ذكرى شُكري بلعيد ـ زَغاريدُ الجنازةِ

زَغاريدُ الجنازةِ

سُوف عبيد 

أراكِ فتحلُو الحيـــاةُ ويُزهرُ جَـدبُ الــــغُـــصُـــونْ

فأنتِ الهواءُ وأنتِ السّمـــــــاءُ ونُورُ العُــــــيــــونْ

أخضراءُ أنتِ وُجُودِي جُدودي ومَهدُ البَــــنـــــيـــنْ

فسُبحانَهُ مَن بــَراك بحُســنِكِ كلُّ الفُـــــــنُــــــونْ

ولكنّك اليومَ ثكْلَى بفـقدِك ليْــثَ العَــــــــريـــــــنْ

مَع الصُبح ودّعَ بِـنْـتَـيْه ضَمًّا بلُطـفِ الحَـــــنـُــــونْ

وحُــبٍّ لكل البلادِ بصَافي الهَــوى والحَــنــــيــــنْ

فوَاحَرَّ قلبي عليه جَـــسُــورٌ ولا يَسْـتــكـيــــــــنْ

 *

مَشى ثابتَ الخَطـو غيرَ مـُبال بِذاك الكــــمِـــيــــنْ

أعَدّوا رصاصاتِ غَدْر إلى صَدرهِ والجَــــــبــيـــــنْ

سـيَحْـيَـا وإن قـتـلوهُ ومَرحَى لهُ مِنْ دَفـــــيــــــنْ

وفِي جَـنّة الخُـلد صَار إلى سَلسبـيل مَعـــــيــــنْ

سَــلامٌ عليه ســلامٌ على كلّ قــلب حــــزيــــــنْ

 *

ولاحَتْ علاماتُ نصْر برغْم الأسَى والأنــيـــنْ

زغاريدُ فَخر تَعالتْ فشَقّتْ غُيومَ السّــــكـــــونْ

نساءُ بلادي نسـاءٌ وألـفٌ وحِـصنٌ حَصـــيــــنْ

ودَوّى نشيدُ حُماةِ الحِمى مِنْ كفــــاح السّــنيـــنْ

بملـيُـون صَوْتٍ ونصفٍ تعَالى حَماسُ الشّجُونْ

هو الشعـبُ أوْفَى الوَفِيَّ وخَـيـّبَ كـلَّ خَـــــؤونْ

فـقـلْ للّذي جاءَ يَغزُو البـلادَ بفـتح مُـبـــــيــــــنْ

فلسطــينُ نادتْ فـهَلاَّ غزوتَ لقُـدْسٍ مَهـــيـــــنْ

لـديكُمْ هُـنـاك مُلوكٌ وقَدْ أفـسدُوا مِـــن قُـــــُرونْ

فـكـونُوا دُعاة الرّشادِ لخيـر ونُصْح ثمِـــــيــــــنْ

هُنا الدّيــــنُ أرسَى الوئامَ سَماحًا بلطفٍ ولــــيـنْ

كفـانَا شِـقاقـا…نِـفاقـا…كفـانَـا خطابَ الـرّنِـيـــنْ

ومَهْـمَا اِخـتـلـفـنا فحَـتـمًا على بَعـضنَا لا نَـهُـونْ

هَـلُــمُّوا جميعًا بحُبّ فَـنُعلي شراع السّـفـيـــــــنْ

ونَرْنُو إلى الشّمس لاحتْ أضاءتْ ظلامَ السّجُـونْ

جميعًا سنُرْسِي وفَاقا جميلا يَـسارًا  يَــــمــيــــــنْ

عـلى كـل لوْن وشكـل لأجـل البناءِ المـَتِــــيـــنْ

فـيَهـــنَأ كُــــلُّ شــهـيــــــدِ ويَأمـَلُ كلُّ جَـنيـــــنْ

أخضراءُ صَبْرا عـلينا.. بـدُونِكِ لا… لنْ نَـكــــــــــونْ

الرّابط ـ قصيد الشّاعرة التونسية رجاء إدِلْويس محجوب تعريب سُوف عبيد

الرّابط

قصيد الشاعرة التونسية رجاء إدِلْويس محجوب

تعريب سُوف عبيد

ـ تقديم ـ 

 القصيدة من مجموعة شعرية بعنوان la fleur des neiges en nuances الذي أقترح تعريبه  ـ زهرة الثّلوج في تلاوينها ـ للشّاعرة والرسّامة رجاء إدِلْويس محجوب الصادرة سنة 2019 وتضمّ إلى جانب النصوص الشعرية باللغة الفرنسية لوحاتها التي تحمل نفس عناوبن القصائد فالديوان إذن جَمْعٌ لثنائية الشعر والرّسم كأن ـ الشاعرة الرسامة ـ تقول إنّ القصائد لوحات من الكلمات وإنّ اللوحات قصائد من الألوان .

الشاعرة رجاء إدِلويس محجوب تمثّل ظاهرة واضحة في الثقافة التونسية ألا وهي التعبير باللّسان الفرنسي الذي تكتبه وتنشره عديد الأقلام وهو أدب يعكس بوضوح مشاغل المجتمع التونسي في مختلف أبعاده بل إن ذلك الأدب بلغة مُوليار ـ التونسية ـ هو في كثير من الأحيان نافذة للتعريف بقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية ولقد كانت هذه الأقلام صوتا عاليا في مساندة القضايا العربية والإنسانية فهذا الأدب إذن يمكن اِعتباره  جناحًا يحلّق بالوجدان التونسي في الفضاءات العالمية

 

ــــــــ  الـــرّابــط  ــــــــــــ

كلُّ شيءٍ هنا يجعلُكِ وحيدةً

البحرُ ومداهُ

الحَشْدُ وضَوْضَاهُ

الطفلُ ودمعتاهُ

الصّراعُ من أجل الحريّة

الحريّةُ أن نكون إثنين

أو حتّى ثلاثةً أو ألفًا

الحريّةُ أن نكون وَحيدِينَ

وَحيدِينَ أو مُقيّدين

مُقيّّدينَ بسلاسل الحُبّ

حُبّ بلا قُيود

حُبّ بلا دُموع

عندَ ساحل البحر أو تحتَ السّماءِ

أمامَ هؤلاءِ الأطفال الباكينَ 

الباكين بين الغَوْغاءِ التي تتقيّأ

تَتقيّأ وِحدتَكِ

وأنتِ تُنادين حُبَّكِ صارخةً

صارخةً تسقُطِينَ في الهاويةِ

في الهاويةِ أنتِ وحيدةٌ

وحيدةٌ أنتِ

بين نظراتِ النّاس مِنْ حَوْلِك

 

مع سِي العروسي

مع سِي العروسي
سُوف عبيد
                                              ـ 1 ـ

سِي العروسي 

أو محمد العروسي المطوي 1920م ـ 2005 م

هذا الأديب التونسي الكبير الذي يُمثّل أحسن ما يكون مقولة ـ الأدب هو الأخذ من كل شيء بطرف ـ فقد خاض قلمُه غمار الشّعر والقصة والرّواية والسّيرة والنّقد والتّحقيق إلى جانب المقالة والخطابة والمحاضرة في النوادي والندوات والجمعيات وفي الإذاعة وفي المحافل وغيرها من المناسبات ممّا جعل مدوّنة المطوي متعدّدة المواضيع متنوّعة الأجناس والمشاغل فهو يمثّل الأديب الشامل الجامع بل وله قَصَب السّبق في بعض نواحي الاِبتكار والتجديد سواء في الشّعر أو في السّرد .

إلى جانب ذلك الرّصيد الثريّ من الأعمال الأدبية فإنّ لمحمد العروسي المطوي إسهامات واضحة في الحياة العامة الاِجتماعية منها والسياسية إضافة إلى قيامه بتدريس التاريخ والأدب سنوات عديدة لطلبة جامع الزيتونة خاض بعدها إثر اِستقلال تونس المجال الدبلوماسي فجميع هذه النواحي جعلتْ منه شخصية متميّزة كنتُ محظوظا بالاِقتراب منها في مناسبات وفترات مختلفة وعديدة منها الخاصة والعامة ضمن النشاط الثقافي وكم كنت سعيدا بمرافقة سِي العروسي في الحِلّ والتّرحال إلى بعض البلدان فأنِستُ بطيب مَحْتَدِهِ وعِشرته ونَهلت من معرفته وخبرته واِهتديت أحيانا ببعض مواقفه منذ عهد شبابي الأوّل إلى أن شاب رأسي وإلى سنوات ـ سِي العروسي ـ الأخيرة .ـ سِي العروسي ـ كذلك كنت أسمّيه سواء عند حضوره أو في غيابه و ـ سي ـ هذه أعتبرها عنوان التقدير والإجلال وأتحدّث بها ـ إلى وعن ـ  أساتذتي الكبار مثل سيّدي البشير العريبي وصالح القرمادي وتوفيق بكّار ومنجي الشّملي ومحمد البعلاوي وسعد غراب وغيرهم أولئك الذين أدين لهم بالكثير من وطابي الأدبي .

                                                              ـ 2 ـ

أوّل ما لقيت سي العروسي كان في النادي الثقافي أبي القاسم الشابي بضاحية الوردية وهو النادي الذي تأسّس مع جملة من النوادي الثقافية التي أُنشِئت عند مطلع ستّينيات القرن العشرين ومن بينها النادي الثقافي الطاهر الحدّاد الذي كان مقرّه في مدخل حديقة البلفدير ثم تحوّل إلى  المدينة العتيقة في أوائل السبعبنيات والنادي الثقافي علي البلهوان في شارع فلسطين وكان نادي أبي القاسم الشّابي مقصد الكثير من الأدباء والمثقفين التونسيين والعرب فذهبت إليه مع جملة من التلاميذ مرافقين أستاذنا سي البشير العريبي الذي كان يدرّسنا العربيّة في معهد الصّادقية في ما أذكر سنة 1968 ومن حينذاك صرت أتردّد على المكتبة الثريّة في النادي الثقافي أبي القاسم الشّابي وأحضُر كلّما تسنّى لي ذلك في  مناسباته الأدبية وشيئا فشيئا صرتُ قريبا من سِي العروسي خاصة بعد أن أصبحت طالبا بكليّة الآداب بتونس ففي سنة 1973 اِنعقد بتونس أول مؤتمر للأدباء العرب مع مهرجان الشعر العربي وكانت بعض الأمسيات الشعرية تنتطم بدار الثقافة اِبن رشيق والأبواب محروسة بالشرطة فلا يسمح بالدخول إلا بالدعوات الخاصة فكنت من ثلّة من الأدباء الشّباب والطلبة الذين اِجتمعوا محتجّين أمام دار الثقافة فإذا بنا نرى سي العروسي وسي الميداني بن صالح يخرجان من داخل القاعة ويسمحان لنا بالدخول ومتابعة الأمسية من الطابق الأول .
حدّثني سي العروسي مرّات عن دراسته في جامع الزّيتونة وعمّا كان يعانيه الطلبة من شظف العيش إذْ لم يكن طعامهم أحيانا إلا حفنة من بسيسة القمح والشّعير يعجنونها بالماء فقد عاشوا سنوات ضنكة على وجبات نزر قليل من التّمر أو من التّين المجفّف أو الزّيت والزّيتون والهريسة فكانوا في الشّتاء يتقاسمون في اليوم صحفة لبلابي ساخنة ما فيها إلا حبّات حمص ومرق .

وذكر مرّة أنه عندما كان داخلا من باب جامع الزيتونة إذ هبّت ريح قويّة خلفه رفعت طَرَفَيْ بُرنسه عاليا فرآه شيخه على تلك الحال فقال له مازحًا ـ الحمد للّه يا عروسي …لوْ لم تكن المَطويَّ لَطيّرتْك الرّيح !!

                                                                   ـ 3 ـ 

من مواقف سي العروسي المطوي الوطنية الغير معروفة وذلك لتواضعه ولضُمور النزعة الأنانية لديه أذكر أنه كان من جملة المثقفين التونسيين الذين شجّعوا الشّباب ودفعوهم إلى التطوّع في حرب فلسطين سنة 1948 وعندما كان سِي العروسي سفير تونس بالعراق نالت الكويت اِستقلالها عن بريطانيا فاِعترفت تونس بذلك الاِستقلال لكنّ حكومة العراق وقتذاك اِعترضت عليه لأنها اِعتبرت أن الكويت تابعة للعراق ممّا أوقع خلافا سياسيا كبيرا بين الرئيس الحبيب بورقيبة والرئيس العراقي عبد الكريم قاسم وقد وجد حينذاك سي العروسي إغراءات كبيرة ليخالف موقف بلاده ويبقى في بغداد مُعزّزا مُكرّما لكنه لم يستجب وعاد إلى تونس منشغلا بالحياة الثقافية وصار نائبا عن ولاية قابس في البرلمان ضمن لجنة التربية والثقافة وساهم في الإذاعة الوطنية التونسية ببرنامج خصّصه لمختلف مراحل تاريخ تونس وعصورها وكان الرئيس بورقيبة حريصا على الاِستماع إليه وحتّى عندما لا يتمكن من ذلك مباشرة فإنّ مدير الإذاعة كان يرسل إليه ما فات من الحلقات مسجّلة ووصل البرنامج إلى الحديث عن الدولة الحفصية فاِتصل بورقيبة بسي العروسي ملاحظا له أنه قد أطنب وفصّل القول كثيرا في التاريخ وأنه أبطأ في الحديث عن تاريخ الحركة الوطنية وإبراز تفاصيل نضال الرّئيس فكان جواب سِي العروسي أن التاريخ يجب أن يكون متسلسلا لذلك لا يمكنه أن يتجاوز العصور ويقفز على الأحداث بسرعة وأنه سيصل إلى ذكر تاريخ تونس المعاصر لا محالة وسيذكر ـ الزعيم المجاهد الأكبر ـ بورقيبة ـ إلا أنه يبدو أن الرئيس كان يريد العجلة في الحديث عنه فلم يتواصل البرنامج بعد تلك المكالمة .

                                                              ـ 4 ـ

أذكر مرّة أنّي كنتُ جالسّا معه في إحدى المقاهي بالعاصمة تونس وعندما أقبل النّادل بالطّبق ووضع أمامه الفنجان قال له ـ تفضَل يا سي العروسي ـ وبعدما تحادثنا وهَمَمْنا بالاِنصراف بادر سِي العروسي بنقد النادل ورقةً من فئة الخمسة دنانير راجيا منه بلطف أن يترك الباقي لديه وعندما غادرنا المقهى قلت لسي العروسي إنّ النادل كان يرضى ويبتهج بما يتبقّى له من دينار واحد على أساس أن القهوتين معًا لا ﻻيتجاوز ثمنهما نصف الدينار ! فما كان منه إلا أن قال لي ـ يجب أن أكرمه لأنه عرفني وقال لي ـ سي العروسي

وهو لئن بدا على غاية من الكرم في هذا الموقف فإنّه على عكس ذلك في موقف آخر عندما يطلب أحدُنا منه ورقةً ونحن في  جلسة باِتحاد الكتّاب التونسيين أو في النّادي الثقافي أبي القاسم الشّابي فإنه يأخد ورقة ويقسمها نصفين أو على أريع ويقول إن تلك تكفي لكتابة ملاحظات أو أسئلة فسأله أحدهم  – مُمازحا – لماذا هذا التقتير وأراد اِستفزازه  بحضورنا فكان ردّ سِي العروسي أنّ حسن التصرّف في المال العام واجب وأنّ نصف ورقة أو ربعها كاف لكتابة بعض السطور الضرورية أما من يريد كتابة قصة أو رواية أو ديوان أثناء الاِجتماع فما عليه إلا أن يحضر معه كرّاسًا !

ذاك زمن…

                                                                  ـ 5 ـ

عندما حضرت لأول مرة مؤتمر اتحاد الكتاب التونسيين في آخر سنة 1981 بدار الثقافة اِبن خلدون كان عدد المؤتمرين من الأدباء لا يتجاوز الثمانين ودام المؤتمر يوما واحدا وكان الغداء ـ شاطرا ومشطورا ـ وبينهما هريسة وبعضُ الفَتْفَتَات من التُنّ أو السّردين وقطراتِ رذاذٍ من الزيت لا غير وكنا سعداء ولم نبال لأننا عقدنا مؤتمر الاتحاد وأصدرنا بيانا يتضمن المطالبة بحرية الكلمة وبدعم نشر الكتاب وتوزيعه وتضمين التعليم في جميع مراحله قدرًا أكبر من الأدب التونسي وفتح فروع للاتحاد في مختلف ولايات البلاد والتفكير في إنشاء مجلة خاصة تصدر عن الاِتحاد والعمل على ترجمة مختارات للأدباء التونسيين المعاصرين فكان المؤتمر نقلة نوعية في تاريخه ثم بعد أن تولّى الأستاذ محمد مزالي الوزارة الأولى اِستقال من رئاسة الاتحاد وخَلَفه نائبُه سي العروسي واِنتقل مقر الاتحاد من مكتب صغير في دار الثقافة باب العسل إلى مقره الحالي بجانب المعهد العالي للموسيقى ودار الثقافة ابن رشيق في قلب تونس العاصمة وهو مقرّ محترم وكان حلما للأدباء المؤسسين ويعود الفضل الأكبر لاِكتساب هذا المقرّ وهو من أملاك الدولة إلى تدخل الأستاذ بشير بن سلامة وزير الثقافة في حكومة مزالي وبِحِرصٍ خاصّ من الأدباء محمد العروسي المطوي ومحمد المرزوقي والجيلاني بالحاج يحي وغيرهم…

وباِنتقال اِتحاد الكتّاب إلى مقرّه الحالي 20 شارع باريس وبرئاسة سِي العروسي اِنطلق في طور جديد وذلك بإنشاء عديد النّوادي والفروع وإصدار مجلّة  ـ المسار ـ

                                                               ـ 6 ـ

 في آخر سنة 1989 بدأ الاِستعدادات لعقد المؤتمر فطلب منّى سي العروسي ذات يوم بعد اِنتهاء جلسة أحد النوادي أن آتي إلى الاِتحاد من غدٍ باكرا لمراجعة بعض مواد مجلة المسار قبل طبعها فذهبت من غدٍ ولكن لم يُسلّمني ملفّ المجلة بل مدّ لي رسالة من اِتحاد أدباء العراق والثانية وكانت بالفرنسية من المعهد العربي بباريس وقال لي هل بإمكانك الإجابة عنهما مضمّنا موافقة اِتحادنا على ما فيهما فقلت له ـ حسنا ولكن هذه مهمّة الكاتب العام سي مصطفى الفارسي ـ  فقال لي إنه منشغل بمسؤوليته في اِتحاد كتّاب إفريقيا وآسيا والأخ مصطفى لا ينوي أن يكون في الهيأة المديرة القادمة ثم أردف قائلا بشىء من الحزم – إنّ اتِحادنا في حاجة إلى كلّ أعضائه -وسلّمني ورقتين فأخذتهما مع الرسالتين واِنصرفت إلى المكتبة لأردّ عليهما وما كادت نصف ساعة تمضي حتى رأيت سي العروسي يدخل المكتبة قائلا هل أتممتَ ؟ فقلت ـ نعم وسلّمته الإجابة عن الرسالتين الأولى بالعربية طبعا والثانية بالفرنسية ورافقته إلى مكتبه فجلس وقرأهما ثم أبدى اِنشراحه وقال لي مبتسما ـ ما قصّرتش يعطيك الصحّة ـ فشعرت كأنني نجحت في الاِمتحان فسِي العروسي حريص على الدقة وحسن ضبط الكلمات وتنسيق الفقرات مع مراعاة بروتوكولات المقام والمناسبة وقد عَلِمتُ كل ذلك من خلال إملاءاته وملاحظاته عندما كنت أراجع معه بعض المراسلات… وأمر لي بقهوة ثمّ مال بالحديث إلى شؤون المجلة فإذا به يأخذ ورقةً صغيرة ويكتب فيها بقلم الحبر ويمدّها إليّ كالسِرّ دون أن ينبس بأيّ كلمة فأخذتها كالوديعة وقرأت ما فيها….جملة واحدة فقط هي :

 – الترشّح إلى الهيأة المديرة –

 وبدون تردّد وبسرور كبير قلت له ـ نعمْ… ولكن بشرط أن أكون معك يا سِي العروسي !

وكان المؤتمر في آخر ديسمبر 1989 بدار الثقافة اِبن خلدون وبعد الاِنتخاب كان نصيبي أكبر الأصوات وتولّى سي العروسي الرّئاسة وسي الميداني بن صالح نائبه والأخ محمد العاشمي بلوزة تولّى أمانة المال والأخ جلول عزونة تولّى مسؤولية العلاقات الخارحية أما الكتاية العامة للاِتحاد فكانت مسؤوليتي وضمّت الهيأة أيضا الأدباء أبا زيان السّعدي وسمير العيادي وعبد الحميد خريّف والطيب الفقيه ونور الدين بن بلقاسم والتابعي الأخضر فحاولنا قدر المستطاع الإضافة والعمل على تحسين منزلة اِتحاد الكتّاب التونسيين وإشعاعه سواء داخل البلاد أو خارجها فقد ضمّ الاِتحاد في تلك السنوات العدد الأكبر من الأدباء والشعراء والجامعيين على توالي أجيالهم واِختلاف قناعاتهم الفكرية واِنتماءاتهم السياسية وعلى تنوّع ألوانهم الأدبية والفنيّة وتعددّها وقد تولّى أيضا اِتحادنا رئاسة الاتِحاد العام للأدباء والكتّاب العرب فأصيح سِي العروسي رئيسه في ظروف خلافات عربية حادّة إبّان حرب الخليج كادت تعصف بالاِتحاد أيضا .

 من كان يظنّ أنّ ذلك الشّاعر الشّاب الواقف مع جَمْعٍ من الأدباء الشبّان وقد مُنعوا من دخول الأمسيات الشعرية عندما اِنتظمت بمناسبة مهرجان الشّعر العربي بتونس سنة 1973 سيكون من بين الفاعلين في تنظيم ذلك المهرجان سنة 1991

ما كنتُ أحسب يوما أنّني سأكتب البعض من هذه الذكريات بما فيها من معاناة وتحدّيات ولكن ما أمتعها…!

رحم الله سي العروسي !

 

رادس 1 ـ 2 ـ 2020

 

* الصّورة  ـ محمد العروسي المطوي بين سُوف عبيد وعادل مالك بدار الثقافة قصيبة المديوني ـ المنستير 1991

دفء الأدب في الشّتاء التّونسي

 

في أيام شتائية عتيّة وبينما محترفُو السياسة يخُوضون غمار تشكيل حكومة البلاد بين أخذ وردّ وبين الاِئتلافات والاِختلافات ظاهرًا وباطنًا اِجتمع شعراء وأدباء يتدفّؤون شجونهم وهمومهم في رحاب دار الثقافة ابن خلدون وهي القلعة العتيدة في العاصمة تونس التي شهدت عديد المناسبات الحافلة في شتى الفنون والمعارف واِستقبلت عددا لا يُحصى ولا يعدّ من أعلام الشعر والأدب والفنون والموسيقى والسياسة أيضا مثل ياسر عرفات ونزار قباني أما الأدباء والمثقفون والمبدعون التونسيون فأغلبهم قد مرّ من هذه الدار العتيدة إمّا محاضرا  أو عارضا أو منصتا أو مشاركا في مناسبة من المناسبات وهاهي اليوم الخميس 16 جانفي 2020 تفتح أبوابها لبادرة جديدة في دورتها الأولى تتمثل في تظاهرة شاعر تونس على مدى ثلاثة أيام وقد دعت إليها جمعية زهرة الشمال التي تترأسها الشاعرة سميرة بنصر ونظمتها بالِاشتراك مع مندوبية الثقافة في ولاية تونس العاصمة التي ينسّق أنشطتها الشاعر منير وسلاتي فاِجتمع في بهو الدار وعلى الأرضية المبلّطة بلوحة فسيفسائية جميلة ترمز إلى الفنون السبعة أكثرُ من خمسين شاعر وأديب جاؤوا من جميع أنحاء تونس الخضراء أيضا بمبدعيها ومن بينهم بعض الشعراء العرب من العراق والأردن فكان لقاء ممتعا يبعث البهحة والأمل في سنوات عجاف من الحروب والانتكاسات والخيبات وذلك هو دور الفكر والشعر والأدب والفن يشحذ العزائم ويشعل الشموع عندما تدلهمّ الدروب وتتراجع الهمم فيدفع نحو الأحلام والأماني

متابعة قراءة دفء الأدب في الشّتاء التّونسي

عبقريّة العاميّة وإبداعها ـ الشّاعر عبد الحكيم زرير ـ نموذجا ـ

ثمّة مسألة مسكوت عنها في تاريخ الأدب العربي وما يزال الصّمت ضاربا من حولها… ألا وهي الأدب الذي يقوله الناس باللّغة العربية ولكن بدون اِحترام نحوها وصرفها وبلاغتها أو كما يُقال باللغة العاميّة أو الشعبية أو اللغة اليوميّة أو اللغة المحكية أو اللّهجة المحليّة…إنه الأدب المنتشر والمنقول بالرواية بين الناس من جيل إلى جيل ولئن بدأ بعض شعراء هذا الصنف من الأدب في نشر ما تيسّر لهم من نصوصهم إلا أن الكثير من مدوّنات ذلك الأدب في الشّعر والحكايات والأخبار والطرائف والحِكم والألغاز وغيرها ـ ما يزال دون نشر ومتابعة ناهيك عن دراسة تلك النصوص والاِعتناء بها ضمن المناهج والبرامج التعليمية في مختلف المستويات من الاِبتدائي إلى الجامعي إذا ما اِستثنينا القليل النادر منها الذي يلقَى الاِهتمام في بعض النشريات المختصّة وفي المناسبات والدراسات الاِجتتماعية والتاريخية الخاصة والحال أن هذا الصنف من الأدب غزير المواضيع والمعاني ثريّ الأساليب والفنّيات وجمّ الدّلالات والإشارات بالإضافة إلى أنّه يُعتبر من أهمّ المصادر والمراجع لبعض الأحداث والأحوال وهو إضافة إلى كل ذلك يُعتبر من الأسس الكبرى للشخصية الوطنيّة ومميّزاتها متابعة قراءة عبقريّة العاميّة وإبداعها ـ الشّاعر عبد الحكيم زرير ـ نموذجا ـ

آخرُ ما قرأت ـ أعاجيب في كتاب: قِفا نَعجبْ

http://www.almothaqaf.com/a/b8/942864

 كتب وإصدارات

أعاجيب في كتاب: قفا نَعجبْ

سوف عبيد

1301 صلاح الدين الحمادي

إن اِنطلاق الأصوات قولا وكتابة بعد سنة 2011 في تونس جعل كثيرا من الأقلام تجمع ما تناثر من نصوصها المختلفة وتدفع بها إلى دور النشر مما جعل الحركة الأدبية خاصة تشهد ازدهارا واضحا في شتى أصناف الأجناس وفي هذا السياق ظهر للشاعر والأديب صلاح الدين الحمادي كتاب جديد جعل له عنوانا طريفا هو – قفا نعجبْ – وقد جمع فيه أكثر من ثلاثين مقالة تتراوح من النقد الاجتماعي والسياسي إلى التحليل النفسي لبعض المظاهر والمواقف والأحداث والمناسبات تلك التي رصدها بعين ثاقبة ونقرأ أيضا في بعض الفصول ما يشبه اليوميات والشجون الخاصة فالكتاب إذن متنوع المواضيع شيٌق الأسلوب ولعله يواصل بهذا منهج مقولة أن الأدب هو الأخذ من كل شيء بطرف .

ثمة موضوع كثيرا ما نجد له ظلالا واضحة في هذا الكتاب ألا وهو مسألة المثقفين الذين يتناولهم صلاح الدين الحمادي بكثير من الانتقاد ففي فصل – المثقفون – ينقل لنا حوارات كانت تدور في إحدى الحافلات المكتظة إذ سرعان ما دبّ التآلف بين الركاب وبدأت الحوارات الثنائية والثلاتية تتناول القضايا والأمور التي تدور بعيدا عن العامة ولكنها تشغل بالها أكثر مما تشغل بال رؤوس الساسة والمثقفين حيث سمع أحدهم يقول أنا لا أبكي ولن أبكي على أية دولة من الدول العربية أنا أبكي فقط على فلسطين إنها الوحيدة التي تستحق ذلك فبقية الدول العربية كلها كيانات قائمة ولها جيوشها وثرواتها وما عليها إلا أن  تقوم بواجب حفط كرامة شعوبها والدفاع عن أراضيها أما فلسطين وا أسفي عليها فلا تملك سوى أصوات شرفائها وحجارة قد تكون غير موجودة فقلت في داخلي لله درك أيتها العامة التي ما انفكت الخاصة  تترفع عنها

فيرى صلاح الدين الحمادي وهو القريب من المثقفين بصفته رئيس اِتحاد الكتّاب التونسيين ناهيك عن مسيرته الأدبية والنقابية والسياسية  والتربوية والجامعية يرى أن جماعات المثقفين ليست إلا  – ثقفوت – أحاديثها صخب وتشنج وصراخ وضرب على الطاولات لا غير وفي  فصل آخر بعنوان – عن التضامن وأشياء أخرى – ينقل لنا وقائع ليلة غزيرة الأمطار أدّت إلى محاصرة العمارة بالمياه فتعاون الأجوار جميعا على دفع الخطر المحدق بهم بأن ثقبوا السور المحيط بهم بل وبادروا إلى إزالة الأوحال من محيطهم وكان ذلك في جوّ بهيج من الإخاء والتآزر والتعاون وفي سرده لهذه الحادثة يؤكد الحمادي على أهمية الحراك المجتمعي الذي كثيرا ما يتناساه السياسيون وما شاكلهم ممن يعتبرون أنفسهم نخبة عارفة عالمة وماهم إلا سدنة مصالحهم ومصالح غيرهم

 وللأطفال في هذا الكتاب نصيب من الحكمة أيضا وذلك في فصل بعنوان – درس  المحفوظات – وقد نقل لنا صلاح الدين الحمادي حوارا جرى بين تلاميذ بمناسبة درس المحفوظات وكانت للشاعر سليمان العيسى

أنا ابن النسر مدّ جناحه وحماك يا وطني

أنا ابن النسر حمّلني جناحيه وودّعني

عندئذ تساءلت إحدى التلميذات لماذا ينسب

 هذا الطفل نفسه إلى كسر من الجوارح فإن في ذلك لفظاعة وتنكر للإنسانية ألم يجد ما يتشبه به من جميل الطيور ولطيفها ووديعها سوى هذا الطير

فيدور حوار طريف عندئذ بين

التلاميذ حول رمزية النسر

وفي فصل – هل الثقافة بخير في الجمهورية الثانية؟ – يطلق الكاتب صيحة فزع ويدين بشدة القائمين على الشأن الثقافي في تونس قائلا – لم نر هؤلاء يشركون أهل الثقافة والإبداع في حواراتهم ولم نرهم يستمعون إلى مقترحات المثقفين أو يستعينون بتصوراتهم في صياغة وتنفيذ البرامج الثقافية بل العكس هو الحاصل فقد كُبّل العمل الثقافي في مستويات مختلفة بحزمة من القرارات والإجراءات البيروقراطية حتى وصل الأمر ببعض الجمعيات إلى حلّ نفسهل وببعض الناشطين إلى الانسحاب من المشهد الذي عمّ فيه الفوضى والنفاق والكذب

إن كتاب قفا نعجب للأديب والشاعر صلاح الدين الحمادي شهادة صادقة على معاناة المثقف الملتزم بقضايا الوطن في تفاصيلها الصغيرة وهمومها الكبيرة وهو يصارع التحديات من أجل التقدم نحو الأحسن  والأجمل في جميع المجالات

ففي البدء كانت الكلمة

سُوف عبيد

متابعة قراءة آخرُ ما قرأت ـ أعاجيب في كتاب: قِفا نَعجبْ

سلامات يا أبا النّور….!!

علمتُ بتعرّض الصّديق الشاعر الكبير نورالدين صمّود إلى بعض الرّضوض إثر سفوطه في إحدى ردهات منزله ممّا استلزم نقله إلى إحدى المصحّات فأرجو له الشفاء العاجل والصحّة والعافية…..سلامات يا أبا النّور !

أبَا النُّورِ هَبْهَا كَسَقْطِ العَرُوضِ
فَقُمْ للبُحُور بِرغْمِ الرُّضُــوضِ
 
طبيبٌ لِكُلِّ الزّحَافاتِ أنـــتَ
وأنتَ العليمُ بِسَبْكِ القَريضِ !

 

 

قراءة في قصيدة خارطة رأس السنة لمنير وسلاتي

 قراءات نقدية

قراءة في قصيدة خارطة رأس السنة لمنير وسلاتي

سوف عبيد

سوف عبيدذلك هو عنوان قصيدة الشاعر التونسي ـ منير وسلاتي ـ التي قرأها في خيمة الشعر المنتصبة في وسط تونس العاصمة بجانب خيمة معرض الكتاب التونسي وقد اِسترعت اِنتباهي لِمَا تزخر به من معان وصُور وإشارات عميقة تنمّ عن معاناة وجدانية عارمة بالشجون الإنسانية في خضمّ واقع متأزّم متدهور القيم وقد كانت قراءته تبعث نبرات الصدق ووشائج التفاعل مع مختلف رَدَهات قصيدته لذلك رجوت منه أن يرسل لي نص القصيدة كي أقراها وأتمعّن في أغوارها فلبّى طلبي مشكورا وللشاعر منير وسلاتي عديد المجموعات الشعرية من بينها

نسّاج الضوء –

ـ ذاكرة الجلنّار

ـ تباريح الغصن المكسور

أمثولة الغصن-

ويُعتبر من أهم الشعراء التونسيين الذين ظهروا في سنوات الهزيع الأخير من القرن العشرين وهم الشعراء الذين اِستفادوا من مختلف إنجازات القصيدة الجديدة ومساراتها المختلفة  سواء في تونس أو في غيرها من البلدان العربية بل قد سعى البعض من أولئك الشعراء إلى مواصلة تطويرها نحو آفاق أرحب ويبدو أن منير الوسلاتي من خلال هذه القصيدة قد سار بثبات على درب الإضافة والتميز من خلال استلهام مناسبة رأس السنة  فبثّ همومه ومشاغله وعواطفه مستحضرا  حتى أحاسيسه الأبوية والتزاماته العائلية ناهيك عن اِستحضار القضايا الاِجتماعية والسياسية التي  يرزح تحت كلكلها كل يوم… فالقصيدة إذن تمثل تجربة أخرى تُثري الشعر العربي وما الشعر التونسي إلا رافد  مهمّ من روافده العديدة

وللوقوف على الخصائص التي تميّز هذه القصيدة لا بأس أن نسترجع بعض القصائد التي كُتبت في مناسبة رأس السنة مثل حافظ إبراهيم حيث يقول قي قصيده له بمناسبة رأس السنة الهجرية

أَطَلَّ عَلى الأَكوانِ وَالخَلقُ تَنظُرُ

هِلالٌ رَآهُ المُسلِمونَ فَكَبَّروا

تَجَلّى لَهُم في صورَةٍ زادَ حُسنُها

عَلى الدَهرِ حُسناً أَنَّها تَتَكَرَّرُ

وَبَشَّرَهُم مِن وَجهِهِ وَجَبينِهِ

وَغُرَّتِهِ وَالناظِرينَ مُبَشِّرُ

وَأَذكَرَهُم يَوماً أَغَرَّ مُحَجَّلاً

به تُوِّجَ التاريخُ وَالسَعدُ مُسفِرُ

وللشاعرة ـ لمياء فرعون ـ قصبد في رأس السنة ورد فيه قولها

عـامٌ مضى وأخوه مـنـّأ يـقـتـربْ

وسنين عمري في هدوءٍ تنسحبْ

أتــراه يــأتـي بــاسـمـاً لـلـقـائـنـا

أم عـابساً وكمـثـل شـيـخٍ ٍمكتئب

مــاذا يـخـبـئ فـي ثـنـايـا ثــوبــه

إنَّـا ســئـمـنـا من صراع ٍمضطرب

بـتـنـا نـخـاف من الحروب وشرّها

والكلُّ أصبح في الديـاركمـغـتربْ

بـالخـيـر نـرجـو أن يـتـمَّ لــقـاؤُنــا

لـنبلسم الجرح العـميق الملتهبْ

وفي نفس المناسبة نقرأ لنزار فبّاني قوله مخاطبا حبيبته

أنقل حبي لك من عامٍ إلى عام..

كما ينقل التلميذ فروضه المدرسية إلى دفترٍ جديد

أنقل صوتك.. ورائحتك.. ورسائلك..

ورقم هاتفك.. وصندوق بريدك..

وأعلقها في خزانة العام الجديد..

وأمنحك تذكرة إقامة دائمة في قلبي

غبر انّ الشاعر منير وسلاتي يخرج عن جميع تلك المعاني والصور ويكتب نصا شعريا مخالفا لما سبق من الشعراء يضمنه معاناته اليومية كأنه يسجل سيرته الذاتية بما فيها من أحاسيس وآلام وأحلام وتلك لعَمري هي الإضافة النوعية لهذه القصيدة ـ قصيدة خارطة رأس السنة ـ للشاعر منير وسلاتي ـ تونس

حين تتكـــسّرُ المرايــــــا

ويسكنُ الخوف والمجهولُ محاجر الأيـــّام

ماذا يبقى من سفر الرّوح الى أدغال التجلِّي…

في مسافات الرؤى حلمٌ يصلَبُ على النُّصُبِ…

يتخشّبُ العمرُ..

والنَّــارُ تحتفلُ في ولائم الحطبِ…

..كلُّ ما بقيَ في الـنـَّبـْضِ خبزُ العيالِ..

سُباتُ العشيرة…

مرارة الإنتحار على أسْوَار الـمُعتاد…

..في خانات الظمــإ..

 لم يعد بالإمكان البحثُ عن فتحٍ جديدٍ..

خـــارطَـــةُ الأخيــــــلةِ شتاتٌ لا يلتئمُ..

عَيــنانِ غامضَـــتان..

بِدَدٌ للياســمــيـن حائـــــرَةٌ…

عنـــبَــرٌ من الشَّرق مختـنِــقٌ..

بين الظلوع موجة مائــــرَةٌ..

على الجبين خطوط تائـــهَـــةٌ..

ثلجةٌ للعزيز “بابا نوّال”

تُــرْبِـــكُ رحلة الشِّتاء والصَّيف..

تشوِّشُ مخيلة الصحراء..

*****

هذه رأس السنة تطلُّ من صناديق الدنيا..

ولن نحتفلَ…

لن نحتفل بصبر شهرزاد على جموح مليكها..

ولن نحتفل بسـمـاحة “صلاح الدّين”..

ولن نحفل بنبل الملك النعمان…

ولن نذكر حتى عباءة “عمر” المملوءة بالعدل والاحلام…

السنة تطلّ برأسها من صناديق الدنيا..

“بابا نوّال” يملأ صناديق الدنيا ..ورؤوسَ الأطفال..

حاكِــــمٌ فينا بأمرنا..

ولهُ أمرُ الحلوى..وبريق عبوات الهدايا..

وأسرار فرحة اطفالنا…

تحني له الذّاكرة قامتها..

تنثني في تلابيب ريحه الاحدب…

“فمالك أنت لا تحني قامتك اكراما للحيته؟”

…”عليكَ  أن تكونَ رجلا مُواكِــبًا للعصر”

لكي لا يُحــرَمَ أطفالكَ من قطع حلوى رأس السنة..

ولابأس أن تُضيفَ إلى جيد زوجتك حُليّا جديدا..

كي تجيش لك..بوهج جديد…

وتخضرّ في كفّك بركات رأس السّنة…

***

ألجُ رأس طفلي…وأنا لا رأس لي…

عيناه غارقتان في صندوق الدنيا…

يقفُ الخيَّــالُ الذي يسافرُ في أوردتي..

عاريــــًـا في مربّع الشّغب…

وراء قضبان صخب الأحلام الصغيرة..

أعشاشُ الرؤى تسكنها الخفافيشُ…

أرى خيّالي يغتال في وادي النّمل..

وولدي الذي أزرعُ في قلبه نخلة تاريخي…

 أضاع حرارة عروقي وبوصلة دمي…

ولن يفوح المكان برائحة تبرنا القديم..

-” يا أبي تخلّص من أوهام النخلة الكادحة..

تخلّص من كبرياء الزيتونة الفارعــــــة…

وانس كلّ ما خطّ في الذّاكرة من التواريخ الفارغة..

فالعصر ليس العصر…

ولا نريد لك أن تموت نافقا في زاوية…”

– عليَّ ان أغـــيّـرَ جمجمتي..إذن؟!!!

وأشهَــدَ أنّي رأيتُ بأمّ عينيّ..الفيَــلَــــةَ تطــــــيـــرُ..

وألتقطَ صورة للذكرى مع نعامة تدفن رأسها في الرّمل..

مواكبة لريح العصر…

-” يا أبي عليك ان تترجّلَ عن فرسك المغرور…

وأنْ تعترف أنّ الفرسان تأتي وتمضي…

ونحنُ في زمن فرسان عواصم الثّلج…

…عواصم الثّلج براءة الرؤى..

حضارة الخيال..بهجة العمران الجديد…

اباس ان تحترم النملَ المجاهدَ قليلًا..

ما ضرَّ لو كان الضَّبُعُ أنبَلَ من السَّبُعِ…

ألم تُنجب الإغريقُ أكرم الفرسان…

ولم تنتفض بهم أفئدة الصّحاري؟”

– صار الخفافيش سادة الخارطة…

وملوك الرومان هم خرافة الازمان…

ولو لا بــيـــزنطا ما وصل القمح الى الشَّرق..!

تلك تعاليم السيّد الجديد..تلتهمُ رأس ولدي…

تعاليم من يمحوك.. ويسرقُ مجدك…

بعد قليلٍ..سيضيعُ ولدي لون عيونه..

ستقسّمُ خبزة الحلوى..

سيأكــُلُ أطفالي ويفرحون …

وسآخذ نصيبي..من وجع الأخيلة..

بين يدي ذاكرة تضجُّ بالأسئلة..

ستُقسّمُ خبزة الحلوى..

ستمّحي في كلّ نبض مشارقُ الذّأكرة…

سَيَـنْسَى طفلي كلَّ رُسُومنا الفارطة..

ليعاد تشكيل الخارطة..

سُوف عبيد ـ تونس

متابعة قراءة قراءة في قصيدة خارطة رأس السنة لمنير وسلاتي

عروس البحر

إنْ سادَ اللّيل وأسودُه لاَ بُــدَّ اَلشَّــمْسُ تُــبَــــــدِّدُهُ

وتُــنيرُ اَلْـكَـوْنَ أَشِـعُّـتُـها ويَـــجِيءُ اَلْفَــجْـرُ يُجَــدِّدُهُ

فَـتَرَى للأرْضِ وَ قَدْ لَاحَتْ حُـسْـنًـا بِالــنُّـورِتُــنَـضِّـدُهُ

فِي لَوْحاتٍ هِـيَ آيـــاتٌ إِبْــداعُ الـلَّـــهِ تُمــــجِّــــدُهُ

بِــلِسَانِ الطّيْرِ شَــدَا سَحَـرًا سِـرْبًا سِرْبًا يَـتَـهَـجَّـدُهُ

نَــغَمًا وَكَهَمْسِ اَلْبحرِ سَجَا مَا أَرْوَعَ مَـوْجًا هَــدْهَــدَهُ

حُلْمُ الأشواقِ وَقَدْ سَرَحَتْ كَــمْ بَـاتَ اللّيلُ يُــقَيِّـدُهُ

*

وَتُطِلُّ عَرُوسُ البَحْرِ ضُحَى بِـتَمَامِ الحُسْنِ تُجَسِّـدُهُ

سُبْحَانَ اللَّهِ إِذَا أَبْــدَتْ مَــــيَّـاسَ اَلْــقَــدِّ تُـــــؤَوِّدُهُ

فِي ذَاكَ الشَّطِّ وَقَدْ خَطَرَتْ وَالـثَّغْـرُ تـَـبَسَّمَ مَوْرِدُهُ

والشَّـعْرُ تُـعابِــثـُـهُ غَـَنَـجَا طـَــوْرَا يَـْنـحَلُّ فَــتَعْـقِدُهُ

تـَـرْنُـو بِـــجُـفونٍ حَالـمةٍ وَيْــلٌ لِلسَّـهْمِ تُــسَـــدِّدُهُ

نـَحْوَ اَلصَيَّادِ رَمَى شَبَكًا عَـجَبًا لِلصَّيْدِ تَـــــــــصَيَّدَهُ

لمَّا خَصَلاَتٌ قَدْ عَلِقَت مِنْهَا صَاحَتْ تَــتَـنَــــــــجَّدُهُ

لَبَّيْـكِ وغاصَ بلا وَجَل وَغِمَـارُ اَلْمَوْجِ يُـجَاهِــــــدُهُ

بِحَنَانٍ أَمْسكَ مِنْ يَدِهَا وَ اَلْجِـيدَ بِـرِفْــقٍ أَسْـــــنَدَهُ

لَكِنْتيار البحر عتا بِـهُـبُوبِ رِيـَـاحٍ أَبْــعَــــــــــدَهُ

حـَـتّى بَلَغَـا أَنْـأَى جُـــزُرٍ فـَأَقـــامَ اَلظِـلَّ ومَـــهَّـدَهُ

وَ أَفَاقَتْ مِنْ رَوْعِ فَرَأَتْ لِـفَـتَاهَا وَجْـهَا تَــعْـهَـــــدُهُ

كلُّ الدُّنيا صارتْ جَذْلَى لَـكَأنَّ ربــيـعًا تَشْــهَـــــدُهُ

فَـــهَفَا شَجرٌ و نَمَا ثَــمَرٌ مَـيّـَادُ اَلْغُصْنِ وَ أَمْـلَــــدُهُ

و النّخلُ تَهادَى في سَعَفٍ بِـاَلْعِذْقِ تَدَلَّى عَـــسْجَدُهُ

وَالزّرعُ تَـمَايَـلَ مُمْتَلِـئًا بِاَلْحَبِّ قَــريبٌ مَحْصَــــــدُهُ

وَبِسَاط العُشْبِ جَرَى مَرْحًا بِــزُهُورِ اَلْوَشْيِ تُـزَرِّدُهُ

حَتَّى الْبِيدُ اِخْضَرَّتْ لَهُمَا وَ يَــمَامُ اَلْأَيْــكِ يُــغَـــرِّدُهُ

إِثْـنَانِ وَمِنْ طَــيْرٍ شَــهَدَا وَ العُرْسُ اللّيلةَ مَـوعـدُهُ

وَ بِـوَافِرِ صَــيْدٍ أَمْــهَرَهَا وَكَـبَـــدْرٍ بَاتَـتْ تُـــسْــعِدُهُ

زَمَنا عـاشَا أحلَى حُـلُمٍ إِذْ طابَ اَلْعَيْشُ وَ أَرْغَـــدُه

*

وَ أَتَتْ يَومًا فَبَكَتْ أَسَــفًا لاَبُــــدَّ الدَّهـرُ يـُـنَــكِّـدُهُ

قالتاليم يناديني فالـمَــرْءُ وَمـَا يَـتَــــــــعَـــوَّدُهُ

سَأَعُودُ قريبًا لا تَحْــــزَنْ لابُـــدَّ العَهْدَ نُــــجَـــدِّدُهُ

وَجَمَ الصَّيَّادُ وَ لَم يَنْبُسْ وهَــوَى صَرْحٌ قد شَــيَّـدَهُ

وَاِحْلَوْلَـكَتِ الدّنيَا حُــزْنًا وَبَـكَى في الـوَرْدِ تَـوَرُّدُهُ

وَمَضَتْ فِي الأَزرقِ سابحةً لحِقَ الصيُّادُ يُعَـــربدُهُ

يَا هذا البَحْرُ أَعِدْ إِلْـــفي فأجابَ بمَوج يُــــــزْبدُهُ

البَحرُ بِـــمَا فيه مُــلْـكِي فَالـلُّـؤْلُـؤُ لِي وَ زَبَرْجَـدُهُ

وَاَلْحُورِيَّـاتُ حَرِيمٌ لِــي مَا مِنْ أَحَدٍ يَـتَـقَــــصَّدُهُ

فإذَا رَعْـدٌ وَ إِذا بـَــرْقٌ وَكلابُ البحرِ تُـــــطَارِدُهُ

إِيَّــاكَ إذنْ يــومًا مِـــنِّي وَتَـعَالَى اَلْمَـوْجُ يُـصعِّـدُهُ

قَـفَـزَ الصّـــيّادُ على لَـوْح وَ سَــوادُ اللّيلِ يُــغَـمِّدُهُ

حتَّى أَلْـقَـاهُ اَلْمَوْجُ عَــلَى جُـلْمُودِ الـصَّخْرِ يُوَسِّـدُهُ

وَإِذَا اَلْجُلْمُودُ جَرَى دَمْـــعًا لـصدى بـــيت قد ردّدهُ

يَا لَــيْلُ الصَّبُّ مَتَى غَدُهُ أَقِـيَـامُ اَلسَّاعَـةِ مَــوْعِـدُهُ ؟