الأرشيفات الشهرية: فبراير 2019

آخرُ ما قرأتُ…

– 1-
– من النّغم الخفيّ – للشّاعرة هدى صدّام

-بعد نصف قرن أو يكاد صدر للشاعرة التونسية هدى صدام مختارت من أشعارها التي ظلت شبه منسية والحال أن الشاعرة تعتبر من أولى الشاعرات التونسيات المعاصرات ولعلها هي الثانية بعد الشاعرة زبيدة بشير ثم تليها الشاعرة فضيلة الشابي والشاعرة هدى صدام أصيلة القيروان وهي من أسرة عريقة سليلة مجد وأدب ولا شك أن ظروف نشأتها قد ساعدتها على ترسيخ موهبتها ورعت شاعريتها على أسس المعايير التقليدية للقصيدة فنقرأ لغة صافية شفافة وصورا موحية تنضح بعاطفة زاخرة بوهج المعاناة فأغلب قصائد هدى صدام مرايا لحالاتها الوجدانية بما فيها من ظلال شجونٍ ثخينة وأحلام دفينة غير أننا نلاحظ سِمة واضحة في كثير من القصائد ألا وهي الاعتزاز بالنفس ربما يصل إلى حدود الأنفة ويتجاوزها إلى الكبرياء… هي كبرياء الأنثى في غنجها أحينا وفي تحديها أحيانا…كيف لا وهي الشاعرة المالكة لأعنّة الفصاحة    والمعتزة بالقيروان التي أهدتها هذا الديوان قائلة – إلى القيروان نبع العشق والشعر والأحلام
وإن القصيدة التي اِختارت لها الشاعرة عنوان – حب وكبرياء – تعبّر بوضوح عن أهم خصائص شعرها معنى ومبنى والتي تقول في أولها
 
أحلى الهوى ما كان في الأعماق
نارًا تشب خفية الإحراق
حلو عذاب العاشقين وإنني 
من ناهلي إبريقه الدفاق
فاهدأ فؤادي يا أخا الإخفاق
فسدى تحرق في لظى الأشواق
ذلك هو الكون الشعري لهدى صدام إذ يعيدنا إلى الينابيع الأولى للقصيدة العربية في دفقها وصفائها وحرارة صدقها . 

ـ 2 ـ الشيخ مسعود ـ  للأديب محمد الأزغب

بين قولة ـ اللغة الفرنسية منفى ـ وقولة ـ إن اللغة الفرنسية غنيمة حرب ـ راح الكتّاب في بلدان المغرب العربي يواصلون مسيراتهم الأدبية والفكرية معتبرين أن رسالة الكتابة أنبل و أشمل من اللغة التي بها يكتبون حيث جعلوا منها وسيلة إبلاغ أشمل مدى و أبعد آفاقا ،خاصة و قد تجاوز أغلبهم محنة الكتابة بالفرنسية و عقدتها نحو اِعتبارها نافذة يطلون منها على العالم لإبلاغه مباشرة شجونهم وشؤونهم متمثلين بحكمة ـ وخاطب القوم بما يفهمون ـ  متابعة قراءة آخرُ ما قرأتُ…

الذي قال لا للكراسي…مصطفى الفيلالي

مصطفى الفيلالي…الذي قال لا للكرسي
سُوف عبيد

ـ 1 ـ
كنت ألتقيه من حين إلى آخر وهو يسير في شوارع مدينة رادس فأبادر بتحيته باِحترام فيردّ بلطف ومَن في رادس لا يعرف سِي مصطفى الفيلالي الذي تراه كأيّها الناس يقضي شؤونه اليومية فاِختلاطه بمختلف أصنافهم وأجيالهم لم يزده لديهم إلا تقديرا وتبجيلا وإنك تراه وقد تجاوز التسعين حَوْلا نشيطا في خَطوه أنيقا في هندامه العصريّ أو التّونسي بلا خُيلاء ولا كبرياء يحمل قُفّته ويشتري بضاعته منتظرًا دوره ويُحيّي هذا  ويقف مع ذاك ثمّ يمضي إلى سيّارته
كنتُ أحيانا أصادف سِي مصطفى الفيلالي في مَحلّ ـ الببلينات ـ يراجع فصلا من أحد فصول كتبه ليكون جاهزا كأحسن ما يكون للطبع فالرّجل ولئن اِشتهر سياسيا من الرّعيل الأوّل لوزراء حكومة الاِستقلال بالإضافة إلى نشاطه النقابي والتّربوي فإنه كاتب يل أديب أيضا ذو أسلوب بليغ فقارئ كتبه المتنوّعة المضامين والمتراوحة بين السّيرة الذاتية والتأملات الفكرية والأطروحات السياسية والاِقتصادية والدّينية يستشّف من قلمه أنه مثقّف من طراز رفيع ومن كتبه نذكر ـ أمّ حامد ـ مانعة… أيّام قرية الجبل ـ مجتمع العمل ـ موائد الإنشراح…
ـ 2 ـ
إنّ الأستاذ مصطفى الفيلالي ينتمي إلى جيل من المثقفين التونسيين الذين عاصروا الحركة الوطنية فاِنخرطوا في مختلف مراحلها وتعبيراتها شأنَ عددٍ كبير من الأدباء مثل علي البلهوان ومحمود المسعدي ومحمد المرزوقي ومنوّر صمادح فعرف أغلبهم مَعْمَعَان السياسة واِكتوى الكثير منهم بجمر الحكم بعد الاِستقلال لكنّ سي مصطفى الفيلالي عرف كيف يخرج من أتّونها واِنزلاقاتها سالمًا مرفوع الرأس فليس من السّهل أبدا أن يرفض كرسيّ رئاسة الحكومة التونسية عندما حَظِيَ بإجماع الفاعلين السياسيين سنة 2013 ورشّحوه لهذه المهمّة الجسيمة حيث قال أبو العتاهية في المهدي العباسي عندما بُويع بالخلافة :

أَتَتــهُ الخِلافَــــــةُ مُنقادَةً * إلَيـــهِ تُجَــــرِّرُ أَذيــالَها
وَلَــم تَـــكُ تَصلُحُ إِلّا لَـهُ * وَلَـــم يَــكُ يَصلُـحُ إِلّا لَها

لكن ّ سِي مصطفى أدرك برأيه الثاقب وبحنكة خبرته وكذلك بصفاء سريرته أنّ هذا الكرسيّ ـ لا يصلح له ولا به ـ وفي هذا الموقف تبدو وطنيّة الرّجل وصدقه ونبله فما أعظمه من مثقّف نادر الوجود خاصة في هذه السنوات التي اِختلط فيها الحابل بالنّابل مثل قول الشاعر القديم :

لقد هزُلت حتّى بدا مِنْ هُزالها * كُلاها وحتّى سامَها كلّ مُفلسِ

ـ 3 ـ
وقد حضرتُ منذ سنوات بدار الشباب برادس ندوة حول ـ الزعيم الحبيب بورقيبة ـ وقد أدلى فيها الأستاذ مصطفى الفيلالي بشهادنه فيه فصرّح بين الحاضرين وأكّد أن الحبيب بورقيبة كثيرا ما يستشير أعضاده ووزراءه وأنه لا يجد حرجًا في تغيير رأيه او موقفه في مسألة من المسائل بعد الإنصات إلى مختلف الآراء فيتراجع عن فكرته إذا تبيّن له الأصلح والأنسب وقد رأى سي مصطفى أنّ يعض الأخطاء التي عرفتْها البلاد في عهد بورقيبة لا يتحمّل وزرها يورقيبة وحده وإنّما المسؤولية يتحمّلها معه أيضا جميع الذين كانوا من حوله في أخذ القرارات وتنفيذها .
إنّها لَعَمْري شهادةٌ نادرة من رجُل دولة ما أحوج تونس لأمثاله !!

متابعة قراءة الذي قال لا للكراسي…مصطفى الفيلالي

شُكري بلعيد…شاعرٌ أيضًا

شُكري بلعيد…شاعرٌ أيضًا

بقلم سُوف عبيد

-1-
شَاربٌ كثيفٌ أسودُ وبجانبه على اليمين شامةٌ سوداءُ على بياض ,ذلك ما تراه على غلاف ديوان الشّهيد شكري بلعيد وما الشّارب والشّامة إلا سِمتان تمتاز بهما ملامح الشهيد الذي ـ ولئن عُرف مناضلا وطنيا بارزا ـ فهو لم يُعرف شاعرًا بين الأدباء والشّعراء خاصة لكنّني عندما قرأت ديوانه – أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة – تبيّن لي أنّ النصوص الشعرية الواردة ضمنه تمثّل شاعرا من الطّراز الرّفيع فهي تؤكّد أنّها صادرةٌ من لَدُن مُهجةٍ كثيفةِ الشّجون ومُعبِّرةٍ عن مُعاناةٍ صادقةِ التجربة وهي قصائد لُحمتُها وسَداها من نَسْج ثقافةٍ عميقة وشاملة جعلت تلك القصائدَ ذاتَ أبعاد وآفاق مشحونةٍ بشواهدَ ودَلالاتٍ ذاتية واِجتماعية وتاريخية ناهيكَ عن قيمتها الأدبية فنقرأ مثل :
وجهك والريح في ما تقول الفصول
وجهك خيل المرايا
وامرأة عابرة
وجهك الآن ما خلفته الخبول
وما تركه الفاتحون على الأرض من دعوات
ومن أمنيات
وما شكلته الخفايا
إذن سوف تمضي وحيدا
إلى راية قاتلة ـ ص 58
أو كقوله أيضا :
إنّي الحلاج
هاكي الجبة فاللّه هنا يسكن فانوس الروح بأتعابي
هاكي الجبة واحتضني مسكن أيامي وعذابي
إني الحلاج
صبحي أقبل
يا امرأة من نيروز ومن شبق الذكرى
من خلجات المطلق حبن نساء الأرض تخون
فأنا المجنون
يا امرأة يخرجها الله من ضلعي أتيهُ بها في ليل الغربة
وأنادي
يا امرأة الطير ، هنا حُلّي في جسدي المسجون
وانفجري كالكلمات الحبلى
بنشيجي المخزون -ص54
-2-
كان من المنتظر أن نقرأ شِعرا معناه في ظاهر لفظه ويغلب فيه الخطاب الإديولوجي ويطفُو عليه المنحى السياسي المِنبري على النواحي الفنية الجمالية فالشاعر مناضل عتيد وملتزم إلى النخاع بالقضايا الوطنية التونسية والقومية العربية في أبعادها الإنسانية ولكن ما نكاد نمضي في القراءة قصيدا تلو قصيد حتى ترتسم لدينا ملامح شاعر مُقتدر يمتلك ناصية القول الشعري فيرسل المعاني صُورا صورا فإذا المجازات والتضمينات والإلماحات تتوالى في إيقاعات متنوعة حتى تستحيل شعرا بديعا بما فيه من وهج الصدق والمعاناة وبما في أبعاده من انتصار لقيم المحبة والبذل فيبدو الكون الشعري لدى شكري بلعيد كونا قَدَّهُ من ملكوت شعريّ ذي بصمات خاصة قد اكتسبها ولا شك من اطلاعه على  مدونات القدامى الشعرية ونتلمّس في بعض نصوصه صدى معاصريه من الشّعراء ولا عجب في ذلك فالإضافة لا تأتي من فراغ والإبداع لا يتسنّى إلا لمن كان مُطلعا على منجزات معاصريه.
-3-
من الخصائص الدالة على القيمة الفنية لقصائد شكري بلعيد ذلك الانصهار الذي تمكّن به من المزاوجة بين الشّجن الذاتي الحميمي وبين الهاجس الاجتماعي العام كقوله :
حين أنهض في غيبتي
أرسم عمري على راحتيك
وأمضي قليلا
لقطف الندى
ثم أكتب سيرة عشقي
على نهدك
والعيون مدى
وأشد إلي البلاد وأصرخ
يا طير
يا بحر
يا نهر
يا حجر الموج يا فتنة الفجر
يا لون زهر المنافي
ويا كبرياء الأنوثة -ص55
متابعة قراءة شُكري بلعيد…شاعرٌ أيضًا