الرّأس


ـــــ الرّأس ـــــ


رَأسِي هَذَا
مُدَوَّرٌُ مُكَوَّرٌ
كُرَةُ قَدَمْ
يَحْمِلُ حُرُوبَ وَمَجَاعَاتِ اَلْعَالَم
وَكُلَّ مَا فِي اَلْعَالَم مِنْ ألَمْ
*
رَأْسِي هَذَا
مُرَبَّعٌ مُسْتَطِيلٌ
صُندُوقٌ قَدِيمٌ
مُلَفَّقُ الْألوَاحْ
بِالْقِصْدِير وَالْمَسَامِير
وَبإكْسِير الْجِرَاحْ
*
رَأسِي هَذا
أسْوَدُ أبْيَضُ
رُقْعَةُ شِطْرَنْج
بَيَادِقُهَا غَارقَةٌ فِي اَلدَّمْ
فُرْسَانُهَا يُسَوِّهَا اَلْهَرَمْ
*
تَعَالَوْا يَا أطْفَالَ الْعَالَم
هَذَا رَأسِي
فَاِلْعَبُوا بهِ
بَيْنَ أرْجُلِكُمْ !
ـ سُوف عبيد 1972

العاشق المتجوّل

العاشق المتجوّل

يا بائعَ الخُبز
أشتهِي رغيفًا وهّاجًا
مِثلَ
مِثلَ وَجنتيْهَا
قال اِذهبْ إلى بائع الوَردِ

يا بائعَ الوَردِ
أحِبُّ وردةً دُريّةً
مِثلَ عينيهَا
قال اِذهبْ إلى بائع اللّؤلؤ

يا بائعَ اللّؤلؤ
هَلْ لامَسْتَ أصابعَ نديّةً
مثلَ كفّيْهَا
قال اِذهبْ إلى بائع الحَرير

يا بائعَ الحرير
هل مرّتْ جنائنُ الياسمينِ
وحَفيفُ ثَوبهَا
عَلى خَصْرها
فِي البحر أغرقَنِي
قال اِذهبْ إلى بائع السّمكِ

يا بائعَ السّمكِ
القلبُ في الشّبَك
الشّبَكُ في المَركب
المركبُ في الميناءِ
والميناءُ تحتَ الشّمسِ
ذابَ صَبري
قال أسْرعْ إلى بائع الثّلج

يا بائعَ الثّلج
أرأيتَ التي وعدُها السّرابُ ؟
قال تَراءتْ في السِّباخ
وعليكَ ببائعِ المِلح

عندمَا وقفتُ عندَ بابهِ
وهبَني حَبّتينِ مِنَ المِلحِ
مَدَدتُ يدِي
فذابَ السّكرُ
في الجُرحِ !!

  • من ديوان نوّارة الملح ـ تونس  1984

الدكتور

ـ1 ـ

وأنت تمرّ من أحد أنهج مدينة تونس العتيقة أو أنت عابر من بطحائها ورأيتَ رجلا يمشي على مَهل كأنه في فُسحة أو نزهة ثم يقف حينا  يتأمّل زاوية من الزوايا أو بابا من الأبواب أو تراه وقد أحاط به جَمع من الأطفال أو الشباب أو قافلة من السائحين الأجانب يشرح لهم تاريخ المكان وخصائصه فاعلمْ أنه عاشقُ مدينة تونس المُتيّمُ بحبّها

ـ2 ـ

هو الدكتور الطبيب و صِفتُه المناسبة والصّحيحة ـ الحكيم ـ  إنّه محمد رضا الماجري الذي عرفته عن قرب في السنوات الأخيرة أو بالأحرى بعد ثورة 2011 وقد رأيته وسمعته من قبلُ في بعض المناسبات الثقافية بنادي الطاهر الحداد فشدّ اِنتباهي من وقتذاك سِعةُ اِطلاعه في المواضيع المطروحة بين الحاضرين ولست أدري كيف توطّدت العلاقة بيننا بمناسبة أنشطة جمعية اِبن عرفة في السليمانية قرب جامع الزيتونة فكان حريصا على الحضور والمساهمة في توضيح عديد المسائل الاجتماعية والحضارية والتاريخية والطبية ناهيك أنه يحدّثك حتى عن الفطائر وصنعها وعن إعداد الكسكسي بتفاصيل اِستخراجه بأنواع الغرابيل ويُفصّل لك الوصف في الكسكسي تفصيلا دقيقا حول كيفية إحضاره حسب مختلف الأصناف حسب المدن التونسية وجِهاتها ومقارنة الكسكسي التونسي ببقية الأنواع في البلدان المغاربية وحتى ببعض البلدان الأوروبية ليؤكّد بكلّ هذا الإلمام والتدقيق عبقرية المراة التونسية عبر التاريخ

عندما دار الحديث بيننا مرّة عن رغبته في أن يكون له مجلس مُخَصّص للقراءات الحرّة من مختلف الكتب والنصوص وبجميع اللغات بلا رقيب أو حسيب سُرعان ما لبّيتُ رغبته بكل سرور فكان ذلك كذلك صباح كل يوم جمعة بجمعية اِبن عرفة الكائنة في فضاء ـ السليمانية ـ ومن يومها والدكتور مُرابط بناديه هذا في موعده ما عدا أيّام العطل الرّسمية أو إذا دُعي لحضور مناسبة طبيّة أكيدة لا يُثنيه عن القدوم إلى ناديه في الموعد بالضبط ـ بل قبل خمس دقائق ـ لا الحرُّ ولا القَرّ ولا الأمطار ولا الرّياح

ـ3 ـ

درس الدكتور الطب بفرنسا وعاش هناك أحداث ماي 1968 بإرهاصاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية وخالط الكثيرين من مثقّفيها وفلاسفتها وأدبائها من المستشرقين أيضا فيحدثك عن بعض تفاصيل مسيرتهم وخصائص أفكارهم وحتّى عن كتبهم  حديث يَقين العارف فهو ليس من أولئك الذين يزعمون القول على عواهنه مَثَلُهم مَثَلُ طُز ْ حِكمة ويتذكّر الدكتور سفره إلى فرنسا بعد نجاحه في الباكالوريا إذ جاء رجل من الوزارة يسعى بهندام محترم ودقّ باب منزله وقدّم له ما يفيد أنه تحصّل على منحة لمواصلة تعليمه العالي والدكتور يستحضر ذلك اِعتزازًا منه بدولة الاِستقلال التي كانت تشجّع على طلب العلم وتجتهد في فتح الأبواب أمام أصحاب الكفاءات والمواهب في جميع المجالات ومن جميع جهات البلاد وهو لا ينسى أبدا فضل معلّميه وأساتذته وكم هو فخور بأنه درس اللغة والأدب العربي على أيدي الأساتذة الشاذلي القليبي ومصطفى الفيلالي ومحجوب بن ميلاد الذي تتلمذتُ إليه أنا أيضا في كلية الآداب بتونس فاِبتهج الدكتور لذلك ـ  والحقَّ أقول ـ  إنّ اِبتهاحي كان أكثر لأني صرت إليه زميلا أو كزميل دراسة بطريقة من الطرق والدكتور عندما يذكرهم فإنه يؤكد بإعجاب أنه تعلّم عنهم دقة اللغة العربية واِكتشف معهم جماليتها وأنه اِستفاد منهم أيضا عندما كان ضمن اللجنة العربية المختصة في تعريب المصطلحات الطبيية

ـ4 ـ

الدكتور يذكر دائما بكثير من المودّة صديقه ـ حمادي الصّيد ـ وكيف كان يعاقبه الأستاذ الشاذلي القليبي وذلك بأن يقف على رجل واحدة في إحدى زوايا قاعة الدّرس وهو الذي كان قد دعاه بعد ذلك ليكون من مساعديه في الإذاعة الوطنية عندما تولّى إدارتها وفي هذا السياق يتحدث الدكتور عن ذكرياته مع الشاعر مصطفى خريف ذاكرا بعض طرائفه ليصل الحديث معه إلى جماعة أدباء تحت السّور الذين أدرك البعض منهم فيذكر مثلا قصة أغنية ـ حبّي يتبدل يتجدد ـ للفنان الهادي الجويني وكيف اِلتقط قِطع أوراقها الممزّقة من صاحبها الأديب علي الدوعاجي على إثر خلاف أو شجار بين الحاضرين في مقهى ـ تحت السّور ـ بباب سويقة

والآن وهنا…. يصل بنا الحديث إلى باب سويقة مع الدكتور فهذا الحيّ الشعبيّ العتيق بتونس العاصمة هو ملخّص حياة الدكتور وكُنهُها ومدارُ ذكرياته في مختلف أرجائه ونواحيه اِنطلاقا من ساحته الفيحاء إلى بطحاء الحلفاوين ومن مقام سيدي محرز وسُوقه إلى بطحاء ـ رحيبة سيدي الجبالي ـ حيث نشأ الدكتور وترعرع ففي هذا الفضاء العمراني من تونس العاصمة يَكمُن مَخزن عارم لأرشيف هائل يحفظ ذكريات الدكتو رالزاخرة بالأحداث البسيطة والجليلة من ذكرى السّهرات العائلية إلى ذكرى عودة الزّعيم بورقيبة في غرة جوان 1955 وهو أرشيف يحفظ سيرة شخصيات مازالت ذكراها طافحة في خيال الدكتور الذي يصرّح أنه تأثّر بها بل وتعلّم منها ما لم يتعلمه في المدرسة والمعهد أو الكليّة فتسمعه يذكر بمتعة أخبار الشيخ ـ سيدي على بلخوجة ـ الذي رغم منزلته الدينية والاِجتماعية الجليلة فإنه كان قريبا من النّاس بفضل الأريحية وروح المرح والشخصية الاجتماعية التي يتميّز بها ويحدّثك الدكتور بإعجاب عن مغامرات ـ عليّ شورّب ـ المعروف ببلطجيته وصعلكته لكنه عند حلول شهر رمضان يمكنك أن تجده في المسجد يصلّي التراويح وتراه مارّا بين الدكاكين يأخذ من الباعة ـ رضي منهم من رضي وكره من كره ـ ما يحتاجه المُعوِزُون في الحيّ لإعداد عَشائهم فكأنه ـ عُروة الصعاليك ـ في العصر الجاهلي ويذكر الدكتور أنّ ـ علي شورّب ـ جاء إلى العائلة مسرورا مهنّئا حاملا المشروبات بمناسبة حصوله على الباكالوريا

ـ5 ـ

هذا التنوّع والاِحتلاف والتعدّد في الشخصيات التي عرفها الدكتور هو الذي طبع شخصيته المنفتحة فهو كثيرا ما يقول إنه قد عاش التنوّع الحضاري منذ تشكّل وعيُه حيث ينطلق من حيّ باب سويقة ذي الطابع التونسي ثم يمرّ في طريقه ـ إلى ـ معهد كارنو ـ على الحيّ اليهودي بحيّ الحفصية وباب قرطاجنّة كي يصل إلى الحيّ الأوروبي حيث المعهد فالدكتور عارف بأحياء العاصمة تونس حيّا حيّا وبطحاءَ بطحاءَ وساحة ساخةً وشارعًا شارعًا ونهجًا نهجًا وزُقاقًا زقاقًا وأقول سُوقًا سُوقًا وبنايةً بنايةً وبابًا بابًا وأحسبني على يقين لأنه يُبيّن لك معنى اِسم كلّ منها وسبب تسميته وطرائف نقل الاِسم إلى اللغة الفرنسية بما يأتي بالغريب والعجيب فحدّثنا مرّة أنه كان في لجنة من اللّجان المكلّفة بأسماء الشوارع والأنهج الجديدة في أحد الأحياء الجديدة ورأت اللجنة أن تسمّيَ البعض منها بأسماء الشهداء والمناضلين القدامى فأسندت اللجنة اِسم الشهيد البطل ـ مصباح الجربوع ـ لأحد الأنهج غير أنّ هذا الاِسم لم يرُق لبعض الوجهاء الساكنين في الحيّ فطالب بما له من نفوذ أن يغيّروا الاِسم باِسم آخر  حَسَنِ المعنى ونزولا عند رغبة ذلك السيّد تغيّر الاسم وأصبح ـ نوّار عشيّة ـ أو ـ مِسك الليل ـ فتمّت ترجمة الاسم المقترح

belle de nuit

فتراجع ذلك السيّد غاضبا معبّرا عن رفضه للاِسم الجديد لأنه سيّء الإيحاء في اللغة الفرنسية

ـ6 ـ

وللدكتور وَلعٌ كبير باللّغة عامّة وباللغة التونسية خاصة فتراه يسعى إلى التذكير باللغة اليومية الجميلة التي كان يستعملها التونسيون بما فيها من دقّة وظُرف ويُبدي اِزدراءه من أحاديث القوم الهجينة في خطاباتهم اليومية إذ يراها خليطا متنافرًا من الفصحى والفرنسية حتّى في وسائل الإعلام من إذاعات وتلفزيونات وفي نصوص الإعلانات والرسائل القصيرة عبر وسائل الاِتصال وكم من مرّة يحدّثنا عن أصول بعض الكلمات وقد رجع إلى لسان العرب وإلى اللغات الأخرى مثل الأمازيغية واللاتينية والإسبانية والتركية والفارسية وغيرها فكثير من الكلمات التي نتكلم بها يوميًّا تعود في أصولها إلى هذه اللغات كالعلّوش والبرشني والسّردوك والكوجينا والفكرون والدّورُو  وغيرها فالدكتور تونسيّ اللّسان والوجدان والهندام أيضا فتراه ـ يحطّ الحطّة ـ أي في ـ أحسن هندام ـ باللباس التونسي الأصيل من الجبّة ذات الصدريّة والبدعيّة والمنتان والشّملة على الكتف والشاشية مع البرنس إذا فرض الطقس ذلك وكلها تبدو في تناسق سنفونيّ بديع وترى كذلك صديقي الدكتور أيضا في المناسبات الرّسمية أيضا

tiré à quatre épingles

أي في أناقة كاملة باللّباس الإفرنجي في اِنسجام وتمام بين الألوان من الحذاء إلى رباط العنق ومنديل الجيب فتبارك الله أحسنُ الخالقين لطلعته البهيّة يزيدُه الوقارَ عكّازهُ المنسجمُ وقعُهُ مع إيقاع خُطاه في ثبات واِتّزان متّعه اللّه بالصحّة والعافية وطول العمر فالحديث معه فائدة ومعرفة والجلوس إليه متعة وأنس

ـ 7 ـ

ويحدّثك الدكتور في سياق ما يحدّثك عن لقبه العائلي ونِسبته إلى قبيلة ماجر التي يفخَر بالانتساب إليها فقد جاء والده من مضارب ربوع القصرين إلى العاصمة في مُقتبل العمر فنشأ فيها وترعرع وتوظّف ومنها تزوّج لكنه كان يُنسَب دائما إلى كونه من ـ ماجر ـ فهو الماجري دائما كي لا يلتبس اِسمه مع العائلات التونسية القديمة في العاصمة بل في المدينة العتيقة أساسا وللدكتور تفاصيل في هذه المسألة التي كانت في العهود السابقة تعبّر عن تفرقة بين سكان العاصمة الأصيلين وبين القادمين عليها من مختلف الجهات  التي ينسبونهم إليها بل إن الدكتور يرى أن التفرقة لم يسلم منها حتى سكان العاصمة أنفسهم فالفرق لديهم واضح بين من كانت عائلته داخل السّور الأصلي وبين الذي كانت عائلته من سكان خارج السّور الأصلي أي من حيّ باب سويقة والحلفاوين وباب الجديد وباب الجزيرة وغيرها ويؤكّد الدكتور دائما على النواحي السلبية لهذه العقلية المحافظة والتي نجدها أيضا مبثوثة في بقية المدن مع الأسف وإنّ تمسّك الدكتور بمحبّة حَيّه الأصليّ ـ باب سويقة ـ هو الذي جعله يفتح عيادته الطبية الخاصّة في تلك الناحية ويبني منزله قريبا منه أيضا على عكس الكثيرين من أصيلي تلك المنطقة التي رحلوا عنها وهجروها لكن الدكتور ظل وفيّا للنّاس الذين اِحتضنوه يتيمًا وأحاطوا به صغيرا وشجّعوه على الترقّي في مدارج العلم والمعرفة فاِحترموه طبيبا بينهم وبَوّؤُوه مراتب التبجيل والإجلال

ـ8 ـ

ما يشغل الدكتور وما يجعله على ما لا يُرام هو أسفُه الشديد على ظروف تونس السيئة فتونس يرى أنّها ثريّة بعديد المواهب والطاقات في جميع المجالات وأنها زاخرة بالكفاءات العالية التي لو يتمّ توظيفها على قاعدة الرّجل المناسب في المكان المناسب لرأينا البلاد أحسن بكثير ممّا تعيش فيه الآن من بؤس وتدهورعلى جميع المستويات

وكم الدكتور يحاول في كل يوم وفي كل مناسبة أن ينشر حُبّ المطالعة والكتاب بين الأطفال والشباب وحتى بين الكهول والشيوخ وهو الحريص على إبلاغ الناس جميعا والأجيال الجديدة خاصة ما لتونس وشعبها من عبقرية وإنجازات في شتّى الميادين ساهمت بها عبر التاريخ في الحضارة الإنسانية

ـ9 ـ

الدكتور مثال لقول الجاحظ ـ الأدب هو الأخذ من كل شيء بطرف ـ فهو إذا حدّثك عن الطبّ أفاد وإذا تكلّم في الحضارة والتاريخ تبحّر وإذا تطارحتم في كلمة من الكلمات فصّل وشرح  وإذا ذُكر عنوان كتاب ذكر لك ما فيه وبسط القول حول صاحبه وإذا دار الحديث عن أيّ مكان من العاصمة تونس فإنه يرجع بك إلى أصله وأطواره ووقائعه في إمتاع فلا تملّ من حديثه أبدا ,

شَوْقٌ عَلى شَبق

 ** شَوقٌ على شَوقٍ **

إلى الصديق جلال المخ

شَوْقًا سَارَتْ بِخُطَى اَلْخَبَبِ

            طرَقَـتْ بَابِـي بَـيْـنَ الــطُّـرُقِ

بَـاتَـتْمَـا بَاتـتْ ليْـلتَـهَا

          مَــا أطـوَلَـهُ اللّـيْــلُ فِي الأَرقِ

جَاءتْأَشْرَقَ العِشْقُ في عَينِهَا

          لمّـا بَـاحَتِ الـعَـيْـنُ بِالـشَّـبَـقِ

مِثلَ بُهْرةِ شَمْسِ الضُّحَى حِينًا

         أوْ كَمِثْـلِ أفُـولٍ فِي اَلْغَـسَــقِ

قُــلْــتُ أَهْـــلًا مَوْلاتي مَرْحَبًا

        وَاِرْتَمَتْ بَـيْـنَ صَدْرِي والعُـنُـقِ

عَانَـقَـتْـنِي فِـي وَلَـهٍ وبَـكَـت

        رُوحِـي تَـفْـدِي دَمْعَـةَ اَلْـحَـدَقِ

عَانَقـتْـنِـي عانَـقْـتُـهَا صِـرْنَا

        كَجَنَاحَيْنِ طَــارَا فِـي اَلْأفُــــقِ

   

في الذكرى الأولى للشّاعر الصّديق علّالة الحوّاشي

ما يزال بِسَمته الأنيق وبلحيته الكثّة وبظّارته راسخا في ذاكرتي وما يزال صوته الشجيّ صدى يأتيني من بعيد وتذكّرت الآن أنّ صديقي علالة الحواشي ما رأيته مرة بدون ربطة العنق فهو حريص على أناقته وعلى تناسق هندامه في كل الفصول في سنوات كان البعض من الشعراء والمنتمين إلى الأجواء الفنية والفكرية يعتبرون أنّ المبدع والمثقف يجب أن يكون هامشيا فوضوي السلوك ورثّ الثّياب تلك سنوات اِنقضت ومضت ولم يبق منها إلا ما غربله الزّمان وبمناسبة مرور سنة على  رحيل الشاعر علالة الحواشي عدت إلى أرشيف كتاباتي فوجدت هذه المقالة التي نشرتها عند صدور ديوانه الأول ـ حلاج البلاد ـ سنة 1995 وأعيد نشرها تحية وفاء  لروحة .

للشاعر الإصدارات التالية

1 ـ في الشعر
ـ حلاج البلاد
ـ صلوات أخرى
  ـ فرس التهر
ـ يتدفأ بالذكرى
2 ـ في الرواية
ـ أسفار أبي الأحناش المفقودة
ـ دارنا ودوّارنا
3 ـ في المذكرات
ـ يهيم باللّولتي
4 ـ في النقد االأدبي
ـ هذه الكتابة هؤلاء الكتاب


عودة الحلاج

ثمة في تونس شعراء عديدون يكتبون وينشرون في صمت، بلا ضوضاء ولا جلبة، همهم الوحيد المعاناة في الإبداع جاعلين من الوحدة أنيسا ومن التأملات جليسا، ومن هؤلاء الشاعر علالة حواشي الذي أصدر مجموعته الأولى: حلاج البلاد سنة 1995 في نحو 100 صفحة وفي طبعة محترمة وتضم ستة فصول وهي:

–  فيروز

–  جذور وجسور

–  في تخوم ليلى

–  مقصلة وذات

–  بشائر

–  خنقة

وكل فصل منها يحتوي على عدد من القصائد كتبها الشاعر بين سنتي 1985 و1995 .

وإن أنا بدأت بالناحية الشكلية في هذه المجموعة فذلك لأشير إلى أن جل الكلمات فيها جاءت مشكولة شكلا تاما وهذا ما يسهل القراءة واستيعاب المعنى المقصود من الشاعر نفسه حيث أن ضبط الحركات على الحروف بات ضروريا لإبلاغ المضمون كأحسن ما يكون خاصة في النص الشعري الذي قد تُقرأ الكلمة فيه من وجوه عديدة، أما محتوى قصائد علالة حواشي فإنه ينطلق من التضمين ليعبّر تجربته في الحاضر كأنه يستقي من الجذور التراثية لإنضاج ثمرته الجديدة تحت شمسه وفي تربته الخاصة، ففي قصيدة ” حلاج البلاد ” مثلا يعمد إلى تنزيل شخصية الحلاج في إطار تاريخي جديد ومخترقا العصور الماضية وجاعلا إياها كأنها في وقائعها المعاصرة مستلهما شخصية الحجاج بن يوسف باعتباره ممثلا للاستبعداد والقهر المسلّط على الحلاج كرمز للتضحية في سبيل المبادئ والقيم

غير أن الشاعر علالة حواشي وظف أيضا الحلاج توظيفا جديدا عندما جعله يتوحد في الوطن قائلا:

أجدد موتي، حياتي

فناء فنائي بها ولها

أرتل: أهوى البلاد حلولا

و ذي جبتي ما حوت غيرها (ص 22)

وكأني بهذه المجموعة الشعرية وهي تستلهم التراث، كأني بها تعيد كتابة هذا التراث نفسه خاصة من خلال رموزه الصوفية التي نظر إليها علالة حواشي نظرة تاريخية ثم وظفها باعتبارها رمزا لمعاناة واقعية جديدة بعيدا عن القداسة الروحانية التي غالبا ما انساق إليها شعراء آخرون، فالحلاج وابن خلدون والمسيح وحواء أسماء تبدو في القصائد تحمل أبعادا رمزية جديدة يضفيها الشاعر عليها .

وفي هذه المجموعة نسيج شعري آخر يعتمد على اللمح باعتباره القصيدة الومضة، تلك القصيدة التي تعتمد على الإيجاز في المبنى والطرافة في المعنى وقد نجح علالة حواشي في الكثير منها خاصة في قصيدة ” رجاء ” و” أمحاق ” ذلك أن القصائد القصيرة كالرامي بسهم واحد يصيب الهدف أو لا يصيبه .

وفي المجموعة نقرأ شيئا من السيرة الذاتية للشاعر عندما نقرأ قصائد ترشح بشخصيات حياته اليومية مثل “ذلك القطار” و”دفق” .

وخلاصة القول في هذه المجموعة الشعرية الأولى للأستاذ علالة حواشي أنها تمثل أنواعا عديدة من التجارب الشعرية تتراوح بين التي تعتمد على الإحالات التراثية وبين التي تستلهم الواقع الجديد في تفاصيله اليومية ومن بينها أيضا النصوص الطويلة ذات المعاني والصور المتلاحقة في انسجام ومنها كذلك الومضات التي تستند على اللمح والمباغتة،

فالشاعر علالة حواشي من أولئك الذين يبحثون عن المضامين المعاصرة في الأشكال المناسبة لها

إنه شاعر تونسي آخر متميز يضيف إلى مسيرة القصيدة الجديدة

سُوف عبيد 1995

 

 

في المقهى الثقافي بمدينة بوفيشة

ــــــ في المقهى الثقافي بمدينة بوفيشة ـــــــ
بدعوة كريمة من أسرة المقهى الثقافي بمدينة بوفيشة حضرت مع ثلة من أعضاء جمعية ابن عرفة أمسية أدبية بمناسبة استضافة _ الصالون الأدبي دنيا زاد _ الجزائري وفي أجواء أخوية أدبية بهيجة استمعت إلى ثلاث محاضرات من أعضاء الصالون فالاولى كانت تاريخا لبعض وقائع الثورة الجزائرية وظروف اندلاعها والثانية حول جدلية الثورة والأدب بصفة عامة والثالثة كانت قراءة في روايتين تونسيتين وعندما أتيحت لي الكلمة تحدثت بإيجاز عن ضرورة اهتمام الأدباء المغاربة بما يكتبه الأدباء في بلدانهم وأن يكونوا معتزين بإبداعاتهم وقرأت بينهم قصيدة مفدي زكرياء كمثال عن الشعر المغاربي المعاصر الذي نجد فيه الإضافة والتميز والقصيدة قد كتبها مفدي زكرياء عند تنفيذ حكم الإعدام في أحد الابطال الجزائريين حيث يقول فيها
قام يختال كالمسيح وئيدا * يتهادى نشوان يتلو النّشيدا
إن مثل هذه المناسبات الأدبية والثقافية بين مختلف الأندية والجمعيات قادرة على توثيق الصلات وتمتين العلاقات بين الأدباء والمبدعين والمثقفين في أقطار المغرب العربي وذلك في غياب التبادل الثقافي بينها وهو العمل الذي من المفروض أن تقوم به مختلف المؤسسات الثقافية هنا وهناك…وهنالك
وها تحن نحاول كلما سنحت لنا الفرصة فتحية شكر وتقدير لكل من ساهم في إنجاز هذه
المبادرة ولكل من حضر وشارك في هذه الأمسية التونسية الجزائرية