صفحات من كتاب الوجود ـ أبو القاسم الشابي ـ 2009

صفحات الشابي

أغنية الشابي

الخريف الشابي

التقـديم

إنّ في اِحتفال بلادنا بمئوية أبي القاسم الشابي شاعرنا الخالد و الكبير ، محاولة لإسداء دَين إزاء من حلّق بتونس الفكر

و الثقافة والإبداع عاليا ، و أداء لواجب نحو مَن شكّل نابغة من نوابغ الشّعر والنقد العربيين

فصحيح أن أبا القاسم الشابي لم يعمّر في دنياه أكثر من أربعة وعشرين عاما و لكن حياته القصيرة واقعيا والطويلة مجازا، كانت مُفعمة بالعطاء الإبداعي المتميّز،الذ ي يَشي لا فقط بنبوغه الشعري المبكّر بل و أيضا بقدرته الاِستثنائية على المجازفة

ولكن رغم قصر عمره ونكاية في المرض الذي نهش

جسده فإن ما تركه الشابي من شعر مؤثّر و مذكرات طافحة بالذاتي والاِجتماعي والثقافي و رسائل موحية ثرية و نقد متقدم وجريء ،كلّ هذا جعله رمزا مُشعّا من رموزنا الثقافية و الفكرية. فهو شاعر الوطن والمحبة

و المرأة والمعاني العربية والإنسانية وشاعر الحلول في الطبيعة والهائم بجمالها وهو أيضا صاحب فعل مؤسس لحداثة تونس ، فإذا به إلى جانب كوكبة من رموز ثلاثينات القرن الماضي ، يحيك قيم الحداثة و ينشق على ثقافة التقليد والجمود إذ ليس من الصدفة أن يتبنّى الشابي النقد كقيمة جوهرية من منظومة قيم الحداثة ويجسدها بحماسة وجراة خارقة للسائد من الصعب أن يتحلّى بهما سواه ونقصد بذلك طبعا محاضرته الشهيرة الخيال الشعري عند العرب التي أطاح فيها بتلك النظرة

التقديسية للشعر العربي وللخيال الذ ي أنتجه دون أن ننسى ما تنطق به قصائده من أناشيد للحرية ومن تنديد بالاِستعمار وبفكرة الطغيان

ففي هذا الإطار من الاِعتراف العميق بتجربة شاعر تونس الخالد ونظرا لتراكم المساهمات التونسية والعربية التي تحفر في مختلف نواحي تجربة الشابي كافة أردنا أن نبرز عنصرا من عناصر هذه التجربة الإبداعية والمتمثل فيما يُسمّى بقصيدة النثر أو الشعر المنثور و غير ذلك من التسميات . و لا نروم الدخول في متاهات جدل قديم جديد بين منتصر لهذه القصيدة وبين معارض لها باِعتبار أن للشعرية بريقها و شرعيتها، مهما كان الأسلوب الفني الجمالي الذي اِنتهجته

ويكفي ان يكون شعر الشابي المنثور جزءا من ممارسته الجمالية للشعرية حتى يستحق منا الاهتمام والتعمق دون أن نغفل عما حققه الشعر المنثور في تونس وفي الفضاء العربي والعالم ككل من تراكم كميّ ونوعيّ أكسب قصيدة النثر وشعراءها الشرعية الإبداعية وأغنى الشعر العالمي برؤى يتذوقها من يؤمن بتعدد العيون والرئات وبتنوع حواس التذوق الفني

ولعل المجهود الذي بذله الشاعر الأستاذ سُوف عبيد في البحث والتعليق يستحق منا التنويه والتقدير آملين أن تكون الأطروحة المقدّمَة محلّ إثارة للنقاش البناء والمثمر في ظل حوار يعتنق أصحابه النسبية في مقاربة الحقيقة الشعرية والاِنفتاح والغيريّة بمعنى الاِختلاف الفكري والجمالي

رئيس المجمع

عبد الوهاب بوحديبة

أصبحتُ أرزح بأعباء الحياة كما يرزح الجمل بأثقاله غير شاعر إلا بأنني مثقل الكاهل ثقلا لا رحمة فيه و لا جمال وغير آمل إلا أن يرفع الله عن كاهلي هذا الثقل الذي تنوء به قواي فأتنفس ملء رئتي من هذا النسيم .

سألتني عن مجلة سعيد أبي بكر و هل أن الداعي إليها مادي أم فني و أنا لا أدري على التحقيق كيف أجيبك و بماذا أجيب إذ كل مبلغ العلم عندي هو أنه تولّى إدارتها الفنية أعني إدارة التحرير و أنه تسلم مني قطعة من الشعر المنثور عنوانها الشاعر تحت عنوان أكبر أود أن أكتب تحته مواضيع مختلفة إن ساعد الدهر و أشفق الله وهذا العنوان هو

ـ صفحات من كتاب الوجود ـ

و اِعلم أنني رأيته يصحح ما طبع من المجلة ومن بين ذلك قطعتي 1

مدخل إلى قصائد الشابي النثرية

المرحلة الأولى: البدايات

يعود تاريخ الأشعار الأولى لأبي القاسم الشابي إلى سنة 1923 كما أورد ذلك شقيقه محمد الأمين الشابي في مقدمة ـ أغاني الحياة2 والشعر الذي وصل إلينا من تلك الفترة الأولى يتمثل في مقطوعات وقصائد ذات سمات تقليدية واضحة تبدو منذ الوهلة الأولى في أغراضها و معانيها كما تبدو في القاموس اللغوي والصور وهي محافظة ـ إلى حد كبير ـ على الصياغة العروضية للبحور الخليلية الجزلة بما فيها من تصريع أحيانا مثل قصيدة ـ فمُنّي بوصل ـ التي أوردها في غرض الغزل وعلى بحر الطويل و دون أن يحيد عن المواصفات القديمة للغزل :

أزينب قلبي هائم ذو صبابة

و جذوة نار الحب حشو حشاشتـي

بنفسي لحاظ سددت لي سهامها

و سدفة حسن من ظـلام ذؤابـــة

أزينب جودي بالوصال سماحة

فأحظى على رغم الحسود بحاجتي

رعى الله ساعات اللقا ما ألذها

و سحقا لعهد البعد في كل ساعـة3.

أو كقوله في غزلية أخرى بعنوان ـ حبّذا البدر ـ وقد سلك فيها مسلك التصريع العروضي وجرى فيها مجرى المحسنات البديعية :

أسفر البدر من لثام الغمام

فأضاء الفضاء فيض اِبتسام

وسقى الأرض هندريس حُميّا

هُ فنامت بغبطة و ســـــلام

ثم ألقى على صدور الروابي

حُـللا حاكها الجمال السامي

حبذا البدر ، غير أن سناه

زادني حسرة و زاد هيامــي4

و من أولى قصائد الشابي التي وصلتنا قصيدة في غرض الرثاء قالها في أستاذه الشيخ محمد النخلي الذي يعتبر أحد أهمّ ممثلي التيار الإصلاحي والداعي إلى الأخذ بعلوم العصر في التعليم الزيتوني ،والقصيدة ذات أسلوب تقليدي على هذا المنوال :

هلعت قلوب العالمين بأسرها

و تصدعت لقساوة الأزمــــان

و تجمعت سحم الليالي مأتما

و تناوحت بنحيبها المرنـــــان

يـا لهف نفسي غاض بحر العلم

فاربدت وجوه الدهر بالأحزان

يانفس فيضي بالأسى شعرا و

بالآلام سحا ، دائم الهطــلان

يا دهر أنت فجعتنا في نبعنا

يا دهر إنك منبع الأحــــــزان5

بل إن أبا القاسم الشابي في قصائده الأولى التي تعود إلى سنة 1923 قد كتب حتى على منوال غرض الخمريات إذ نقرأ له قصيدة ـ فتاة الحي ـ تلك التي يقول في مطلعها6:

أديري كأس خمرك واِغبقينا فنعم الشرب شرب المغبقينا

أديري سلسبيل الدن صرفـــا عروسا ،صرمت حينـا فحينـــا

و لا تمزج بها اِبن النحب إني رأيت الماء مــــــــبـــيــنـــــا

لقد هجعت بها الأحقاد دهرا فلا توقظ بها الداء الدفـينــــا

و غنّي واِسقني قدحا دهاقا فإن الكأس تستهوي الحـزينـا

لا شك أن ذاكرة الشابي الشعرية التقليدية هي التي أملت عليه قصائده الأولى لكأنه وهو ينشئ تلك القصائد إنما يستظهر محفوظات مما علق بخاطره من عيون الشعر القديم مثل قوله في قصيدة كتبها سنة1924 :

يا رعى الله مَجلسا فيه طافت شعلة الدن في أكف القـــــيان

و سقانا مهفهف بابـــلــــــي أَدَعُ الطرف فاترُ الأجـــــفـــان

فنهلنا من سورة السّحر خمرا كأسها اللحظ في جفون الغواني

و عللنا بخندريس الحُميـّــــا بنت عشرين بعدها مائـتــــــان

نطعن الزقّ بالبزال فيبكـــي أدمعا مستمرة الهــــميــــــان

فسكرنا بخمرتين : بكـــأس وبطرف مُكَسَّر متـــــوانــي7

و مثل قوله في مقطوعة ـ الأمل اليسير8 و هي غزلية يتمثل فيها المعجم الشعري القديم بجزالة ألفاظه و متانة تراكيبه و في تمام صوره الجمالية النمطية منذ العصر الجاهلي للمرأة ،و بمعاني الغزل المعروفة ، وعلى سياقات الأسلوب البلاغي القديم في التعجب و التشبيه ، و على البحر الطويل أيضا :

بنفسي مهاة قد حنى الحسن جيدها

لها بين أعشار القلوب قصور

تهادت كخشف الظبي عند كُناســه

تميد بغصن قد ثنته خصـور

تمنيت أن أشكو إليها صبابتــــــي

و لا غير أبغي إن ذا ليسير

فالشابي بدأ مسيرته الشعرية بتقليد الشعر القديم في الأغراض والمعاني والصور و كذلك في المعجم اللغوي و الأسلوب الفني والإيقاع الخليلي ، بحيث أننا لا نكاد نجد له ما يخالف ذلك على مستوى الصياغة العامة للقصيدة أما على مستوى الوجدان فهو لم يتجاوز مشاعر الحسّ المظهري إزاء المرأة و لم يخرج عن معاني التفجع المعروفة في الرثاء، أما في موضوع الوطنيات فقد اِكتفى بمعاني الحماسة و الشكوى والغربة كقوله من قصيد له بدون عنوان9

ما لي و للوطن المُزورّ جانبـــه

ما الدار إلا التي ينمو بها أملـــــــي

لا أرتضي الأرض ألقى في مناكبها

ذلا و همتي الشمـاء بالحمــــــــل

أبكي لنائحة في ليلة فحمت

أرجاؤها فدجاها غيــر منتــقــــل

شقت بصيحتها صدر الدجى و بكت

بأدمع كعزالى الأسحم الهطــــل

تبكي وحيدا قضى بالقفر من سغب

قد كان يرضى من الأنهار بالوشل

لكنه لم يجد في الناس مرحمة

فمات مسغبةً وا خيبة الأمــــــل

أبو القاسم الشابي إذن في قصائده الأولى شاعر كلاسيكي بأتمّ معنى الكلمة و يبدو ذلك بوضوح في جنوحه إلى القاموس اللغوي القديم وفي التصريع العروضي وفي المحسنات البديعية و في التشبيهات والتراكيب الجاهزة على مستوى المبنى أو المعنى ، فتبدو الكلاسيكية لدى الشابي في طرقه المعاني التي لم تخرج عن الأغراض الشعرية القديمة حتى أنه يمكن أن نصنف أغلب أشعاره التي وصلت إلينا و التي كتبها بين سنتي 1923 و 1924 ضمن مناخات الشعر الجاهلي وهذا مما يؤكد موهبته المبكرة التي اِنبثقت جذورها من ثقافته التقليدية المتينة التي نهلها من أسرته العريقة ومن والده المتخرج من التعليم الزيتوني في تونس ومن التعليم الأزهري بمصر فتمكن الشابي من ناصية الملكة الشعرية و اِقتدر على التصرف في الأدوات الفنية وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من سنوات عمره وهذا ما جعله منذ سنة 1925 يدخل مرحلة جديدة هي المرحلة الثانية في مسيرته الأدبية

المرحلة الثانية : التجريب

ـ تونس النادبة ـ قصيدة بستة و خمسين بيتا و بتاريخ 3 فيفري 1925

وهي القصيدة الأولى التي وصلت إلينا والتي لم يلتزم فيها أبو القاسم الشابي بوحدة القافية من ناحية و تخفف فيها كذلك من الأسلوب التقليدي الفخم أما الموضوع فهو خارج عن التصنيف القديم للأغراض وإنما القصيدة تنحو إلى التصوير و الرمز و الحكي لتعبر عن الوطنية في معاني الأمومة و المحبة والولاء و الألم والأمل أيضا وقد وردت في أغلبها مثنى مثنى على هذا المنوال:

بين أفنان الرياض الزاهرة و غياض صاغها كف الجـمـــــال

و نسيم البحر ينساب عليلا في لهاة الليل من فوق الرمـال

و شعاع البدر قد مدّ قناة في الفضا تغمر أمواج الخـضـــم

بجمال يستبي النفس مثيرا في قلوب الناس بــرءا و ألــــم

خطرت هيفانة ذات لعس صاغه الخلاق من ماء الغلــــس

و أثيث ذي ظلام حــالـــك في دجى أمواجه قلبي اِنطمس

ومحيا هو مصباح منيـــــر في ليالي اليأس للروح الكسير

أسبغ الحزن عليه مسحة تطفر الألباب أغوار الصـــــدور

وجفون تسكب الحب اللطيف في كؤوس تسكر اللُبّ الحصيف

سَلبت مني الأماني مثلما تُسلب الأغصانُ أيام الخريـــــف

ثم تتواصل الأبيات ترسم لوحات طبيعية شفافة على لسان اِمرأة تعاني من ويلات الدهر و ما تلك المرأة إلا رمز تونس في سنوات عهد الشابي حيث صوّر الشابي معاناة الجيل الجديد وشجونه وطموحه لغد مفعم بالفرح والمحبة و الحرية :

فأتت من حيث لا أدري وقد حَفّها نور رهيب سـاحـــــــــــر

و سعت نحوي و قالت إنني تونس أمّكم يا حائــــــــــــــــر

قبلتني بحنان قبلــــــة فجرت في النفس ينبوع الحيـــاة

ثم قالت بجلال جاثـــية ليبارككم إلــــــــه الكائنـــــــات

فتناولت رداها لاثمــــا طرفه المخضل بالدمع الهتــــون

صائحا : يا أمُّ لا تكتئبي سوف ترضين علينا بعد حيــــــن

و تنتهي القصيدة بالأمل في قوله :

فعَلتها بسمة فتانـــــة و توارت مثل ربّات الجنــــــــاح

و بقت أصداؤها في مسمعي هازجات للدجى حتى الصبـاح10

وقد تنوعت قوافي القصائد بعدها و ذلك على منوال الشعر الأندلسي والشعر المهجري وكذلك على نفس وتيرة شعراء جيله من أمثال سعيد أبي بكر ومصطفى خريف و محمود بورقيبة وغيرهم من الذين نشؤوا في مطلع القرن العشرين متأثرين بمقولات الإصلاح والوطنية عامة والدعوة إلى مقولة الشعر العصري خاصة و هي مقولات الجيل الذي قبلهم من مثل صالح السويسي و محمد الشاذلي خزندار و محمد الخضر حسين و غيرهم من الجيل الذي تأثر بشعراء جماعة الإحياء في القرن التاسع عشر .

ومن قصائد الشابي التي تنوعت فيها القافية أيضا قصيدة ـ النجوى وهي مؤرخة في 2أفريل 1925 حيث يقول في مطلعها :

قف قليلا أيها السـاري القــمـر واِصــطبِرْ

يا سميري في أويقـات الـكــدر و الضـجرْ

 

واسقني من جدول النور البديع قَــدَحَــــا

علّني أفهـم هَـيْنُوم الــربــــيع إن صَــحا

كم فؤاد إذ تولـته الشــــجـون و الهمومْ

بثّ أسلاكك والــدمع هــــتـون ما يــرومْ11.

و من قصائده الأخرى التي تنوعت القافية فيها كذلك، قصيدة ـ في الظلام ـ التي وردت قوافيها مثنى مثنى، مع الِالتزام بالقافية الداخلية، هي أيضا كقوله:

رفرفت في دُجية الـليل الحــزيـنْ زمرة الأحــــلامْ

فوق سرب من غمامات الشجون مــلــؤهــا الآلام

شخصت لما رأت عينُ النــجــوم بــعثـة العـشاق

و رمتـها مِن سـماهـا بـرجـــــوم تسكب الأحراق

كنت إذ ذاك على ثوب السـكون أنثــر الأحـــزان

و الهوى يسكب أصداء المـنــون في فـؤاد فــان12.

و لئن تبدو هذه القصائد قد تخلصت بوضوح من صرامة البحور العروضية لتبحث عن تشكيل إيقاعي جديد ضمن العروض نفسه ،فإنها تبدو من ناحية أخرى في بعض ثناياها ذات تكلّف في الكلمات و الصور ،و ذلك مُتأت من بقايا المرحلة الأولى التي نسج فيها على منوال أسلوب القدماء

فتمثل هذه القصائد إذن أحسن تمثيل المرحل التجريبية التي اِنتقل فيها الشابي من مرحلة التقليد الصارم للنماذج القديمة إلى آفاق البحث عن الآفاق الأرحب لنحت أسلوبه الخاص .

المرحلة الثالثة : التحول

ـ تونس الجميلة ـ قصيدة في خمسة عشر بيتا و بتاريخ 2 جوان 1925

إ

نها تمثل بداية مرحلة التحول الحاسمة في مسيرة الشابي الشعرية لأنها القصيدة المفصل التي نقرأ فيها علامات التطور الفكري و الفني لدى الشابي حيث يعلن القطيعة مع السابق قائلا في مطلع القصيدة13:

لست أبكي لعسف ليل طويل

أو لرَبع غدا العفاءُ مَراحــهْ

إنما عبرتي لخطب ثقيـــــــل

قد عرانا ولم نجد من أزاحه

كأنه البيان بأن الشاعر قد دخل مرحلة جديدة تنافي ما دأب عليه من شجون البكاء على أطلال الحبيبة في قصائده السابقة التقليدية و أن همّه الحقيقي أصبح ما يعاني منه شعبه من أرزاء و محن فالقصيدة إذن هي إعلان الوعي و بداية التحول.

إن المتأمل في قصيدة ـ تونس الجميلة ـ يمكن أن يجد لها بسهولة صلات وثقى بينها وبين القصيدة السابقة ـ تونس النادبة ـ حيث تبدو من خلال العنوان نفسه الذي تحول من تونس النادبة إلى تونس الجميلة فأبقى على ـ تونس ـ و أبدل ـ النادبة ـ إلى ـ الجميلة

و كانت تونس في القصيدة السابقة في مقام خطاب الأم فتحولت في هذه القصيدة إلى مقام خطاب الحبيبة التي تُفدى بالدماء:

أنا يا تونس الجميلة في لــجّ

الهوى قد سبحت أيّ سباحهْ

شِرعتي حبك العميق و إني

قد تذوقت مُرّهُ و قراحـــــه

لست أنصاع للّواحي و لو متّ

و قامت على شبابي المناحه

لا أبالي ، و إن أريقت دمائي

فدماء العشاق دوما مباحــه

و بطول المدى تريك الليالي

صادق الحب و الولا و سجاحه

فتداخلت في القصيدة صورة الحبيبة و ما يحفّ بها من لواعج الهوى بشجون الوطن و ما صار ينداح منه من معاناة الرزايا و البلايا.

و في مستوى الصورة الشعرية فإننا نلاحظ ظهور صورة البطل الملحمي وقد رسمها بكثير من المهارة و الدقة والإيحاء:

كلما قام في البلاد خطيب

موقظ شعبه يريد صلاحه

ألبسوا روحه قميص اِضطهاد

فاتك شائك يردّ جماحــــه

أخمدوا صوته الإلهيّ بالعسف

أماتوا صداحة و نواحـــــه

و توخّوا طرائق العسف و الأرهاق

تَوًّا و ما توخّوْا سماحــــه

إن هذه الأبيات تبيّن تفاعل أبي القاسم الشابي مع الحركة الوطنية في تعبيراتها السياسية و الاِجتماعية والنقابية و الثقافية و في أبعادها المغاربية والعربية والعالمية خاصة إذا علمنا أن هذه القصيدة و قصيدة ـ تونس النادبة ـ قد كُتبتا في فترة شهدت أحداثا عديدة من بينها الحركات المسلحة في الجنوب التونسي و ظهور الحركة النقابية بزعامة محمد علي الحامي الذي أودع السجن يوم 5 فيفري 1925 و بدأت محاكمته يوم 12 نوفمبر 1925 فالقصيدة إذن وليدة ذلك المناخ النضالي الزاخر14 الذي اِستشرف فيه تباشير النصر في حالكات المحن ولعل العنوان نفسه مستوحى من كتاب الزعيم عبد العزيز الثعالبي ـ تونس الشهيدة ـ الذي ظهر سنة 1920.

أ

ما على مستوى الإيقاع العروضي فقد كانت القصيدة السابقة ـ تونس النادبة ـ مزدوجة القافية مثنى مثنى فصارت في قصيدة ـ تونس الجميلة ـ موحدة القافية ـ الحاء و الهاء ـ وهما صوتان يرشحان بإحساس الألم و التأوهوقد تحوّل بحر القصيدة في القصيدة السابقة من ـ الرّمَل ـ إلى بحر ـ الخفيف ـ في قصيدة ـ تونس الجميلة ـ حيث أن بحر الرمل قائم على أساس توالي تفعيلة ـ فاعلاتن ـ بينما يقوم بحر الخفيف على أساس تكرار تفعيلتي ـ فاعلاتن مستفعلن ـ فعمد الشابي إلى تحويل الإيقاع أيضا معتمدا على الإيقاع السابق من دون الخروج عنه تماما.

أما خاتمة القصيدة فقد ظلت مفتوحة على الأمل باِنتصار الجانب النيّر على الجانب المظلم كما في القصيدة السابقة :

إنّ ذا عصر ظلمة غير أني

من وراء الظلام شِمتُ صباحه

ضيّع الدهر مجد شعبي و لكن

ستردّ الحياة يوما وشــاحــــــه

فقصيدة ـ تونس الجميلة ـ يمكن أن تُعتبر القصيدة المفصل التي نجد فيها بقايا مرحلته التجريبية كما نلاحظ فيها بوادره التجديدية ، ومثلما نستمع في بعض أرجائها إلى صدى الشعر القديم مثل حائية السّهروردي التي يقول في أولها:

أبدا تحنّ إليكمُ الأرواح

و وِصالكم ريحانُها و الرّاح

و قلوبُ أهلِ وِدادِكم تشتاقكم

و إلى لذيذ لقائكم ترتاح

وا رحمةً للعاشقين! تكلّفوا

سِتر المحبّة و الهوى فضّاح

بالسرّ إن باحُوا تُباحُ دماؤهم

و كذا دماءُ العاشقين تُبـاح15

وبالتالي يظهر بوضوح أن الشابي قد اِكتسب في قصيدة ـ تونس الجميلة ـ شاعريته و قطع إلى حدّ بعيد مع الفترة السابقة لينطلق نحو فضاءات ومناخات شعرية أرحب ،و لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعله لا يدرج هذه القصيدة كاملة ضمن النسخة الأولى لديوانه ـ أغاني الحياة ـ واِكتفي ببيتين منها فحسب !

بعد أن اِكتسب أبو القاسم الشابي الأدوات الشعرية و أضحى يجيد مختلف تعبيراتها التقليدية ، صار يرنو منذ أوائل سنة 1925 إلى كتابة قصائد ذات نفس جديد لم يخرج فيها عن الضوابط العروضية المعروفة ، ثم بعدها اِنطلق في كتابة القصيد النثري و هو الذي شُغف بالاِطلاع على أدب عصره من المشارقة و المهجريين و على ما تيسر له من الأدب الأوروبي المترجم إلى العربية منذ قدومه إلى العاصمة تونس لمواصلة دراسته في جامع الزيتونة وذلك في أوائل شهر أكتوبر سنة1920 حيث بدأ يتردد على المكتبة الخلدونية وقتذاك16 تلك المكتبة التي كانت تُعتبر ملتقى النخبة المثقفة التي كانت حاملة لمقولات التجديد الأدبي والاِجتماعي و لئن وجدنا أن الشابي قد كتب في شكل الشعر المنثور بداية من صيف 1925 فإننا لم نجد له كتابات تنظيرية حول الأشكال الفنية في الشعر و إنما اِنخرط في بحث المضامين الشعرية والدعوة إلى تطويرها كما أوضح ذلك في كتابه ـ الخيال الشعري عند العرب ـ لكأن المضامين و المعاني هي الأساس عنده.

عودة الدرّ إلى معدنه

ـ 1 ـ

أضحى ـ قصيد النثر ـ أحد أهمّ مميزات الشعر العربي في القرن العشرين وهو الشكل الفنّي الذي لاح في أسلوب الشعر المنثور مع مطلع هذا القرن في نصوص أدباء المهجر ثم ما فتئ ينتشر لدى الأدباء والشعراء من بعدُ في هذا البلد العربي أو ذاك و في فترات متوالية و تحت عناوين عديدة تراوحت من ـ النثر الفني ـ و ـ الشعر المرسل أو المنثور ـ و ـ النثيرة ـ إلى ـ غير العمودي والحر ـ و غيرهاحتى اِستقر أو كاد عند مصطلح ـ قصيد النثر ـ و قد قوبل هذا النمط الجديد من الشعر بالمناصرة حينا وبالرفض حينا آخر و بالتجاهل أحيانا أخرى و وجد له البعض جذورا مترامية في المتون القديمة المختلفة المضامين والعهود لإضفاء الشرعية عليه ولتأصيله في التراث بينما رأى فيه البعض الآخر تقليدا للشعر المنثور أو المتحرر من الأوزان كذلك الذي ظهر بأدب اللغة الفرنسية و اللغة الإنقليزية في القرن التاسع عشر

ما كاد النصف الثاني من القرن العشرين يمضي بعشرية أو عشريتين حتى غدا ـ قصيد النثر ـ في الأدب العربي سمة واضحة بألوانها و أنواعها العديدة وكلّ يدعي في كتابته الريادة وقصب السبق فتعددت التنظيرات والتبريرات التي تركزت على الجوانب الشكلية والفنية و اِنحسرت الجدالات فيها بينما المسألة تندرج في سياق تاريخي حضاري أشمل كان له الأثر الواضح لا في الشعر والأدب فحسب و إنما اِنعكست آثاره على جميع المجالات وفي شتى مظاهر الحياة.

أما في تونس وفي بلاد المغرب العربي فإن أبا القاسم الشابي يعتبر رائد قصيد النثر ـ إلى أن يثبت البحث خلاف ذلك ـ حيث أنه كتب قصائده الأولى فيه منذ سنة 1925 ضمن سياق اِنخراطه المبكر في المشروع التجديدي الذي بشّر به بعدئذ في كتابه ـ الخيال الشعري عند العرب ـ معتبرا أن التجديد لا يعني أبدا القطيعة أو الهدم لإنجازات القديم حيث أننا نقرأ له مثل هذا الموقف الصريح في قوله:

ـ إنني إذا كنت أدعو إلى التجديد و أعمل له فإن ذلك لا يدفعني إلى الهزء والسخرية بآداب الأجداد بل إنني لأومن كل الإيمان بما فيها من جمال فني وسحر قوي17.

لكن سيطرة الذائقة التقليدية بمقاييسها المتشددة في الشعر كبحت ـ وقتذاك ـ إلى حدّ ما اِندفاع الشابي العارم نحو التجديد والمضي به أكثر.

إن تلك المقاييس المتشددة هي التي نفسر بها اليوم ـ أيضا ـ ذلك السكوت المجحف أو ذلك الطمس المقصود أو غير المقصود أو في أحسن الأحوال نقول ذلك الاِجتهاد الذي ما كان مصيبا في نشر تلك النصوص ضمن أنواع أخرى من أشكال فنية عديدة كتب فيها الشابي فوصلت إلينا بالكاد مبثوثة أو متداخلة في نصوصه الأخرى و تحت عناوين عامة حتى أمست قاب قوسين أو أدنى من التلاشي و التماهي في أنماط أخرى من كتاباته بالرغم من أن الشابي كان واعيا بنوعها وشكلها الجديد بل كان عازما على نشرها تحت عنوان خاص بها حيث نقرأ في حاشية الرسالة الثالثة التي كان وجهها إلى صديقه محمد الحليوي ـ بتاريخ 25 صفر سنة 1348 الموافق ليوم 1 أوت سنة 1929 ـ ما يلي:

ـ سألتني عن مجلة سعيد أبي بكر وهل أن الداعي إليها مادي أم فني و أنا لا أدري على التحقيق كيف أجيبك و بماذا أجيب إذ كل مبلغ العلم عندي هو أنه تولّى إدارتها الفنية أعني إدارة التحرير و أنه تسلم مني قطعة من الشعر المنثور عنوانها الشاعر تحت عنوان أكبر أود أن أكتب تحته مواضيع مختلفة إن ساعد الدهر و أشفق الله وهذا العنوان هو ـ صفحات من كتاب الوجود ـ و اعلم أنني رأيته يصحح ما طبع من المجلة ومن بين ذلك قطعتي18.

ـ 2 ـ

كان لابد من مرور عشرين حولا و اِنقضاء حول آخر على وفاة أبي القاسم الشابي كي ينبري أخوه محمد الأمين الشابي ليصدر سنة 1955 عن دار ـ منشورات الكتب الشرقية ـ بتونس ديوانه ـ أغاني الحياة ـ التي طبعته في مصر بدار مصر للطباعة ـ و على أهمية هذه المبادرة التاريخية إلا أن هذه الطبعة لم تخرج الديوان كما نسخه الشابي أبو القاسم وأعده بنفسه حيث أضيفت إليه تسع قصائد من بينها قصيدة ـ تونس الجميلة ـ و عندما أعادت الدار التونسية للنشر طبع الديوان سنة 1966 أضافت هي أيضا سبع قصائد أخرى بحيث أن ديوان ـ أغاني الحياة لم يصدر إلى اليوم بالصفة التي أرادها له صاحبه !؟

من الجدير بنا حينئذ أن نعمل على أن يصدر الديوان كما أراده صاحبه بلا زيادة أو نقصان ثم يمكن أن يضاف إليه في ملحق خاص أو في نشرة مستقلة تلك الأشعار الأخرى سواء التي نشرها في حياته أو تلك التي تركها في مخطوطاته على تنوع أشكالها و مضامينها و توالي تواريخها لأنها تمثل رصيدا مهما في مسيرة حياته الأدبية و مرجعا مهما لتطورها.

و بمناسبة مرور ثلاثين حولا على رحيل أبي القاسم عكف من الدارسين الأستاذ توفيق بكار على ضبط آثار الشابي و أصدرها بمجلة الحوليات سنة 1965 و ذلك تحت عنوان ـ من أشعار أبي القاسم المنسية ـ فأخرج أربع قطع شعرية ومن بينها قصيدان من نوع ـ قصيد النثر ـ هما ـ النفس التائهة ـ و ـ أيها القلب19.

و يُبدي توفيق بكار رأيه قائلا:

إنها لمن تلك الأشعار المنسية التي نرجو أن يضمها يوما ديوان للشابي جديد جامع و ريثما يتحقق ذلك رأينا من الفائدة أن ننشرها ثانية مساهمة منا في التعريف بما قد غبر من أشعار الشابي و أصبح مجهولا إلا من بعض الأخصائيين القلائل ونحن نود بهذه المناسبة أن نثير مشكلة هامة لم ينتبه إليها جل من درس الشابي بل منهم من أنكر وجودها بتاتا وذلك أن القطع الأربع تدل ـ بما بينها من اختلاف الروح والأسلوب ـ دلالة واضحة على أن الشابي في الطور الأول ـ على الأقل ـ من حياته الأدبية لم يستقر بعد على مذهب شعري واحد و أنه ليتلمس سبيله بين السبل مترددا بين القديم والجديد بل و أقصى الجديد إن صح التعبير و أن حظه من الإبداع والاِفتنان جد متفاوت بين القطعة و الأخرى .

فتوفيق بكار يُعتبر إذن من أوّل الدارسين الذين نظروا إلى نصوص الشابي في ـ قصيد النثر ـ نظرة تبوئها المكانة الإبداعية في مسيرة أبي القاسم الأدبية بالإضافة إلى اِعتبارها من شعره التجديدي الذي يجب أن يلحق بديوانه الجامع مما حدا بالأستاذ أبي زيان السعدي بعد ذلك أن يخصص فصلا كاملا للقصيدة النثرية و ذلك في غضون كتابه ـ في الأدب التونسي المعاصر ـ الصادر سنة 1974معتبرا أن القصيدة النثرية ليست جديدة في حياتنا الأدبية وليست من اِبتكار أفراد بأعينهم و إنما هي ظاهرة بعيدة في الحياة الأدبية العربية منذ المعري والتوحيدي لكنها برزت واضحة متكاملة لدى بعض أدباء المهجر الأمريكي الذين تشربت قرائحهم بالآداب الغربية ثم يقف أبو زيان السعدي على خصائص القصيد النثري قائلا : يتميز عن الشعر بمخالفة الأوزان و القوافي و يتميز عن النثر بالخيال البديع وهذا الإيقاع الموسيقي الخاص و يستشهد بمقطع من قصيدة ـ أغنية الألم

و يرى السعدي أن قصائد الشابي النثرية قد سايرت ركاب حركات تحرير الشعر العربي تلك التي ظهرت في الثلث الأول من القرن العشرين وقد اِمتازت بإشراقة الأسلوب ومتانة التراكيب وتدفقها بأحاسيس النفس الفياضة وما توشحت به من أردية الأحزان واِنقباض الآمال وسط عالم يمتلئ شرورا و آثاما نفس النغمات الشجية التي كثيرا ما طالعتنا في قصائده المنظومة.20

ـ 3 ـ

بمناسبة الاِحتفال بمرور خمسين سنة على رحيل الشابي أصدرت الدار التونسية للنشر عام 1984 ـ الأعمال الكاملة ـ في جزئين أما الجزء الأول فقد ضم ديوان ـ أغاني الحياة ـ و كتاب ـ الخيال الشعري عند العرب ـ بينما ضم الجزء الثاني رسائل الشابي ومذكراته مسبوقة بقسم أول بعنوان ـ الدموع الحائرة ـ و قد كُتب تحته ـ تأملات و مقالات تنشر لأول مرة ـ و يشتمل هذا القسم على نصوص متنوعة الأجناس والمضامين والمناسبات من بينها ما ينضوي تحت الشكل القصصي والمسرحي و منها ما يمثل شكل الخطبة ومنها كذلك ما يندرج ضمن أسلوب المقال النقدي .

و قد تبيّن لنا ـ كما أنّ العطر يُشم و لا يُحك ـ و من بعد المقارنة والتمعن والاِستئناس بأسلوب الشابي و بهدي من ألفة مناخات القصيد النثري قراءة ودراسة و إنشاء ـ أن هذا القسم قد اِشتمل على ثلاثة عشر قصيدا نثريا تمثل القسم الأكبر منه لكنها وردت من دون إشارة إلى نوعها ومن دون الإحالة على مصادرها أو مواطنها الأصلية.

ثمو بمناسبة الاِحتفال بمرور ستين سنة على رحيل أبي القاسم الشابي أصدرت ـ دار المغرب العربي ـ سنة 1994 موسوعة ضخمة حول الشابي وقد ضمّ المجلد الثاني منها قسما بعنوان ـ نثر الشابي ومواقفه من عصره ـ وهو من إعداد و تقديم الأستاذ أبي القاسم محمد كرّو الذي خصص فيه بحثا لقصيدة النثر عند الشابي و جيله فيرى أنها موجات متعاقبة في الأدب العربي منذ ظهر النص القرآني و مَن يقف على كثير من الآيات والسور وعلى سجع الخطباء وكتاب الفصول و الغايات للمعري و نصوص أخرى من مختلف العهود يقف على كثير من الإجابة النصية و كثير من الاِبتداع والمهارات الأدبية لا سيما في خصوص الصياغة و التشكيل21

ولئن اِعتبر أبو القاسم محمد كرّو أن الشابي هو أول من كتب نصا في تونس ضمن القصيد النثري فإنه اِستعرض كذلك بعض الشعراء الآخرين المعاصرين للشابي والذين كانوا معه من المجددين في الشعر من أمثال سعيد أبي بكر و محمد البشروش و محمد العريبي وقد أورد للشابي ثلاثة نصوص تحت عنوان ـ من شعره المنثور ـ

غير أنه جعل قصيدين آخرين هما ـ صفحات دامية من حياة شاعر ـ و ـ صفحات من كتاب الوجود / الشاعر ـ ضمن قسم خاص تحت عنوان ـ مقالات و خواطر أدبية22

بينما يشتمل هذا القسم على مقالات للشابي في أغراض مختلفة وفي مناسبات خاصة والغريب حقا أن الأستاذ كرو قد أشار إلى مصدر هذين القصيدين فالأول هو مجلة ـ العالم الأدبي ـ تونس ـ التي نقل عن محررها أنها صفحة من كتاب بهذا العنوان

أما القصيد الثاني فهو بمجلة الصادرات و الواردات ـ تونس ـ عدد 6 ـ أغسطس 1929 ص4 ـ 5 وهي نفس القصيدة التي قصدها الشابي عندما صرح بخطه و بوضوح في رسالته المذكورة سابقا أنها قطعة من ـ الشعر المنثور ـ

إن مثل هذا الاِجتهاد و غيره ـ على كل حال ـ يُذكر فيُشكر لأنه أخرج كتابات الشابي من غياهب النسيان و رفوف الإهمال ، لكن النصوص التي تنتمي إلى مجال القصيد النثري لم تلق من لدن المتخصصين في أدب الشابي و من لدن ناشريه أيضا العناية الجديرة بها حيث جمعوها كيفما تسنى لهم من مواقعها الأصلية ثم أدرجوها مع نصوصه الأخرى و وضعوها تحت عناوين تختلف عنها شكلا ومضمونا ناهيك أن أغلب الدراسات حول شعر الشابي واِستقصاء آثاره سكتت عن تلك القصائد النثرية23 فإذا ما أشارت إليه فباِعتبارها محاولات أولى في الكتابة فحسب24 أو باِعتبارها ظاهرة محدودة القيمة لاحت عند الشابي ثم ما فتئت أن تقلصت في ما بعد25.

  • 4 –

قد نجد التفاسير العديدة لتغييب نصوص الشابي في قصيد النثر لكننا نعجب حقا بل نستغرب من عدم نشر خمس وعشرين قصيدة موزونة والاِكتفاء بذكر مطلعها فقط عند تقديم ـ أغاني الحياة ـ في الطبعة الخاصة لجميع آثار الشابي والتي صدرت سنة1994 عن ـ دار المغرب العربي ـ والحال أن عددا مهما من تلك القصائد المحذوفة قد نشر في طبعات سابقة لديوان ـ أغاني الحياة ـ مثل قصيدة ـ الغزال الفاتن ـ التي كانت أول قصيدة في طبعة الدار التونسية للنشر سنة1966 تلك القصيدة التي وردت في نحو 24 بيتا وفي إيقاع خفيف كيف لا والشاعر قد كان كتبها وهو لمّا يتجاوزْ الرابعة عشرة من عمره إذ يقول فيها :

بذر الحـــب بذره في فـؤادي فأورقا

بلـحاظ نـــوافــث فجنى حظّيَ الشقا

و سعى فيه مُهرٌه عـــاديا ثم أعـنـقــا

رُبّ ظـبي علِـقته بـالبها قـد تـقرطقا

ثم من وصله الجميــــل غدا القلب مُملقا

سحر اللبَّ طرفُه ما دها الريقَ لو رقى

إلى أن يقول في الأخير:

قدّه فوق ردفه غُصن بان على نـقــا

جيده تحت فرعه برق غيـم تـألـقـــــــا

هِمت وجدا بحبه قد رنا لي فأحــرقـــا

نسبي في غرامه نسبا صــار مُــعرقــا

فهل مثل هذه القصيدة ـ بما فيها من دلالات فنية ـ على الأقل ـ في شعر الشابي تستحق الحذف ؟!

و هل مثل قصيدة ـ الصيحة ـ الواردة في طبعة الدار التونسية للنشر سنة 1984 يمكن أن تعتبر من لغو الكلام الذي لا قيمة له بينما ترشح من معاناة للواقع أليمة وتعبر عن دعوة للوعي صريحة وبالتالي تمثل هذه القصيدة مرحلة مهمة من مسيرة الشاعر لا يمكن طمسها أو السكوت على أهميتها التاريخية والفكرية و الفنية حيث ورد منها :

يا قوم !عينيَ شامت للجهل في الجوّ نارا

تتلو سحابـا رُكـامــا يتــلو قــتاما مـثـارا

يثير في الأرض ريحا يــهيج فــيها غبــارا

تلفي الشديد صريعا تبـقي الأديب حمارا

لبستم الجهل ثوبا تـخذتـموه شـعــارا

يا قوم ما لي أراكم قطَنتم الـجهل نـارا

أضـعتم مـجـد قـوم شادوا الحياة فخارا

أبقوا سماء المعالي بـما أضاؤوا مــنارا

حاكوا لكم ثوب عز خـلعـتموه اِحـتقارا

ياليت قومي أصاخوا لِــما أقول جهــارا

إن الذي اِنبرى بالحذف لشعر الشابي في هذه الطبعة رأى أن مثل القصيدين السابقين من أشعار الشابي غير جدير بالنشر بدعوى أنهما وغيرهما دون مستوى شعر الشابي الآخر ، حسب زعمه، أو بعلة أن تلك القصائد لم يدرجها الشاعر نفسه في الديوان الذي جمعه وأوصى بطبعه قبل رحيله ، و الحال أنه كان يمكن أن تنشر في قسم مستقل و يحمل عنوانا خاصا مثل القصائد التي نشرت لأول مرة في طبعة 1984 ـ الأعمال الكاملة ـ حيث جعلت عند آخر ديوان أغاني الحياة مع العلم أن قصيدة مثل قصيدة ـ تونس الجميلة ـ لم تكن هي أيضا ضمن مختارات الشابي في ديوانه بل أضافها شقيقه منذ الطبعة الأولى!!

و بالإضافة إلى عدم إدراج العدد المهم من القصائد فقد تمّ إلغاء المقدمة المهمة لمحمد الأمين الشابي شقيق أبي القاسم الشابي تلك التي وردت في الطبعات السابقة ، فهذا لعمري أمر يخفي إذن مقاصد غير واضحة بل هو مؤسف حقا لأنه لا يساعد على دراسة مسيرة أبي القاسم والوقوف عند محطاتها واِتباع تطوراتها و إبراز علاماتها و اِستجلاء تفاصيلها التي قد تكون تلك القصائد التي لا أهمية لها ـ عند البعض ـ ذات أهمية كبرى عند الآخرين

لذلك ينبغي أن نتدارك الأمر في أول فرصة و قبل فوات الأوان بنشر ديوان ـ أغاني الحياة ـ مثلما رتبه و خطه صاحبه حتى يكون الأثر مكتسبا لمواصفاته ولدلالاته الخاصة ثم نجمع بقية القصائد المختلفة الأخرى مع قصائده النثرية في مختلف العهود و المصادر ،ضمن قسم خاص وبترتيب تاريخي و بذلك فقط يظهر شعر الشابي كاملا و شاملا لجميع الأشكال والأنواع و المضامين ضمن تحقيق علمي دقيق ، وفي هذا السياق يمكن أن نعتبر أن نشر الديوان من طرف وزارة الثقافة التونسية بتنفيذ ـ الدار العربية للكتاب ـ بدون تاريخ ـ و بتقديم و تعليق شقيق الشاعر عبد الحميد الشابي، مرحلة أولى تمهد ،مع ما سبقها من الطبعات إلى جمع شعر الشابي وتحقيقه ، وهي طبعة يبدو أنها قد ظهرت بعد طبعة الدار التونسية للنشر سنة1984 وطبعة ـ دار المغرب العربي ـ سنة 1994و تتمثل قيمة هذه الطبعة في إدراجها للقصائد بتاريخها لكنها لم تنشر و لم تشر إلى القصائد النثرية و تُعتبر التعليقات و الهوامش الواردة في آخر الديوان ذات أهمية كبيرة في دراسة الشابي .

و أخيرا ، و بمناسبة اِفتتاح مئوية الشابي صدر كتاب ـ المداد الحيّ عن وزارة الثقافة و المحافظة على التراث ـ بتونس سنة 2009 و بتنفيذ – الدار العربية للكتاب ـ وبتقديم نور الدين صمّود ،ولا شك أن هذا الإصدار سيساعد بما اِحتوى عليه من نصوص أصلية ومسودات على تحقيق و مقارنة مختلف أشعار الشابي المتنوعة لنشرها جميعا في طبعة علمية دقيقة محققة، أما بالنسبة للقصائد النثرية فإنها قد نُشرت في هذا المجلد كما في أصولها بخط الشاعر و كما وردت ضمن ـ الكراس الخامس ـ الذي اِشتمل على عدة نصوص أخرى متنوعة المضامين والأشكال و المناسبة ، وهي تتراوح بين ما يمكن أن يصنف ضمن المقال و القصة أو ضمن المسرحية و الشعر فهي من النصوص التي هي بمثابة المسودات التي لها قيمة وثائقية تاريخية و قد جُعِلت جميعا تحت عنوان – الدموع الحائرة

و قد ضمّ هذا الكراس ثلاثة عشر قصيدا نثريا، غير أننا اِعتمدنا بدرجة أولى النصوص المنشورة في حياة الشاعر باِعتبارها النسخة الأخيرة التي أرادها لها ونأمل أن البحث يوصلنا إلى نصوص أخرى مخطوطة أو منشورة.

ـ 5 ـ

إننا نُرجع سبب السكوت عن قصائد الشابي النثرية أو إدراجها مع غيرها من أجناس الكتابات الأخرى لديه ، أو اِعتبارها مجرد بدايات لا تستحق النشر أو الدرس ، إلى عدم وضوح مقاييس قصيد النثر و إلى اِلتباس معالمه المميزة تلك التي ،رغم اِنتشار هذا النوع الجديد من الشعر ، و رغم اِنقضاء أكثر من قرن على ظهوره في مدونة الأدب العربي المعاصر ، ما تزال من دون تحديد قاطع و مضبوط ولعل المسألة تتطلب التراكم النوعي والتواتر والاِمتداد الزمني و تواصله لإنشاء التنظير الخاص به وهو الأمر الذي يتطلب جهودا جمة على مدى أجيال26.

في هذا السياق إذن يتنزل هذا العمل الذي نطمح من خلاله أن نخلّص القصائد النثرية لأبي القاسم الشابي مما علق بها على مدى السنوات الطوال من تصنيفات غيرها من النصوص و ملامساتها ، و إيلائها المكانة الجديرة بها بعيدا عما أسند إليها من أحكام متسرعة أو عامة .

و بهذا نظهرها في شكلها الخاص و المستقل و في إخراج يلائم توزيعا فنيا للفقرات والأسطر يساعد على قراءتها بيسر و وضوح على نمط أسلوب الشعر النثري الذي يوحي بما في دفق الكلمات و الجمل من معان وصور وإيقاعات و كما كتب الشابي البعض منها أيضا و مخلّصين إياها من إجحاف الطبعات السابقة وشوائبها و مُرتّبينها ترتيبا زمنيا ،قدر الإمكان ، حتى تكون بين يدي أحبّاء الشابي وقرائه منهلا عذبا بما فيها من إمتاع و كي يقتفي الدارسون و المختصون ما تجلّى فيها من إبداع يضاف إلى شعر الشابي الزّاخر بنبض الوجدان وصدق المعاناة.

إن مدونة أبي القاسم الشابي ما تزال في حاجة إلى تحقيق ونشر وبحث آملين أن ترى جميع كتاباته النور سواء تلك التي مازالت مخطوطة من رسائل وغيرها أو تلك النصوص الأخرى التي نشرها في بعض مجلات عهده و جرائد تلك السنوات و التي نأسف أننا لم نتمكن من الوصول إليها جميعا حيث أمسى الكثير منها مفقودا أو كالمفقود طالما أن الباحث لا يتمكن من العودة إليها في أماكنها الأصلية التي من المفروض أن توجد فيها بحفظ ورعاية ، و ذلك عند متطلبات البحث و دواعي المقارنة و التحقيق كما الحال في قصيدة ـ أغنية الألم ـ أو غيرها من القصائد الأخرى تلك التي لا تقل شأنا عن بقية روائع أبي القاسم المعروفة . -1 –

حسبنا من إخراج هذه النصوص الشعرية ونشرها مستقلة تحت العنوان الذي وضعه الشابي نفسه وهو ـ صفحات من كتاب الوجود ـ أن تظهر للناس كما أراد لها الشابي و تمناه حيث ـ ساعد الدهر و أشفق الله ـ فله الحمد وهو وليّ التوفيق.

ــــــــــــــــ

-1-عدنا إلى أعداد المجلد الأول و الثاني من مجلة أبولو الصادرة بين سنتي 1933 و 1934 فلم نعثر بها على نص من الشعر المنثور للشابي و قد مددتنا بالأعداد المذكورة الشاعرة آمال موسى

القصيد الأول : بقايا الشفق

كتبه الشابي بتاريخ 9 أوت 1925 هو أول نص من قصيد النثر وصلنا لأبي القاسم الشابي ، والشفق لغةً كما في ـ لسان العرب ـ يفيد بقية ضوء الشمس و حمرتها في أول الليل ،فهو حينئذ البُرهة الفاصلة / الواصلة بين الليل والنهار فكأن هذه القصيدة إذن تعبّر عن فترة مهمة في مسيرة الشابي الشعرية ألا وهي اِنتقاله من كتابة الشعر العروضي إلى كتابة الشعر النثري !

القصيد موقف تأملي في الحياة و الموت من خلال اِستبطان الذات عند مشهد الشمس وهي تغيب بآخر ضيائها فتنساب الخيالات و الرؤى بين مُساءلات حينا و بين ذكريات حينا آخر لكأن الشاعر يواجه ذاته في لحظات الكشف و الحقيقة حيث تبدو القصيدة تماما كالمرآة قائمة على مبدإ ثنائية التقابل و التناظر منذ البداية :

أين أنت؟

أيتها الأحلام العذبة التي كانت تبسم لي

من خلال الظلام

فتفعم آفاق نفسي

بأنوار الرجاء

وترفّ بسكون حول قلبي هامسة

في مسامعه أنشودة الأمل

في أي واد تلاشيت؟

وفي أي لحد ضّم صداك؟

فالتقابل واضح في هذه اللوحة الأولى على مستوى معاني الكلمات كما في ـ الأنوار ـ الأحلام ـ الرجاء ـ الأمل ـ من ناحية و كلمات ـ الظلام ـ الواد ـ اللحد ـ من ناحية أخرى، ويتواصل هذا التقابل على مدى اللوحة الموالية في مستوى الإسناد الإضافي كقوله أهوال الظلام وقطوب الأشواك من جهة و بين أنوار الصباح و اِبتسامة الأزهار من جهة أخرى :

أين أنت؟

أيتها الأجنحة البيضاء المتألقة تحت أشعة الشمس

كعرائس الشعر

لقد طلبتك بين أنوار الصباح

فلم أجدك

وفتشت عنك بين أهوال الظلام

فما رأيتك فتشت عنك في ابتسامة الأزهار

وفي قطوب الأشواك

وفي كل أطواء الحياة

ومظاهرها

فما وجدتك

إنّ الثنائية في القصيد تتمثل كذلك على مستوى تركيب الجملة مثل قوله ـ أين أنت أيتها الأحلام العذبة ـ و قوله ـ أين أنت أيتها الأجنحة البيضاء ـ

و كذلك قوله ـ في أيّ واد تلاشيت ـ و قوله ـ في أيّ لحد ضمّ صداك ـ

ثم قوله عند آخر القصيدة ـ حتّام تنوحين وقد صُمّ مسمع الأيام ـ وقوله ـ إلام تسترحمين و قد اِنصرفت مسامع الليالي ـ

و في قوله ـ أيها الموت الأصم الأخرس و قوله كذلك ـ أيتها الشعلة المظلمة الملتهبة ـ

إنها ثناية الليل و النهار ،و ثنائية الظلام و الأنوار ،و ثنائية العذوبة والمرارة ،و ثنائية الأزهار و الأشواك ،و ثنائية الرجاء و الأسى ،و ثنائية الأمس و اليوم ،و ثنائية الحياة والموت ، كما لاحت في القصيد عند مشهد الشفق .

القصيد إذن تعبير آخر جديد في غير الشعر العروضي الذي يُقيّده وزن وتحدّه قافية حيث راح الشاعر منطلقا في المعاني و الصور والإيحاءات بترجيع و تكرار حينا و اِنسياب و اِنطلاق حينا آخر كأنه وهو يرنو إلى الشفق إنما يغوص في كنه ذاته يراجع نفسه بين الوجود والعدم فلا يقف على يقين فتراه يمضي مبحرا في المدى البعيد

بلىكتب الشابي نص هذا القصيد

و هو لمّا يتجاوزْ السنة السادسة عشرة !!

نحن إذا عدنا إلى القصائد التي كتبها الشابي في فترة كتابة هذه القصيدة ـ 9 أوت 1925 ـ نلاحظ أن تلك القصائد لا تكاد تخلو هي كذلك من نزعة التأمل ومن بعض معاني هذ القصيد النثري وصوره فالشابي يقول في قصيدة ـ من كلام الشيوخ ـ وقد كتبها قبل أيام قليلة وذلك

بتاريخ ـ 5 أوت 1925 ـ و هي ذات أربعة أبيات في ديوان ـ أغاني الحياة27 و ذات ستة أبيات تحت عنوان ـ كَلِم الشيوخ ـ في قسم القصائد التي تنشر لأول مرة :

لقد خدعتني في الحياة شبيبتي

و لكنني قد حنكتني التجارب

ف

لقد كنت ألقي للدجى برغائبي

فأبصرها فوق الدُّنا تتخاطب

و لكن أحلام الشباب ضئيلة

تحطمها مثل الغصون المصائب

سألت الدياجي عن أماني شبيبتي

فقالت ترامتها الرياح الجوائب

و لما سألت الريح عنها أجابني

تلقفها سيل القضا و النوائب

فصارت عفاء واِضمحلت كذرة

على الشاطئ المحموم و الموج صاخب28

و نرى الشابي يقول في قصيدة له بعنوان ـ جمال الحياة ـ بتاريخ 19 جويليا 1925 وقد جعل من التأمل في الدّهر المحور الذي تدور حوله بقية المعاني والصور تلك التي تمثل ثنائية الظلام و الضياء بدلالاتهما المتناقضة التي أورد الكثير منها في قصيد ـ بقايا الشفق ـ غير أنه عكس الإطار الزماني فجعله أول الصباح في قصيدة ـ جمال الحياة ـ حيث نراه يقول;

سرت في الروض و قد لاحـــــــــــــــت تباشير الصباح

و جناح الفجر يومــــــي نحو ربات الجنــــــــاح

و الدجى يسعى رويـــدا سعي غيـــــــداء رداح

إلى أن يقول:

هكذا الدهر بأزيـــــــاء غُـــــــــــــــدوّ و رواح

و ضيــــاء و ظـــــــلام و سكون و صــــيـــــاح

و نشــــيد و نـــــــواح و اِنقبـــاض و اِنشــراح

إنما الـــدهــر و ميثــــــــــــــــــاق الليالي كســـــجاح29

إن الذي يمكن أن نستنتجه من خلال المقارنة بين هذا القصيد النثري الأول ـ بقايا الشفق ـ وبين ما قاربه في تاريخ الكتابة من القصائد الأخرى ، أن الشابي قد اِنطلق فيها جميعا من نفس الحالة الوجدانية تقريبا و انتقل بين أرجاء نفس المعاني بما فيها من إحالات وأبعاد ورموز تتمحور كلها حول الإحساس القوي و المبكّر بالزمن وحول التأمل في الصراع الأبدي بين ثنائية الحياة والموت ممّا يؤكد أن الشابي ينسج من نفس اللحمة و السدى سواء في قصيده النثري هذا ، أو في بقية قصائده العروضية التي كتبها في نفس الفترة أي صيف 1925

إن تعبير الشابي بالقصيد النثري يندرج ضمن بحثه عن التجديد في سياقات مجالات التجريب تلك التي مارسها في قصائده السابقة ولكن دون أن يخرج فيها عن الضوابط العروضية الأساسية أما في هذه القصيدة فكأنه يمرح في جنان الشعر بلا رقيب وبلا قيد ولا حد ! فراح على سجيته مرفرفا ومبحرا فإذا القصيد ينثال بالمعاني لوحات و صورا متوالية حينا و في رتابة وعود على بدء أحيانا مما يمنحه تحررا و اِنطلاقا أكثر فنراه يمضي إلى الأمام يكتشف الآفاق نحو الجديد أكثر ما يلتفت إلى الوراء على رجع صدى القديم ونلاحظ هذا التباين بوضوح في مستوى الكلمات و صياغة الجمل وعلى مستوى اللوحات والصور بل و على مستوى نبرة لغة الخطاب أيضا حيث أنهى قصيده الجديد بكثير من الجرأة والتحدي اللذين لم نعهدهما في شعره السابق :

أيتها الحياة الهاجعة

في كهف الأسى

حتّام تنوحين

وقد صُمّ مسمع الأيام

وإلام تسترحمين

وقد اِنصرفت مسامع الليالي إلى ضجات المظالم

وأضحت القلوب قاسية كالموت

صماء كآذان القبور

أيها الموت الأصم الأخرس

أيتها الشعلة المظلمة الملتهبة في صدر الحياة

ألا تخمدين ؟

حتى ترتل الحياة أنشودة الخلود العذبة

مكلّلة

بإكليل الأبد الرائع !

فهل أن تحرر الشابي من العروض جعله ينطلق بحرية أكثرفي خيالاته وأفكاره ؟

القصيد الثاني : أيتها النفس

هو القصيد الثاني في نسق قصائد النثر لأبي القاسم الشابي وهو بتاريخ 28 أكتوبر 1925

القصيد اِستبطان للذات وقد خلا الشاعر بنفسه في سكون الليل فراح في اِنسيابات وتموجات و رفرفات داخلية في أغوار أعماقه يسائل ذاته عن كنه ذاته فهو في نفس الموقف السائل والمُساءَل و السؤال :

عندما تهجع ضجة اليقظة

وتستيقظ سكينة الأحلام

أناديك يا نفسي

بما في أعماقي من الشوق والحنين

ولكنّ صوتي وا أساه !

يسعى متراكضا مع أغاني الظلام

إلى أين يطويه السكون

أما أنت

فتلبثين واجمة كالظلام

هاجعة كأمواج الغدير

مصغية لأنات خفية تستبيك

وفي وادي السكينة المملوءة بالأحلام

أقف وحدي

عندما تهدأ في ضوضاء الرغائب

أسائلك يا نفسي عن ذاتك المستترة

وعن تلك الهالة السحرية التي تجعلك أسمى من الحياة

وأجمل من شفق المساء

و نلاحظ أن القصيد كأنه مواصلة للقصيد السابق فالزمن فيه هو الليل وقد مضى بهزيعه فخيّم الظلام و تجاوز الغروب و الشفق اللذين في القصيد السابق بل إننا نلاحظ أن القصيد يرنو في بعض صوره إلى الفجر و إلى الصباح الجديد مما يجعله يميل إلى التفاؤل لمّا يقول :

وعندما تغتسل الحياة في جدول الأشعة البنفسجية المتدفقة

مع ابتسامة الفجر

تغنين يا نفسي

مع الطبيعة المستيقظة بأغنية الحب العظيم

المنبثق من صدر الحياة

غير أن ذلك التفاؤل الذي تجلّى في صورة الفجر وفي صورة ـ الأشعة الفاتنة المنسكبة من بسمة السماء العذبة ـ وفي ـ فتنة الحياة في زوايا الذاكرة ـ و غيرها ،تلك الصور سرعان ما تراجعت ثم تلاشت و اِضمحلت مع نهاية القصيد المباغتة و المعاكسة لِما سبق فيه عندما يعلن الموت حضوره فجأة حيث يقول :

فبقيت وحدي

تائها في بيداء الحياة

ثم سمعت صوتا هائلا

هابطا مع سكينة الظلام

قائلا:

لن تدركوا عواطف الحياة

حتى تمتلئ أعماقكم

بأنشودة الموت

و نلاحظ في الجزء الأخير من القصيد إيقاعا قائما على التكرار يتمثل في ترديد نفس صياغة الجملة:

هنالك

رأيتك يا نفسي بحرا عميقا كالحياة

غامضا كالموت

هادئا كالابتسام

باسما كأحلام الطفولة

تلمع في أعماقه الأشعة الفاتنة

من وراء السديم

هنالك

رأيتك يا نفسي كائنا غريبا

مقنّعا بالنور والضباب

مبتسما كأزهار الحقول

مكتئبا كظلام الحياة

متألقا كأجنحة الفجر

ثائرا كعواطف الخريف

مهللا كأمواج البحار

متموجا كأطياف الأثير

هنالك

رأيتك يا نفسي لحظا حادا

محدقا بأعماق الحياة

ولكنني لما سألتك عما بأعماقها أطبقت جناحيك

وتواريت وراء الوجود

و نفس هذا الإيقاع تقريبا قد ورد في القصيد السابق مما يؤكد تلك العروة الوثقى التي بينهما فلقد ورد في القصيد السابق قوله :

هنالك

على ضفة تلك البحيرة الخرساء

أين يتردد صوت الكآبة الأبدية الكامنة في أعماق السكون

هنالك

تقف نفسي الحزينة صارخة بما في صوت اليأس من الهول والألم:

أيها القلب المنسحق تحت سنابك الأيام !

….

فالقصيدان متشابهان و مترابطان في الموضوع و هما متلاحقان من حيث تاريخ الكتابة و من حيث الزمن الداخلي فيهما وهما متقاربان من حيث المعاني و الصور والصياغة والإيقاع أيضا ولهما بالإضافة إلى جميع ذلك نهاية واحدة تتمثل في الحضور القوي للموت عند آخر كل قصيد منهما .

إن هذا التشابه الواضح بين هذين القصيدين يمكن أن نلاحظه أيضا في مابين بعض القصائد النثرية الأخرى بل إن التشابه و التماثل قد يبرزان أحيانا بين قصائده النثرية و بين بقية القصائد وحتى بين بقية النصوص كالتي بين الرسائل و المذكرات !!

ذلك ما يؤكد أن للشابي أسلوبا خاصا طبع به كتاباته جميعا فهو مثل الرسام الذي يستعمل في لوحاته ألوانا معينة يجعلها في رسوماته المتعددة الأشكال ، ففي القصيدين السابقين ثمة تأكيد على ثنائية الظلام و الضياء وثنائية الوجود و العدم و ما ينداح منهما من معان و صور و رموز نراها تنثال في أرجاء وجدان الشاعر اِنثيالا في القصيدين و نرى كذلك صدى تينك الثنائيتين واضحا في كثير من القصائد العروضية الأخرى مثل قصيدة ـ الأشواق التائهة ـ التي يقول فيها :

ياصميم الحياة إني وحيد

مدلج تائه فأين شروقـــــك

يا صميم الحياة إني فؤاد

ضائع ظامئ فأين رحيـــقك

كنتُ في فجرك الموشح بالأحلام

عطـــرا يرف فـوق ورودك

حالما يَنهل الضياء و يصغي

لك في نشوةٍ بوحي نشيدك

ثم جاء الدجى فأمسيتُ أوراقا

بَدادا من ذابلات الــــورود

و ضبابا من الشذى يتلاشى

بين هول الدجى و صمت الوجود

كنتُ في فجرك المغلّف بالسحر

فضاء من النشيد الهــــادي

و سحابا من الرؤى يتهادى

في ضمير الآزال و الآبــــاد

و ضياء يعانق العالم الرّحب

و يسري في كل خاف و باد

و اِنقضى الفجر فاِنحدرت من

الأفق ترابا إلى صميم الوادي30

بنفس تلك الشجون بما فيها من ظلام و ضياء ، بنفس تلك المعاني بما تبدو من خلال المناخات و الصور ،بنفس ذلك المعجم بمفرداته وصيغه وتراكيبه أحيانا ، يعبّر الشابي بأسلوبه ذاك في نصوص المذكرات أيضا كقوله في المذكرة الأولى بتاريخ الأربعاء 1جانفي 1930:

ف

ي سكون الليل ، ها أنا جالس وحدي في هاته الغرفة الصامتة إلى مكتبي الحزين أفكّر بأيامي الماضية التي كفّنتها الدموع والأحزانوأستعرض رسوم الحياة الخالية التي تناثرت من شريط لياليّ و أيامي، وذهبت بها صروف الوجود إلى أودية النسيان البعيدة النائية.

أنا جالس وحدي في سكون الليل أستعرض رسوم الحياة و أفكر بأيامي الجميلة الضائعة وأستثير أرواح الموتى من رموس الدهور.

ها أنا أنظر إلى غيابات الماضي و أحدّق بظلمات الأبد الغامض الرهيب .

ها أنا أنظر فأرى صورا كثيرة تعاقبت على نفسي كغيوم الربيع

و تحركت حواليّ كأنسام الصباح و تعانقت حول قلبي كأوراد الجبل

ثم أنظر فإذا رسوم غامضة مضطربة متقلبة كأمواج البحار، و أطياف ملونة كقوس قزح ، جميلة كقلب الربيع نمر أمامي ثم تختفي و تتراقص حواليّ ثم تبتعد ثم تتوارى في أعماق الظلام الدامسة31

فالشابي يعبّر عن وجدانه و أشجانه بشتى الأنواع الشعرية والنثرية ويظل محافظا على خصائص أسلوبه و معتمدا على دعائم أفكاره رغم اِنتقاله من جنس في الكتابة إلى آخر ورغم تنوع الشكل داخل ذلك الجنس الأدبي نفسه لكأن أبا القاسم الشابي يعزف أشعاره ونصوصه الأخرى على آلات موسيقية متنوعة حيث يقول من رسالة له بتاريخ 17 جويليا 1927:

و قد تناوبتني من ذلك العهد أفكار متنافرة في فترات مختلفة حببت إلي النثر أحيانا وبغضت لي الشعر ، وقلبت لي ظهر المجن في فينات أخر فكرهت النثر وأحببت الشعر ، أما الآن فهما خدناي في فجر الحياة وغروبها ، و بلبلاي في اِبتسامها و قطوبها و إني و إن كنت إلى الشعر أتوق مني إلى النثر لكنني لا أضن على نثري بعبق من عواطفي و أفكاري32.

القصيد الثالث : الأحزان الثلاثة

كتب الشابي هذا القصيد بتاريخ 24 ديسمبر 1925و لئن كان العنوان يحمل أحزانا ثلاثة فإن الشاعر يعبر به عن أحزان البشرية قاطبة و يعبر من خلاله عن غصات أبناء الحياة المعذبين في الأرض جميعا حيث يقول

أنا  

والليل 

كئيبان  

وفي قلبينا شعلة من تلك الكآبة الصامتة 

المتغنية في قلب الحياة  

بأحزان البشرية المعذبة

أنا كئيب 

لأن في نفسي تتردد لوعات الليالي والأيام  

وغصات أبناء الحياة الشقية

فالشابي يجعل نفسه بما فيها من رهافة و شجون صدى لعذابات العالم و يحمل أوزار المعذبين في الأرض كلها حتى أمست الكآبة التي يشعر بها إنما مأتاها مما يتردد في ذاته من  لوعات الليالي و الأيام و من غصات أبناء الحياة الشقية.

و عند آخر القصيد  نلاحظ نوعا من رثاء ذاتي كأنه يستشعر موته قبل الأوان  فينعى نفسه قائلا:

أما إذا اِنعتقت روحي

مرفرفة فوق الفضاء الأبدي 

فستبدع كآبتي 

من همس اِنفرادها أنشودة

تتلوها  

عندما ترفرف حول قبري الصامت 

حول ضمير الموت والحياة 

حيث تذبل الأميال 

وتتهاوى 

 الأحلام الباسمة

إن رثاء الشابي لنفسه نجده كذلك في غضون قصيد له آخر بعنوان ـ النفس التائهة ـ قد نشره بجريدة النهضة بتاريخ 16 فيفري 1928 حيث يقول :

ولكن حينما تعصف بي عواصف الموت

فسيهجرني حتى الصدى

وستسلوني حتى أمي الباكية

إيه يا حياة

وعندما يحتبس في صدري النحيب

وتصم في مسمعي الأصداء

وتمتلئ أجفاني بظلمات المنون

فسأثوي حتى الأبد بين هذه الصخور الخرساء

التي لم يتوهج بأعماقها لهيب السماء

ولا داعبت أحلامها أنامل الشفق

و لا قبّلت أفئدتها يقظة الصباح33

يبدو أن حضور الموت واضح في كثير من نصوص الشابي الشعرية سواء ضمن قصائده النثربة هذه أو في قصائده الأخرى التي يتردد فيه ذكر الموت بمعانيه منذ عناوينها مثل ـ إلى الموت ـ يا موت ـ الدنيا الميتة ـ تونس النادبة ـ مأتم الحب ـ الدموع ـ صفحة من كتاب الدموع ـ نشيد الأسى ـ التي يورد في مقطعها الأخير بعضا من أسباب حزنه المزمن والذي في حاجة إلى تفسير نفسي عميق يغوص في تفاصيل شخصية الشابي من تكوينها العائلي إلى أثر الظروف الاِجتماعية العامة فيها ولا يمكن أن يكون الحزن الرومنطيقي المخيم على شعره و حده كافيا لتفسير ظلاله الكثيفة في نصوصه وعلى أرجاء وجدانه

إن حزن الشابي يبدو ضاربا فيه منذ الطفولة بالإضافة إلى خيباته الأخرى و أرزائه المتتالية فهو يقول :

مهما تضاحكت الحياة فإنني أبدا كئيب

أصغي لأوجاع الكآبة و الكآبة لا تجيب

في مهجتي تتأوه البلوى و يعتلج النحيب

و يضجّ جبّار الأسى و تجيش أمواج الكروب

إني أنا الروح الذي سيظل في الدنيا غريب

و يعيش مضطلعا بأحزان الشبيبة و المشيب34

و نحن إذا عدنا إلى الفترة التي كتب فيها الشابي قصيد ـ الأحزان الثلاثة ـ والذي كتبه بتاريخ 24 ديسمبر 1925 ـ و هي مناسبة اِنتهاء العام ـ نجد أنه قد كتب قبله بيومين أو ثلاثة قصيدة بعنوان ـ الحياة ـ بتاريخ 21 ديسمبر 1925 وهي تأملات كذلك في الحياة و الموت في ثلاثة أبيات كما وردت في طبعات الديوان لكنها في الأصل قصيدة بسبعة عشر بيتا ونشرها الشابي في كتاب زين العابدين السنوسي ـ الأدب التونسي في القرن الرابع عشر و قد ورد منها قوله :

أي شيء هي الحياة أو هــــمّ سابح في مسارح التخمين

أم تلاش يسير خلف وجــــــــــود و عصور تمر إثر قـــــرون

إن هذي الحياة قيثارة الــــــــــله و أهل الحياة مثل اللُّـحون

نغم يستبي المشاعر كالسحر و صوت يخل بالتلحـين

و الليالي مغاور تلحد اللحن و تقضي على الصدى المسكين

إن في مهجة الحياة لهيبا يصهر القلب وهو صوت الأنين35

فالشابي مثله في كتابة الشعر العروضي و الشعر النثري كمثل الغارف من النهر مرة يملأ منه كؤوسا و مرة يملأ قوارير !

القصيد الرابع : أمام كهف الوادي

يبدو القصيد كأنه مواصلة لنفس سياق القصيد السابق الذي قرن فيه حالته بحالة الكهف إلى حدّ بعيد حيث ورد قوله فيه :

أنا

والكهف

كئيبان!

ولكن الكهف كئيب

قانع بحزنه

مغتبط باكتئابه

مصغ لأصوات الأودية

وولولة الرياح

أما أنا

فكئيب قنوط

متمرد بأحزاني، ثائر ببلواي

لا أصغي إلا إلى قلبي المترع بدموع الحياة

واِنتحابها

و يستهل القصيد بنفس المقارنة تقريبا بينه و بين الكهف حيث يبدأ بقوله :

أيها الكهف الكئيب

إننا وحيدان

بأحزاننا

وأحلامنا في هذا الوجود

أنت وحيد بأحلامك

وآمالك

وأنا وحيد بأحزاني

وآلامي

أنت وحيد في هذه الأودية

وأنا وحيد في هذه الحياة

لكأن الشابي في بعض هذه القصائد إنما يكتب ضمن سياق واحد يواصله من حين إلى آخر أو هو كرجع حديث يدور ، و نلاحظ أن خاتمة القصيد فيها حديث عن القلب حيث يقول:

في قلبك أيها الكهف

تنمو سكينة خرساء

متمايلة مع نفسك

مختلجة مع أحلامك

متراكضة مع عواطفك

وفي أعماقي تحرك أصابع الوحدة الخفية

أوتار أحزاني

فتنسكب ألحانا مجنحة بالدموع

متموجة حول قلبي

كما تتموج الغصّات حول الأرواح المعذبة

و نرى أنه في القصيد الموالي ـ الدمعة الهاوية ـ يبدأه بالحديث عن القلب أيضا ممّا يجعل البعض من هذه القصائد بمثابة الحلقات

المترابطة بعضها يفضي إلى بعض.

وفي القصيد كشف على ـ فتاة الأودية ـ تلك التي ـ ألقت في حقل أيامه نواة سحرية ـ إنه الحب الذي عبّر عن أثره فيه بصورة شبيهة في قصيد له سابق بعنوان ـ الغزال الفاتن ـ حيث قال في مستهله:

بذر الحبّ بذره في فؤادي فأورقا

بلحاظ نوافــث فجنى حظّي الشقا

القصيد الخامس : الدمعة الهاوية

في القصيد ثنائية أخرى هي ثنائية القلب و القبر بما فيهما من جناس وطباق و بما فيهما من معاني الحياة و الموت لكأن الشابي و هو يرنو إلى بهجة الحب الذي بذرته في قلبه فتاة الأودية تلك ، إنما يعبّر عنها بالنغمة والأغرودة و الأمل و بالاِبتسامة العذبة حيث يصورها بإيحاء و شفافية قائلا

اُنظر

فهنالك تلاشت تلك النغمة التي كانت تسمعك أغرودة الأمل

و هنالك غارت تلك الِابتسامة العذبة

التي كانت تريك الحياة من وراء أشعة الحب

فتراها أجمل من الشفق

ونحن إذا أردنا أن نبحث عن الإيقاع فإننا نستشفه من تكرار نمط الجملة بين الفقرة و الفقرة وذلك في قوله :

فما أجزعك يا قلبي

وما أجلد القبر !

وقوله :

فما أتعسك يا قلب

وما أقسى القبر !

وقوله :

فما أهون الحياة عند الموت

وما أهون القلوب عند الحياة !

و نحن نستشفّه أيضا في مثل هذا التوالي و التواتر للإشارة مما يجعل القصيدة قائمة على إيقاع مرئي فيه اِمتداد كمثل مناظر الكاميرا وهي تتحرك من المنظر الأقرب إلى الأوسط ثم نحو البعيد حتى تدرك الأبعد فيبدو المنظر المطلوب في مشهد واضح للعيان :

فهنالك تلاشت تلك النغمة …….

و هنالك غارت تلك الِابتسامة العذبة

……..

فتراها أجمل من الشفق

……..

وهناك تفجرت أوجاعك

…………….

هنالك

اِنطفأت شعلة الحب التي كانت تنير خلايا الحياة

……

وهناك اندثرت زنبقة الحياة

……….

و هنالك تدفق الندب والنواح…..

و لئن كان الإيقاع ليس مطلبا أساسيا و لا حتى ثانويا في هذا النمط من الشعر الذي يقوم على التصوير و الإيحاء حينا و على الاِنسياب والتركيز حينا آخر إلا أن إيقاعا خاصا قد يبدو من حين لآخر في بعض المقاطع و في أكثر من قصيدة و يكون متمثّلا في تكرار الصيغ و التراكيب و تجاوب الألفاظ وتوالي نمط الجمل بالإضافة إلى الاِبتعاد عن الأساليب التقريرية والتفصيلية المباشرة بما فيها من أدوات العطف و الاِستثناء والاِستدراك وغيرها36

ومن ناحية أخرى إذا نحن قرأنا هذه القصيد في سياقه التاريخي لوجدنا أن الشاعر قد كتبه يوم 29 أوت سنة1926 و أنه خلال هذا الشهر قد كتب القصيد الموالي ـ الليل ـ وكتب قصيدين عروضين آخرين يرشحان بنفس المعاني تقريبا بما فيهما من شجون الحزن وصور الموت وفقدان الحبيب وبما فيهما من ذكر القبر واللحد.

فأما القصيد الأول فهو بتاريخ 7 أوت و بعنوان ـ مأتم الحب37 الذي يقول فيه :

في الدياجي

كم أناجـــي

مسمع القبر بغصات نحيبي و شجوني

ثم أصغي علّني أسمع ترديد أنينــــــي

ف

أرى صوتي فريدْ

فأنــادي

يافؤادي

مات من تهوى و هذا اللحد قد ضم ّ الحييب

فاِبك يا قلب بما فيك من الحزن المذيــــب

اِبك يا قلب وحيدْ

ذلّ قلبي

مات حبّي

فاِذرفي يا مقلة الليل الدراري عبراتْ

حول حبي فهو قد ودّع آفاق الحيــــاةْ

بعد أن ذاق اللهيبْ

و نقرأ أيضا أن الشاعر قد كتب يوم27 أوت من نفس السنة قصيد ـ الكآبة المجهولة38 أي قبل قصيد ـ الدمعة الهاوية ـ بيوم أو يومين والقصيدان متشابهان إل حد بعيد في مناخ الحزن و الخيبة حيث يستهل هذا القصيد بقوله:

أنا كئيب

أنا غريب

كآبتي خالفت نظائــــــرها

غريبة في عوالم الحَــــزَنِ

كآبتي فكرة مغــــــــــرّدة

مجهولة من مسامع الزمن

و يختمه بقوله :

كآبة الناس شعلة و متى

مرت ليال خبت مع الأمَدِ

أما اِكتئابي فلوعة سكنت

روحي و تبقى بها إلى الأبد

و يأبى شهر أوت من سنة 1926 إلا أن ينتهي بقصيد حزن و ألم رابع هو ـ شكوى اليتيم39 و ما اليتيم إلا الشاعر نفسه و قد تناوبته الأرزاء والمآسي في الحياة فراح يسائل البحر ثم الغاب فما وجد لدى هذا و لا ذاك السلوان فقصد النهر و لكنه هو أيضا لم يعبأ بمأساته وشكاته فقال يائسا عند آخر المطاف :

و لمّا ندبت و لـــــــم ينفــــعِ

و ناديت أمي فلم تســـــــمع

رجعت بحزني إلى وحــــدتي

و ردّدت نوحي على مسمعي

و عانقت في و حدتي لوعتي

و قلت لنفسي : ألا فاسكتـي

فلئن اِختلفت هذه القصائد من حيث الشكل الفني إلا أنها تتفق جميعا في شجون الحزن فكأن الشابي وهو ينتقل من قصيد إلى آخر إنما يراوح بين أوتار آلة موسيقية واحدة ليعزف لحنه الشجي !

القصيد السادس : الليل

لوحات شفافة تنساب في اِنثيال حينا و في تسارع و قتامة حينا حتى تشتدّ وتتعقّد لتتجلّى أخيرا على الِانفراج و المسرة ، فالقصيد حركات متلاحقة تبدأ هادئة ثم تتسارع و ترتجّ لتنتهي إلى هدهدة و سكينة.

وهو خطاب مباشر إلى الليل في فقرات متوالية تبدأ بقوله ـ أيها الليل ـ كأنه لازمة موسيقية تتردد أو المحور الذي يدور حوله الكلام و النقطة التي يعود إليها كلما مضى و ساح.

لقد سبق للشابي في قصائده النثرية السابقة أن ذكر الليل بالإشارة إلى الظلام في أوّل قصيد وهو ـ بقايا الشفق ـ ثم صرّح به بصيغة الجمع عند آخره ، أمّا في القصيد الثالث ـ الأحزان الثلاثة ـ فإن الليل يتصدره بقوله ـ أنا والليل كئيبان ـ فيجعل من الليل صنوا له و شبيها غير أنه ثمّة فرق شاسع بينهما في النوعية والدلالة حيث يقول :

كآبة الليل سكينة تائهة

مع أشباح الظلام

مصغية لتنهدات اليتامى الضئيلة

أما كآبتي فأنشودة رتلتها الحياة

ثم ألقتها في نفسي مملوءة بمرارة موجعة

ونحيب أليم

كآبة الليل سكينة أبدية خرساء

تبتدع من أوجاع الحياة السائرة ببطء

إلى ما وراء الحياة

نهرا راكضا

تصدح أنّاته في أعماق السماء

أما كآبتي

فمرارة غصّات أليمة

مترددة في صدر البشريّة النادبة

أما في هذا القصيد فالليل يبدأ مع لوحة الغروب التي تبسط ألوانها على الكون فيغيب الناس في الأحلام ، عندئذ ينفرد الشاعر بذاته في مكاشفات وسياحات و تأملات فإذا الإنسانية تبدو رازحة تحت المظالم و الحروب كقوله :

أنت هادئ

وفي غضون هذا الهدوء

تربض مصارعات المستقبل

وملاكمات البشر

وما تقذفه أفواه الآراء المبتلعة من القنابل الفتاكة

بآلاف الشعوب

وما تكوره من القذائف الطاحنة

لهيكل الحرية

و للتأمّل أيضا نصيب في هذه القصيدة حيث راح الشاعر مستفسرا عن كنه الليل في خضم من التناقضات :

ماذا أنت أيها الليل !

ومن ذا أنت؟

أروح الرحمة السماوية المرسلة إلى الأرض

لتخفف من بلوى التعساء؟

أم جذوة من غضب الله الأسود المتلهب

رمت بها ملائكة السخط من الهاوية

إلى هذا العالم

و يتطور القصيد عند ثلثه الأخير فجأة فبعد التساؤل و الحيرة يهمس الليل في أذان الشاعر بوصية مهمة هي عبارة عن وصية مقدسة في الحياة ورسالة نبيلة ألقاها الليل في قلب الشاعر:

وها أنت ذا تهمس في أذان نفسي :

أن أبغضَ الطغاة

و أهدم ما اِستطعت من كيان أمانيهم

وأن أتمرد على الجبابرة

وأجدّف بأسمائهم

وأن أدرأ التملق عن التعلق بأذيال أخلاقي

وأذود دراة التقديس عمن حول قلبي إلا الله

و أن أعلن آرائي

وعواطفي المستترة تحت عجاجة محيطي

ولا أبالي –

كما تعلن اللجة أمام السماء بأمواجها البيضاء

أسرار طهرها وعفتها

وأن أبؤس عن المخاوف

وأجاهد دون الأمل حتى النهاية

لبيك

لبيك

يا ليل !

فيتوحد الشاعر مع الليل من خلال وصاياه التي أوحى بها إليه تلك التي لاقت لديه القبول والرضا….بل و الحماس حتى أصبح يفضله على النهار .

فالشابي في هذا القصيد نظر إلى الليل نظرة جديدة و مختلفة بل وقلب المفاهيم التي كانت تعتبر الليل ظلمات و ويلات فجعله رمزا للثورة ولقيم القوة و الخير.

نحن إذا قرأنا القصائد العروضية الأخرى التي كانت محور موضوع الليل عند الشاعر مثل قصيدة ـ في الظلام40 و قصيدة ـ أيها الليل41 وقصيدة ـ في سكون الليل42 فإننا نلاحظ اِستقرارها و رتابتها ودورانها حول فكرة واحدة على عكس القصيد النثري ـ الليل ـ الذي يبدو متموجا ، متحركا و متعدد الأصوات و ما ذلك إلا لتحرر الشاعر فيه من الضوابط العروضية .

القصيد السابع : كُفَّ يا قلبي

مجابهة للنفس حادّة و عزم على القطيعة مع ما دأبت عليه من الشكوى و البكاء كأنّ الشاعر قد وقف يحاسب ذاته فيدعوها إلى أن تقف بقوة و تحدّ أمام نوائب الدهر لأن الحياة لا تستمع إلى أنّاته فيمثلها بصورة السيف في يمينها و بالكأس المترعة بالدماء في شمالها وينتهي القصيد بالحكمة في قوله :

فمن يتهيب الأعماق يندثر

في سكينة الأعماق

ومن يفزع من وجه الحياة

كان خليقا

بسخرية الحياة

وهي نفس الحكمة التي سيصوغها في قصيدة ـ إرادة الحياة43 بعد سبع سنوات أي في سنة 1933 حيث يقول فيها :

ومن لم يعانقه شوقُ الحياة تبخّرَ في جوّها و اِندثـــــرْ

ومن لا يحبّ صعود الجبال يعشْ أبد الدهر بين الحُفر

فكأن الفكرة هي نفسها لكنه يصوغها في شكلين مختلفين و ما يزيد ذلك إلا تنوعا و ثراء في شاعرية أبي القاسم.

القصيد الثامن: الخريف

الخريف و الموت ثنائية يرسمها الشاعر لوحة في القصيد من خلال الوردة الملقاة على الثرى و من وحي الزهرة التي تعلو شفتيها قبلة الموت ومن خلال الأغصان الصداحة الهازجة التي أضحت صامتة واجمة تحت غيوم عالقة في الفضاء متناثرة كأكفان الحياة، فالقصيد رسم بالكلمات و تأمّل في الصراع الأبدي بين البعث و الميلاد في الطبيعة.

و قد كتب الشابي قصيدة أخرى بعد أسبوع من هذا القصيد هي قصيدة ـ الزنبقة الذاوية44 كأنها اِمتداد لهذا القصيد و له قصيدة أخرى بعنوان ـ بقايا الخريف45 كتبها سنة 1928 قد صوّر في أبياتها نفس العناصر الطبيعية تقريبا ممّا يؤكد أن الشابي يرى الخريف رمزا للموت و الفناء بعصفه لجمال الحياة ومباهجها حيث يقول :

لقد كانت الحياة باسمة

فأمست كئيبة

وكان الكون مترنما

فأصبح صامتا أخرس

لقد كان الغاب يسمعنا قصائد الحب والجمال

المتفجرة من صدور البلابل

فأخمدها الخريف

وأسمعنا صراخ الجحيم المتصاعد من أعماق العواصف

وضجات الهاوية المتدفقة من أصداء الرعود

ها قد داس الخريف الكافر سطور الحياة

القصيد التاسع: أغنية الألم

هو قصيد واحد ولكن وصل إلينا في نسختين والنسختان بينهما شيء من الاِختلاف في الكلمات و في الجمل غير أن الصياغة العامة للقصيد واحدة وكذلك الفكرة و المناخ العام ممّا يدل أن الشابي كان يراجع و يغيّر من نصوص قصائده ولعل البحث يوصلنا إلى اِكتشاف نصوص أخرى مازالت مغمورة هنا أو هناك ، وقد اِعتمدنا نسخة ـ الأعمال الكاملة للشابي ـ سنة 1984 في هذا التقديم.

يستعذب الشاعر الألم في هذا القصيد و يجعل منه منبع الإحساس بالوجود ليحوّله إلى أغاني حب و جمال:

ولنقدس

يا أيها الغاب المنتحب

ويا أيها الوادي الكئيب

وياأيها الكهف الأخرس

ويا أيتها البحيرة الواجمة

ويا أيتها الحياة المغمورة بالدماء

ويا أيها القلب الملتحف بالغصات

والدموع !

لنقدس كلنّا

ذلك الألم الذي يجعل من الشاعر قيثارة

غريبة، صادحة ، منطرحة

في وادي الحياة

عازفة بأغاني الحب والجمال

ففي هذا القصيد ، نجد تناقضا واضحا مع الموقف الذي دعا الشابي نفسه إلى الأخذ به في القصيد السابق ـ كفّ يا قلبي ـ و هو موقف المواجهة و الصمود و التحدي إزاء الأهوال فهو القائل فيه :

ولتقفْ يا قلبي أمام الليالي والأيام

صامتا كأحزان الحياة

واجما كأهوال الظلام

الشابي إذن صاحب حالات و شجون لا تثبت على موقف واحد وإنما هو يتبدل بتبدلها مثلما عبّر عن نفسه قائلا في قصيد ـ قلب الشاعر46

هاهنا ألف خضمّ ثائــــر خالد الثورة مجهول الحدود

هاهنا في كلّ آن تمّحي صورُ الدنيا و تبدو من جديد

و إننا نجده في قصيدة أخرى وهي ـ الاِعتراف47 يلوم نفسه بل ويؤنبها على إقبالها على المباهج بعد حزنه على فقدان والده :

ما كنت أحسب بعد موتك يا أبي

و مشاعري عمياء بالأحزان

أني سأظمأ للحياة و أحتسي

من نهرها المتوهج الفتّان

و أعود للدنيا بقلب خافق

للحبّ و الأفراح و الألحان

ذلك هو الاِعتراف و ذلك هو الصدق !

القصيد العاشر : النفس التائهة

هو سبحات و تأملات في الحياة و الموت و شعور بالحيرة و اِكتواء بلظى السؤال إزاء صروف الحياة و أطوارها ، وهو ذهول و تفجع عند الإحساس بالاِنكسار و الخيبة بثقل الوحدة في خضم الوجود المترامي الأطراف والماثل و الجاثم بمختلف المظاهر و المتواصل و الدائم بتعاقب الفصول و توالي الأيام

والقصيد نداءات و اِستغاثات متوالية للمجهول طلبا للخلاص .

إنه يمثل غوصا في وجدان الشابي الذي نشأ في مناخ عائلي قريب من عوالم الزهد والتصوف بما عرفه من والده من روح التقوى والصلاح وقد أهدى الشاعر كتابه ـ الخيال الشعري عند العرب ـ إليه قائلا :

إلى حضرة الوالد الكريم الشيخ سيدي محمد بن بلقاسم الشابي الذي ربّني صغيرا وثقّفني كبيرا و أفهمني معاني الرحمة و الحنان وعلمني أن الحق خير ما في هذا العالم وأقدس ما في هذا الوجود48

و ثمّة شهادة مهمة عن الطور الأول من حياة الشابي عندما اِلتحق بجامع الزيتونة لمواصلة دراسته و قد أوردها صديق له قديم زامله في تلك الفترة الحاسمة هو الأديب المحامي إبراهيم بورقعة الذي يقول متحدثا عن الشابي :

يكفي أن تعرفوا أن والده بعد أن ملأ وطابه بالعلوم بجامع الزيتونة المعمور عن أمثال الأستاذ سالم بو حاجب و غيره التحق بالديار المصرية و اِنخرط في الجامع الأزهر و قضى به عدة سنوات و ما رجع حتى أصبح علما من أعلام العلم و التحقيق .وبعد رجوعه من الديار المصرية وذيوع نبئه في ربو ع العلماء اُنتدب من طرف الحكومة للقضاء الشرعي فقبل عن مضض وقد درس مذاهب المتصوفة و حفظ غالب كتاب الإحياء للغزالي .

و تراه في كل مجلس من أنصاره و مريديه و يدعو الناس لطريقته و العمل بتعاليمه ، و قد أثر تأثيرا محسوسا في نفس اِبنه أبي القاسم الذي فتح عينيه فوجد أمامه أبا متعبدا ناسكا يبغض الدنيا ولا يحفل بها و لا تساوى في نظره جناح بعوضة وقد حدثني أبو القاسم عن نفسه أن الطور الأول الذي قطعه من حياته الفكرية هو التنسك و الانقطاع إلى العبادة وأنه قضى اليوم واليومين لا يخرج من معبده و ربما يمكث الزمن الطويل بدون طعام أو شراب تعذيبا للنفس و كرها لهاته الدار وكان يؤمل أن يأتيه في وحدته طائف يخبره بالغيب و يبشره برتبة القطب أو الغوث( لست أدري).

ثم فارق أبو القاسم هذا الطور من حياته الفكرية بمناسبة وروده على الجامع الأعظم ، و في يقيني أنه بقي أثر بنفسه من تلك التعليمات التي قررها حجة الإسلام الغزالي و الشمس التبريري و محي الدين ابن العربي والتي حررت بتلك الطريقة المحببة للنفوس و ذلك الأسلوب الخطابي الذي لا يقدر كبار العقول عن دفعه فضلا عن طفل صغير وجد غالب مكتبة والده في علم القوم ووجد والده الذي يعتبره أحسن منوال للنسج عليه معجبا بتلك التعاليم49

فمبحث التأملات الوجودية والسبحات الصوفية والمشاعر الدينية و تأثيراتها الأدبية ومظاهرها الاِجتماعية و أبعادها التاريخية المختلفة لدى أبي القاسم الشابي ، مازال في حاجة إلى كثير من المباشرة النقدية، و إن مدوّنته الشعرية بأنواعها المتعددة بالإضافة إلى رسائله و مذكراته و محاضراته ومقالاته و غيرها من النصوص و الوثائق ، تمثل مادة ثرية لهذا المبحث المهمّ في شخصية الشابي50 و ما هذا القصيد إلا نموذج للتجربة الصوفية لدى الشابي بما فيه من حرارة الحيرة و رمزية العبارة و بعد الإشارة :

هل أنت سامع صوتي

يا إله الحياة والموت ؟!

ومصغ لتنهدات أوجاعي

يا منجد القلوب الضائعة

هل أنت ناظر إلى قدمي اللتين كلّمتهما الصخور

وإلى عبراتي التي ضرّجتها الدماء؟

هل أنت مصغ ، وناظر إلي

يا منير الأبصار المطبقة ؟!

م

تى أرى يا إلهي أحلامي مرفرفة بين الغيوم

وأسمعها متغنية فوق الرياح ؟

ومتى أرى قلبي مترنما

وأسمع روحي متكلما ؟

ومتى أبصر أعماقي تهتز بابتسامات الربيع

وأنظر أجفاني مكحولة بأنوار الصباح

ومتى تستنبت السماء الورود بين السبل العارية

وتستبدل الفلاة الهاجدة بفردوس منفرد يقظ

ومتى أعرف سبيلي

يا إله الحياة

والموت؟

القصيد الحادي عشر : الشاعر

وهو القصيد الذي ذكره الشابي في حاشية الرسالة الثالثة التي كان وجهها إلى صديقه محمد الحليوي ـ بتاريخ 25 صفر سنة 1348 الموافق ليوم 1 أوت سنة 1929 ـ و قد ورد فيها ما يلي :

ـ سألتني عن مجلة سعيد أبي بكر وهل أن الداعي إليها مادي أم فني و أنا لا أدري على التحقيق كيف أجيبك و بماذا أجيب إذ كل مبلغ العلم عندي هو أنه تولى إدارتها الفنية أعني إدارة التحرير و أنه تسلم مني قطعة من الشعر المنثور عنوانها الشاعر تحت عنوان أكبر أود أن أكتب تحته مواضيع مختلفة إن ساعد الدهر و أشفق الله وهذا العنوان هو ـ صفحات من كتاب الوجود ـ و اِعلم أنني رأيته يصحح ما طبع من المجلة ومن بين ذلك قطعتي ـ

و القصيد ـ إضافة إلى قيمته الوثائقية الواردة في الرسالة ـ يعتبر مجمعا أو سِجّلا لمقولات الشعر و الشاعر النظرية كما في تصور الشابي الذي يعتبر الشاعر ذا رسالة و أنه يخالف السائد لدى الناس الذين هم في ناحية و هو في ناحية أخرى و هو في حالة و هم في حالة أخرى بحيث أنه قطع مع مقولات الشاعر التي كانت سائدة :

رأيتك باكيا، ورأيت الناس يضحكون

ورأيتك صامتا، ورأيت الناس يصخبون

ورأيتك خاشعا ، ورأيت الناس في غفلة يلعبون

ورأيتك تحرك عودك السحري الجميل وتنتقل بين الجداول

ورأيت الناس يلعبون بالجماجم البشرية الدامية

وينهلون من كؤوس الدماء

كل ذلك قد رأيته

يا طائر السماوات

ونحن إذا علمنا أن الشابي قد كتب هذا القصيد في أواخر شهر جوان من سنة 1929 ندرك أن أسباب تلك القطيعة الواضحة بين الشاعر و الناس في القصيدة إنما تعود إلى ما وجده الشابي من ردود فعل رافضة و قوية إلى حد بعيد على إثر إلقاء محاضرته حول الخيال الشعري عند العرب في أوائل هذه السنة.

و القصيد إضافة إلى هذا و ذاك يرشح بالمعاني و الصور التي كثيرا ما ساقها في قصائده الأخرى الواردة في ديوان ـ أغاني الحياة ـ والتي تتعلق بنظرته إلى الشعر و الشاعر ،غير أن الشابي في قصيده هذا يؤكد على طرف آخر هو ـ الناس ـ في اِنحدارهم إلى السطحي واِنخراطهم في المصلحي والنفعي بينما الشاعر ـ أي الشاعر الحقيقي ـ هو ذلك الذي يسمو و يرتقي إلى قيم الجمال و الخير ، وينتهي القصيد كالشهادة التي تتضمن براءة الشابي و إدانة للناس الذين ناصبوه العداء فيضرب لهم موعدا مع التاريخ الذي سينصفه لا محالةو لكن بعد فوات الأوان :

هم الناس

يقولون ذلك كثيرا

ولكنهم سيعلمون ما شعر الكآبة والملل

وما شعر الدموع والآلام

فإلى الغد القريب يا شاعر الحياة والموت

إلى الغد القريب

يا شاعر الأحلام

والآلام !

لقد ضرب الشابي في هذا القصيد موعده مع المستقبل

القصيد الثاني عشر : صفحات دامية من حياة شاعر

لكأنه بوح و اِعتراف بذكريات حبّ في غناية حزينة قائمة على الترديد حينا و على الاِنسياب حينا آخر كسنفونية من شجن النغم و قديم التذكار وتظلّ مسألة حب الشابي قائمة على كثير من الروايات والتأويلات وقد أثبت عامر غديرة في بحثه حول هذا الموضوع ما يلي :

و لقد حدثنا بعض من نثق بأن ذكريات لطيفة بقيت للشابي من إقامته براس الجبل وأعذب هذه الذكريات ذكرى فتيات جميلات  قد عشق الشاعر الناشئ بعضهن و لقد حدثني أيضا خريّف بنفس الذكريات و لكنه ضبطها فجعلها لا في رأس الجبل بل في زغوان وجاءت تسمية الشيخ القاضي بمدينة زغوان في تاريخ 06 شوال 1345 (7 أفريل1927) – ثم إن بالعاصمة أيضا ذكريات حب ناشئ قد طافت بأزقة المدينة بين نهج الصباغين و نهج الكتيبة حيث الجالية الايطالية مقيمة و الجواري متبرجات جميلات و لكن السيد خريف يعود فيعترف بأن أبا القاسم لم يكن ليذيع سره و لا ليبوح بما هو فيه و إنما كان إخوانه يشعرون بحبه ويفهمون همه على سبيل التقريب فهم يرجحون حينئذ أنه أحب في ذلك الوقت و لكنهم لا يعلمون عن الواقع الحقيقي شيئا محسوسا .

اِختلف الرواة في أمر الفتاة و اِختلفوا في مواطن الحب و لعل الحقيقة تكون كل ذلك معا،فلقد يكون أبو القاسم قد أحب في رأس الجبل وأحب في زغوان ثم أحب ثالثة في تونس و لقد يكون قد أحب فتاة بعينها ولقد يكون قد أحب من بعيد مكتفيا بنظرة أو بسماع ، ومهما يكن من أمر فإنا نجد بالديوان قصيدتين على الأقل تدلان على حب حقيقي أو خيالي

و ينقل عبد الحميد الشابي شقيق أبي القاسم بعض التفاصيل الدقيقة حول علاقات الشابي العاطفية مع فتيات تعرف إليهن في مدن ـ مجاز الباب ـ و زغوان ـ و توزر ـ و ذلك من خلال تعليقاته على بعض القصائد الواردة في الديوان الصادر عن ـ الدار العربية للكتاب51.

والحب لدى الشابي ـ إذا نحن اِستثنينا قصائده التقليدية الأولى ـ يبدو تأليفا لطيفا بين سجلات الحب العذري و معاناته و بين الحب الصوفي وإشراقاته ثم بين الحب الرومنطيقي وخيالاته بالإضافة إلى نبرة خاصة هي من شخصية الشابي و أسلوبه الفنّي الذي يرى خليفة محمد التليسي أنه من تأثبر جبران المباشر بل يعتبره تلميذا نابغا له52

إنه رأي فيه كثير من الصواب و لا عيب أن يتأثر اللاحق بالسابق ، غير أن الشابي قد اِستطاع إلى حدّ بعيد أن يكتسب شخصيته و أن ينحت طابعه الخاص بما في شعره و نثره و آرائه من معاناة و صدق و مكابدة لا نقرأ مثلها لدى غيره ، فالشابي اِستطاع أن يستفيد من القديم و المعاصر بالإضافة إلى اِستفادته من الآداب الغربية تلك التي نهل منها جبران من قبله فألّف الشابي بين ذلك جميعا ليخرجه في نمطه الخاص :

تلك كانت حياتي بالأمس

حينما كانت نفسي بخورا يتضوع في معبد الحب

ورحيقا يهرق تحت أقدام الجمال

وأنشودة إلاهية

تتغنى في هيكل هذا الوجود

تلك كانت حياتي بالأمس

حينما تمايلت في قلبي رؤى الحب الجميل

كما تتمايل غلائل الحور

في ضياء القمر

واِصطففت في صدري أحلام الشباب الأولى

كما تصطفق أمواج البحيرة الموردة

بأشعة الشفق الجميل

و القصيد كأنه يتواصل في قصيد ـ الذكريات الباكية ـ ذلك الذي يقول في مطلعه:

آه

تلك حياة تجلت كالفجر

وتوارت كالحلم واِختفت وراء السحب النائية

وخلفتني هائما بين شعاب الجحيم

هناك

على تلك التلاع المخضرة التي وطئتها أقدام الربيع الجميلة

ووشّتها أنامل السحب

هناك

أيّان يتدفق عباب الحياة زاخرا بغير أناة

وتتموج أحلام الوجود المصبغة بألوان الشروق والغروب

وتتعاقب أغاني الفصول بين رياحين الجبل الملفوحة

وأغصان الصنوبر والزيتون

فلعلّ الشابي كان يكتب قصيدا واحد متواصلا و لكن في أشكال مختلفة !

القصيد الثالث عشر : أيها القلب

القصيد نشر بمجلة ـ العالم الأدبي ـ لشهر أوت سنة 1930فيمكن أن يكون الشابي قد كتبه قبل تلك الفترة بنحو شهر أو شهرين لأن أغلب القصائد المنشورة في حياة الشابي كانت مؤرخة بتاريخ قريب من تاريخ نشرها.

و القصيد يتمثل في حركتين ، الحركة الأولى حديث عن اِنكسارات القلب والروح والنفس بصور الأمواج المتهادية على إيقاعات الألحان و الأنغام والوتر الخافق برنات النواح و الندب لتمسي كئيبة واجمة كأنه تستقر على حزن الصمت ، ثم ينطلق القصيد في حركة ثانية و ذلك عندما يتوجه الخطاب إلى القلب في قوله :

كفى أيها القلب !

فقد أعتم الليل ونامت أغاني الأمواج بين صخور الوادي

وسيأتي الفجر الضحوك فيوقظها من سبات الظلام

أما أنت فستلبث معتما حتى الأبد

كفى أيها القلب !

فقد أغفت أجفان الزهور

ولم تعد تبصر إلا الأمل الحالم بأضواء الغد

وسيأتي الصباح

فيمسح أجفانها بدموعه الطاهرة

إن صورة الفجر الضحوك و الصباح الذي يمسح الأجفان ، و لئن تمثل قبسا من الأمل يطل من سجف اليأس المنسدل على كامل القصيد ، فإنها لم تستطع أن تشعّ بالقدر الكافي واللازم في أرجاء القلب لتغمره أنوار الفرح بحيث أننا عندما نصل إلى نهاية القصيد كأننا نصل إلى الهاوية :

أما أنت

فستظل تائها في بيداء القنوط

دون أن تطبق جفنيك

على جداول الدموع

أو تفتكر

باِبتسامة الآتي

إن ـ القلب ـ لدى الشابي من الكلمات الدالة و المتواترة بكثرة ناهيك عن ورودها عنوانا لأكثر من قصيد مثل ـ إلى قلبي التائه ـ و ـ قلب الشاعر ـ و ـ قال قلبي للإله ـ و غير ذلك و نلاحظ أنه كتب في نفس فترة كتابة هذا القصيد قصيدة بعنوان ـ الجمال المنشود53 و بتاريخ 19 جويليا 1930 وهي تبدأ بمعاني الجمال و البهاء و الغرام السعيد لكنها تنتهي بصورة قاتمة مظلمة في قوله :

أو بشوك يدمي الفضيلة و الحبّ

و يقضي على بهاء الوجود

إن أردتنّ أن يكون شنيـــــــــعا

مظلم الأفق ميّت التغريد

فالقصيدان على اِختلاف معمارهما الفني و مرجعهما الجمالي الأدبي يتشابهان في نهايتيهما اللتين يرد فيهما الحزن بتعابير ذات دلالات واحدة تقريبا مما يدل أن الشاعر مهما تنوع لديه الشكل الفني فإنما يصدر عن وجدان واحد مثلما رأينا في القصائد السابقة

و نحن إذا تصفحنا ما كتب في نفس هذه الفترة التي كتب فيها القصيدين ،أي فترة صيف 1930 نجد أن الشابي كان قد كتب رسالة إلى صديقه مؤرخة في أكتوبر 1930 ـ مع العلم أن آخر رسالة قبلها كانت بتاريخ 15 جوان 1930 ـ و يصف الشابي هذه الفترة من الصيف إلى صديقه بقوله منذ بداية الرسالة بقوله :

وبعد ، فقد اِشتد الضعف على قلبي في هذه المدة الأخيرة بما أوجب معه الطبيب على حرماني من كل الأعمال الفكرية لا فرق بين مطالعة أو تحضير أو كتابة و قد لبثت على ذلك النحو أربعة عشر يوما كاملة و ذلك ما حدا بي إلى أن لا أكاتبك كل هذه المدة…..لا تألم يا صديقي لأخيك فإن قلبي هو منبع آلامي في هذا العالم و من يدري؟ لعله سيكون منبعا لمثل هذه الآلام في عالم آخر ، إن قلبي يا صديقي هو مصدر آلام هذه النفس التائهة المعذبة و هذا الجسد المعنى المنهوك وما دمت أحمل بين جنبي مثل هذا القلب الكسير ما دامت هذه الحياة تهد منه و لا ترحم فإني أشقى أبنائها ، هذه حقيقة قد أيقنت من صحتها وآمنت بها يا صديقي فلا تحاول أن تصدني عنها54.

نستنتج إذن أن عنوان ـ أيها القلب ـ في هذه القصيدة يختزن الحالة النفسية المعذبة للشابي في صائفة 1930 وقد ظهرت تلك الحالة في القصيد النثري و في القصيدة العمودية وفي الرسالة أيضا مما يدل أن نصوص الشابي متراشحة و ذات وشائج متشابكة في ما بينها.

القصيد الرابع عشر : الذكريات الباكية

إنه بمثابة ـ المعلّقة ـ أو كأنه ـ نشيد الأناشيد ـ بما يتوهّج فيه من ألق المكابدة وبما ينثال عليه من اِندياحات القصائد الأخرى ، فالشابي في هذا ـ القصيد النّهر ـ قد جمع فيه من فنون الكتابة وشجونها ما يجعله كالسيل العارم الذي تنحدر فيه السواقي و الجداول والأودية فجاء المتن فيه زاخرا بشتى الأنواع والأساليب و الإيقاعات حيث نقرأ فيه أسلوب الوصف والتصوير وأسلوب الرمز و الإيحاء و أسلوب السرد و الحوار و أسلوب الخبر و الإنشاء وطريقة الاِستذكار والإشارة والشاعر يراوح فيه حينا بين الأنماط الشعرية فيضمّن في هذا القصيد النثري حتى إيقاع تفعيلة المتقارب كقوله :

مع الأمس كنا وكان الشباب

وكانت ليالي الغرام العذاب

وكانت أزاهير ذاك الربيع

وكانت أفاويق ذاك السحاب

وكانت أغاني تلك الحياة

وكانت أغاني تلك الكعاب

مما يدل أن نمط القصيد النثري يستوعب العديد من أساليب الكتابة وأشكالها المختلفة و ليس بديلا عنها و لقد اِستوعب الشابي الكثير منها في قصائده النثرية تلك فجاءت تنثال في اِنسجام و تناغم بما فيها من إيحاء وخيال ينساب في سلاسة و اِنسياب كقوله :

باركيني يا اِبنة النور والمحبة

فلقد تغنيت باِسمك منذ الأزل، ودعوتك من وراء الوجود

باركيني يا اِبنة النور والمحبة

فلقد صليت لك في أعماق قلبي قبل أن تبدأ الأكوان

وعبدتك بين الكواكب وأنا شعاع طائر في الأفق البعيد

باركيني يا اِبنة النور والحب

فلقد تغنيت باِسمك وأنا خمرة سكرى بين الينابيع الخالدة

وعبير يتطاير في سماء الله

ودعوتك وأنا ما حلمت بأفراح العالم وأتراحه ،

ولا تمثلت ضباب الفجر

وضياء القمر

باركيني يا اِبنة النور والمحبة

فلقد تغنيت باِسمك حتى تمخضت بي الأوجاع

وولدتني الحياة في غرفة الأيام

ودعوتك حتى قبّل النور شفتي

وأنار الصباح عيني

وعلمني الحب الكلام

باركيني يا ابنة النور والمحبة

فلقد صليت لك في أعماق قلبي

وأنا ذرة ضائعة بين السدم

وضباب هائم بين الظلال

و دعوتك قبل أن يلامس الليل قلبي بشفتيه

ويعانق الفجر روحي بجناحيه

باركيني يا ابنة النور والمحبة

فلقد صليت لك في أعماق قلبي

وأنا فكرة غامضة تضطرب بين أعماق الموت وأمواج الحياة

و أنشودة خافته ترتعش في قلب اللانهاية

وحقيقة عارية تأتلق في صميم الوجود

لقد عبدتك في حياتي الماضية

وسأعبدك في حياتي الباقية

حتى االموت

و قد ورد القصيد في ثلاثة نصوص هي بمثابة مسودّات له ضمن كتاب ـ المداد الحيّ ـ الصادر عن وزارة الثقافة و المحافظة على التراث، و قد نشرته ـ الدار العربية للكتاب ـ بتونس سنة 2009 ممّا يجعله يمثل مصدر أساس في تحقيق ديوان أغاني الحياة و بقية القصائد الأخرى المختلفة لنشر تراث الشابي نشرة علمية شاملة تضم جميع أعماله المتنوعة .

وهو بدون تاريخ

القصيد الخامس عشر: الذكرى

و جعلناه في الترتيب الزمني آخر القصائد لكأنه يمثل الخاتمة أو قصيد الوداع أو مسكه حيث يعود فيه إلى قول الكثير مما تقدم ذكره في القصائد السابقة حتى لكأن بعض الجمل تكاد تكون ترديدا لما ورد في تلك القصائد، فالقصيد إذن تأكيد و ترسيخ لمعاني الغربة و الألم و الخيبة و هو كإعلان الاِنسحاب النهائي عندما يبوح قائلا :

كفى أيها القلب !

فقد أعتم الليل

ونامت أغاني الأمواج بين صخور الوادي

وسيأتي الفجر الضحوك

فيوقظها من سبات الظلام

أما أنت

فستلبث معتما حتى الأبد !

كفى أيها القلب !

فقد أغفت أجفان الزهور

ولم تعد تبصر إلا الأمل الحالم

بأضواء الغد

وسيأتي الصباح 

فيمسح أجفانها بدموعه الطاهرة

أما أنت

فستظل تائها في بيداء القنوط

دون أن تطبق جفنيك عن جداول الدموع

أو تفتكر بابتسامة الآتي

كفى أيها القلب !

فإن في الكون ظلمة قاتمة

ولكن أين مِن سَدفتك الصبّاح ؟

فالقصيد يقارب في مناخه و شجونه و معانيه  قصيدة ـ الصباح الجديد ـ تلك التي كتبها سنة  1933 و التي  يقول فيها:

من وراء الظــــلام و هدير المياه

قد دعاني الصباح و ربيع الحياه

يا له من دعــــاء هزّقلبي صداه

لم يعد لي بقـــاء فوق هذي البقاع

الوداع الــوداع           ياجبال الهموم

ياضباب الأسى        يافجاج الجحيم

قد جرى زورقي   في الخضم العظيم

و نشرت القلاع        فالوداع الوداع55

بل لكأن أبا القاسم الشابي قد أحس بهذه المعاني جميعا و وقف عند مثل هذا الموقف منذ قصيدة ـ  في سكون الليل ـ التي كتبها سنة 1927 ونشرها ضمن مختارات كتاب زين العابدين السنوسي في كتابه ـ الأدب التونسي في القرن الرابع عشر ـ حيث ورد قوله أيضا عند آخر تلك القصيدة :

أيها المحزون يا شاعر الدهر الكئيب

إنما أنشودة االدهر نواح و نحيب

هيّا يا ليل لنسعى نحو هاتيك الفلاة

حيث تقضي بسكون زهرات ناضرات

إن ما بين أزاهير الفلاة الواجمة

شاعرا أضجره حزن الحياة الساهمة

وعلى التّرب الذي اِخضلّ بأنداء الغمام

خطّ : دعني في سبات و على الدنيا السلام !56

إن شعر الشابي مهما تنوعت أشكاله الفنية و توالت فترات كتابته فإنه يظل محافظا على سماته الوجدانية الخاصة الصادرة عن إحساسه المرهف بالوجود و معاناته الأليمة في الحياة و سواء كتب نصه الشعري على نمط القصيدة العروضية أو على نسق القصيد النثري فإن الشابي يظل متميزا بطابعه الخاص بما فيه من معان وصور و نغمية وصدق وبما يتخلله من تدفق وجداني عارم يصور معاناته الضارية بصدق ومكاشفة .

 

ذلك عندنا هو شعر الإبداع الذي لا يُحدّ بشكل و لا يُعدّ بزمن وهو يمثل شهادة واضحة البصمات !!

يمكن أن نقول إذن إن قصائد أبي القاسم الشابي النثرية تمثل نمطا شعريا جديدا آخر يضاف إلى متن قصائده في ديوان ـ أغاني الحياة ـ و إلى قصائده المختلفة التي في غيره و إننا نجد بين هذه القصائد النثرية ترابطا واضحا في ما بينها من ناحية ،و نلاحظ من ناحية أخرى أن بينها وبين بقية القصائد صلات وثيقة ووشائج حميمة سواء في مستوى الوجدان والمعاني أو في مستوى المعجم و الصور ، بل حتى في الدلالة على السياق التاريخي ، فثمة إذن تراشح بين قصائد الشابي النثرية و قصائده العروضية و بقية نصوصه الأخرى المختلفة ممّا يجعلها كصدى متعدد الأرجاء لصوت واحد ، أو كتشكيلات متنوعة الألوان و الأشكال

و لكن من نفس لحمة النسيج و سداه !

الأفــــق

لقد كانت قصائد الشابي النثرية معبّرة عن طور جديد في الحياة و دالة على النمط الحضاري العام الذي يشمل الإنسان من المجتمع ، إلى الوجدان ، إلى العمران ، حيث تغيرت مظاهر العيش في كل شيء فما عادت قائمة على الأسس التقليدية الثابتة بما كانت تستند عليه من قيم و مراجع معروفة لا خلاف حولها ، وإنما أضحت معايير الحياة الجديدة ، منذ مطلع القرن العشرين الميلادي تعتمد على أسس مغايرة إلى حد بعيد و في جميع الميادين أو تكاد، بسبب دخول المجتمعات العربية إلى زمن القرن العشرين بما فيه من اِتصال مباشر بالغرب نتيجة للحركة الاِستعمارية الأوروبية التي شملت أغلب المناطق العربية على مدى القرن التاسع عشر ،ذلك الاستعمار الذي أحدث شروخا لا تحصى و لا تعد على جميع المستويات أربكت الأركان التقليدية الموروثة في جميع الميادين

فكان الشعر إذن من جملة تلك الكيانات الثقافية التي تزعزعت أركانها وتداعت دعائمها أو أمست إلى تلاش و تراجع مثلها مثل الكيانات المادية الأخرى كالمنازل و الأسوار أو كالأدوات والأزياء و الحليّحتى الأطعمة و غيرها قد لاحت فيها مستحدثات مستنبطة من التقليدات و الحاجات و الأذواق والاِستعمالات الجديدة في كل شيء.

في هذا السياق الحضاري العارم و الشامل ظهرت التعبيرات الجديدة في الثقافة العربية من موسيقى و أغنية ومسرح و سينما ورسم، ومقالة وقصة ورواية ونقد،أما في الشعر فقد ناله التجديد هو أيضا ،متمثلا في الخروج عن الأغراض القديمة بما فيها من معنى و مبنى من ناحية ، وبالخروج عن ضوابط العروض من ناحية أخرى ، و ما شكل ـ الشعر المنثور ـ أو ما يقاربه من التسميات ـ إلا أحد التعبيرات الجديدة في ذلك السياق حيث يُعتبر أبو القاسم الشابي من الأوائل الذين كتبوا فيه بتونس ـ إن لم يكن أسبقهم ـ ثم سرعان ما نسج على منواله شعراء آخرون من جيله مثل مصطفى خريف الذي نشر سنة 1949 ديوانه الأول ـ الشعاع ـ وضمّنه قصيدا نثريا هو ـ بين جبل و بحر ـ أعاد نشره في ديوانه ـ شوق و ذوق ـ الصادر بتونس سنة 1965 في قسم ـ صفحات من هنا وهناك ـ حيث يقول فيه:

(الجبل)

يَا بحر

أَيُّهاَ الْغائِصُ فِي بُطُونِ الأَ رَضيِن

السّجِينُ فِيِ أَغْواِر الصُّخوِر وَ أَكْنَافِ الرّمال

يا رَ هينِ القُيودِ و الأَصْفاد والظُّلُمات

مَا أبعد أعماقك ! وماَ أَبْهَمَ امْتِدَادَك!

(البحر)

ياَ جَبَل

أيُّهَا الضَّائِعُ في أَجْواِز السَّماَوات

التَّائِهُ في آفاقِ الفَضَاءِ الأَبديَّة

المُتحمّلُ أثقال السّحبِ و أنفاس الكواكب

يا منبتَ الصّخر والقتادِ والجيفِ المتعفنة

ما أَحمَقَ رُسُوخَك ! وماَ أَحْقَرَ تطاوُلك!

(الجبل)

ياَ مُضِلّ التّائِهين، واللاَّعبَ بأَلْبابِ الحَائِرين

أُكْفُفْ عن صخبكَ الصامتِ، وصمْتكَ الصَّاخب

فقدْ أَضْجرْتَ جيرانِكَ بِثَرْثرتكَ الَّسخِيفة

(البحر)

يَا أَيّهاَ النَّكِرَةُ المُتَعَالِمْ، و الغُبارُ الْمُتَراكِم

مِنْ أيْن لِصُخورِك الصَّمَّاء، وقلْبكَ المُتجمَّد

أنْ تفهم أَناشِدَ أمواجي، و حماسَ لُجَجي المُتَدَفّق؟

(الجبل)

مَقْتاً لأَمْواجكَ المُكشَّرَةِ عن بياضِ الأَكْفانِ

وأحْزان القُبورِ المُحدَثَة !

وبعدً لزُرْقَتِك المُستلقيةِ للقذرات والأَرْجاس

و النُّفايات

(البحر)

خِزْياً لِكبْريائكَ العَنيدة، المُتجلَّيةِ في كثافةِ

أشْجارِكَ و الْتِفافِ أوْراقِهاَ الشعْثاء !

و قبْحاً لِشُمُوخكَ الصارخ،

كُلَّما لَطَمَتْ رأسَك الأَرْياحُ الداوية !

(الجبل)

كَيْفَ اتَّخذْتَ منْ لينكَ وانْبساطِ وجهك

وابْتِساَمِ أسارِيركَ المُزيَّفَ،

أُحْبُولةً تُغْري بِها ضحَايَاكَ مِنَ النَّاسْ والأَشْيَاء

وتَغْدرُ باسْتِسْلامِهمْ إليْكَ غَدْرَ اللَّئامَ،

فَتَبْتَلعَهمْ كالأَسْرارِ الدَفينَةِ و الجُثَثِ الهَامِدَة

حَيْثُ تَكْتُمُ أَنْفَاسِهمْ إلى الأَبَدِ ؟

(البحر)

أَيُّ غُرُرٍ يَلْعَبُ فَوْقَ ظَهْرِكَ الأحْدَبِ الأَخْشَب،

وَ منا كِبِك المُتَخددةِ الجَرباء

و أَنت تنظرُ إليَّ معَ أَشَعَةِ الشمْسِ وزفراتِ الْقيْظ

ليُعكرَ أريج زُهورِ ي و نَفَح عُطُوري

تُطَهرَهُ الزّواَبِعُ بأنفاَسِها المُضْطرَمَةِ

فيَتَفجرُ بَيْن أَعْطافي، عَذْباً كالكوْثَر !

(البحر)

بيْن صُخًرِكَ السّوْداء الحادْةِ،

التي تقْذفني بها براكينكَ الثَّائرة المدمدمة

وغُثَاء غابَتِكَ المُتَوحِشةِ الضاريةِ

الذي يرْسبُ في قرارِ سكينتيِ

أَكْتَنِزُ في مُخبآتي الجواهِرَ وَالدُّرَر

(الجبل)

في غيَابَاتكَ الَخفيةِ ، تَكْمُنُ آمَالُ وَ أطماع

مَا تَنْفكُ تهيجُ فَتُؤَججُ فُؤادك وتُلْهِبُ أحْشَادك

حتَّى تنْدفع ثوْراتٍ جاَمِحةً مُعَرْبَدَةً فَوْقَ سَطْحِكَ المَزْبِد

كَأنَها تَطْمَحُ إلى عواَلِمَ السّدُمَ و النُجوم..

لَكَنَهاَ تَترامى عِنْدَ أَقْدامي ياَئسةً مُنْتَحِرَة !

(البحر)

تَفُوحُ مِن أَخاديِدكَ المُتَحجّرةِ، وآباطكَ الرّطبةِ المُنْتِنَةِ

و أَكْتَافِكَ الصَّلْداء المُغَلّفةِ بالغُيُومِ

رَائحةُ النيْرَانِ المُضْطرَمة قَسَاةً وَحِقْداً،

تُناجيِ في مَلالٍ، وضجرٍ لا ينتَهياَنِ

أَعْمَاقَ البَراكيِنِ المُحْتَدمَةِ فيِهاَ شَظَاياَ الغَيْظِ المَكْبُوح

وَقَد قَذفَتْها لِتَبْقى تَحْتَ و خَزِ الشَمْسِ وَلَعَنَاتِ العواصفِ، َ

وسُخريةِ النُجوم

(الجَبَل)

سُحْقا لكَ وَلِعُمْقِكَ الخَداع،

الزَّاخِرِ بِالنَّفَاقِ وَ التّضْلِل!

(البحر)

أفّ لكَ وَلِتظَاهُرك الْخبيِث،

المُكْتَظّ بِالأطْمَاعِ وَالصَّغائِر و الأَلاَعيِبِ!

(البحر)

أَنْتَ قَطْرَة مِنْ مَاء!

(البحر)

أَنْتَ ذرَّة مِن تُرَاب!

و كتب الأديب محمد البشروش بعض نصوصه الشعرية هو كذلك على نمط الشعر الجديد الخارج عن المقاييس العروضية التقليدية ذلك الذي سار فيه الشابي من قبل، مثل قصيدة ـ خواطر مجنحة ـ التي نشرها في مجلة ـ المباحث ـ شهر فيفري سنة 1944 حيث يقول فيها :

جزيرتي محببة إلى تعلم القلب الوفاء ….

في فضائها المشرق على هدهدة أمواج الحياة

تنطلق أجنحة أيامي و ليالي

كالكروان في الأفق الداجي مازحة شادية

***

هذا الضياء الذي يغمر روحي

يشع من قرارة ذاتي

وأسمو به إلى حيث الامتداد وسحر الحياة السخي السافر

أسمو به إلى المرتفعات الطليقة الساهية هناك ظلال وأنهار ومشاهد جميلة و أحلام

وهناك الألوان وهناك الانسجام

يعلم ابن آدم الوفاء إليه والابتساموالاستسلام….

***

يا أحلاس المنخفضات. آه يأبني أمي!

كم من زهور هصرت دياجيكم شبابها

وبددت عواصفكم أجزاءها

وأذبل هجيركم رواءها وفتنتها

ضلال أيامكم وظلا م

آه لو يتألم السادرون !

يا عزاء المتوحد في مسالك الأيام .ياضياء!

يا أيها الذي ينبجس من قرارة قرارتي

ويغمر جوانب ذاتي

فأنسى كل شيء سواه

سعيد من اكتحلت عينه برؤياك

سعيد من باركته ولثمته شفتاك

و للأديب محمد البشروش إسهامات مهمة في الحركة الثقافية التونسية ناهيك أنه كان من أصدقاء الشابي المقربين الذين وقفوا معه إبان الأوقات الصعبة وناصروه و يمثل كتاب عبد الحميد سلامة ـ محمد البشروش ، حياته آثاره ـ الذي صدر بتونس عن الدار التونسية للنشر سنة 1978مرجعا مهمّا في هذا السياق

بعد جيل الشابي ، اِستمر في كتابة قصيد النثر الجيل الموالي حيث يعتبر الأديب أبو القاسم محمد كرّو المولود سنة 1924 أبرز من كتب فيه وذلك عندما أصدر ديوانه ـ كفاح وحب ـ سنة 1961 ببيروت عن دار مجلة ـ شعر ـ وهو الذي نشر البعض من قصائد هذا الديوان قبل منتصف القرن العشرين ببغداد ، غير أن أبا القاسم محمد كرو لم يواصل مسيرته الشعرية و دأب على نشر الكتب العديدة في مجالات الأدبية و التاريخية مما جعله المصدر الأول في تراث الشابي ، ومن قصائد أبي القاسم كرو هذا الشاهد الذي يدل على اِنخراط الشعر التونسي بعد الشابي في المسار التجديدي الذي لم ينقطع منذ مطلع القرن العشرين :

أريد أن ابكي

و لكن ليس لي فقيد أبكي عليه

و أريد أن افرح

و لكن ليس جديد أفرح به

و أريد أن أغني

و لكن ليس لي نشيد أهزج به

و لا قيثارة أشدو عليها

و أريد أن أرقص

و لكن ما من أحد يرقص معي

و أريد أن أمشي

و لكن ساقا واحدة لا تقدر أن تمشي

و أريد أن أقطف الأزهار

و لكن لمن سأقدمها يا ترى ؟

يتأكد لنا إذن أن مسار التجديد الشعري من خلال قصيد النثر في تونس ظل متواصلا جيلا بعد جيل و دون قطيعة بين المشرق والمغرب منذ الشابي في الثلث الأول من القرن العشرين إلى السنوات الأولى من ثلثه الثاني حيث بدأ يلوح بعدها جيل اِنبثق وعيه الأدبي و الفكري على مقاعد المدارس الوطنية و في أروقة الجامعة التونسية و سافر إلى المشرق و أوروبا فاِطلع مباشرة على مختلف إرهاصات تلك الحقبة بما كان يتمخض فيها من حركات و تيارات متنوعة إضافة إلى معايشته للوقائع وللأزمات الكبيرة التي حدثت في سنوات الستينات والسبعينات من القرن العشرين سواء في تونس أو خارجها مما جعل الكثير من شعراء ذلك الجيل الجديد يطرح الأسئلة الكبرى التي تراجع من الأساس مسائل اللغة و الأدب و الثقافة، وذلك ضمن حركة عارمة شملت جميع التعبيرات الإبداعية من الموسيقى والمسرح إلى الرسم و القصة والشعر و غيره .

في هذا السياق التونسي و العربي و العالمي تمخضت حركة الطليعة الأدبية تعبيرا عن الواقع الجديد الذي نشأ بعد الاستقلال من ناحية و على إثر هزيمة العرب سنة1967 من ناحية أخرى فظهرت نصوص شعرية فيها خروج عن المألوف ـ زمنئذ ـ و عن الكثير من الضوابط العروضية و البلاغية و الدلالات المعنوية و قد نشرها أصحابها تحت عناوين عديدة مثل ـ قصائد مضادة ـ و ألوان جديدة ـ غير أن العنوان الأبرز بينها كان ـ في غير العمودي و الحر ـ وهو العنوان الذي ظهر بمجلة الفكر ـ و قد كتب تحته عديد الشعراء لعل من أبرزهم الشعراء الحبيب الزناد و الطاهر الهمامي و فضيلة الشابي و كان لصدور دواوين مثل ـ اللحمة الحية ـ لصالح القرمادي و ـ المجزوم بلم ـ للحبيب الزناد و ـ الحصار ـ للطاهر الهمامي الأثر الواضح في تحريك بركة الشعر التونسي التي ظلت هادئة منذ حركة أبي القاسم الشابي و الطاهر الحداد .

و في منتصف السبعينات نجمت حركة شعرية أخرى من خضم حركة الطليعة و ضمن المنتديات الشعرية التي كانت تنشط في مختلف أرجاء البلاد ، وقد اِبتعدت بنصوصها الشعرية عن المزالق التي وقعت فيها الحركة السابقة خاصة منها تلك الدعوة إلى الكتابة بالعامية بديلا عن الفصحى و قد تجنبت إلى حدود متفاوتة النمطية والقوالب الجاهزة في الأدب متحررة من الإملاءات الإديولوجية المختلفة التي كانت سائدة قبلها على كثير من النصوص الشعرية فاِتجهت نحو البحث و التعمق باحثة عن جماليات أخرى ضمن القيم الإنسانية

من بين شعراء هذه الحركة الذين انخرطوا خاصة في كتابة القصيد النثري يمكن أن نذكر محمد أحمد القابسي وخالد النجار ومحمد رضا الكافي و عزوز الجملي ونور الدين بوجلبان و محمد علي اليوسفي و بشير القهواجي و عزيز الوسلاتي و غيرهم ثم أضحى القصيد النثري منتشرا بصفة واضحة لدى الشعراء الذين ظهروا بعد منتصف السبعينات فرسّخوا المدونة الشعرية في هذا النمط الجديد من الشعر و توالت دواوينهم و تنوعت ومثلت رصيدا مختلفا من الشعر هو جدير بالمتابعة و الدرس بحيث أن قصائد عديدة في دواوين رجاء بن حليمة و آمال موسى و حسين القهواجي و سالم اللبان و شمس الدين العوني و رياض الشرايطي و نور الدين بالطيب و الطيب شلبي و عبد الوهاب الملوح وهادي الدبابي و باسط بن حسن و غيرهم، تعتبر تطويرا للقصيد النثري الذي بدأه الشابي في تونس بصفة تجريبية في الثلث الأول من القرن العشرين.

إن ذلك النمط الجديد من الشعر أضحى سمة واضحة في مدونة الشعر العربي المعاصرعلى مدى سنوات الهزيع الأخير من القرن العشرين وهو يمثل تجديدا و إضافة و إثراء في مسيرة الشعر العربي الطويلة و المتنوعة ، و ليس بديلا لمنجزاته أو هدما لثقافته المستنيرة ،حيث أننا نلاحظ في كثير من تلك النصوص الشعرية الجديدة المتنوعة الصيغ و الأشكال و التي من بينها نمط القصائد النثرية ،أنها زاخرة بإحساس مرهف وتصوير دقيق و تناول مغاير لمواضيع طريفة بأساليب فنية فيها الكثير من اِبتكار القول و معاناة الوجدان لأنها ترشح من واقع الحياة الحديثة بما شهدته من شجون وقضايا ومواقف و رؤى مغايرة لما عرفه الشعر العربي السابق في مختلف العصور والأقاليم.

لقد بدأ القصيد النثري متشحا بالرومنطيقية مع مطلع القرن العشرين ثم اِقترب من تخوم التأمل و التصوف والوجودية بعد ذلك إلى أن تناول بعد فترة منتصف القرن تصوير مقولات الأدب الواقعي في نهله من خضم الحياة في تفاصيلها و هوامشها الدقيقة ثم وصل مع الثلث الأخير من القرن إلى قصيدة اللمحة الخاطفة المكتنزة بالأبعاد العديدة حتى وصلت القصيدة النثرية إلى نمط المطولات الملحمية بما فيها من اِسترسال و تنوع في مستويات الأسلوب والمعاني والإيقاع

أليس الشعر رحلة في الزمان و المكان وهو رحلة بين مختلف الأجناس الأدبية والفنية أيضا!

لذلك فهو لا يُحد و لا يُعد لأن الشعر ليس شكلا فقط !!

. برادس شتاء / ربيع 2009

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قصائد الشابي النّثرية

و مصادرها

1- بقايا الشفق ـ الأعمال الكاملة لأبي القاسم الشابي ـ ج 2 ـ الدار التونسية للنشر ـ تونس 1984 ـ ص 19

و مؤرخة في 19 محرم سنة 1344 الموافق ليوم 9 أوت 1925.

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة 365

2-أيتها النفس ـ الأعمال الكاملة لأبي القاسم الشابي ـ ج 2 ـ الدار التونسية للنشر ـ تونس 1984 ـ ص11

و مؤرخة في10 ربيع الثاني 1344 الموافق ليوم 28 أكتوبر1925.

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة 360

3- الأحزان الثلاثة ـ بنفس المصدر ـ ص16

و مؤرخة في 8 جمادي الثانية 1344 الموافق ليوم 24 ديسمبر 1925.

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة364

4- أمام كهف الوادي ـ بنفس المصدر ـ ص22

و مؤرخة في 20جمادى الثانية سنة 1344 الموافق ليوم 5 جانفي 1926.

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة 367

5- الدمعة الهاوية ـ بالأعمال الكاملة للشابي ـ ج 2 ـ الدار التونسية للنشر ـ تونس 1984 ـ ص9

و مؤرخة في 20 صفر سنة 1345 الموافق ليوم 29 أوت1926

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة 359

6- الليل ـ بنفس المصدر ـ ص 92

و مؤرخة في صفر1345 الموافق لأوت 1926.

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة 426 و بعنوان أيها الليل

7- كُفَّ يا قلبي ـ بنفس المصدر ـ ص24

و مؤرخة في 5 ربيع الأول سنة 1345 الموافق ليوم 13 سبتمبر 1926.

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة 368

8- الخريف ـ بنفس المصدر ـ ص13

و مؤرخة في 30 ربيع الثاني 1345 الموافق ليوم 6 نوفمبر 1926

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة 362

9- أغنية الألم ـ منشورة بمجلة العالم الأدبي ـ عدد7 سنة ـ 1930ـ ص ـ30 ـ

و بالأعمال الكاملة للشابي ـ ج 2 ـ الدار التونسية للنشر ـ تونس 1984 ـ ص5

و بالشابي ـ المجلد الثاني ـ قسم نثر الشابي و مواقفه من عصره ـ دار المغرب العربي ـ تونس 1994 ـ ص157

و أشار إليها أبو القاسم محمد كرو في كتابه ـ آثار الشابي و صداه في الشرق ـ دار المغرب العربي ـ تونس 1988 ـ ص 17

و بين نشرة ـ الأعمال الكاملة 1984 ـ و نشرة ـ الشابي 1994 اِختلاف واضح في بعض الكلمات والجمل منذ البداية و أغلب الظن أن الشابي قد راجع القصيدة في بعض سطورها لذلك أخرجنا النشرتين.

و حسب نشرة 1984 فإنها مؤرخة في 16 رجب سنة 1345 الموافق ليوم 20 جانفي 1927.

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة 357

10 – النفس التائهة ـ بمجلة ـ حوليات الجامعة التونسية ـ 1965 ـ ص151

وبالأعمال الكاملة للشابي ـ ج2 ـ الدار التونسية للنشر ـ تونس 1984 ـ ص45

و بالشابي ـ المجلد الثاني ـ قسم نثر الشابي و مواقفه من عصر ـ دار المغرب العربي ـ تونس 1994 ـ ص153

وقد أشار أبو القاسم محمد كرو إليها في كتابه ـ آثار الشابي وصداه في الشرق ـ دار المغرب العربي ـ تونس1988 ـ ص 17

و نشرت بجريدة النهضة ـ صفحة النهضة الأدبية ـ يوم 16 فيفري 1928

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة 383

11-الشاعــر ـ بمجلة ـ الصادرات و الواردات ـ السنة الأولى ـ عدد 6 ـ أوت 1929 ـ ص4 ـ و قد مدّنا بها الأستاذ محمد المي

و ـ الأعمال الكاملة للشابي ـ الجزء الثاني ـ الدار التونسية للنشر ـ تونس 1984 ـ ص50

و بالشابي ـ المجلد الثاني ـ قسم نثر الشابي ومواقفه من عصره ـ دار المغرب العربي ـ تونس 1994 ـ ص131

و أشار إليها أبو القاسم محمد كرو في كتابه ـ الشابي وصداه في الشرق ـ دار المغرب العربي ـ تونس 1988 ـ ص17

و هي مؤرخة في 18 / 1 / 48 الموافق ليوم 26 جوان1929

و قد ذكرها الشابي في حاشية رسالته الثالثة إلى محمد الحليوي المؤرخة في ـ 25 صفر 1348 الموافق ل 1 أوت 1929 ـ

اُنظر ـ رسائل الشابي ـ الأعمال الكاملة ـ ج 2 ـ الدار التونسية للنشر ـ تونس 1984 ـ ص32

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة 387

12- صفحات دامية من حياة شاعر ـ بمجلة العالم الأدبي ـ عدد7 سنة ـ 1930 ـ وتحت العنوان ورد ما يلي :

صفحات من كتاب بهذا العنوان لحضرة الشاعر المتفنن الأستاذ أبي القاسم الشابي.

و قد وردت في فهرس المجلد الأول للمجلة الصادرة في ديسمبر 1930 ضمن قسم ـ الشعر ـ

و ـ بالشابي ـ المجلد الثاني ـ قسم نثر الشابي ومواقفه من عصره ـ دار المغرب العربي ـ تونس 1994 – ص128

13 ـ أيها القلب ـ بمجلة ـ حوليات الجامعة التونسية ـ 1965 ـ ص 163

و ـ الشابي ـ المجلد الثاني ـ قسم نثر الشابي ومواقفه من عصره ـ دار المغرب العربي ـ تونس1994 ـ ص ـ 160

و قد أشار إليها أبو القاسم محمد كرو في كتابه ـ آثار الشابي وصداه في الشرق ـ دار المغرب العربي ـ تونس ـ 1988 ـ ص17

وجعل أبو القاسم محمد كرو هذا العنوان ـ أيها القلب ـ للمقطع الأول من قصيدة ـ النفس التائهة ـ اُنظر ـ الشابي ـ المجلد الثاني ـ قسم نثر الشابي ومواقفه من عصره ـ ص 143ـ دار المغرب العربي ـ تونس 1994

و نشرت بمجلة العالم الأدبي ـ عدد 6 ـ شهر أوت ـ سنة 1930 ـ ص 13 ـ تحت عنوان ـ الشعر المنثور

و قد وردت في فهرس المجلد الأول للمجلة الصادرة في ديسمبر 1930 ضمن قسم ـ الشعر ـ

14 ـ الذكريات الباكية ـ الأعمال الكاملة للشابي ـ ج 2 ـ الدار التونسية للنشر ـ تونس 1984 ـ ص106

وهي بدون تأريخ

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة 435 و صفحة 443 و صفحة 445

15 ـ الذكرى ـ الأعمال الكاملة للشابي ـ الجزء الثاني ـ الدار التونسية للنشر ـ تونس 1984 ـ ص41

و هي بدون تأريخ

وهي منشورة بالكراس الخامس من – المداد الحي – الدار العربية للكتاب – تونس2009 – صفحة 380

صفحات من كتاب الوجود

1 ـ بقايا الشفق

أين أنت؟

أيتها الأحلام العذبة التي كانت تبسم لي من خلال الظلام

فتفعم آفاق نفسي بأنوار الرجاء

وترفّ بسكون حول قلبي هامسة في مسامعه أنشودة الأمل

في أي واد تلاشيت

وفي أي لحد ضُمّ صداك ؟

أين أنت؟

أيتها الأجنحة البيضاء المتألقة تحت أشعة الشمس

كعرائس الشعر

لقد طلبتك بين أنوار الصباح

فلم أجدك

وفتشت عنك بين أهوال الظلام

فما رأيتك

فتشت عنك في ابتسامة الأزهار

وفي قطوب الأشواك

وفي كل أطواء الحياة

ومظاهرها

فما وجدتك

فأين أنت أيتها الأشعة الفاتنة

وأين مأواك ؟

آه !

لقد اِضمحلّت تلك الأحلام العذبة الساحرة

ولم يبق لي من الأمس إلا المرارة

والألم

لقد توارى خيال الماضي الجميل

وراء ضباب الأسى

ولم يبق لي منه إلا قلب منتحب

يندب في عزلته القاسية

بما في أعماقه من مرارة الأوجاع

ونفس معذّبة حزينة

مضطربة بين عذوبة الأمس

ومرارة اليوم

والآن

وقد تقضّت أفراح الأيام

واندثرت أحلام السعادة

كما تندثر الزهور

غير تاركة على صفحة القلب

سوى ظل ضئيل لحياة قصية فاتنة

توارت مع أشباح الزمن

يثير في النفس هاجع التذكار

الآن

تقف نفسي على شاطئ الأحزان

حيث تتدفق أوجاع النفوس

وتتكسر أمواج الأسى

بسكون

هنالك

على ضفة تلك البحيرة الخرساء

أين يتردد صوت الكآبة الأبدية الكامنة في أعماق السكون

هنالك

تقف نفسي الحزينة، صارخة بما في صوت اليأس من الهول والألم:

أيها القلب المنسحق تحت سنابك الأيام !

النابض بأنّات الأسى

الناقم على موجة الدهر الغضوب المتراكضة في لجة الحياة

إن كان في اِستطاعتك أن تقف جبارا، قويا

أمام تيار الزمن

دون أن يجرفك إلى الهاوية

وأن تلقي بتلك الموجة العاتية في أحشاء الأبد

فاِفعل

أما إن كنت عاجزا

فليس بمجديك العويل

أيتها الحياة الهاجعة

في كهف الأسى

حتّام تنوحين

وقد صُمّ مسمع الأيام

وإلام تسترحمين

وقد اِنصرفت مسامع الليالي إلى ضجات المظالم

وأضحت القلوب قاسية كالموت

صماء كآذان القبور

أيها الموت الأصم الأخرس

أيتها الشعلة المظلمة الملتهبة في صدر الحياة

ألا تخمدين

حتى ترتل الحياة أنشودة الخلود العذبة

مكلّلة

بإكليل الأبد الرائع !

في 19 محـرّم سنة 1344
المـوافـق لـ 9 أوت1925

2 ـ أيتها النفس

عندما تهجع ضجة اليقظة

وتستيقظ سكينة الأحلام

أناديك يا نفسي

بما في أعماقي من الشوق والحنين

ولكنّ صوتي وا أساه !

يسعى متراكضا مع أغاني الظلام

إلى أين يطويه السكون

أما أنت

فتلبثين واجمة كالظلام

هاجعة كأمواج الغدير

مصغية لأنات خفية تستبيك

وفي وادي السكينة المملوء بالأحلام

أقف وحدي

عندما تهدأ في ضوضاء الرغائب

أسائلك يا نفسي عن ذاتك المستترة

وعن تلك الهالة السحرية التي تجعلك أسمى من الحياة

وأجمل من شفق المساء

وعن تلك الأشعة الفاتنة المنسكبة من بسمة السماء العذبة

ولكن تلك الصيحة الحائرة المتصاعدة من أعماقي

تستحيل بصمتك إلى سكينة صامتة

كما تخمد نغمة الغريد

في أعماق الأودية النائية

ولكنني لست أدري ما إذا كنت تبحثين عن سرد فتنة الحياة

في زوايا الذاكرة

أو كنت مرفرفة بين النجوم

تتحسسين أنشودة الشفق الجميل الصادحة في جوانب الحياة ؟

تحت أروقة المساء المتشح بأذيال الشفق

أراك واقفة بين أعماق اللانهاية

كالشعلة الساحرة

مرتلة مع أحزان الحياة أنشودة الأوجاع

شاخصة بملامح ذكريات أليمة نائية

وعندما تغتسل الحياة في جدول الأشعة البنفسجية

المتدفقةمع ابتسامة الفجر

تتغنين يا نفسي

مع الطبيعة المستيقظة بأغنية الحب العظيم

المنبثق من صدر الحياة

شعلة مرتشعة في خلايا النفس البشرية

ذلك الحب الأقدس المنسكب في أعماق القلب الضائع

بين مسالك الحياة الملتبسة

عاطفة سماوية متألقة

هنالك

رأيتك يا نفسي بحرا عميقا كالحياة

غامضا كالموت

هادئا كالاِبتسام

باسما كأحلام الطفولة

تلمع في أعماقه الأشعة الفاتنة من وراء السديم

هنالك

رأيتك يا نفسي كائنا غريبا

مقنّعا بالنور والضباب

مبتسما كأزهار الحقول

مكتئبا كظلام الحياة

متألقا كأجنحة الفجر

ثائرا كعواصف الخريف

مترنما كجداول الفلاة

مهللا كأمواج البحار

متموجا كأطياف الأثير

هنالك

رأيتك يا نفسي لحظا حادا

محدقا بأعماق الحياة

ولكنني لما سألتك عما بأعماقها أطبقت جناحيك

وتواريت وراء الوجود

فبقيت وحدي

تائها في بيداء الحياة

ثم سمعت صوتا هائلا

هابطا مع سكينة الظلام

قائلا:

لن تدركوا عواطف الحياة

حتى تمتلئ أعماقكم

بأنشودة الموت

10 ربيــع الثــاني1344الموافق

لـ 28 أكتوبر1925

3 ـ الأحزان الثلاثة

أنا والليل كئيبان !

وفي قلبينا شعلة من تلك الكآبة الصامتة

المتغنية في قلب الحياة

بأحزان البشرية المعذبة

وعندما يسكن الليل

وتخمد أصوات الزمن

تتصاعد من أحشاء الظلام أنة الكآبة الموجعة

مع عويل المنطرحين

تحت سنابك المظالم القاسية

إلى حيث يرسلها الله شعلا نارية

تلتهم الأشواك

والهشيم

أما أنا

فتتعالى كآبتي شعلة متقدة متمايسة

في فضاء مظلم

مفعم بمرارة الأوجاع

كآبة الليل سكينة تائهة

مع أشباح الظلام

مصغية لتنهدات اليتامى الضئيلة

أما كآبتي فأنشودة رتلتها الحياة

ثم ألقتها في نفسي مملوءة بمرارة موجعة

ونحيب أليم

كآبة الليل سكينة أبدية خرساء

تبتدع من أوجاع الحياة السائرة ببطء

إلى ما وراء الحياة

نهرا راكضا

تصدح أنّاته في أعماق السماء

أما كآبتي

فمرارة غصّات أليمة

مترددة في صدر البشريّة النادبة

أنا والكهف كئيبان !

أنا كئيب

لأن في نفسي تتردد لوعات الليالي والأيام

وغصات أبناء الحياة الشقية

والكهف كئيب !

لأن في صدره تتمايل أحزان الظلام

وأنّات الزهور الذاوية

أنا والكهف كئيبان!

وحول روحينا تخّر أمواج الدموع

المتراكضة في لجّ الزمن

وتخفق أصداء الألم المنتحبة في أودية الأيام

في هجعه الكهف الأبدية

حيث تمر مواكب السكون العابسة

يستيقظ في تلك الأعماق المظلمة روح حزين منتحب مترنم

بأغاني الكآبة

المرتعشة بين شفاه الإنسانية

فيمتلئ ذلك الكهف الكئيب بأشعار الأسى

وأنّاته

أنا والكهف كئيبان!

ولكن الكهف كئيب

قانع بحزنه

مغتبط باكتئابه

مصغ لأصوات الأودية

وولولة الرياح

أما أنا

فكئيب قنوط

متمرد بأحزاني، ثائر ببلواي

لا أصغي إلا إلى قلبي المترع بدموع الحياة

وانتحابها

أنا كئيب،

يؤوس، متمرد بأحزاني، ثائر ببلواي،

والويل لورد الحياة من الأحزان الجامحة !

بل

ويل لأبناء الأسى

من هدير الدموع !

أنا كئيب

يؤوس

و ستظل كآبتي القاسية

معانقةلروحي

متمايلة مع أميالي

ما دمت حائرا بين منازع الحياة

أما إذا انعتقت روحي

مرفرفة فوق الفضاء الأبدي

فستبدع كآبتي

من همس اِنفرادها أنشودة

تتلوها

عندما ترفرف حول قبري الصامت

حول ضمير الموت والحياة

حيث تذبل الأميال

وتتهاوى

الأحلام الباسمة

في 8 جمادي الثانية سنة 1344

المـوافــق لـ 24 ديسمــبر1925

4 ـ أمام كهف الوادي

أيها الكهف الكئيب

إننا وحيدان

بأحزاننا

وأحلامنا في هذا الوجود

أنت وحيد بأحلامك

وآمالك

وأنا وحيد بأحزاني

وآلامي

أنت وحيد في هذه الأودية

وأنا وحيد في هذه الحياة

إننا وحيدان

وقد ألّفت الحياة بين نفسينا

لأن بين قلبينا رابطة متولدة من ندب الأرواح

و أوجاعها

إننا وحيدان

قد ألّفت الحياة بين نفسينا

لأن الوحدة المرّة التي تبتدع من سكينة النفس

عاطفة الألم القاسية

قد ألقت في أعماقنا بذور الكآبة

في قلبك أيها الكهف

تنمو سكينة خرساء

متمايلة مع نفسك

مختلجة مع أحلامك

متراكضة مع عواطفك

وفي أعماقي تحرك أصابع الوحدة الخفية

أوتار أحزاني

فتنسكب ألحانا مجنحة بالدموع

متموجة حول قلبي

كما تتموج الغصّات حول الأرواح المعذبة

لقد ألقت في حقل أيامك فتاة الأودية

نواة سحرية

أنبتت حول نفسك الهاجعة غشاء من السكوت الخالد

أما أنا

فقد فجّر الليل في قلبي

ينابيع مبهمة

تخفق في نفسي أغانيها المحزنة

وتنساب أمواجها القاتمة

في سكينة مضنية

وهدوء أليم .

في 20 جمادى الثانية سنة 1344

الموافــق لـ5 جانفي1926

5 ـ الدمعة الهاوية

اُنظر يا قلب !

اُنظر

إلى ذلك القبر الرابض على ساحل لجّة الأبد

مصغيا إلى صراخ الحياة

أمام تصلب الموت

اُنظر

فهنالك تلاشت تلك النغمة التي كانت تسمعك أغرودة الأمل

و هنالك غارت تلك الِابتسامة العذبة

التي كانت تريك الحياة من وراء أشعة الحب

فتراها أجمل من الشفق

وأعذب من بسمة الأحلام

وهناك تفجرت أوجاعك

مبللة جوانب القبر بالدموع

ساكبة في مسامع الليل صراخ اللوعة

والقنوط

فما أجزعك يا قلبي

وما أجلد القبر !

هنالك

اِنطفأت شعلة الحب التي كانت تنير خلايا الحياة

فتفجعت

و ما تفجع القبر

وهناك اندثرت زنبقة الحياة

فتحرقت

وما تحرق القبر

و هنالك تدفق الندب والنواح

ولكن القبر

ظل صامتا

أخرس

فما أتعسك يا قلب

وما أقسى القبر !

هي الحياة التي تجرّعك اليوم

ثمالة الكأس المترعة بمرارة الآلام

وهي الحياة التي كانت بالأمس

تركع أمام جبروت المنون

وهي الحياة التي توقفك ساخطاعلى الليالي والأيام

هازئة بسخطك

ساخرة بأوجاعك

فما أهون الحياة عند الموت

وما أهون القلوب عند الحياة !

فــي 20 صفــــر 1345

الموافق لـ 29 أوت 1926

6 ـ الليل

أيها الليل !

يا مسرح الأرواح الهائمة !

يا ملجأ القلوب الوالهة!

في وقت الغروب حيث تجمع الأزلية بين أناملها تباشير الليل

بنعاة النهار !

ويختفي الصراخ وراء نقاب الزوال

متّشحا بدماء الشهداء

وينحدر السكون من كهوف الغرابة

ملتحفا برهبة الجمود

تهرع الأرواح مرفرفة بجناحيها في فضاء العمق

إلى تلك السحابة الوردية التي تبرقع محياك

ثم تنغمس فيها وتتصافح مع بعضها

مبتسمة إليك

وفيما بعد الغروب

عندما تبسط راحتيك على أروقة الكيان

وتسكب في أطراف العيون من كأس السبات

وتذهب بالنفوس النائمة إلى مفاوز الأحلام

أنفرد بذاتي

ناظرا إلى أعماق نفسي

باحثا بين ثناياها عن أسباب جمودي

ودعاوي كآبتي

فلا أجد إلا خيالات صامتة

عابسة فأسائل نفسي

فألفيها ساهية عني

مقبلة عليك

ثم أناجيك:

هل اقتطعت منك قطعة

وألقيتها في أبعاد روحي

فأصبحت مثلك

أم وقعت على أوتار أميالي بأصابع جمودك

لحن الكآبة

فاستحالت إلى ذرة من ذراتك؟

فتضمحل كلماتي بين دقائق الأثير

ولا أسمع منك جوابا

أيها الليل !

يا شبح الغد

يا لحن الهدوء الأخرس

يا صدى الصمت الحائر بين شفتي الحياة المتكلمة !

أنت هامد

ولكنك حيّ بشعورك المظلم على مناكب الفضاء

وأمام نظرات العيون

المتموّج نيرا بين قرائح الكتاب والشعراء

حيّ بعواطفك السارية إلى قلوب المحبين

على أجنحة النسيم المرتعشة

حيّ بآرائك الراكضة مع أمواج الأثير

وأسراب النسائم إلى أدمغة الفلاسفة

حيّ بموقفك الرهيب، القائم بين السماء والأرض

يوحي إلى الأرواح

ما شئت من تنزيل

ويهمس بقنواتك المظلمة

في آذانها معاني الحياة المشرقة

كما تهمس الطبيعة في مسامع الأزهار مكيفات الابتسام

أنت ساكن

ولكن أليس في قلب هذا السكون تكمن مأتي غوغاء الغد

أنت هادئ

وفي غضون هذا الهدوء

تربض مصارعات المستقبل

وملاكمات البشر

وما تقذفه أفواه الآراء المبتلعة من القنابل الفتاكة

بآلاف الشعوب

وما تكوره من القذائف الطاحنة

لهيكل الحرية

إنما هو مدبر تحت أفنان أشجارك المتعرشة

وعلى فيئها المحدود

أنت صامت

بيد أنك تناجي الحقول والأزهار بكلمات الندى المتهافت

غير أن لسان القدرة الأبدية

يتكلم بما سيكون من المنافع والمضار

التي ستحلق فوق الرؤوس

وأمام الحياة

في السماء الحقيقة السافرة

أنت مظلم

مظلم جدا

بيد أنك نيّر بِلَألَاء الأرواح الحيّة

السابحة بين أعطاف ظلمتك

نيّر بنزول القضاء والقدر من مقرهما المحجوب بالنار المندلعة

والنور المضيء ليسكباهما في كأس الغد

فيمتص منه الناس بحظوظهم

يهبطان متسمين برهبتك

ملتحفين بضبابك

من عالم الإرادة إلى عالم التنفيذ

إلى هذا الكون الأرضي

إلى كيان الأجسام

بعد أن كانا في كيان الأرواح

أيها الليل !

العافي بأقدامه آثار النهار

أيها الوديع !

الفاتح صدره لآهات المحبين

وأنّات البؤساء

أيّها الشبح الهائل!

العامل على تبديد آمال الظالمين

تحت مسوح الترهب

وملامح التبتل

بربك

ماذا أنت أيها الليل !

ومن ذا أنت؟

أروح الرحمة السماوية المرسلة إلى الأرض

لتخفف من بلوى التعساء؟

أم جذوة من غضب الله الأسود المتلهب

رمت بها ملائكة السخط من الهاوية إلى هذا العالم

لتلتهم آمال الطغاة ؟

أمعنى شعري جميل

متدفق من بين شفتي الحياة

مسترسل مع أمواج الأثير

مترنم مع أرواح الشعراء

سائل مع أجفان البائسين

متنهد مع صدور المحبين ؟

أم سيل متفجر من بين أصابع الطبيعة

محرق بقوة الإرادة السرمدية أشواك النزاع

مطفئ نيران المظالم

ساحق بواعث الأحقاد

محطّم مباني الجبابرة

قاصف دعائم الاستبداد ؟

أرداء صفيق ألقته يد الله على جسد الجو

لتكمن بين طياته أنفاس النوم

وأغيلة الأحلام؟

أم ضباب كثيف نبعت ذرّاته من ظلام القبور

ليخنق باِبتشاره أرواح المقت

والشرور

والمآتم ؟

أيها الليل !

يا جاثوم الطواغيت

والجبناء والعاسفين !

بينما الكل تحت أغطية النوم

وعلى حصون الأحلام

والكل تحت جناحيك الخامدين

أكون أنا منتصبا على قدميك

محدّقا بوجهك

منصتا لشفتيك

شاخصا

بعينّي إليك

شاخصا

بعيونك إليّ

هامسا

بمسامعك آمالي وأميالي

هامسا

بأذني مبادئك ونوازعك

وها أنت ذا تهمس في أذان نفسي :

أن أبغض الطغاة

و أهدم ما اِستطعت من كيان أمانيهم

وأن أتمرد على الجبابرة

وأجدّف بأسمائهم

وأن أدرأ التملق عن التعلق بأذيال أخلاقي

وأذود دراة التقديس عمن حول قلبي إلا الله

و أن أعلن آرائي

وعواطفي المستترة تحت عجاجة محيطي

ولا أبالي –

كما تعلن اللجة أمام السماء بأمواجها البيضاء

أسرار طهرها وعفتها

وأن أبؤس عن المخاوف

وأجاهد دون الأمل حتى النهاية

لبيك

لبيك

يا ليل !

أيها الليل

إنني أهواك

وأوثرك على النهار

أهواك حتى الجنون

وبودي أن تدوم هذه الظلمة الحالكة

وتلك العيون الناظرة نظر الواله الحيران

أن تمحي كلمة النهار من سجل الوجود

فلا نرى بعد شمسا حمراء أو صفراء

أحبك أيها الليل !

وأفضلك على النهار

لأنك تستدرّ مما فوق الجلد مياه الأخطار

في قدح الخفية والجمود

والنهار يحطم القدح

و يسكبها في حقول الأنسام

لأنك تميط الأذى

وتسجي حيّات الشرور

وفي نواويس النوم

والنهار يوقفها على كفيه

ماثلة في سماء اليقظة

لأنك تبلي أشراك الحيل

والنهار يحوك خيوطها

لأنك تضع قدميك

على أعناق الوجوه الصفيقة التي قد صكها الحياء

وفرّ عنها

والنهار يحملها على أعناقه

بارزة أمام الشمس

لأنك ترينا لبوس الشباب على رأس الحياة

والنهار يرينا أكفان الشيخوخة

على هام الموت

لأنك نائم

ولكنك مستيقظ لدقات القلوب

سامع لأنات الصدور

والنهار يقظان

ولكنه نائم عن نداء النفوس المظلومة

وصيحات الأرواح البائسة

لأنك ما دمت معي

فاني أشكو إليك وأنت خاشع

والنهار مادام مصاحبي

فلا أجد من أنثر بين يديه حبات بثي

ولا ينثرها في مزابل الإفشاء

لأنك سروري

وأحلامي

لأنك عواطفي

وأميالي

لأنك ليلي

لأنك ليلي

فلتدم يا ليل !

صفــر سنــة 1345

الموافق لـ ؟ أوت1926

7 ـ كُفّ يا قلبي

كُفّ يا قلبي المنتحب !

عن الندب والنواح

فأنّاتك لا تسمعها الحياة

وفي يمينها السيف

وفي شمالها كأس مترعة بالدماء

كفّ يا قلبي المنتحب عن الندب والنواح!

وعش قانعا بصمتك

معرضا عن ضجيج الدهور

فالضجة تتشرّبها الأغوار

أما السكينة

فتبقى ببقاء الزمن

كفّ يا قلبي المنتحب عن الندب والنواح !

فوراء اللجة الهاوية

ووراء الهاوية الموت

كفّ يا قلبي المنتحب عن الندب و النواح!

فاللجة لا تصغي لندب أحزانك

والهاوية متغنية بصراخ الجحيم

أما الموت

فيهوى السكوت

كفّ يا قلبي المنتحب عن الندب والنواح

فالأيام تتراكض وراء الليالي

إلى ما وراء الوجود

جارفة هشيم الحياة لأعماق الهاوية

وأودية الحياة لا تترنم إلاّ بضجيج الجبابرة

أما أصداء الصغار

فتتلاشى في كهوف الدهور

ولتقف يا قلبي أمام الليالي والأيام

صامتا كأحزان الحياة

واجما كأهوال الظلام

فلو تكلمت أحزان الحياة لسحقتها الأهوال

ولو تحركت أهوال الظلام لجرفتها الحياة

ولتقف يا قلبي

أمام الليالي والأيام

قويا كالعاصفة

جسورا كالمنون

لا تصدك أحراج الوجود

ولا تفزعك أعماق الكهوف

فمن يتهيب الأعماق يندثر

في سكينة الأعماق

ومن يفزع من وجه الحياة

كان خليقا

بسخرية الحياة

في 5 ربيع الأول سنة 1345

الموافق لـ 13 سبتمبر1926

8 ـ الخريف

الخريف ، والموت صوتان متصاعدان من قيثارة العدم

الموت جرعة مرة في أعماق كأس الحياة

والخريف شعلة متأججة

في مواقد الدهور

لقد كانت الحياة باسمة

فأمست كئيبة

وكان الكون مترنما

فأصبح صامتا أخرس

لقد كان الغاب يسمعنا قصائد الحب والجمال

المتفجرة من صدور البلابل

فأخمدها الخريف

وأسمعنا صراخ الجحيم المتصاعد من أعماق العواصف

وضجات الهاوية المتدفقة من أصداء الرعود

ها قد داس الخريف الكافر سطور الحياة

ومثلما يبعثر الدهر الغضوب أذني القلب المعذّب

قد بعثر الخريف القاسي أوراق الغصون المملوءة

بالحياة والأمل

أما تلك الوردة العذبة الضحوك

فقد ألقاها الخريف على صدر الثرى

وكصبية حسناء غالها الموت

وكأس الحب متألقة بين أناملها

رأيتها بالأمس منطرحة

بين أشواك الغصون

محدقة بالشفق البعيد

أجفانا كئيبة ذاوية

ها أن أغصان الرياض التي كانت بالأمس

صدّاحة هازجة

قد كفّت عن أغانيها العذبة

لأن كف الخريف العاتية

قد أطبقت شفتيها عن النشيد

فأضحت صامتة

واجمة

وها أن تلك الزهرة اليانعة

التي كانت محدّقة بغادة الأفق

بأم النور والحياة

قد سقطت بين الأوراق الصفراء الذاوية

وعلى شفتيها ابتسامة مرة

رسمتها قبلة الموت الصامتة.

بالأمس

كانت محدّقة بجمال الحياة

واليوم

أصبحت محدقّة برهبة الموت

بالأمس

كانت تبتسم لمواكب الطيور المتغنية

بأحلام المروج الضاحكة

أما اليوم

فهي تبتسم لجبّار المنون الملتحف بغيوم المساء

وفي اِبتسامتها معاني اللوعة

والألم

أما اليوم

فقد ماتت وجفنها عالق بالفضاء

حيث الغيوم متناثرة كأكفان الحياة

هنالك بين الأوراق الذابلة

تهجع الزهرة الذاوية

محدّقة بطيف المنون المنتصب

بين أعماق اللانهاية

بالأمس الجميل الباسم

بالأمس

وما أبدع الأمس !

وما أعذبه !

قد كان البلبل الغرّيد

يترنّم بأصداء الحزن المترددة في أعماقه

أين يتموج اللهيب

وتتمايل الغصات بسكون

أما اليوم

فقد أسكت الموت ذلك القلب الصادح

بضوضاء الجحيم

فأحنى رأسه باحثا بين ذرات التراب

عن أنغامه التي كان يسكبها شعلا تلتهب

وأغمض جفنيه

لأن السبات الأبديّ قد أطبق أجفان الزهور

هنالك

في الغاب البعيد المكتئب حول مصرع الزهرة الذاوية

والبلبل الأخرس

تنحدر دموع الأملاك

ناصعة

متألقة

مع أشعة الفجر الدامية

وستظل دموع الأملاك تنسكب كل صباح

وسيبقى المصرع نديّا

بالدموع

إلى الأبد !

في 30 ربيع الثاني سنة 1345

الموافــق لـ 16 نوفمــبر1926

9 ـ أغنية الألم -1 -*

ليس النحيب الذي يصدره القلب

كالنحيب الذي تبدعه الشفاه

وليست الدمعة التي يرسلها الألم

كالدمعة التي يسكبها الأمل

ما أروعك أيها الألم !

وما أعذبك !

أيتها المرارة التي ملأت أودية الحياة

بصراخ الأسى !

وأترعت كأس الدهور بغصات الدموع

أيتها الكفّ الهائلة !

التي حطمت على شفة القلب كأس الأمل

وأراقت بكهف الظلام خمر الحياة

أيها الهول الذي ترهبنا ملامحه وتخيفنا ذكرياته

أية شفة ترنمت بأغاريد الحياة منذ البدء

ولم تغتسل بلهيب الحياة

بل أي قلب تغني بأمانيه

و لم يترشف من جدول الجحيم

لنجثُ أيتها الحياة

على قدمي ذلك الجبّار المحدق بما وراء الغيوم

ولنمجد أيتّها الليالي والأيّام !

تلك الأجنحة النارية التي تنحدر بالنفس البشرية

إلى أغوار الحياة

حيث تختلج عواطف الوجود وتترنم أحزان الدهور

حيث تمايلت لزوميات المعري

وترنمت رباعيات الخيّام

وترتفع بها إلى ما وراء الغيوم

أين ترتعش أغاني البطولة

وتتموج الشعلة النارية الملتهبة في قصائد المتنبي

ولتتغنّ ، يا قلبي ! بأنشودة الأحزان المرة

حتى الأبد !

لنركع أيتها الحياة !خاشعين

أمام تلك القوة الإلهية، التي تبتدع من أغاني النفس

وأنّاتها

أقدس ما في الوجود

وأبدع ما في مشاعر الأّيام !

و لنقدس أيتّها الليالي والأيّام !

تلك الأشعة الساحرة التي تنبت

حول جداول الأيام

هاتيك الزهور النّارية المقدسة

التي نستنشق عبيرها من لوعة (المجنون) وأغانيه

و لنترنّم يا قلبي بأغنية الآلام المرة

حتى الأبد

لنجث أيتها الحياة !

بخضوع

أمام ذلك الضباب السحري

الذي يستر بنقابه ملامح عرائس الشعر

وعذارى الأحلام

ولنعلن أيتها الليالي والأيام !

مجد تلك الشعلة الخالدة

التي أنارت للبشرية سبيل الحياة

وعلمتها تلك الابتسامة العذبة التي لا تنطبع

إلا على القلب المعذب

ولا تتأّلق إلا بين الجفون المكحولة بالأوجاع

تلك الابتسامة الحلوة التي ندعوها المعرفة

ولنرتل ، يا قلبي بسكون أغاني الأوجاع المرة

حتى الأبد !

ولنقدس

يا أيها الغاب المنتحب

ويا أيها الوادي الكئيب

وياأيها الكهف الأخرس

ويا أيتها البحيرة الواجمة

ويا أيتها الحياة المغمورة بالدماء

ويا أيها القلب الملتحف بالغصات

والدموع !

لنقدس كلنّا

ذلك الألم الذي يجعل من الشاعر قيثارة

غريبة، صادحة ، منطرحة

في وادي الحياة

عازفة بأغاني الحب والجمال

ولنرتل

يا قلبي الكئيب، البائس

نغمة الألم المرة المخضلة بالدموع

ولنرددها

على مسمع الظلام

حتى الموت !

16 رجـــب سنــة 1345

الموافق لـ 20 جانفي1927

*الأعمال الكاملة للشابي ـ ج 2 ـ الدار التونسية للنشر ـ تونس1984 ـ ص 5

أغنية الألم – 2 -*

ما أمرّك أيها الألم

و ما أعذبك

أيتها المرارة التي أترعت أودية الحياة

بأمواج الدموع

و ملأت آفاق الوجوه بأنات النفوس الدامية

أيتها اليد الرهيبة الهائلة

التي حطمت على شفاه القلوب كؤوس الأحلام

و أراقت رحيق النفوس بكهف الظلام

أيها الهول الذي ترهبنا ملامحه

و تخيفنا ذكرياته

أيها الألم الرائع الذي نحبه

و نخشاه

إنك أنت الشعاع الأوّلي الجميل

الذي وشح ظلمة نفسي بالشفق

و رصعها بالنجوم

و توجها بأضواء الصباح

و أنت

أنت الصوت الإلهي النبيل

الذي أوحى إلينا أناشيد السماء

و علمنا كيف نغني

للبشرية أغاني الجمال

و أنت

أنت المنبع السحري الغريب

الذي ينمق سبل الإنسانية المضرجة بالدماء

بأورادالحياة و أزهارها

أيها الألم الإلهي النبيل الذي نحبه

و نخشاه

ترى أية شفة ترشفت رضاب الحياة

و لم يطهرها لهيب الحياة

و أية زهرة تلقت قبل الربيع

و لم يروع الشتاء أحلامها

و أية نفس بشرية عانق الفجر روحها بجناحيه

و لم تراقصها أهوال الظلام

و لا عذبتها أبالسة الجحيم

لنجث أيتها الحياة على قدمي ذلك الجبار

الجميل المحدق بما وراء هذا الوجود

و لنمجّد أيتها الليالي و الأيام

تلك الأجنحة النارية المشبوبة بأوجاع القلوب

و التي تسمو بالنفس البشرية إلى أقصى آفاق الخلود

و تنحدر بها إلى ظلمات الحياة

أيّان تضطرب عواطف الوجود الغامضة

و ترتعش شكوك البشر و تتمايل أحزان الدهور

أيّان تلقى المعريلزومياته و تغنى الخيامبرباعياته

و يرتل الشعراء الخالدون إنجيل الحياة

و لنتغن يا قلبي

بأنشودة الأحزان المرة حتى الأبد

لنركع أيها الوجود بخشوع أمام تلك القوة الإلهية

التي تصوغ من دماء النفوس و آياتها

أقدس ما في هذا العالم و أبدع ما في مشاعرالأيام

و تنشئ من ظلمات القلوب صباحا ساحرا

سرمديا لا تكدره الرياح

و لنقدس أيتها الليالي و الأيام

تلك الأشعة الوردية الصافية

التي تنبت حول جداول الأحلام الدامية هاتيك الزهور النارية المقدسة

التي نستنشي عبيرها من لوعة المجنونو أغانيه

و لنترنم يا قلبي

بأغنية الآلام المُرّة حتى الأبد

لنصل أيتها الكائنات بخضوع أمام ذلك الضباب السحري

الذي يستر بنقابه

ملامح عرائس الشعر و عذارى الأحلام

و لنتغن أيتها الليالي و الأيام

بمجد تلك الشعلة الخالدة التي أنارت للبشرية سبيلا لحياة الغامضة

و هدتها إلى شجرة المعرفة

التي لا تنبت إلا على ضفة نهر الدموع و الأحزان

و لنرتّل يا قلبي بسكون

أغاني الأوجاع المرّة حتى الأبد

و لنمجد يا أيها الغاب المنتحب

و يا أيها الوادي الكئيب

و يا أيها الكهف الأخرس

و يا أيتها البحيرة الواجمة

و يا أيتها الحياة المغمورة بالدماء

و يا أيتها الإنسانية التائهة المتوّجة بالأشواك الريّانة

بالدموع السائرة على بساط من لهيب الأوجاع

لنقدس كلّنا ذلك الألم الذي يجعل من الشاعر

قيثارة غريبة غامضة منطرحة

في ملتقى رياح الوجود

صداحة بأغاني الحب و الجمال

لنرتل يا قلبي الكئيب البائس

أنشودة الألم المرّة المخضّلة بالدموع

و لنرددها على مسمع

الظلام حتى الأبد

*مجلة ـ العالم الأدبي ـ عدد 7 سنة 1930

10 ـ النفس التّائهة

يا إله الحياة والموت!

إنني وحيد

تائه

في أحشاء الفلاة القاتمة

ومن مستقر وحدتي

وانفرادي

أدعوك يا ربي

لتنجدني

في بيداء الحياة

لقد طفحت نفسي بسآمة الفلاة الخرساء

وإمتلأ قلبي

بهدير البحار الزاخرة

وجاشت جوانحي

بزوبعة الظلام المتنمرة

تلك الزوبعة التي تتكلم بصوت أمّر من القنوط

وأدهى من سنابك الأيام

وكلّت أجفاني من مشاهدة الصخور الصمّ الرابضة

كأفئدة الجبابرة

المتساندة

كأحلام ماردية

أعياها المسير

تلك الصخور

التي عانقتها هجعات الزمن

وأحلام الدهور الخالية

فظلت ناعسة

وقد خضبتها عبراتي

وما فتئت جامدة وقد لامستها أحزاني

لأنها لا تفقه وحي الدموع

ولا تشعر بأجنحة الأسى

دعوت رفيقي البعيد

وكثيرا ما دعوته

ولكنه قد ظل محتجبا بالظلام

مختفيا في طوايا السديم

دعوت رفيقي البعيد وكثيرا ما دعوته

دعوته في آصال الحياة وأسحارها

وفي تبلج الدهر وقطوبه

دعوته بأسمائه المستعذبة

وكناه المستحبة

ولكنه قد ظل نائيا عني

مضطجعا في غمام الجبل

غير راحم وحدتي

ولا آبه لتلهفي واشتياقي

دعوته في ضحوة نهاري

حينما ترتعش الأفياء بين الهضاب

وتنطلق أحلام الصباح من أوكارها

مرتعية أنداء الظلم

متلمعة بين الأشعة

فكنت أقف بين الجبال المتشامخة

كأشباح الدهور

داعيا : يا رفيقي ! يا رفيقي !

دعوت رفيقي البعيد

وكثيرا ما دعوته

دعوته في ضرام الهاجرة

عندما تتمايل ظهيرة يومي فوق القنن

وتنساب الظلال نحو الكهوف

فكنت أقف بين الكهوف المتناوحة

كذكرى قصية حائمة بين قلوب هدمتها الحياة

مناديا : يا رفيقي ! يا رفيقي !

دعوته في الغروب

إذ يداعب النوم أجفان الوجود

وتراقص الأحلام ذاكرة الزمن

فكان صوتي ينبعث من شفتي صارخا:

يا رفيقي !

أين أنت

و كطائر ضل عن سربه بين الرمال

قد كان صوتي ينطلق حائرا مكتئبا

ضاربا في بيداء الحياة حتى تعترضه بنات الكهوف الهائمة

هاتفة: أين أنت ؟

إيه يا حياة ! …

إيه يا حياة ! …

ألم يبق لي فيك من رفيق

أسمع في صوته خفقان قلبي

وفي وحيه هجسات روحي

وفي عينيه رفرفة أحلامي

إيه يا حياة ! …

ألم يبق لي أيتها الحياة من رفيق

في هذه الفلاة الموحشة

إلاّ عرائس الأودية الضائعة بين الجبال

وبنات الجبال التائهة بين الأودية

إيه يا حياة ! …

إيه يا حياة ! …

إيه يا حياة ! …

ولكن حينما تعصف بي عواصف الموت

فسيهجرني حتى الصدى

وستسلوني حتى أمي الباكية

إيه يا حياة

وعندما يحتبس في صدري النحيب

وتصم في مسمعي الأصداء

وتمتلئ أجفاني بظلمات المنون

فسأثوي حتى الأبد بين هذه الصخور الخرساء

التي لم يتوهج بأعماقها لهيب السماء

ولا داعبت أحلامها أنامل الشفق

و لا قبّلت أفئدتها يقظة الصباح

إيه يا حياة ! …

إيه يا حياة ! …

إيه يا حياة ! …

ولكن إذا ما قضيت

فسأنطرح حتى الأبد بين هاته الأودية الجرداء

التي لا تذرف علي دمعة

ولا ترسل لأجلي تنهدة

ولطالما روّيت جوانحها بالدموع

وأترعت مسامعها بالنواح

إيه يا حياة

وآها منك منك يا ابنة الدهر

يا إله الحياة والموت

إني ضائع ، مستوحد، غريب،

ضللت سبيلي في هذه الفلاة الموحشة الضائعة بين فلوات الأبد

إنني ضائع مستوحد، غريب،

عدمت رفيقي في ظلمة الليل

وتخطفت بنات الجن مزماري الذي كنت أطرد به سآمة القفر

وعبوس الفلاة

يا إله الحياة والموت !

إنني ضائع، مستوحد غريب

ملأت أجنحة الأحزان المتلظية جوانب قلبي

بحفيف ملتهب أليم

إنني ضائع مستوحد غريب

قد اِلتهمت أنفاس الهاوية حميم نفسي الذي كان مخضلا

بدموعه الشعرية

فأصبح صامتا مقفرا كعش الخريف

واهيا، متهدما

كالضريح العهيد

هل أنت سامع صوتي

يا إله الحياة والموت ؟!

ومصغ لتنهدات أوجاعي

يا منجد القلوب الضائعة؟!

هل أنت ناظر إلى قدمي اللتين كلّمتهما الصخور

وإلى عبراتي التي ضرّجتها الدماء؟

هل أنت مصغ ، وناظر إلي

يا منير الأبصار المطبقة ؟!

متى أرى يا إلهي أحلامي مرفرفة بين الغيوم

وأسمعها متغنية فوق الرياح ؟

ومتى أرى قلبي مترنما

وأسمع روحي متكلما ؟

ومتى أبصر أعماقي تهتز بابتسامات الربيع

وأنظر أجفاني مكحولة بأنوار الصباح

ومتى تستنبت السماء الورود بين السبل العارية

وتستبدل الفلاة الهاجدة بفردوس منفرد يقظ

ومتى أعرف سبيلي

يا إله الحياة

والموت؟

جريدة النهضة الأدبية 16 فيفري 1928

11 – الشاعر

لقد رأيتك يا رفيق الحياة

تتغنى بوحيك بين الصنوبر

في ظلام الغاب

فرأيت في كل حرف من حروفك

جذوة ملتهبة

وفي كل كلمة من كلماتك

دمعة دامية

وفي كل نظرة من نظراتك

ألف ابتسامة ساخرة بالحياة

وما في الحياة

فاغتبطت بحزنك

وابتهجت بسخريتك

لأنني علمت

أنك فوق الحياة

وإن آلمتك الخطوب

ورأيتك في ظلام الليل

من وراء الدموع

شاكيا منتحبا

متبرما بحزنك

متضجرا من أساك

فألقيت إليك من وراء الحلك بابتسامة

مخضلة بالدموع

مغالبا مرارة نفسي

ومضاضة آلامي

لأنني رأيتك ضعيفا بحزنك

شقيا بأوجاعك

وأنا أبتغي أن أراك قويا باكتئابك

سعيدا بتلك الآلام التي تمزق قلبك

وتذيبه على ذوائب اللهيب

وأبصرتك في صباح الحلم

 تسعى على مسلك منفرد

قد أنبتت على حافتيه الأشواك

والتفّت على جانبه الأفاعي

مجدّفا على حياة

لا تلهو بغير القلوب

توّاقا إلى حياة غريبة قانعة

لم تخطها يد الأحلام إلا في فضاء نفسك

فأحببتك

لأن الشوق القوي

والحنين المتدفع هو الأفق الأول

من آفاق الخلود

ولكنني أشفقت عليك

لأنني رأيتك تتطلع إلى أبناء الحياة

فتراهم يمشون في مناكب الأرض

على سبيل قد عبدتها الأفراح

وتفتقت على حَفَافَيْهَا الزهور

فتبتئس

لأن الأقدار قد وضعت بين جنبيك تلك النفس الحساسة الطموح 

ولم تسكرك من كأسك التي ظمئت لها

منذ الأزل

أشفقت عليك

يا رفيق الحياة

لأن القمة الجميلة يؤدي إليها مسلكك

وأنت ناقم

والهاوية المريعة تقف عندها سُبلهم

وهم يهزجون !

وسمعتك في مساء الحلم

شاديا بأنّات قلبك

مترنما بأوجاع البشر

والناس من حولك هازئون

فلم أخش عليك من تلك الكتلة الملتهبة التي ضرّمتها في قلبك الأيام

لأن اللهيب لا يلتهم إلا الأنصاب والهشيم

ولم أفزع من ذلك النهر المترع بالدماء والعبرات

المندفع في جوانب نفسك

لأن السيل لا يجرف إلا ما سئمته الحقول

رأيتك باكيا، ورأيت الناس يضحكون

ورأيت صامتا، ورأيت الناس يصخبون

ورأيتك خاشعا ، ورأيت الناس في غفلة يلعبون

ورأيتك تحرك عودك السحري الجميل وتنتقل بين الجداول

ورأيت الناس يلعبون بالجماجم البشرية الدامية

وينهلون من كؤوس الدماء

كل ذلك قد رأيته

يا طائر السماوات

فسرت في سبيلي مفكرا بمساخر الأيام الشجية

ولكنني لما رأيتك بين الجموع البشرية القاسية

رافعا صوتك الإلهي النبيل بتلك الأنشودة السماوية التي أرتهم أنفسهم

كأصداف مكسورة

على شاطئ الحياة

إذ ذاك ناديت :

لتنصر رسولك يا إله الحياة ! ”

ولما رأيتك راجعا إلى غابك الشعري الجميل

والجماهير الفاجرة ترميك بالحجارة

وتضج وراءك ضجيج البحار

تسللت إلى غابك الجميل، وبقيت أنتظر الظلام

وحينما أخذت تستوحي النجوم

تناولت قيثارتي

وغنيت على مسمعيك أناشيد الخلود التي أسمعتك إياها بنات الشعر

في غابك المسحور

لتتغنّ بوحيك يا رفيق الحياة

فإن وراء هاته الجموع الكافرة

قلوبا نقية طاهرة، تحب نشيدك

وتتغنى بآياتك

لتتغن بوحيك يا رفيق الحياة

ولا تحفل بسخرية  أبناء الظلام

فإن البلبل الغريد لا يحفل بغياهب الديجور

هم الناس يا شاعر الأحلام !

لا يريدون من الشاعر إلا أن ينظر الحياة

بالمنظار الذي يبصرون به الحياة

فإذا ما تأمل الوجود بعينه

وقال لهم: ” إنكم يا هؤلاء تبصرون في بيداء الظلم

أعرضوا عنه وقالوا :

إن على أجفانه غشاوة حجبت عنه أنوار السماء

هم الناس يا شاعر الآلام

لا يبتغون من الشاعر إلا أن يكون رسّاما أجيرا

يرسم لهم مشاهد هذا الوجود على ما يشتهون

ولا من شعره

إلا أن يكون رسما جميلا تتألق أنواره

وتبتسم خلاله

وتتراقص حواليه أفراح الحياة وأوزانها

هم الناس يا شاعر الدموع

لا يفهمون من الشاعر

إلا أن يكون كالنحلة الهازجة التي تجني لهم رحيق الزهور

وتترك الشوك للعاصفة

ولا من الشعر إلا أن يكون ساحرا كأجنحة الفجر

هادئا كأشعة القمر

وأما إذ كان الشاعر كالنسر القوي الذي يجمع الجثث

ويفجر الدماء

وكان الشعر غضوبا كأنشودة الأمواج

مقطّبا كوجه الظلام، فإنهم يصرخون متضجرين :

إنه متشائم

لا يعرف من الحياة إلا أحزانها

ولا يسمع من قيثارة الزمن

إلا النحيب !

هم الناس يا شاعر الدموع !

لا يودّون من الشاعر إلا أن يكون مطربا كذوبا

يداجيهم

ينافقهم

مرتلا لهم ألحانا شجية تطربهم

ولا تبكيهم

وتفرحهم

ولا تشجيهم

ساترا دموعه باِبتسام متصنع

مسكتا صوت قلبه بضوضائهم التي يرضونها

أما إذا التفت إلى نفسه

وكشف لهم عما بها من كلوم

وأسمعهم صوتا من أصوات الألم الذي صغت عليه ضجاتهم

فاعتصم بالسكوت

فإنهم يصيحون متبرمين :

إنه أعمى لا يحدق إلا بالظلامولا يبصر إلا أودية الدموع ! “

هم الناس يا شاعر الأيام !

يؤثرون من كان رفيقا هينا كأنفاس السحر

يرتل لهم أغاني النوم

ويريهم أحلام السبات

على من كان كالعاصفة الغضوب

يوقظهم في وادي الظلام

ويحصبهم بالشوك والحصى

وهم يكرهون هذا

لأن الشوك يدمي أناملهم

والحصى يعمي أبصارهم

ولكن ليتهم يعلمون أن الشوك لا يهدر إلا الدماء الفاسدة

وأن الحصى لا يعمي إلا الأبصار المظلمة !

هم الناس

يا شاعر الموت !

يودون من الشاعر الذي أحنى رأسه إكليل المنية

وأطبق جفنه ظلام المنون

أن يرتل لهم أغاني الحب في فجر الشباب

مشببا بسرب من عذارى أفروديتساحرات الأجفان

فاتنات المراشف

ينظرن بأعين مكحولة بالنور

والأحلام

و يبسمن بشفاه وردية

قد صبغتها أشعة الشفق

وخضبتها حلاوة الابتسام !

هم الناس

يا شاعر السماء !

يطلبون إلى الشاعر وهو في أغوار الظلام

أن يسمعهم أنشودة الصباح

ويريهم طيف الفجر الجميل

منتصبا بين السماء والأرض

كحورية من عرائس الأبد قد بسطت جناحيها الفاتنين

وتطايرت من شفتيها وأجفانها الأنغام والبسمات

والويل له

ثم الويل !

إن أسمعهم صرخات الهاوية،

وضجات القبور

أو أراهم طيف الظلام الواقف

كما الواقف كمارد من مردة البشر

وجبّار من جبابرة الجحيم… !

الويل لشاعر

يتلو على قومه أغنية الظلام

لأنهم في قلب الظلام ويسمعهم بكاء الآلام

لأن الآلام واجمة في قلوبهم !

هم الناس يا صاحبي !

يحبون من الشاعر أن يضحك مثلهم

والليالي ساخرة بما يضحكون

فإذا قال لهم : ” إنني عليكم أبكي يا قومي !

ولأجلكم أنتحب يا أبناء بلادي ! ”

أعرضوا عنه هازئين

وقالوا : ” إنه شاعر مجنون يقف راثيا

منتحبا في أعراس الحياة

ويطل نادبا باكيا

في أفراح الدهور

هم الناس

يقولون ذلك لأنهم لا يفقهون

ولا يعلمون أنهم ضحايا في أعراس الجبابرة

وأصداف في لجة الأيام

هم الناس

يا روح الإنسانية التائهة !

يحبون من الشاعر أن يضحك مثلهم لبكاء الحياة.

أما الشاعر

فإنه يحب أن يرتل مع الحياة المضرجة بالدماء

مراثي الموت

هم الناس يضجون فرحين

لجهلهم وغباوتهم

أما الشاعر فيئنّ مكتئبا لنبوغه ومعرفته

هم الناس

يلهون ويطربون

لأنهم لا يسمعون أصوات القلوب

أما الشاعر

فيتغنى الأسى والمرارة

لقربه من قلوب البشر

هم الناس يقولون

كلما سمعوا شيئا لشعراء الدموع :

ما لهم ؟

هل ضاقت عليـهم مسالك الحياة ؟

أم سدّت في وجوههم أبواب الأمل ؟

فطفقوا يستلهمون الطبيعة ألحانا متفجّعة شاكية

ويصوغون من بسمات الحياة

دموعا بائسة دامية ؟

هم الناس

يقولون ذلك كثيرا

ولكنهم سيعلمون ما شعر الكآبة والملل

وما شعر الدموع والآلام

فإلى الغد القريب يا شاعر الحياة والموت !

إلى الغد القريب

يا شاعر الأحلام

والآلام !

18 محـــــرم 1348

الموافق لـ 26 جوان 1929

12 ـ صفحات دامية من حياة شاعر

تلك حياة بعيدة

تجلّت كالفجر

وتوارت كالحلم

واِضمحلت في ظلام القبور

تلك حياة جميلة

قد تهادت غيمة وردية في سماء الوجود

وتدفّقت نهرا مترنما بأحلام البحار

ثم سارت جدولا صامتا في أودية الموت

تلك حياة شعرية ساحرة

قد حاكها الأمس من آصال الفردوس وأسحاره

ووشّتها أنامل الدهر بأزهار الربيع

تلك حياة فتيّة حالمة

ما اِستحمت في لجة الليالي والأيام

ونشرت غدائرها الذهبية فوق المياه

حتى تخطفتها المنايا وسارت بها إلى مأواها البعيد

وهناك

في ظلمات الأبد الغامض الرهيب

تتألم تلك الحياة الشقية، وتبكي وحدها بين الصخور

كنا نسير نحو الغاب

وكانت غمائم الحقول تحدثنا عن الحب والحياة

وكانت تقنّع السماء سحابة رقيقة ساجية

كأنها قناع حورية من بنات الأحلام

أو رداء ملك من ملائكة الفردوس

وكان الغاب يبدو في ضياء القمر كرؤيا نبي أو خيال شاعر

وكان الحب يتهادى أمامنا

ثملا بين المروج الناعسة في سكون الليل

وعلى منكبيه درع قصير كضباب الصباح

جميل كغيوم الربيع

ومن حواليه بنات الربيع يتناغين بصوت أعذب

من أغاني السواقي بين الحقول

ولما اقتربنا من الغاب سمعنا طائرا

يغني أنشودة القمر

و سمعنا قيثارة الحب تترنم في جواره

و سمعنا صوتك العذب الجميل يتغنى بوحي الجمال

يا اِبنة الليل، ويا ربة الأحلام

ولما جلسنا في ظلال الزيتون

وبين أشجار اللوز المزهرة

كان الطائر قد سكت

وكانت قيثارة الحب تتأوه في يديك

يا اِبنة الليل ويا ربة الأحلام

وكانت أناشيد الغرام تنزل علينا من مكان بعيد

ولبثنا نصغي لأنشودة الحب

حتى توسط البدر قبة السماء

واِختلجت كواكب الليل

وإذ ذاك شعرت بالحب يستجيش في قلبي

وبالحياة تتدفق من شفتي

تلك كانت حياتي بالأمس

حينما كانت نفسي بخورا يتضوع في معبد الحب

ورحيقا يهرق تحت أقدام الجمال

وأنشودة إلاهية

تتغنى في هيكل هذا الوجود

تلك كانت حياتي بالأمس

حينما تمايلت في قلبي رؤى الحب الجميل

كما تتمايل غلائل الحور

في ضياء القمر

واِصطففت في صدري أحلام الشباب الأولى

كما تصطفق أمواج البحيرة الموردة

بأشعة الشفق الجميل

تلك كانت حياتي بالأمس

حينما كان هذا القلب الخفوق

يتضوع بعبق الحياة

ويتوهج بنار الخلود

ويزخر بشتى العواطف والأحلام

وحينما كانت نفسي تركع

في محاريب الغاب الجميل

مرتلة صلاة الحب وأغاني الفصول

تلك كانت حياتي بالأمس

حينما طفح بقلبي خمر الحياة

وترنمت في نفسي أغاني الوجود

وراقصت أحلامي عرائس الغابات

تلك كانت حياتي بالأمس

وما شيده الأمس في ضباب الفجر المرصع بالنجوم

قد هدمته الأهوال في أحشاء الكهوف العابسة

وأفنت بقايا غيلان الظلام

تلك كانت حياتي بالأمس

أما اليوم

فقد اِنكسرت بين فلوج الموت تلك الزهرة السماوية الطاهرة

التي كانت تحبب لي البقاء في هذا العالم

وبقيت وحدي

بين الصخور

أشبّب بالموت

وأتغزل بأهواء القبور

مجلة العالم الأدبي ـ ماي ـ 1930

13 ـ أيها القلب

بين الأمواج الباسمة

تتهادي أصداء قلبي واِبتسامات روحي ؟

أم في أعماق الهاوية

تتمرغ على مضض ألحاني وأنغامي؟

لتقترب إلى قلبي أيها النهر المتغرد

فعسى أن يحس قلبي لأغانيك الطائعة رنّة هاجعة بين ألحانك

وعسى أن تبصر روحي الكئيبة بين طيوف تلك الحياة القصية الشاردة

فلقد قضت في قلبي الأخرس نغمة الحب الثملى

برحيق السماء

وتجمدت أغنية النفس في قلب الوتر الخفوق

فلم تعد تسمع الحياة من وتري

أو من شفتي

رنات النياحة والنديب

أما تلك النغمة الهفّافة والجذابة

فقد أمست كئيبة واجمة

وكأنما هي طيف المساء الصامت الحزين

كفى أيها القلب !

فقد أعتم الليل ونامت أغاني الأمواج بين صخور الوادي

وسيأتي الفجر الضحوك فيوقظها من سبات الظلام

أما أنت فستلبث معتما حتى الأبد

كفى أيها القلب !

فقد أغفت أجفان الزهور

ولم تعد تبصر إلا الأمل الحالم بأضواء الغد

وسيأتي الصباح

فيمسح أجفانها بدموعه الطاهرة

أما أنت

فستظل تائها في بيداء القنوط

دون أن تطبق جفنيك

على جداول الدموع

أو تفتكر

باِبتسامة الآتي

مجلة العــالم الأدبــي عدد 6 ـ أوت ـ 1930

14 ـ الذكريات الباكية

آه

تلك حياة تجلت كالفجر

وتوارت كالحلم واِختفت وراء السحب النائية

وخلفتني هائما بين شعاب الجحيم

هناك

على تلك التلاع المخضرة التي وطئتها أقدام الربيع الجميلة

ووشّتها أنامل السحب

هناك

أيّان يتدفق عباب الحياة زاخرا بغير أناة

وتتموج أحلام الوجود المصبغة بألوان الشروق والغروب

وتتعاقب أغاني الفصول بين رياحين الجبل الملفوحة

وأغصان الصنوبر والزيتون

هناك

تعلمت أناشيد السماء الخالدة بغير نصب

وتلقيت وحي الطبيعة بين جلال الكون وجمال الربيع

وهناك

غنيت مع ملائكة الفردوس أناشيد المحبة والكمال

وهناك

سكرت نفسي بخمرة الحب وجمال الحياة

فأحببتكم أيها الناس

في نفس تلك المعبودة الساحرة التي وضعتها الأقدار

في سبيلي

أحببتكم

وأحببت كل ما في الوجود

حتى وددت لو كنت قيثارة

تتغنى بكل لحن وتطرب كل موجود

هناك

على مناكب التلاع المخضرة

أين تتراقص أسراب العذارى من بنات الغاب الوادعات

منشدات أناشيد الغبطة القانعة

هناك

قد كنا في الصباح ننتقل بين الأعشاب المنمقة

بنطاف الظل الجميل

وفي الهاجرة نلوذ بأفياء الأدواح الوارفة

وفي المساء

نرمق بقايا الشمس الغاربة

ونصغي لرنيم الطيور

هل أنت ذاكر أيها الغاب

تلك الليلة الجميلة الساحرة المنمقة بالنجوم

حينما رنّحت قلبينا أنشودة الحب وجمال الربيع

فسألتها بحق الحب الذي أسكر نفسينا من كاس واحدة

أن تلقي على مسمع الليل أغنية واحدة

تتغنى بها بنات الغاب في زمان الربيع

فقد ملّت نفسي أناشيد العالم وغناء الطيور

واِشتاق قلبي لصوت الحب في شفتيك

فمن صوتك أقتبس الوحي والإلهام

ومن شفتيك أتعلم الشعر والأنغام

فألقت رأسها على عاتقي

وصمتت

كأنها تصغي إلى صوت روح بعيد

وبصوتكأنه رنّات مزمار في يد جنية ساحرة

طفقت تغني هاته الأغنية الجميلة:

( في ضياء القمر حيث يحلو النشيد )

(………………………………………….)

ولكن …. ماذا يجديكم أيها الناس

لو ذكرت لكم تلكم الأغنية الخالدة ؟

ماذا تجديكم؟

والصوت المقدس الذي رتلها في غبار النجوم

قد أخرسه الموت وطواه الأبد

ماذا تجديكم ؟

والبلبل الذي طفحت بها روحه وغرّدها في ضياء القمر

قد أصبح بعيدا …. بعيدا

نائيا عني وعنكم خلف الأفلاك الدائرة

لتلبث أغنية الحياة والحب في قلبي المائت

كما لبث ثوى الحب في أعماق القبور

ولتسكن أغنية الحب والجمال بين أحزان نفسي الدامسة

كما سكن الحب في غياهب الموت

ماذا تجديكم تلكم الأغنية الخالدة التي تتغني فتنة الحب

وسحر الحياة وطهارة الجمال؟

إنها أغنية نفس جميلة شاعرة

قد غاصت في لجّة الحياة والموت

وأنفاس زهرة يانعة قبرتها الثلوج

إنها هي الألحان التي ترنمها طيور الربيع

والعبير الذي يعبق ورود الفلاة

والشفق الساحر الذي تبسطه خلفها شمس الأصيل الغاربة

إنها لحن جميل

مازالت تردده بنات الغاب في زمان الورود

وبينما كانت تتغنى

شعرت بالحب يتوثب في قلبي وبالحياة تتدفق من شفتي

فأخذت القيثارة

وضربت عليها ضربات شجية على غير قاعدة ولا نمط مألوف

فكانت تتأوه في يدي كما تتأوه الريح في أعماق الأودية البعيدة

ثم أخذت أعزف عليها

وروحي تترنم بهاته الأنشودة الحرة الشاعرة :

أيتها النسمات الرخية، الرائعة في أقاصي الغاب

ما بين أدواح الصنوبر والصفصاف

المترنمة بأحلام الليل

وأشعار النجوم

أيتها الأرواح الجميلة

الراقصة بين ورود الأودية وزنابق الكهوف !

قفي قليلا ،

واستمعي لهذه النغمة الإلهية العذبة

التي ارتفعت بها عقيرة الحب والجمال

وأطرقي خاشعة في معبد الحب

مصغية لهذه الأغنية الساحرة

التي تتغنى بها معبودتي بين الورود

واسمعي أغنية الحب

وترنمي بها في سكون الليل

بين الينابيع الصافية والغدر الساجية

أيّان تضطجع النجوم وتتراقص أحلام الورود !

ثم سكتت روحي

وظلت مصغية كأنها في عالم مسحور

وظلت القيثارة تتغنى وتملأ سكينة الليل بالأنغام

والحبيبة الساحرة تتلو أغنية الحب للحياة

وترتل أغاني الشباب الحالمة

تلك حياة تجلت كالفجر

وتوارت كالحلم الجميل

فهل أنت ذاكر أيها الغاب هاتيك الحياة ؟

قبليني قبلة قوية تترنم

ودعيها تتغنى في ضياء القمر

قبليني !

فما أعذب الحياة في جوارك

أيتها الفاتنة!

فإذا بأجفانها مطبقة كأنها في حلم

وإذ بنا معتنقان

ثم طارت نفسانا في سماء كون أجمل من فردوس آدم

وفي سكرة الحب تنهدت من كل قلبي هاتفا :

آه !

ما أعذب طعم الحب في شفتيك !

وما أغزر النور في عينيك !

فغمغمت كأنها في حلم .

فما أحلى جمال الحياة !

ثم رجعنا

وفي قلبي فرح لا يُحد، وغبطة لا تطاق

وفي شفتي عذوبة ما ألفتها نفسي

وحلاوة ما تذوقتها من قبل

ولما اِضطجعت على سريري

أخذت أفكر في تلك المخلوقة الجميلة التي وضعتها المقادير في سبيلي

وألقتني لأجلها في خضم الحياة

أو التي أرتني النور وقد كنت أعمى

وعلمتني النطق وقد كنت أخرس

وأسمعت قلبي موسيقى هذا الوجود

وقد كنت قبل ذلك أصم

لا أعي

ولا أسمع

وعندما جاء الصباح

ذهبت إلى الغاب وحدي

وسلكت الممّر المنفرد بين أشجار الزياتين

وطيور الصباح تتطاير هنا وهناك

متغردة بشجى فرحة

فأخذت أغني أنشودة فاضت بها نفسي

ووقعتها مشاعري

ولكنني أُنسيتها وما عدت أذكر إلا:

غننّي وأنشديني

يا عصافير الصباح الفرحة

في مقعد قبلت في الليل الصباح

في جوار الغاب ما بين الورود !

ولما وصلت الصنوبر المبلل بندى الليل

حيث كنا نجلس عند الغروب شاخصين بشمس النهار الآفلة

وقفت أحدق بالضباب البعيد المنعقد فوق الجبال

ثم هتفت بدون عزم ولا إرادة :

قبليني

يا أزهار المروج !

والتمسي عبير السموات

من شفتي

واقبسي منهما

جذوة الخلود الساطعة

فإنهما تقبلا القبلة العذبة من تعرفين

وتناولا رحيق الحياة من شفتيْ تلك الصبية الحسناء الساحرة

قبليني يا أزهار المروج !

واِنهلي من عيني ضياء النجوم

فإنهما قد ترشفا النور المقدس من عينين طافحتين

بوحي السماء

ناطقتين بأسرار الجمال

قبليني

يا أزهار المروج !

وباركيني يا أيتها الحياة

فإنني اِبن حنانك الذي علمته المحبة بالألم والغبطة بالمرارة

ونفخت فيه من روحك الجميلة المتغنية

وضفرت له من الحب الطاهر إكليلا من الرحمة الشاملة

رداء سماويا يتألق تحت نور الشمس

وأنت يا أيتها العواصف الصمّ المزمجرة بين الغصون

ألا فلتنأيْ في الأغوار البعيدة النائية

ولتهجعي حتى يجيء المساء

يا أيها الحلم الشارد ! ويا أيها الأمس المفقود !

لقد كنت فردوسا سماويا جميلا

تمرح في ظلالك شبيبتنا الحالمة

ولكنك ما لامست يد الدهر حتى هجرتك الحياة

وما داعبك النور حتى أخفاك الظلام

ساريا في مجاهل الأبد

يا أيها الأمس الجميل البعيد !

لقد كانت فيك حياة تترنم فما فعلت بتلك الحياة ؟

وكان فيك إيروسينفخ نايه فأين تولى إيروسالجميل؟

وكانت فيك صبية الأحلام

فماذا فعلت بتلك الصبية الساحرة ؟

قل لي أيها الأمس ماذا فعلت؟

ماذا فعلت بتلك البسمات الغريرة التي تألقت بين جنابتك

كأضواء النجوم

وبتلك النظرات الضاحكة التي خفقت في سماواتك

خفوق أجنحة الفراش

غيوم الربيع

وبتلك القبل التي رنت بين أدواحك

رنين الأجراس الفضية

وبتلك الحياة الغضة اللاعبة التي كانت ترفرف حولك

بأجنحة ينمقها الطل

وتنضدها الورود

عانقيني يا ابنة الحب

و انظريني !

ففي عينيك الحالمتين عمق الحياة و أسرارها

و طهر الملائكة و أحلامهم

ورقة الشعر الجميل و ألحانه

عانقيني يا اِبنة النور والحب

فمن عينيك الصافيتين

تسطع الأضواء الخفية التي قنعت روحي

قبل الخليقة

بقناع سحري فتان

قبليني يا ابنة الحب واُنظريني !

ففي عينيك تلك الخمرة الصافية

التي ظمئت لها روحي

في أعماق الأزل

وفي شفتيك أنشودة الأمل الطاهر

وسلسبيل الغرام الذي صبت له نفسي

بين جوانح اللانهاية

اِرفعي رأسك

واَنظري أيتها الحبيبة المعبودة !

فها هو البلبل يترنم في ظلال الغاب

وها هو الغاب يناغي النجوم

انظري أيتها المعبودة إلى البلبل

ما أجمله في رداء القمر !

وإلى الكون ما أرقّه في سكينة الليل

وإلى الحياة ما أعذبها نائمة حالمة

انظري يا حبيبتي المعبودة إلى القمر السابح بين الغيوم

واستمعي لنجوى روحي التي لا يفهمها سواك

اِسمعي

فقد أخذت روحي تناجيك بصوت لا تدركه الحياة

لأنه أعمق من الحياة ولا يفهمه الليل

لأنه من أغاني الصباح

اُنظري إلى جفني المسحور بحسنك أيتها الحبيبة !

وضعي يدك الجميلة على شعري

لا تتركيه لبنات الليل العابثات

ضعي يدك الجميلة على شعري

وضميني إليك يا اِبنة الحب والجمال !

فإلى صدرك أشعر بالحياة تزخر في قلبي

قوية عارمة

وإلى جانبك أرى الكائنات تشف عن جمال فتان

ضميني إليك

والثمي شفتيّ !

ففي كبدي غلة

لا ترتوي إلا من ثغرك الجميل

وفي عيني ظلمة

لا ترتفع إلا بأشعة عينيك الساحرتين

قبليني أيتها المحبوبة الساحرة !

قبلة تكون لقلبي عزاء في مأتم الدهر

ونورا في دياجير هذا العالم

حتى إذاما استطاعت عواصف الدهر

أن تمحو أفراح هذا القلب ومسراته

وإذا ما أرادت ثلوج الحياة أن تغيّر ورود هذه النفس وأوراقها

فإنها لا تستطيع أن تسكت في قلبي

صدى قبلتك العذبة

ولا أن تخمد في شفتي

أجيج الغرام

تلك حياة تجلت كالفجر

و توارت كالحلم

واِختفت وراء السحب النائية

وخلفتني هائما بين شعاب الجحيم

هناك

يا للأسى !

بين عروش الصنوبر والزيتون

كنا نفترش العشب ونلتحف الظلال

متحدثين عن جمال السماء وجلال الله

عازفين مع الحياة المترنمة بين الجداول المترنمة بين الخمائل

حالمين مع الأوراد الراقصة بين السهول

ناثرين أمانينا على بساط الأعشاب الندية الضاحكة

تلك حياة تجلت كالفجر

وتوارت كالحلم

واِضمحلت في غبار الدهور

وخلفتني ضائعا في غيابات هذا العالم

هناك

على ضفة الغدير الجميل

قد كنا نجلس بعيدين عن متاعب الدهر ومخاوف الأيام

نترشف الكأس الرويّة التي أعدتها لنا السماء

مشعشعة برضاب الحياة

وبين الينابيع العذبة الصافية التي كانت تنفجر من قلب الغابة السحري

كما يتفجر الشعر من أعماق القلوب

قد كنا نتذوق على مهل ملذات الحب

ومسرات الوجود

ومن حولنا تتغنى غمائم الغاب

وتتراقص زنابق الأغوار

بالأمس كنا

وكان الشباب

وكان الحب يكلؤنا بجناحيه

وكانت الحياة أنقى من نطف الطل وأجمل من كوكب الغروب

وكانت الأحلام تتدفق بعزم

من قلبين طافحين بخمر الشباب

حالمين على عتبة هذا الوجود

بالأمس كنا

و كان الشباب

وكانت أنسام المساء الرخية تنحدر من هضاب الغاب

وكأنها أرواح ضالة في رياض الفردوس

وكانت الأطيار ترفرف في الأفق المنير

كما ترفرف الذكريات الحلوة في أعماق القلوب

بالأمس كنا

وكان الشباب

وكان الربيع الغرير شاعر الحياة المفتون

يلقي ملاءته السحرية المنمقة بالشقيق والأقحوان

فوق الحقول

ثم يجلس تاليا أسطورة الحياة وأغاني الشباب

مشبّبا بعذارى الغاب الناعسات على ضفاف الأنهار

وكانت السواقي المنعرجة تنساب في دفق وديع

بين أعشاب المروج الحالمة

وكان هذا القلب الخفوق يتضوع بعبق الحياة

ويتوهج بنار الخلود

ومثل نبيّ

فاجأه الوحي على غرّة منه

قد كان قلبي يركع بخشوع وغبطة

في محاريب الغاب الجميل بين جذوع الصنوبر والبلوط

وهناك

كنت أستمع في خشوع لذلك الصوت السماوي

الذي اِحتجب عن مسمعي حتى الأبد

ذلك الصوت الذي هل أنت ذاكر أيها الغاب صوتها الجميل

وصورتها الملائكية المحبوبة

حينما غنت تلك الليلة أغنية الحب بين أغصانك ؟

آه من سواعد الموت

ما أقواها وأصلبها !

ولكن

ما لي أراك تنتحبين أيتها النفس الشقية

ألا تسكتي كقلب الظلام ولتصبري حتى يأتيك المنون !

فما بعد النزع إلا الموت

وما خلف اللجّة إلا الهاوية

في تلك الليلة الجميلة العذبة المنمقة بالنجوم

كنا نسير نحو الغاب

وكانت غمائم الحقول تحدثنا عن الحب والحياة

ولما اِقتربنا من الغاب

سمعنا البلبل يغني أنشودة القمر

وسمعنا قيثارة الحب تترنم في جواره

ولما جلسنا كان البلبل قد سكت

وكانت قيثارة الحب تترنم

ولبثنا نصغي لقيثارة الحب حتى توسط البدر كبد السماء

واِختلجت كواكب الليل

وإذ ذاك شعرت بالحب يتوثب في قلبي

وبالحياة تتدفق من شفتي

فركعت أمامها وأخذت في هذه الصلاة الحارة

تلك حياة شعرية ساحرة

قد حاكها الأمس من شروق الوجود وأسماره

ووشتها أنامل الدهر بأزهار الربيع

تلك حياة بعيدة

قد تجلت كالفجر

وتوارت كالحلم

واِضمحلت في ظلام القبور

تلك حياة جميلة

قد تهادت غيمة وردية في سماء الوجود

وتدفقت نهرا مترنما بأحلام البحار

ثم جدولا صامتا في أودية الموت

تلك حياة قصية نائية

تألقت كالنجوم

وتبخرت كالغيوم

واِضمحلت كأنفاس الزهور

تلك قصيدة إلهية رتلتها على قلبي عذارى الخلود

ثم حالت بيني وبينها عواصف الدهر

تلك حياة فتية حالمة

ما استحمّت في لجة الليالي والأيام

ونشرت غدائرها الذهبية فوق المياه

حتى تخطفتها المنايا وذهبت بها إلى مداها البعيد.

وهناك

في ظلمات الأبد تتعذب تلك الحياة الشقية

وتبكي وحدها بين الصخور

اِسمعيني يا اِبنة الليل الساهرة بين النجوم

الحياة الضائعة

ِاسمعيني يا ربة الحب والحياة !

اِسمعيني

ففي قلبي شكاة لم تجد سامعا

وفي نفسي حرقة ما لها من خمود

اِسمعيني

فقد نام كل شيء في هذا العالم

ولم يبق إلا روح معذبة ترنو إليك

وذكريات تائهة ترتعش في ضباب النجوم

اسمعيني

فقد اِنتشى بخمر الظلام كل موجود في هذا الوجود

ولم يبق إلا قلب شقيّ بحسه

قويّ بأحزانه

وحيد بأوجاعه

وأحلامه

يناجي وحده سكون الحياة

ويرمق من غصون الغاب خلجات النجوم الآفلة

إن يقظة الحزن قوية خالدة

لا تصرعها مواكب الليل

ولا يسكرها رحيق النجوم !

لقد أغفى كل شيء يا ابنة الليل !

فاسمعيني

لقد نامت وسوسة الجداول بين أزهار الحقول

إلا نفسا هينا

يتردد فوق الأعشاب كأنفاس طفل نائم على صدر أمه

واِستلقت أغاني الغاب الجميل فوق السهول الحالمة

وأسكت الليل كل صوت يصعد نحو السماء

إلا زفير القلوب الدامية

فقد ظل شاكيا يتوجع في أودية الليل

وكهوف الظلام

وإلا أنين الرياح

فما زالت تتأوه بين جذوع الصنوبر و الزعرور

اِسمعيني يا ابنة الليل وانظري إلى سخرية الوجود

فما زالت الرياح تهب من صميم الغاب

معطرة بأنفاس الزهور

وما زالت نجوم الليل تلمع في الأفق البعيد

وما زالت الحياة كما كانت بالأمس

جميلة ضاحكة

كأن لم ينقصها شيء في هذا العالم

آه

ما أقسى الحياة !

وما أغرب مشاعر هذا الوجود !

اسمعيني يا ابنة الليل الساهرة بين النجوم

وأسمعيني قصيدة الحب والحياة

التي كنت تنشدينها حوالي الأمس

اسمعيني يا ابنة الليل

فقد كنت لي زمان الحب بلبلا سماويا

بسلسل الأنغام الخالدة

لقد كنت قيثارة إلهية في ضياء القمر وليالي الأحلام

فما لك لا تٌسمعيني اليوم صوتك

وأنا شعلة باكية في صميم الوجود؟

ولكن

آه !

إنك اليوم قيثارة واجمة

مزّق الدهر أوتارها

وجرح دام يتأوه

بين النجوم

هل تذكرين يا ابنة الليل !

تلك الليالي الجميلة المضمخة بالسحر الموشحة بالأحلام ؟

أتذكرين تلك الليالي العذاب

حينما كانت تجلس إلى جانبي عروس الحلم

وحينما كانت أبصارنا تلتقي عندك وتستوحي أغانيك

هل تذكرين يا ابنة الليل

تلك الليلة السماوية التي قضيناها في عالم الخلود

بعيدين عن أحلام الحياة وأنباء الحياة

هل تذكرين

كنا نسير نحو الغاب

وكانت غمائم الحقول تحدثنا عن الحب والحياة

وكانت تقنع السماء غمامة رقيقة ساجية

كأنها قناع حورية من بنات الأحلام

أو رداء ملك من ملائكة الفردوس

وكان الغاب يبدو في ضياء القمر

كرؤيا نبي أو خيال شاعر

ولما اِقتربنا من الغاب سمعنا البلبل يغني أنشودة القمر

وسمعنا قيتارة الحب تترنم في جواره

وسمعنا صوتك الجميل يتغني بوحي الجمال يا ابنة الليل

ويا ربة الأحلام !

ولما جلسنا كان البلبل قد سكت

وكانت قيثارة الحب تتغنى في يديك

وكانت أناشيد الغرام تتنزل علينا من مكان بعيد

ولبثنا نصغي لقيثارة الحب حتى توسط البدر كبد السماء

واختلجت كواكب الليل

إذ ذاك شعرت بالحب يستجيش في قلبي

وبالحياة تتدفق من شفتي

فركعت أمامها

واندفعت في هذه الصلاة الحارة التي ألقيتها في نفسي

فرتلتها شفتاي :

باركيني يا اِبنة النور والمحبة

فلقد تغنيت باِسمك منذ الأزل، ودعوتك من وراء الوجود

باركيني يا اِبنة النور والمحبة

فلقد صليت لك في أعماق قلبي قبل أن تبدأ الأكوان

وعبدتك بين الكواكب وأنا شعاع طائر في الأفق البعيد

باركيني يا اِبنة النور والحب

فلقد تغنيت باِسمك وأنا خمرة سكرى بين الينابيع الخالدة

وعبير يتطاير في سماء الله

ودعوتك وأنا ما حلمت بأفراح العالم وأتراحه ،

ولا تمثلت ضباب الفجر

وضياء القمر

باركيني يا اِبنة النور والمحبة

فلقد تغنيت باِسمك حتى تمخضت بي الأوجاع

وولدتني الحياة في غرفة الأيام

ودعوتك حتى قبّل النور شفتي

وأنار الصباح عيني

وعلمني الحب الكلام

باركيني يا ابنة النور والمحبة

فلقد صليت لك في أعماق قلبي

وأنا ذرة ضائعة بين السدم

وضباب هائم بين الظلال

و دعوتك قبل أن يلامس الليل قلبي بشفتيه

ويعانق الفجر روحي بجناحيه

باركيني يا اِبنة النور والمحبة

فلقد صليت لك في أعماق قلبي

وأنا فكرة غامضة تضطرب بين أعماق الموت وأمواج الحياة

و أنشودة خافته ترتعش في قلب اللانهاية

وحقيقة عارية تأتلق في صميم الوجود

لقد عبدتك في حياتي الماضية

وسأعبدك في حياتي الباقية

حتى الموت

مع الأمس كنا وكان الشباب

وكانت ليالي الغرام العذاب

وكانت أزاهير ذاك الربيع

وكانت أفاويق ذاك السحاب

وكانت أغاني تلك الحياة

وكانت أغاني تلك الكعاب

أين أنت يا أيها الحلم الضائع البعيد

أين أنت في أمسي التائه المفقود

أين أنت يا خير أيامي

ويا زهرة العمر الحديب

لقد كنت فردوسا سماويا جميلا

تمرح في ظلاله شبيبتنا الحالمة

ولكنك ما لامست يد الدهر

حتى هجرتك الحياة

وما داعبك النور حتى أخفاك الظلام

وما تطلبك الوجود

حتى كنت طيفا شجيا ساريا في مجاهل الأبد

يا أيها الأمس الجميل البعيد

لقد كانت فيك حياة تترنم

فماذا فعلت بتلك الحياة؟

وكان فيك إيروس ينفخ نايه

فأين تولّى إيروس ؟

وكانت فيك صبية الأحلام

فماذا فعلت بتلك الصبية الساحرة ؟

قل لي أيها الأمس ماذا فعلت ؟

ماذا فعلت بتلك البسمات الغريرة الطاهرة التي تألقت بين جنباتك

كأضواء النجوم ؟

وبتلك النظرات الضاحكة التي خفقت في سماواتك

خفوق أجنحة الفراش ؟

وبتلك الأحلام الجميلة التي تمايلت في فضائك

كأوراد الغاب وغيوم الربيع ؟

وبتلك القبل التي رنت بين أدواحك

رنين الأجراس الفضية ؟

وبتلك الحياة الغضة اللاعبة التي كانت ترفرف حولك

بأجنحة يرصعها الطل

وتنمقها الورود ؟

آه !

لقد كانت حياتي فيك حالمة الفؤاد

تصغي لنجواك الجميلة وهي وحي لا يعاد

فيها أناشيد الخلود تهز أعطاف الجماد

فيها مسرات الوجود فهل لعهدك من معاد ؟

ألعل طيفك سوف يخطر في المخاوف بعد حين

فيعيد لي حلم الحياة الغض وضاء الجبين

ويعيد لي ما قد طواه االموت في تلك السنين

كلا ! فلست بعائد بل تلك أحلام الجنون

15 ـ الذكرى

أحببت من قبل وليس لي أن أحب من بعد

لأن الحب واحد كجوهر الحياة خالد لن يستحيل

وفتح قلبي الحب .ثم أوصده الموت .وما أوصده الموت

لا تستطيع فتحه الحياة

وأنطق شفتي ثم أخرسهما القنوط

وما أخرسه القنوط

لا تنطقه أحلام الدهور

هكذا تعقب الدمعة الابتسامة وتتلو اللذة الحسرات

وهكذا تخمد اللوعة أشعة الأحلام.ويسكت النحيب أصوات القبل الساجية

وهكذا تضمحل بسمات الليالي

وتخبو نظرات الأيّام المترعة بسحر الغرام.

وهكذا تنسحق الحياة في هاوية الموت الرائعة

رحماك ربي!

لقد طغي بقلبي القنوط و هاجت بنفسي الذِكر

فماذا المصير!وأين المفر

سلام على عهد طمسته مطارف الزمن

سلام على حلم خلوب سحقته أقدام الليالي وسنابك الأيام

سلام على زهرة فتانة ساحرة مغمورة بأنوار السماء

مخضلة بأنداء المحبة أنبتتها الحياة على ضفة الأحلام

ثم جرفتها أمواج الدهور إلى أحشاء الأبد القاتمة

سلام على جذوة أمل ألاّق أخمدتها سكينة الأجداث

وقبرتها أطباق الرماد الخابية

سلام على شعلة حب سماوية

تلاشت في أبعاد الفضاء

الكئيب

سلام على زهرة الحب التي ترشّف الدهر رحيقها

فتهاوت بين أحساك القنوط

وعلى شفتيها لوعة الخيبة

وبين أجفانها مرارة الأوجاع

أيها النهر المتغرد بأغنية الحياة الصادحة

تسمّع إلى أنّة القلب التي تتحدّر شؤونا خرساء

ودموعا واجمة

واِشهد مصارع الأحلام التعيسة الهاوية

فقد طارت من شفتي أنشودة الحب

وضاعت من وتري ألحان الأمل

وقد تعذرت على شفتي تلك الأغنية الرقيقة

التي طالما كنت تصغي إليها متسلسلة من شفتيّ

و بكمت على وتري تلك الأغرودة العذبة

التي علمتنيها عروس الأحلام النائية

أما قيثارة أحزاني فقد أصبحت فياضة، صادحة

ترى أين اِستقرت أنشودة الحب ؟

وأين توارت أنغام الأمل ؟

في أي واحة من واحات الحياة

تتغنى أنشودتي وألحاني ؟

وفي أي واد من أودية الموت

تتعذب أغاني الجميلة ؟

أين المروج الباسمةّ

تتهادى أصداء قلبي واِبتسامات روحي ؟

أم في أعماق الهاوية

تتعسف على مضض ألحاني وأنغامي

ولتقتربْ إلى قلبي أيها النهر المتغرد !

فعسى أن يحس قلبي لأغانيه الضائعة رنة هاجعة بين ألحانك

وعسى أن تبصر روحي الكئ