الفطائري

 

تَوَكّلْ عَلَى اَلْـلَّهِ خُذْ باللُّجَيْـنِ * أََدِرْهُ بِلَمْسٍ يَصيرُ فَـطِيـرَهْ

أَنَامِلُكَ السِّحْرُ مِنْهَا اَلْحَلَالُ * بِـفَـنٍّ تَـلُوحُ كَتَـاجِ الأمِيرَهْ

لَكَمْ جَاءَكَ اَلْجَائِعُ وَاِشْتَهَاهَا * فَجَاءَتْ إليهِ ـ مْلَاوِي كَبِيرَه

بِزيْتٍ وَقَمْحٍ,عَجَنْتَ بِـصَبْـرٍ * جِـبَالًا, وََجُبْتَ بِلَادًا كَثِيـرَه

إِلَى الرِّزْقِ تَسْعَى بِشَرْقٍ وَغَرْبٍ * تَطُوفُ بِهَا وَنِعْمَ اَلسَّفِيرَهْ

تَرَى اَلنّاسَ فِي كُلّ شَكْلٍ وَلَوْنٍ* وَوَاحِدٌ أَنْتَ فِي كُلّ سِيرَهْ

لَـئِـنْ طَوَّحََتْنَا اَلدُّرُوبُ فَنَحْنُ * نَحِنُّ جَمِيعًا لِتِلْكَ اَلْعَشِيرَهْ

  • تحيّة إلى الكرام أهل ـ غمراسن ـ بالجنوب التونسي الذين عُرفوا منذ القديم بصناعة الفطائر والمخارق والزلابية ونشروها في جميع أرجاء تونس وفي سائر بلدان العالم وقد كانوا رمز الصّدق والشّهامة والوفاء والتّضحية وبكسبهم الشّريف تمكّن أبناؤهم وبناتهم من التقدّم في سُبل العلم والمعرفة وفي مختلف الوظائف والمهن والأعمال.
    فالأمل أن لا ينسى الجيل القديم وأن يحافظ الجيل الجديد على القبم ـ الغمراسنية ـ الإنسانية الأصيلة بما فيها من عرّة وإباء وصبر وحبّ للخير لجميع النّاس

     

عاشق القيروان ـ الشاعر حُسين القهواجي

عاشقُ القيروان

ألقاه بين فترة و أخرى هادئا مطمئنا في أحدِ الشّوارع إمّا وقد اِنتهى لِتَوِّهِ من إصدار كتاب أو مُستعدًّا لطبع كتاب آخر جديد.

نحيفُ الجسم رقيقُ الكلمات لطيفُ الحركات غير شاكٍ ولا باكٍ فصديقي من أولئك الذين يعلمون أنّ دروب الأدب طويلةٌ أوّلًا وصعبة ثانيا وأنّ بلوغ تخقيق الأماني لن يتسنّى إلا بالمكابدة والدّأب وأنّ الذي يرومُ حرقَ المراحل مصيره الاِحتراق قبل الأوان.

هو الشّاعر حسين القهواجي الذي في رصيده إلى الآن سبعة كتب إبداعية على الأقلّإنّه ما يزال على نفس الإصرار في عشق الحروف وإبلاغها إلى النّاس ولو على حساب الضّروريات من الحياة, متابعة قراءة عاشق القيروان ـ الشاعر حُسين القهواجي

دعوة بيت الشّعر بالقيروان

تحية شكر أثيل على الدعوة الكريمة التي تلقيتها من الصديقة الشاعرة المتميزة جميلة الماجري المشرفة على بيت الشعر القيرواني والتي تشرفت بتلبيتها بكل اعتزاز وأسدي بهذه المناسبة وافر الشكر إلى أسرة هذا البيت الذي أعتبره إضافة نوعية تعزز الجهود الأخرى لإعلاء المنارات الثقافية في تونس كما أتقدم بجزيل الشكر والامتنان إلى الصديق الأديب والشاعر الأستاذ جلال المخ على تفضله بتقديم مدخل لمسيرتي الشعرية والشكر موصول إلى الشاعر الأستاذ فريد سعيداني الذي أدار اللقاء باقتدار ولطف كما أسدي جميل الشكر إلى جميع الحاضرين أحباء بيت الشعر القيرواني الذين تابعوا بشغف مختلف فقرات هذه الأمسية التي زاد من بهحتها حضور أصدقائي الشعراء والأدباء الأوفياء من بينهم خاصة الأعزاء عبد المجيد يوسف ومنصف الوهايبي وصلاح الدين بوجاه وجهاد المثناني والتهامي الجوادي وغيرهم
وتتويجا لهذا اللقاء تمّ الاتفاق على استضافة – ضمن أمسية شعرية خاصة -أسرة بيت الشعر القيرواني في جمعية ابن عرفة بتونس وتليها أمسية شعرية خاصة بشعراء جمعية ابن عرفة ببيت الشعر القيرواني وذلك من أجل مزيد التواصل والتعاون فمرحبا بشعراء بيت الشعر القيرواني في جمعية ابن عرفة

 

 

أسئلة الكتابة


أسئلة الكتابة

أنا من جيل فتح وعيه على الأسئلة الكبرى في الثّقافة والأدب وفي الشّعر خاصّة مثل سؤال بأيّ لغة نكتب؟ أَبِالعربية الفصحى ؟ أو بالعامية ؟ أو بالفرنسيّة ؟ ففي المرحلة الّتي عقبت سنة 1967 اِعترى الثّقافة في تونس وفي أغلب البلدان العربية وحتّى في الشّرق الأقصى وأوروبا وأمريكا حيرة حادّة اِستطاعت أن ترُجَّ كثيرا من الثّوابت بسبب التّأثير المباشر والحادّ للأزمات الّتي وقعت وقتذاك: فمِن حرب جوان 1967 إلى حرب فيتنام ومن أصداء الثّورة الثقافيّة في الصّين إلى أحداث ماي 1968 في فرنسا وإلى حركات التحرّر العارمة في أمريكا وإفريقيا تلك الّتي كانت كالسّيل العارم أو كالنّار تشبّ في اليابس من الأغصان وفي ما تهاوى من الجذوع واِنشرخ من الأغصان وفي ما تناثر من الأوراق متابعة قراءة أسئلة الكتابة

ذكرى شُكري بلعيد ـ زَغاريدُ الجنازةِ

زَغاريدُ الجنازةِ

سُوف عبيد 

أراكِ فتحلُو الحيـــاةُ ويُزهرُ جَـدبُ الــــغُـــصُـــونْ

فأنتِ الهواءُ وأنتِ السّمـــــــاءُ ونُورُ العُــــــيــــونْ

أخضراءُ أنتِ وُجُودِي جُدودي ومَهدُ البَــــنـــــيـــنْ

فسُبحانَهُ مَن بــَراك بحُســنِكِ كلُّ الفُـــــــنُــــــونْ

ولكنّك اليومَ ثكْلَى بفـقدِك ليْــثَ العَــــــــريـــــــنْ

مَع الصُبح ودّعَ بِـنْـتَـيْه ضَمًّا بلُطـفِ الحَـــــنـُــــونْ

وحُــبٍّ لكل البلادِ بصَافي الهَــوى والحَــنــــيــــنْ

فوَاحَرَّ قلبي عليه جَـــسُــورٌ ولا يَسْـتــكـيــــــــنْ

متابعة قراءة ذكرى شُكري بلعيد ـ زَغاريدُ الجنازةِ

الرّابط ـ قصيد الشّاعرة التونسية رجاء إدِلْويس محجوب تعريب سُوف عبيد

الرّابط

قصيد الشاعرة التونسية رجاء إدِلْويس محجوب

تعريب سُوف عبيد

ـ تقديم ـ 

 القصيدة من مجموعة شعرية بعنوان la fleur des neiges en nuances الذي أقترح تعريبه  ـ زهرة الثّلوج في تلاوينها ـ للشّاعرة والرسّامة رجاء إدِلْويس محجوب الصادرة سنة 2019 وتضمّ إلى جانب النصوص الشعرية باللغة الفرنسية لوحاتها التي تحمل نفس عناوبن القصائد فالديوان إذن جَمْعٌ لثنائية الشعر والرّسم كأن ـ الشاعرة الرسامة ـ تقول إنّ القصائد لوحات من الكلمات وإنّ اللوحات قصائد من الألوان .

الشاعرة رجاء إدِلويس محجوب تمثّل ظاهرة واضحة في الثقافة التونسية ألا وهي التعبير باللّسان الفرنسي الذي تكتبه وتنشره عديد الأقلام وهو أدب يعكس بوضوح مشاغل المجتمع التونسي في مختلف أبعاده بل إن ذلك الأدب بلغة مُوليار ـ التونسية ـ هو في كثير من الأحيان نافذة للتعريف بقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية ولقد كانت هذه الأقلام صوتا عاليا في مساندة القضايا العربية والإنسانية فهذا الأدب إذن يمكن اِعتباره  جناحًا يحلّق بالوجدان التونسي في الفضاءات العالمية

 

ــــــــ  الـــرّابــط  ــــــــــــ

كلُّ شيءٍ هنا يجعلُكِ وحيدةً

البحرُ ومداهُ

الحَشْدُ وضَوْضَاهُ

الطفلُ ودمعتاهُ

الصّراعُ من أجل الحريّة

الحريّةُ أن نكون إثنين

أو حتّى ثلاثةً أو ألفًا

الحريّةُ أن نكون وَحيدِينَ

وَحيدِينَ أو مُقيّدين

مُقيّّدينَ بسلاسل الحُبّ

حُبّ بلا قُيود

حُبّ بلا دُموع

عندَ ساحل البحر أو تحتَ السّماءِ

أمامَ هؤلاءِ الأطفال الباكينَ 

الباكين بين الغَوْغاءِ التي تتقيّأ

تَتقيّأ وِحدتَكِ

وأنتِ تُنادين حُبَّكِ صارخةً

صارخةً تسقُطِينَ في الهاويةِ

في الهاويةِ أنتِ وحيدةٌ

وحيدةٌ أنتِ

بين نظراتِ النّاس مِنْ حَوْلِك

 

مع سِي العروسي

مع سِي العروسي
سُوف عبيد
                                              ـ 1 ـ

سِي العروسي 

أو محمد العروسي المطوي 1920م ـ 2005 م

هذا الأديب التونسي الكبير الذي يُمثّل أحسن ما يكون مقولة ـ الأدب هو الأخذ من كل شيء بطرف ـ فقد خاض قلمُه غمار الشّعر والقصة والرّواية والسّيرة والنّقد والتّحقيق إلى جانب المقالة والخطابة والمحاضرة في النوادي والندوات والجمعيات وفي الإذاعة وفي المحافل وغيرها من المناسبات ممّا جعل مدوّنة المطوي متعدّدة المواضيع متنوّعة الأجناس والمشاغل فهو يمثّل الأديب الشامل الجامع بل وله قَصَب السّبق في بعض نواحي الاِبتكار والتجديد سواء في الشّعر أو في السّرد .

إلى جانب ذلك الرّصيد الثريّ من الأعمال الأدبية فإنّ لمحمد العروسي المطوي إسهامات واضحة في الحياة العامة الاِجتماعية منها والسياسية إضافة إلى قيامه بتدريس التاريخ والأدب سنوات عديدة لطلبة جامع الزيتونة خاض بعدها إثر اِستقلال تونس المجال الدبلوماسي فجميع هذه النواحي جعلتْ منه شخصية متميّزة كنتُ محظوظا بالاِقتراب منها في مناسبات وفترات مختلفة وعديدة منها الخاصة والعامة ضمن النشاط الثقافي وكم كنت سعيدا بمرافقة سِي العروسي في الحِلّ والتّرحال إلى بعض البلدان فأنِستُ بطيب مَحْتَدِهِ وعِشرته ونَهلت من معرفته وخبرته واِهتديت أحيانا ببعض مواقفه منذ عهد شبابي الأوّل إلى أن شاب رأسي وإلى سنوات ـ سِي العروسي ـ الأخيرة .ـ سِي العروسي ـ كذلك كنت أسمّيه سواء عند حضوره أو في غيابه و ـ سي ـ هذه أعتبرها عنوان التقدير والإجلال وأتحدّث بها ـ إلى وعن ـ  أساتذتي الكبار مثل سيّدي البشير العريبي وصالح القرمادي وتوفيق بكّار ومنجي الشّملي ومحمد البعلاوي وسعد غراب وغيرهم أولئك الذين أدين لهم بالكثير من وطابي الأدبي .

                                                              ـ 2 ـ

أوّل ما لقيت سي العروسي كان في النادي الثقافي أبي القاسم الشابي بضاحية الوردية وهو النادي الذي تأسّس مع جملة من النوادي الثقافية التي أُنشِئت عند مطلع ستّينيات القرن العشرين ومن بينها النادي الثقافي الطاهر الحدّاد الذي كان مقرّه في مدخل حديقة البلفدير ثم تحوّل إلى  المدينة العتيقة في أوائل السبعبنيات والنادي الثقافي علي البلهوان في شارع فلسطين وكان نادي أبي القاسم الشّابي مقصد الكثير من الأدباء والمثقفين التونسيين والعرب فذهبت إليه مع جملة من التلاميذ مرافقين أستاذنا سي البشير العريبي الذي كان يدرّسنا العربيّة في معهد الصّادقية في ما أذكر سنة 1968 ومن حينذاك صرت أتردّد على المكتبة الثريّة في النادي الثقافي أبي القاسم الشّابي وأحضُر كلّما تسنّى لي ذلك في  مناسباته الأدبية وشيئا فشيئا صرتُ قريبا من سِي العروسي خاصة بعد أن أصبحت طالبا بكليّة الآداب بتونس ففي سنة 1973 اِنعقد بتونس أول مؤتمر للأدباء العرب مع مهرجان الشعر العربي وكانت بعض الأمسيات الشعرية تنتطم بدار الثقافة اِبن رشيق والأبواب محروسة بالشرطة فلا يسمح بالدخول إلا بالدعوات الخاصة فكنت من ثلّة من الأدباء الشّباب والطلبة الذين اِجتمعوا محتجّين أمام دار الثقافة فإذا بنا نرى سي العروسي وسي الميداني بن صالح يخرجان من داخل القاعة ويسمحان لنا بالدخول ومتابعة الأمسية من الطابق الأول .
حدّثني سي العروسي مرّات عن دراسته في جامع الزّيتونة وعمّا كان يعانيه الطلبة من شظف العيش إذْ لم يكن طعامهم أحيانا إلا حفنة من بسيسة القمح والشّعير يعجنونها بالماء فقد عاشوا سنوات ضنكة على وجبات نزر قليل من التّمر أو من التّين المجفّف أو الزّيت والزّيتون والهريسة فكانوا في الشّتاء يتقاسمون في اليوم صحفة لبلابي ساخنة ما فيها إلا حبّات حمص ومرق .

وذكر مرّة أنه عندما كان داخلا من باب جامع الزيتونة إذ هبّت ريح قويّة خلفه رفعت طَرَفَيْ بُرنسه عاليا فرآه شيخه على تلك الحال فقال له مازحًا ـ الحمد للّه يا عروسي …لوْ لم تكن المَطويَّ لَطيّرتْك الرّيح !!

                                                                   ـ 3 ـ 

من مواقف سي العروسي المطوي الوطنية الغير معروفة وذلك لتواضعه ولضُمور النزعة الأنانية لديه أذكر أنه كان من جملة المثقفين التونسيين الذين شجّعوا الشّباب ودفعوهم إلى التطوّع في حرب فلسطين سنة 1948 وعندما كان سِي العروسي سفير تونس بالعراق نالت الكويت اِستقلالها عن بريطانيا فاِعترفت تونس بذلك الاِستقلال لكنّ حكومة العراق وقتذاك اِعترضت عليه لأنها اِعتبرت أن الكويت تابعة للعراق ممّا أوقع خلافا سياسيا كبيرا بين الرئيس الحبيب بورقيبة والرئيس العراقي عبد الكريم قاسم وقد وجد حينذاك سي العروسي إغراءات كبيرة ليخالف موقف بلاده ويبقى في بغداد مُعزّزا مُكرّما لكنه لم يستجب وعاد إلى تونس منشغلا بالحياة الثقافية وصار نائبا عن ولاية قابس في البرلمان ضمن لجنة التربية والثقافة وساهم في الإذاعة الوطنية التونسية ببرنامج خصّصه لمختلف مراحل تاريخ تونس وعصورها وكان الرئيس بورقيبة حريصا على الاِستماع إليه وحتّى عندما لا يتمكن من ذلك مباشرة فإنّ مدير الإذاعة كان يرسل إليه ما فات من الحلقات مسجّلة ووصل البرنامج إلى الحديث عن الدولة الحفصية فاِتصل بورقيبة بسي العروسي ملاحظا له أنه قد أطنب وفصّل القول كثيرا في التاريخ وأنه أبطأ في الحديث عن تاريخ الحركة الوطنية وإبراز تفاصيل نضال الرّئيس فكان جواب سِي العروسي أن التاريخ يجب أن يكون متسلسلا لذلك لا يمكنه أن يتجاوز العصور ويقفز على الأحداث بسرعة وأنه سيصل إلى ذكر تاريخ تونس المعاصر لا محالة وسيذكر ـ الزعيم المجاهد الأكبر ـ بورقيبة ـ إلا أنه يبدو أن الرئيس كان يريد العجلة في الحديث عنه فلم يتواصل البرنامج بعد تلك المكالمة .

                                                              ـ 4 ـ

أذكر مرّة أنّي كنتُ جالسّا معه في إحدى المقاهي بالعاصمة تونس وعندما أقبل النّادل بالطّبق ووضع أمامه الفنجان قال له ـ تفضَل يا سي العروسي ـ وبعدما تحادثنا وهَمَمْنا بالاِنصراف بادر سِي العروسي بنقد النادل ورقةً من فئة الخمسة دنانير راجيا منه بلطف أن يترك الباقي لديه وعندما غادرنا المقهى قلت لسي العروسي إنّ النادل كان يرضى ويبتهج بما يتبقّى له من دينار واحد على أساس أن القهوتين معًا لا ﻻيتجاوز ثمنهما نصف الدينار ! فما كان منه إلا أن قال لي ـ يجب أن أكرمه لأنه عرفني وقال لي ـ سي العروسي

وهو لئن بدا على غاية من الكرم في هذا الموقف فإنّه على عكس ذلك في موقف آخر عندما يطلب أحدُنا منه ورقةً ونحن في  جلسة باِتحاد الكتّاب التونسيين أو في النّادي الثقافي أبي القاسم الشّابي فإنه يأخد ورقة ويقسمها نصفين أو على أريع ويقول إن تلك تكفي لكتابة ملاحظات أو أسئلة فسأله أحدهم  – مُمازحا – لماذا هذا التقتير وأراد اِستفزازه  بحضورنا فكان ردّ سِي العروسي أنّ حسن التصرّف في المال العام واجب وأنّ نصف ورقة أو ربعها كاف لكتابة بعض السطور الضرورية أما من يريد كتابة قصة أو رواية أو ديوان أثناء الاِجتماع فما عليه إلا أن يحضر معه كرّاسًا !

ذاك زمن…

                                                                  ـ 5 ـ

عندما حضرت لأول مرة مؤتمر اتحاد الكتاب التونسيين في آخر سنة 1981 بدار الثقافة اِبن خلدون كان عدد المؤتمرين من الأدباء لا يتجاوز الثمانين ودام المؤتمر يوما واحدا وكان الغداء ـ شاطرا ومشطورا ـ وبينهما هريسة وبعضُ الفَتْفَتَات من التُنّ أو السّردين وقطراتِ رذاذٍ من الزيت لا غير وكنا سعداء ولم نبال لأننا عقدنا مؤتمر الاتحاد وأصدرنا بيانا يتضمن المطالبة بحرية الكلمة وبدعم نشر الكتاب وتوزيعه وتضمين التعليم في جميع مراحله قدرًا أكبر من الأدب التونسي وفتح فروع للاتحاد في مختلف ولايات البلاد والتفكير في إنشاء مجلة خاصة تصدر عن الاِتحاد والعمل على ترجمة مختارات للأدباء التونسيين المعاصرين فكان المؤتمر نقلة نوعية في تاريخه ثم بعد أن تولّى الأستاذ محمد مزالي الوزارة الأولى اِستقال من رئاسة الاتحاد وخَلَفه نائبُه سي العروسي واِنتقل مقر الاتحاد من مكتب صغير في دار الثقافة باب العسل إلى مقره الحالي بجانب المعهد العالي للموسيقى ودار الثقافة ابن رشيق في قلب تونس العاصمة وهو مقرّ محترم وكان حلما للأدباء المؤسسين ويعود الفضل الأكبر لاِكتساب هذا المقرّ وهو من أملاك الدولة إلى تدخل الأستاذ بشير بن سلامة وزير الثقافة في حكومة مزالي وبِحِرصٍ خاصّ من الأدباء محمد العروسي المطوي ومحمد المرزوقي والجيلاني بالحاج يحي وغيرهم…

وباِنتقال اِتحاد الكتّاب إلى مقرّه الحالي 20 شارع باريس وبرئاسة سِي العروسي اِنطلق في طور جديد وذلك بإنشاء عديد النّوادي والفروع وإصدار مجلّة  ـ المسار ـ

                                                               ـ 6 ـ

 في آخر سنة 1989 بدأ الاِستعدادات لعقد المؤتمر فطلب منّى سي العروسي ذات يوم بعد اِنتهاء جلسة أحد النوادي أن آتي إلى الاِتحاد من غدٍ باكرا لمراجعة بعض مواد مجلة المسار قبل طبعها فذهبت من غدٍ ولكن لم يُسلّمني ملفّ المجلة بل مدّ لي رسالة من اِتحاد أدباء العراق والثانية وكانت بالفرنسية من المعهد العربي بباريس وقال لي هل بإمكانك الإجابة عنهما مضمّنا موافقة اِتحادنا على ما فيهما فقلت له ـ حسنا ولكن هذه مهمّة الكاتب العام سي مصطفى الفارسي ـ  فقال لي إنه منشغل بمسؤوليته في اِتحاد كتّاب إفريقيا وآسيا والأخ مصطفى لا ينوي أن يكون في الهيأة المديرة القادمة ثم أردف قائلا بشىء من الحزم – إنّ اتِحادنا في حاجة إلى كلّ أعضائه -وسلّمني ورقتين فأخذتهما مع الرسالتين واِنصرفت إلى المكتبة لأردّ عليهما وما كادت نصف ساعة تمضي حتى رأيت سي العروسي يدخل المكتبة قائلا هل أتممتَ ؟ فقلت ـ نعم وسلّمته الإجابة عن الرسالتين الأولى بالعربية طبعا والثانية بالفرنسية ورافقته إلى مكتبه فجلس وقرأهما ثم أبدى اِنشراحه وقال لي مبتسما ـ ما قصّرتش يعطيك الصحّة ـ فشعرت كأنني نجحت في الاِمتحان فسِي العروسي حريص على الدقة وحسن ضبط الكلمات وتنسيق الفقرات مع مراعاة بروتوكولات المقام والمناسبة وقد عَلِمتُ كل ذلك من خلال إملاءاته وملاحظاته عندما كنت أراجع معه بعض المراسلات… وأمر لي بقهوة ثمّ مال بالحديث إلى شؤون المجلة فإذا به يأخذ ورقةً صغيرة ويكتب فيها بقلم الحبر ويمدّها إليّ كالسِرّ دون أن ينبس بأيّ كلمة فأخذتها كالوديعة وقرأت ما فيها….جملة واحدة فقط هي :

 – الترشّح إلى الهيأة المديرة –

 وبدون تردّد وبسرور كبير قلت له ـ نعمْ… ولكن بشرط أن أكون معك يا سِي العروسي !

وكان المؤتمر في آخر ديسمبر 1989 بدار الثقافة اِبن خلدون وبعد الاِنتخاب كان نصيبي أكبر الأصوات وتولّى سي العروسي الرّئاسة وسي الميداني بن صالح نائبه والأخ محمد العاشمي بلوزة تولّى أمانة المال والأخ جلول عزونة تولّى مسؤولية العلاقات الخارحية أما الكتاية العامة للاِتحاد فكانت مسؤوليتي وضمّت الهيأة أيضا الأدباء أبا زيان السّعدي وسمير العيادي وعبد الحميد خريّف والطيب الفقيه ونور الدين بن بلقاسم والتابعي الأخضر فحاولنا قدر المستطاع الإضافة والعمل على تحسين منزلة اِتحاد الكتّاب التونسيين وإشعاعه سواء داخل البلاد أو خارجها فقد ضمّ الاِتحاد في تلك السنوات العدد الأكبر من الأدباء والشعراء والجامعيين على توالي أجيالهم واِختلاف قناعاتهم الفكرية واِنتماءاتهم السياسية وعلى تنوّع ألوانهم الأدبية والفنيّة وتعددّها وقد تولّى أيضا اِتحادنا رئاسة الاتِحاد العام للأدباء والكتّاب العرب فأصيح سِي العروسي رئيسه في ظروف خلافات عربية حادّة إبّان حرب الخليج كادت تعصف بالاِتحاد أيضا .

 من كان يظنّ أنّ ذلك الشّاعر الشّاب الواقف مع جَمْعٍ من الأدباء الشبّان وقد مُنعوا من دخول الأمسيات الشعرية عندما اِنتظمت بمناسبة مهرجان الشّعر العربي بتونس سنة 1973 سيكون من بين الفاعلين في تنظيم ذلك المهرجان سنة 1991

ما كنتُ أحسب يوما أنّني سأكتب البعض من هذه الذكريات بما فيها من معاناة وتحدّيات ولكن ما أمتعها…!

رحم الله سي العروسي !

 

رادس 1 ـ 2 ـ 2020

 

* الصّورة  ـ محمد العروسي المطوي بين سُوف عبيد وعادل مالك بدار الثقافة قصيبة المديوني ـ المنستير 1991