل إنّ تلك الصور تنشر خالية من اِسم مَن فيها ومن ذكر المناسبة والتاريخ فهي بلا قيمة وثائقية .
وغالبية تلك التظاهرات سواء كانت أمسيات شعرية أو لقاءات أدبية أو حتى ندوات ومهرجانات لا نجد لِمَا قِيل وفُرئ فيها أثرا مكتوبا أو منشورا يمكن الرجوع إليه للاِطلاع والاِستفادة والنقد وليكون إضافة في مدوّنة الأدب التونسي .
ومن السّلبيات لا بدّ من ذكر صفة الاِرتجال في برمجة معظم تلك المناسبات وغياب المنهجية الواضحة في مواضيعها وفي أهدافها وفي قائمة المدعويين ممّا يجعلها أقرب إلى أجواء الولائم والأعراس حيث لا يتابع الحاضرون بعضهم باِهتمام وتمعّن وإنما لا يكاد ينتهي أحدهم من قراءة نصّه في دقائق معدودات حتى ينصرف مغادرا القاعة على عجل لتلقي المقابل المادي أو للحديث فلا حوار ولا نقد ولا تبادل آراء ولا تواصل بين تجارب الشعراء .
ـ 4 ـ
هذه بعض الملاحظات التي رأيت إبداءها حرصا على أن تمضي الحركة الأدبية في تونس نحو الأحسن وأن لا تراوح مكانها أو ترجع القهقرى فما على كل من يهمه الأمر ـ من أطراف ثقافية إدارية وجمعيات وفضاءات شعرية وأدبية ومهرجانات وأندية وغيرها ـ  إلا مراجعة المسيرة والنقد الذاتي مع العمل على تلافي تلك النقائص التي أشرنا إليها والاستزادة من الإيجابيات التي نوّهنا بها وتطويرها .
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 من الكسكروت بالهريسة والتُنّ….إلى فندق الخمس نجوم

عندما حضرتُ المؤتمر الأول وأنا عضو جديد باِتحاد الكُتّاب التونسين سنة 1980 ـ في ما أذكر ـ كنا حوالي ثمانين عضوا وطالبنا وقتها الهيئة الجديدة أن تعمل على إصدار مجلة خاصة بالاتحاد وكان مقر الاتحاد مكتبا صغيرا في دار الثقافة بباب العسل…مرت السنوات والهيئات ودخل الاتحاد من دخل وغادره من غادر و تمكن من إصدار المجلة والحصول على مقر في قلب العاصمة وإنشاء الفروع واستضافة المؤتمر العام للأدباء العرب وإصدار أنطولوحيات مترجمة إلى الفرنسية في الشعر والقصة والمسرح والنقد والقيام بعشرات الندوات والملتقيات بالإضافة إلى نشاط النوادي والوفود والمشاركة في عديد اللجان الخاصة بالكتاب والأدب والسينما وقد واكب تاريخ تونس المعاصر مثل ما عاصرته بقية الجمعيات والمنظمات مدّا وجزرًا واِنضواءً تحت سيطرة الأنظمة الشاملة تماما مثل الاِتحادات والرابطات الأدبية في بقية الأقطار العربية وفي البلدان الاِشتراكية لكنه كان أكثر منها تحرّرا وأقلّ تماهيا فقد كان اِتحاد الكتاب التونسيين في بعض فتراته يضمّ في هيآته المديرة أطيافا فكرية وسياسية مختلفة بل وحتى بعض ممثلي الحركات المعارضة ومن مدارس أدبية وفنية متعددة وكان أعضاؤه من شتى الفئات الاجتماعية والمستويات التعليمية مما جعله ممثلا بوضوح لجميع ألوان الأقلام التونسية وكانت جميع هيآته منتخبة اِنتخابا ديموقراطيا وقد أفسح مجال نشاطه لكثير من الكفاءات الأدبية والفكرية بالرّغم أنها ليست من أعضائه بل وقد رشّح البعض منها لنيل الجوائز وطنيا وعربيا وعالميا .
أما اليوم فعليه أن يواصل المسيرة من أجل الرفع من شأن الكتاب والأدب التونسي ومن منزلة الكاتب ولا يكون ذلك إلا بالبرامج المدروسة وبروح الحوار والصمود والتحدي مع الإصرار على تحقيق الأحلام….