شَوْقٌ عَلى شَوْق

 ** شَوقٌ على شَوقٍ **

شَـوقًــا وَعَلَى شَــوْقٍ أَقْـبَـلَــتْ

   كيْفَ جاءتْ فِي زَحْمَةِ اَلــطّــرُق

بَـاتَـتْ…مَـا بَــاتـــتْ لـيْـلــتَــــهَا

مَــا أطـوَلَـهُ الــلّـيْــلُ فِي الأَرقِ

جَاءتْ…أَشْرَقَ العِشْقُ في عَيْنِهَا

لمّـا بَـاحَــتِ الـعَـيْـنُ بِالـشَّــبَـقِ

مِثلَ بُهْرَةِ شَمْسِ الضُّحَى حِـينًـا

أوْ كَمِثْـلِ أفُــولٍ فِــي الغَـسَــقِ

قُــلــتُ أَهْـــلًا بِسيّدتِي مَرْحَــبًا

وَاِرْتَمَتْ بَـيْـنَ صَدْرِي والــعُـنُـقِ

ْعَانَـقَـتْـنِي فِـي وَلَـــهٍ وبَـكَـــت

رُوحِـي تَـفْـدِي دَمْـعَـةَ اَلْـحَـدَقِ

عَانَـقَـتْـنِـي عانَـقـتُـــهَا صِـرْنَــا

 !  كَجَنَاحَيْنِ طَــارَا فِـي الأفُــــقِ

   

في الذكرى الأولى للشّاعر الصّديق علّالة الحوّاشي

ما يزال بِسَمته الأنيق وبلحيته الكثّة وبظّارته راسخا في ذاكرتي وما يزال صوته الشجيّ صدى يأتيني من بعيد وتذكّرت الآن أنّ صديقي علالة الحواشي ما رأيته مرة بدون ربطة العنق فهو حريص على أناقته وعلى تناسق هندامه في كل الفصول في سنوات كان البعض من الشعراء والمنتمين إلى الأجواء الفنية والفكرية يعتبرون أنّ المبدع والمثقف يجب أن يكون هامشيا فوضوي السلوك ورثّ الثّياب تلك سنوات اِنقضت ومضت ولم يبق منها إلا ما غربله الزّمان وبمناسبة مرور سنة على  رحيل الشاعر علالة الحواشي عدت إلى أرشيف كتاباتي فوجدت هذه المقالة التي نشرتها عند صدور ديوانه الأول ـ حلاج البلاد ـ سنة 1995 وأعيد نشرها تحية وفاء  لروحة .

للشاعر الإصدارات التالية

1 ـ في الشعر
ـ حلاج البلاد
ـ صلوات أخرى
  ـ فرس التهر
ـ يتدفأ بالذكرى
2 ـ في الرواية
ـ أسفار أبي الأحناش المفقودة
ـ دارنا ودوّارنا
3 ـ في المذكرات
ـ يهيم باللّولتي
4 ـ في النقد االأدبي
ـ هذه الكتابة هؤلاء الكتاب


عودة الحلاج

ثمة في تونس شعراء عديدون يكتبون وينشرون في صمت، بلا ضوضاء ولا جلبة، همهم الوحيد المعاناة في الإبداع جاعلين من الوحدة أنيسا ومن التأملات جليسا، ومن هؤلاء الشاعر علالة حواشي الذي أصدر مجموعته الأولى: حلاج البلاد سنة 1995 في نحو 100 صفحة وفي طبعة محترمة وتضم ستة فصول وهي:

–  فيروز

–  جذور وجسور

–  في تخوم ليلى

–  مقصلة وذات

–  بشائر

–  خنقة

وكل فصل منها يحتوي على عدد من القصائد كتبها الشاعر بين سنتي 1985 و1995 .

وإن أنا بدأت بالناحية الشكلية في هذه المجموعة فذلك لأشير إلى أن جل الكلمات فيها جاءت مشكولة شكلا تاما وهذا ما يسهل القراءة واستيعاب المعنى المقصود من الشاعر نفسه حيث أن ضبط الحركات على الحروف بات ضروريا لإبلاغ المضمون كأحسن ما يكون خاصة في النص الشعري الذي قد تُقرأ الكلمة فيه من وجوه عديدة، أما محتوى قصائد علالة حواشي فإنه ينطلق من التضمين ليعبّر تجربته في الحاضر كأنه يستقي من الجذور التراثية لإنضاج ثمرته الجديدة تحت شمسه وفي تربته الخاصة، ففي قصيدة ” حلاج البلاد ” مثلا يعمد إلى تنزيل شخصية الحلاج في إطار تاريخي جديد ومخترقا العصور الماضية وجاعلا إياها كأنها في وقائعها المعاصرة مستلهما شخصية الحجاج بن يوسف باعتباره ممثلا للاستبعداد والقهر المسلّط على الحلاج كرمز للتضحية في سبيل المبادئ والقيم

غير أن الشاعر علالة حواشي وظف أيضا الحلاج توظيفا جديدا عندما جعله يتوحد في الوطن قائلا:

أجدد موتي، حياتي

فناء فنائي بها ولها

أرتل: أهوى البلاد حلولا

و ذي جبتي ما حوت غيرها (ص 22)

وكأني بهذه المجموعة الشعرية وهي تستلهم التراث، كأني بها تعيد كتابة هذا التراث نفسه خاصة من خلال رموزه الصوفية التي نظر إليها علالة حواشي نظرة تاريخية ثم وظفها باعتبارها رمزا لمعاناة واقعية جديدة بعيدا عن القداسة الروحانية التي غالبا ما انساق إليها شعراء آخرون، فالحلاج وابن خلدون والمسيح وحواء أسماء تبدو في القصائد تحمل أبعادا رمزية جديدة يضفيها الشاعر عليها .

وفي هذه المجموعة نسيج شعري آخر يعتمد على اللمح باعتباره القصيدة الومضة، تلك القصيدة التي تعتمد على الإيجاز في المبنى والطرافة في المعنى وقد نجح علالة حواشي في الكثير منها خاصة في قصيدة ” رجاء ” و” أمحاق ” ذلك أن القصائد القصيرة كالرامي بسهم واحد يصيب الهدف أو لا يصيبه .

وفي المجموعة نقرأ شيئا من السيرة الذاتية للشاعر عندما نقرأ قصائد ترشح بشخصيات حياته اليومية مثل “ذلك القطار” و”دفق” .

وخلاصة القول في هذه المجموعة الشعرية الأولى للأستاذ علالة حواشي أنها تمثل أنواعا عديدة من التجارب الشعرية تتراوح بين التي تعتمد على الإحالات التراثية وبين التي تستلهم الواقع الجديد في تفاصيله اليومية ومن بينها أيضا النصوص الطويلة ذات المعاني والصور المتلاحقة في انسجام ومنها كذلك الومضات التي تستند على اللمح والمباغتة،

فالشاعر علالة حواشي من أولئك الذين يبحثون عن المضامين المعاصرة في الأشكال المناسبة لها

إنه شاعر تونسي آخر متميز يضيف إلى مسيرة القصيدة الجديدة

سُوف عبيد 1995

 

 

في المقهى الثقافي بمدينة بوفيشة

ــــــ في المقهى الثقافي بمدينة بوفيشة ـــــــ
بدعوة كريمة من أسرة المقهى الثقافي بمدينة بوفيشة حضرت مع ثلة من أعضاء جمعية ابن عرفة أمسية أدبية بمناسبة استضافة _ الصالون الأدبي دنيا زاد _ الجزائري وفي أجواء أخوية أدبية بهيجة استمعت إلى ثلاث محاضرات من أعضاء الصالون فالاولى كانت تاريخا لبعض وقائع الثورة الجزائرية وظروف اندلاعها والثانية حول جدلية الثورة والأدب بصفة عامة والثالثة كانت قراءة في روايتين تونسيتين وعندما أتيحت لي الكلمة تحدثت بإيجاز عن ضرورة اهتمام الأدباء المغاربة بما يكتبه الأدباء في بلدانهم وأن يكونوا معتزين بإبداعاتهم وقرأت بينهم قصيدة مفدي زكرياء كمثال عن الشعر المغاربي المعاصر الذي نجد فيه الإضافة والتميز والقصيدة قد كتبها مفدي زكرياء عند تنفيذ حكم الإعدام في أحد الابطال الجزائريين حيث يقول فيها
قام يختال كالمسيح وئيدا * يتهادى نشوان يتلو النّشيدا
إن مثل هذه المناسبات الأدبية والثقافية بين مختلف الأندية والجمعيات قادرة على توثيق الصلات وتمتين العلاقات بين الأدباء والمبدعين والمثقفين في أقطار المغرب العربي وذلك في غياب التبادل الثقافي بينها وهو العمل الذي من المفروض أن تقوم به مختلف المؤسسات الثقافية هنا وهناك…وهنالك
وها تحن نحاول كلما سنحت لنا الفرصة فتحية شكر وتقدير لكل من ساهم في إنجاز هذه
المبادرة ولكل من حضر وشارك في هذه الأمسية التونسية الجزائرية

قراءة دلالية في قصيدة ـ كوكب الحسن ـ بقلم حبيبة محرزي

قراءة دلالية في قصيدة الشاعر والأديب سوف عبيد

“كوكب الحسن”
مشطور الخبب يتناغم مع خطوات ربة الحسن والبهاء ام هي نسمات ونغمات عذاب تخبّ في الصحراء؟
عتبة العنوان تشيّع التيمة إلى ما يتعدى الحقيقة والمالوف لأن الكوكب حامل لصفات الحسن والجمال والضياء وإضافتها إلى “الحسن” تأكيد على التفرد والكمال وتعدي المعهود المألوف الثابت .
القصيدة بايقاع خببيّ خفيف خفة المشطور رقيقة رقة الخبّ على الرمال الذهبية .وزن يحاكي نبضات القلب العاشق المتلهف .بروي “ب” مثًل نصف تيمة القصيدة “ب ” وتلازم مع النصف المتبقي “ح”. والنتيجة “حب” قصيدة طغت فيها الحروف المهموسة كالقاف والياء والنون والغاء.والسين…حروف تتناغم مع الخب والهدوء والسكون . وحرف الباء لا يخلو منه بيت واحد. تأكيدا وتشديدا على الرويّ..
يستهل الشاعر قصيدته الغزلية والتي تبرأت منذ المطلع من القصيدة الجاهلية فلا طلل ولا رسم ولا راحلة ولا فروسية بل “رب” بمعنى كم والحسن عندما يصبح مثلا يضرب فتلك إشارة الكمال والعلوً
والنفي المطلق “ما رأى” مع التعميم في المكان والاتجاه .”مشرق .مغرب” ليصبح البهاء ينسب إليها مع تعميم الديمومة الزمنية. “دائما” والتحليل والتفسير والتعليل لهذه الأحكام الباتّة “إذ.” سناها”والسنا هو الضوء الساطع انزياحات بالجملة لوصف مظاهر الحسن والبهاء ليعود إلى *حسنها”وهي الكلمة المفتاح في القصيدة لتصير من آيات العجب لتتكرر “الكوكب”لتتعدد الأفعال في الماضي المثبت في أسلوب اخباري حدثه منقض ثابت أفعال صورت بعدسة مصور سينمائي يتصيد الحركات التلقائية لتوظيفها في تثمين صاحبة الحسن والبهاء :
أقبلت .نشرت عقدت..”
أفعال دالة على الحركة المتناغمة مع الطبيعة المنسابة انسياب النور والسنا المترفّعة ترفّع الكواكب في العلياء في انزياح جمالي بديع.ليكون للوزن والتناغم مع الايقاع الحركي الخببيّ “فاعلن فاعلن “مع الوزن الموسيقي “دم تاك”لتحضر النخلة المائدة بالرطب في صورة شعرية مستقاة من واحات الجنوب التونسي موطن الشاعر الاصلي ليعود إلى الاخبار بالجمله الاسمية الثابت خبرها في الزمان والمكان ليكون للبحر حضور في مد وجزر بشبه لها بالدرة ليكون التشبيه البليغ فهي الدرة التي تأخذ صفة البحر والغوص فيها يصعب .ليمر الشاعر إلى تشبيه صريح مع وجه الشبه “مالها مقرب” دلالة على صفة التمنع في الغزل لتحضر الصور الشعرية بالتشبيه والاستعارة “وردة خدها ” “ثغرها كوثر …ليكون الإفصاح عن اللقاء وحضور المتكلم “فكتبنا” التقاء وانفراج وأدب واحرف وسنا.
قصيدة بخفة “فاعلن “وعذوبة الرطب والعسل واتساع البحر وثرائه وجمال الورد والسنا والكوكب .و”فاغلن “خبّ إبل في جوّ رومنسي جميل .
.تلك هي اشعار الشاعر سوف عبيد تهيم بالطبيعة هيام ابو القاسم الشابي وبالحب والغزل هيام جميل وعمر ويشار .
حبيبة محرزي
تونس
ـــــــــ كوكبُ الحُسن ـــــــــ

رُبَّ حُـسْـنٍ غَـدَا * مَـثَـلًا يُضْرَبُ

مَا رَأَى شِبْـهَـهَا * مَـشْرِقٌ مَغْرِبُ

فَإلَـيْـهَا اَلْـبَـــهَا * دَائِـمًا يُـنـسب

إِذْ سَنَاهَا بَـدَا * فِي السَّمَا كَوْكَبُ

حُـسْـنُـهَا آيَــــةٌ * بِـدْعَـةٌ عَـجَـبُ

أَقْبَلَتْ تَـرْفُــلُ * مِـثـلُـها مَـوْكِـبُ

نَشَرَتْ شَعْرَهَا * نَسْمَةً تَلْـعَـــبُ

عَقَدَتْ شَالَهَا * إنْ نَـضَا تَسْـحَبُ

وَالْخُطَى نَغْمَةٌ * كَـعْبُـهَا يُــطْرِبُ

فَاعِلُنْ فَاعِلُنْ * دُمْ وتَـاكْ تُضْرَب

مَـائِـدٌ غُصْـنُـها * رَقَـصَتْ رُطَـبُ

قَدُّهَا هَـيَـفٌ * فِي الْمَدَى مَرْكَبُ

بَـحْـرُهُ زَاخِـــرٌ * هَائِــجٌ يَصْـخَب

مَـــدُّهُ جَــزْرُهُ * سَـاحِـلٌ أرْحَـب

بِكَثِيـب الــنّــقا* قد عَـلا كَـعْـثَـب

قَـدْ حَوَى دُرَّةً * غَوْصُهَـا يَصْعُـب

نَظَرَتْ رَشَقَتْ * نَـبْلُـهَا أصْـوَب

مِثْلَ رِيم اَلْفَلَا * مَا لَــهَا مَـقْـرَبُ

وَرْدَةٌ خَدُّهَـا * وَالـشَّذَى أَطْـيَـبُ

ثَـغْـرُهَا كَـوْثَـرٌ * عَـسَلٌ يُسْـكَبُ

وَاَلْجَبِـينُ صَـفَا * صَفْحَةً تُحْسَبُ

فَكَتَـبْـنَا اَلْهَوَى * وَاَلْهَـوَى يُكتَبُ

أَحْرُفًا مِنْ سَنَا * نَـقْـطُـهَا ذَهَبُ

حُـسْـنُـهُا كَامِلٌ * تَـــمَّــهُ اَلْأدَبُ

ــــــــــــ سوف عبيد ــــــــــ

السّبعُون…أو في بلاد الدّينصور


ـــــ السّبعُونأو في بلاد الدّينصور ــــــ

سَنةٌ فِي سَنةٍ يا سَنواتْ

هذه السّبعونَ لاحَت

كيفَ مرّتْ سنواتْ

ذكرياتِي تَتَوالَى

لحَظاتٍ لحظاتْ

لَكانّي الآنَ طفلٌ

تِلكَ أختِي

بعَرُوس منْ قُماش

أرْكَبَتْهَا هَوْدجًا عُودَ قَصَبْ

بأهازيج الغِناءْ

هَدْهَدَتْنِي

والصّدَى تِلْوَ الصّدى

شَقّ المَدى

زَغْرداتٌ زغرداتْ

***

سَنواتٌ سَنواتْ

غَارُنا والحَوْشُ رَحْبٌ

فِيهِ أُولَى الخَطواتْ

عَثَراتٌ عَثراتْ

كمْ سَقَطْنا

ونَهَضْنا

وَسَقَطْنَا

فَوَقَفْنا

ثمّ سِرْنا

فأمامٌ

وأمامٌوأمامْ

وعَلى الشّوْكِ القَدَمْ

أوْ حُفَرْ

لا نُبالي بالخَطرْ

وعَلى حَادِّ الصُخُورْ

كمْ حُفاةً قد جَريْنا

وإذا الأقدَامُ سَالتْ بالدّماءْ

فَبِشِيح وَبِرَمْلٍ نَتَداوَى

مِن أعَال كمْ قَفزْنا

فاِنخَدَشْنا واِنكسَرْنا واِنجَبَرْنا

وأعَدْنا القَفزَ دَوْمًا

بسُرورْ

كمْ قَطَعْناهَا البَرارِي

وسَلَكْنَاهَا البَوادي

في دُروبٍ ودُروب

وتَسلّقنا الجِبال

فَعَجِبْنَا مِنْ رُسُوم 

لغَزالٍ

وَلِفِيلٍ

فِي كُهُوفٍ ومَغَاور

وعَجِبْنا

مِنْ خُطُوطِ ونُقُوشٍ

لأيَائِلْ

بقُرُونٍ مِثْلَ أغْصَانِ الشّجَرْ

وَلِصَيّادٍ بِسَهْم وَرِمَاح

بَيْنَ عُشْبٍ يَتَخَفّى

وَعَجِبْنَا مِنْ رِجَالٍ ونِسَاءٍ

كالعُرَاةِ

فَضَحِكْنا

مَا عَلِمْنا وَقْتذَاكَ

أنّ عَصرًا منْ زَمانٍ قد مَضَى

كانَقَدْ كانَ اِخْضِرَارًا

وَبِغَابَاتٍ تَوالتْ فِي المَدَى

وشِعَابٍ سَامِقَاتٍ

وسُيُولٍ كَالْعَرَمْرَمْ

ثُمّ جَفّتْ

يَا جَنُوبًا صَار قَفْرًا فِي قِفَار

مَا عَلِمْنَا وَقْتذاكْ

أنّ فِي هَذا الجنُوب

كانَ عاشَ الدّينَصُورْ

مُنذُ أحْقابِ الزّمَانْ

فخُطَانَا ـ يَا عَجَبًا ـ

وَطَأَتْ أو شَابَهتْ مِنهُ الخُطَى

كمْ عُصُورٍ قَدْ تَوالتْ وعُصُورْ

يَا زمانًا قدْ مَضَى

سَنواتٍ سَنواتْ

***

سَنواتٌ سنواتْ

بِئْرُنا والدّلوُ فيهَا

فِي نُزُول وصُعُود

والثّقُوبُ

قَطراتٌ قطراتْ

كَمْ سَقَيْنا مِنْ شِياهٍ في الْحِياضِ

وَحَلَبْنا بالأيَادِي

لَبَنًا مِثلَهُ شَهْدُ

كمْ مَلأنا مِنْ دِلاءٍ للرُّعَاةْ

ثمّ سَارُوا فِي الفَيافِي

بِسَوِيقٍ وتُمُور

في المَخالِي

مِزْوَدُ المَاءِ رفيقٌ والسَّراب

***

سَنواتٌ سَنواتْ

كمْ كِلابٍ نَهشَتْنا

كمْ أفَاعٍ لَدَغتنا

فَشُفِينا ونَسِينا

سَنواتٌ سنواتْ

كَمْ عَجَنّا الطّين خَيْلا صَافِناتْ

عَادياتِ ضَابِحَاتْ

وعَلى الكُثبان راحَتْ

سَابقَاتْ

فَإذا كلّتْ أَرَحْنا

وجَلسْنا في الظّلالِ

لا نُبالِي

كمْ شَدَدْنا من حِبَالٍ

لِلْأراجيحِ صباحًا

أوْ مَساء

فَترَانا فِي الأعَالِي

بينَ أغصانٍ وريحْ

لكَأنّا قَدْ صَعِدْنا بجَناح وجناح

فِي الفَضاءْ

***

سَنواتٌ سنواتْ

كمْ بَنيْنا من صُخُور عَرباتْ

بسُقُوفٍ مِنْ جَريد

مِقْودٌ كانَ خَشبْ

والفَرامِيلُ عُلَبْ

كمْ بِلادٍ وبلادٍ أوْصَلتْنا

طُرقاتٌ طرقاتْ

وتَدُورُ العَجلاتْ

دَوَرانَ السّنواتْ

***

سَنواتٌ سنواتْ

سَنةٌ في سنةٍ حتّى بَلغتُ السّادسة

ذاكَ فَجرٌ

لاحَ نُورًا وجهُ أمّي 

مِثلَ شَمسٍ في شُروق 

رَجُلًا أصبحتَ قالتْ

كُنْ كذئبٍ عندمَا تلْقَى الذّئابْ

جَمَلًا كُنْ عندمَا تلْقَى الصِّعابْ

وَرَنَتْ لي مِنْ بَعيدْ

في اِلْتِيَاعْ

تلكَ أمّي

دَمَعَاتٍ كَفْكَفَتْهَا

لَمَعتْ مثلَ اللآلي

وأشَارتْ بالوَدَاعْ

لَكأنّي بعدَ أمّي

سِرْتُ وحْدِي في ضَياعْ

***

سَنواتُ سَنواتْ

كَم زَهَوْنا في نَجاح هَانئِينْ

وضَحِكْنا

ضَحَكاتٍ ضَحَكاتْ

كمْ رَسَبْنا في اِمتحان

آهِ من دَرس الحِسابْ

فَمَعَ الصّفْر العقابْ

يا عَصَا رُدّي صِبانا

وأعِيديهِ الزّمان

لا نُبالي

رغمَ وَجْعِ الضّرباتْ

ضَربَاتٍ ضَربَاتْ

***

سَنواتٌ سنواتْ

قدْ مَشَيْنا 

طرقاتٍ طرقاتْ

وتَعِبْنااِسترحْنا

اِنتصَرْنااِنهَزمْنا

وبَكَيْنا الحَسَراتْ

دَمَعَاتٍ دَمعاتْ

ورَسَمْنا

وَمَحَوْنَا

مَا اِرْتكبْنا في الزّوَايا

مِنْ خَطايَا

وطوَيْنا الصّفحاتْ

ذِكرياتٍ ذكريات

***

أبْصَرَتْني صَفحَةُ المِرآةِ ضَاءَتْ

فَاجَأتْني بمَشِيبِي

لا أبَالِي

كُلُّ شَيْباتِي قَصَائد

وحَكايَا

واِنتِظارْ

فَاكتُبِِيهَا واُنشُريهَا يا مَرايَا

فِي مَحَطّات القِطار 

فَحَياتِي كَكِتابٍ

بسُطور مِنْ سَحابٍ

هَطلتْ أمطارَ حِبرٍ

صَارَ بَحْرًا

فَكتبْتُ الكلِمَاتْ

دمعاتٍدمعاتْ

إنّمَا العُمرُ حِكايهْ

بِبدَايهْ

ونِهَايهْ

هَذهِ السّبعُونَ حَلّتْ

فَبِطُولٍ وبعَرْض قَدْ مَلأنَا الصَّفحاتْ

صَفحاتٍ صَفحاتْ

كيفَ مَرّتْ سَنواتْ ؟

ذِكرياتٌ ذِكرياتْ

وأعُدُّ السّنواتْ

سَنواتٍ

سَنواتِ

سَنواتْ

متابعة قراءة السّبعُون…أو في بلاد الدّينصور

دار مكتوب

ـ 1 ـ
منذ عشرات السنين وأنا أمرّ على مدينة بوفيشة في ذهابي وإيّابي فهي تقريبا المنفذ الرئيسي نحو وسط وجنوب البلاد التونسية غير أنها بعدما اِمتدت الطريق السيارة أضحت منعزلة قليلا  فاِنزوت عن ضوضاء السيارات والشاحنات  وحتى عن جَلبة المسافرين ليلا نهارا لكنها أصبحت منذ سنوات قليلة مدينة هادئة لا يقصدها إلا من يطلب السلامة والهدوء والسكينة فقد تربّعت هادئة وسط سهل منبسط على مدى البصر بين البحر شرقا والمرتفعات غربا لا ترى من نواحيها حيثما جال بصرك إلا الزّرقة والاِخضرار فمدينة بوفيشة لوحة طبيعية تتبدّل في كل فصل بما في أرضها الخصبة من شتّى الأشجار والغراسات في مختلف ألوان أزهارها وثمارها والمدينة على مسافة ساعة من العاصمة وهي غير بعيدة أيضا عن مدينة سوسة والقيروان
ونابل وزغوان
ـ 2 ـ
جئتها هذه المرة من رادس قاصدا القيروان فعَبَرْتُ عند مدخل المدينة الجسر الصغير وهو الجسر الحديدي الذي أقامه الجيش الوطني عند فيضانات 1969 وما أن تجاوزت الجسر حتى لقيت على يميني _ دار مكتوب _ ولكن ما دار مكتوب هذه ؟
سمعت بدار مكتوب عند وُرود اِسمها في سياق نشاط المقهى الثقافي بها فقلت أذهب وأكتشف هذا الفضاء وهذا النادي فلما دَلفت اِستقبلني بحرارة الترحاب السيد  ظافر كرشاد بمعية السيد عبد الوهاب الهيشري والسيدة سوسن عوني وهم يمثلون المقهى الثقافي الذي يقيم جلساته وندواته في فضاء ـ دار مكتوب ـ الذي حدثني عنه سي ظافر بالتفصيل فإذا به يبحر بي في ثنايا التاريخ كيف لا والرّجل أستاذ في ريعان شبابه متخرج من كلية الآداب بمنوبة وهو أصيل هذه الربوع الفيحاء وقد حباه الله بأريحية ولطف وبسعة معرفة يُدلي بها بأسلوب التشويق فتستزيده ولا ترتوي فدار مكتوب هذه كما حدثني أصلها برج أو معلم ديني يعود إلى العصر الروماني أو البيزنطي مازالت حجارته الصَّلدة الكبيرة على هيئتها الأولى حتى الأقبية والمدارج والردهات وحتى العروة التي تُربط بها الخيول بعضها منقوش في صخر الجدران وقد كان هذا المعلم  في عهد الدولة الحسينية بمثابة محطة اِستراحة لأحد البايات ثم عند الفترة الاستعمارية الفرنسية سكنه أحد المستعمرين من الجالية الأوروبية لأن هذه الجهة  معروفة بحقولها وبساتينها الخصبة فوضع المستعمرون أيديهم عليها وجعلوا من السكان الأصليين عمّالا بأجور زهيدة وفي هذا السياق ربما ورد اِسم _ بوفيشة _ كما أرجح هذا الاشتقاق صديقنا الأستاذ ظافر  _ إلى أصلها الفرنسي وتعني الجذاذة التي كان يكتب فيها المستعمر أسماء العمال التونسيين الذين يصطفون أمام مكتبه
صباح كل يوم جمعة ليتسلموا أجورهم الأسبوعية وأطلقوا عليه اسم بوفيشة
ـ 3 ـ
بعد الاِستقلال وفي منتصف الخمسينيات من القرن العشرين غادر المستعمرون البلاد وعادت الأراضي إلى مالكيها الأصليين ومن بينها العقارات التي في منطقة بوفيشة وقد آل هذا المَعلم الذي كان مقرّ إقامة أحد المستعمرين إلى السيد نور الدين البواب فنفض عنه مظاهر الإهمال واِستصلحه وأبرز للعيان معالمه التاريخية التي كانت مطمورة أو مطموسة فظهرت نفائس هندسته وجعل منه فضاء  متعدّد الاختصاصات ليكون مَزارا سياحيا ومنارة ثقافية فقد اِحتضن المقهى الثقافي الذي يترأسه الأستاذ ظافر كرشاد بمُعاضدة الشاعرين مجدي بن عمر وعبد الوهاب الهيشري  بالإضافة إلى الشاعرة سوسن عوني وتحتضن دار مكتوب أيضا نواةً للمسرح وورشةً للرسم
 فبهذه هذه الدار اِكتسبت مدينة بوفيشة إشعاعا جديدا فصارت قِبلةً للزائرين سواء أولئك الذين يمرّون منها عبر مختلف الطرقات أو من خلال القوافل السياحية التي  تجد في هذا المعلم عبق التاريخ وكذلك جماعات المبدعين والمثقفين والفنانين الذين ينشدون  الهدوء والجمال خاصة أن دار مكتوب هي خير ما يمثل قول الشاعر
يا ضيفنا لو  زرتنا لوجدتنا * نحن الضيوف وأنت رب المنزل

أسئلة الكتابة

سُوف عبيد

تحية وفاء إلى معلّمي الأوّل ـ سيّدي المنّوبي ـ المحترم الذي علّمني الحروف والأعداد بالمدرسة الاِبتدائية بضاحية بمقرين جنوب العاصمة تونس سنة 1958 

*

دائما يخالجني شعور الحنين إلى البادية بما تمثله من فضاء شاسع على مدى البصر وقيم إنسانية باتت نادرة واحسرتاه على ذلك الجنوب الذي أمسى جنوبا آخر لا صلة له أو تكاد بما عرفته فيه

أنا عرفت في طفولتي قيمة قطرة الماء وعرفت مذاق الخبز من الفرن بأصابع أمّي التي كان غناؤها سنفونيات عذبة على إيقاع دوران الرّحى ورأسي يتوسّد ركبتها ونحن في غار حوشنا القديم
أنا من جيل تجلّى وعيه على آخر وقائع النّضال للتحرّر من الاِستعمار الفرنسي وإنّ دويّ المدافع الفرنسية وهي تدكّ مواقع الثوّار في الأودية وفي ـ غارالجاني ـ و ـ أقْري ـ ما يزال صداها في مسمعي إلى اليوم وقبيل معركة ـ رمادة ـ بالجنوب التونسي كنت برفقة الصّبيان نجمع المؤونة والقِرب ونودّع الأقارب المتطوعين ثم في سنة 1961 خرجنا متظاهرين في حرب بنزرت وصائحين ـ الجلاء ….السلاح….الجلاء السلاح….وما زلت أذكر الفرحة العارمة التي غمرتنا عند إعلان اِستقلال الجزائر ولن أنسى أبدًا ذلك اليوم المشهود الذي رافقت فيه والدي رحمه الله إلى بنزرت في أكتوبر 1963عندما شاهدت عن قرب موكب الزعماء ـ بورقيبة وجمال عبد الناصر  وأحمد بن بلّة ووليّ العهد الليبي ـ

ولكن ماكادت سنة1967 تنتصف حتّى سادت في تونس وفي أغلب البلدان العربية وحتّى في الشّرق الأقصى وأوروبا وأمريكا حيرة حادّة اِستطاعت أن ترُجَّ كثيرا من الثّوابت بسبب التّأثير المباشر والحادّ للأزمات الّتي وقعت وقتذاكفمِن هزيمة حرب جوان 1967 إلى حرب فيتنام ومن أصداء الثّورة الثقافيّة في الصّين إلى أحداث ماي 1968 في فرنسا وإلى حركات التحرّر العارمة في أمريكا وإفريقيا تلك الّتي كانت كالسّيل العارم أو كالنّار تشبّ في اليابس من الأغصان وفي ما تهاوى من الجذوع واِنشرخ من الأغصان وفي ما تناثر من الأوراق

*

بينما نحن في درس العربية مع الأستاذ سيدي البشير العريبي بمعهد الصّادقية إذ تناهت إلى سَمعنا أصوات جَلبة فأغلق الأستاذ الباب ولكن سرعان ما اِقتحمت جماعة من التلاميذ مع شّبان آخرين القسم صارخين ـ فلسطين !! فلسطين !! ـ وطلبوا منّا المغادرة والخروج معهم للتّنديد بإسرائيل ، كان ذلك يوم أو جوان سنة 1967عندما اِنطلقت الهَبّةُ مع تلاميذ المعاهد المجاورة بقيادة طلبة كلية الآداب فسلكنا مُستنفِرين الناس أسواقَ المدينة العتيقة المحيطة بجامع الزيتونة حتى اِلتقت الجموع عند باب البحر حيث ـ وقتذاك ـ مقرّات بعض السّفارات الأوروبية والمركز الثقافي الأمريكي فهشّمت الجموع ما هشّمت وأحرقت ما أحرقت ولم يصدّها في آخر المساء إلا نفر قليل من الحرس الوطني المعزّز ببعض عمّال الميناء والشركات العامة حاملين هراوات يهشّون به علينا في الهواء ولكن نلنا منها بعد ذلك في التحرّكات الجامعية المختلفة ما ناله طبل العيد ، ثم بعد يوم أو يومين من تلك الأحداث كنتُ مع الواقفين على جنبات الطرقات نُودّع فِرق الجيش التونسي بالهتافات وبعُلب الأجبان والسّردين والشكلاطة أيضا وكان في ظننا أنه سيشارك في الحرب لتحرير فلسطين غير أنه ما كاد يصل إلى الحدود حتى قُضي الأمر وحلّت الهزيمة النكراء فلم يصدّقها حينذاك أغلب الناس الذين كانوا يستمعون إلى بعض الإذاعات ذات الحماسة الجوفاء والبلاغات الكاذب
في ظروف تلك الأحداث العربية الأليمة وفي خضمّ اِحتجاجات الشباب في العالم ضدّ حرب الفتنام وضدّ الميز العنصري في جنوب إفريقيا ومع بروز الحركات التحررية في شتّى أنحاء العالم تنامى لديّ الاِقتناع بضرورة تجاوز السائد من الأنظمة والأحزاب والنظريات الجاهزة فقد أثبت الواقع فشلها وخواءها من خلال عديد التجارب التي لم تخلّف في بلدانها شرقا وغربا إلا الاِستبداد والقهر والفقر وراح ضحيتها عديد الشعوب فاِنبريتُ أبحث عن الجديد المنشود وقد طلبته في الشّعر لذلك كنت من الفاعلين في ظهور جماعة ـ شعراء الرّيح الإبداعية ـ التي خالفت جماعة شعراء القيروان ذات الأبعاد التراثية والقومية العربية وجماعة المنحى الواقعي ذات المنطلقات الاِشتراكية وذلك بمناسبة ملتقى الشعر التونسي الذي اِنعقد بالمركز الثقافي بالحمامات سنة 1983 وقد عبّر شعراء ـ الرّيح الإبداعية ـ عن رفضهم للقوالب الإديولوجية في تلك السنوات التي شهدت بعدئذ اِنهيار الأنظمة القائمة فيها على الأحزاب المستبدّة…لقد كان اِستشرافنا صحيحا

فلم تمض إلا سنوات قليلة بعد ملتقى الحمامات للشّعر حتّى تمّ إبعاد بورقيبة عن الحكم وتولّي بن على مقاليد البلاد فعشنا على إثر ذلك فترة وردية من حرية التعبير والتنظيم إذ اِزدهرت الحركة الثقافية في مختلف الجمعيات ودور الثقافة والمهرجانات وفي شتّى الجهات حتى النائية منها وفي تلك الطفرة من الأنشطة ترشّحتُ لعضوية الهيئة المديرة لاِتحاد الكتّاب التونسيين باِقتراح من الأديب محمد العروسي المطوي فتحصّلت على أكثر الأصوات ونلت بالاِنتخاب أيضا مسؤولية الأمين العام وكانت تلك الهيئة تضمّ الأدباء محمد العروسي المطوي رئيسا والميداني بن صالح نائبا له والهاشمي بلوزة أمين المال وضمّت أيضا الأدباء أبا زيان السعدي وجلول عزونة وسمير العيادي وعبد الحميد خريف ونور الدين بن بلقاسم والتابعي الأخضر والطيب الفقيه وقد عمِلت تلك الهيئة خاصة على تنشيط النوادي في مقر الاِتحاد وعلى اِنتظام إصدار مجلة ـ المسار ـ وعلى فتح الفروع في الجهات التي يتوفّر فيها الحدّ الأدنى من الأعضاء وعلى المشاركة في اللجان الخاصة بالكتاب والسّينما والمسرح ضمن وزارة الثقافة وقد جعلنا هدفنا الأكبر هو اِستضافة مؤتمر الاِتحاد العام للأدباء العرب ومهرجان الشعر العربي بتونس وقد ضمّ اِتحاد الكتّاب التونسيين وقتذاك أغلبية الأدباء والشعراء على اِختلاف مراجعهم الفكرية والأدبية وعلى تنوّع ألوانهم السياسية وتوالي أجيالهم ممّا أتاح لي التعرّف على الأدباء التونسيين وربط صداقات مع الكثير منهم وفي ذلك السّياق من النّشاط الزّاخر ومن بينه اِنعقاد مؤتمر الأدباء العرب ونيل تونس رئاسته في شخص الأديب محمد العروسي المطوي ثمّ تنظيم الملتقى الأوّل للشعراء العرب جاءتني دعوة من رئاسة الجمهورية لحضور موكب اليوم الوطني للثقافة الذي اِعتبرناه حينذاك مكسبا للثقافة والمثقّفين ونحن نعيش غمرة حركة النشر واللقاءات الأدبية بعد سنوات عديدة من الكبت والتهميش التي لم يستفد منها إلا الأدباء والمثقّفون المُوالون للنّظام ولكن لم أكن أدري وأنا أدخل قصر قرطاج ثمّ وأنا أغادره بعد أن صافح بن علي الجميع ـ أنّ حليمة ستعود بعد سنوات إلى عادتها القديمة فقد أضحى حول نظام ـ العهد الجديد ـ زمرةٌ كبيرة من المثقفين والأدباء والفنانين الموالين هي التي اِستفادت من مجالات وزارة الثقافة ودعمها واِحتكرت مواردها وأنشطتها فلم تُبق لنا إلا النّزر القليل الذي لا يفي بتحقيق برامجنا ضمن بعض الجمعيات والنوادي الثقافية تلك التي سَنة بعد سنة بدأت تنغلق على عدد قليل من المنتسبين والروّاد وصارت برامجها تسير على إيقاع الجوقة الرّسمية شأن جميع الأنشطة الثقافية وغيرها في بقية البلدان العربية التي زرت الكثير منها فاِستنتجتُ أن مسألة اِستقلالية المثقف العربي عن السلطة هي أمر نسبيّ جدا وحتى بعض المثقفين والأدباء الذين تمكنوا من الإقامة في البلدان الغربية نجدهم موالين لهذه الجهة أو تلك سواء كانت منظمات وجمعيات أو لوبيّات وغيرها فليس من باب الخير المحض والمحبّة الصّافية للثقافة تحتضنهم تلك الدول وتدعمهم وتمنحهم الاِمتيازات والجوائز

*

كانت مرحلة اِنتسابي إلى الهيئة المديرة لاِتحاد الكتّاب التونسيين في مناسبتين الأولى في فترة رئاسة الأديب محمد العروسي المطوي والثانية في فترة رئاسة الشاعر الميداني بن صالح قد أتاحت لي الفرصة لمعرفة أحوال الأدباء والمثقفين التونسيين والعرب فوقفتُ على أمزجتهم وعلى بعض تفاصيل سلوكياتهم لذلك اِستنتجتُ أنّه من الأحسن بالنسبة للكثير منهم أن نقرأ لهم ولا نعرفهم عن كثب فعدد هائل من الأدباء والشّعراء والمثقّفين يكتبون ويصرّحون بعكس ما يفعلون لأن غايتهم تتمثّل في كسب المال و الشّهرة أونيل الحظوة والمنافع أمّا القِيمُ والمبادئ فإنهّا لا تبدو لديهم إلا في نصوصهم …كلام…..كلام !…
الزّمن كفيل وحده بوضع كل أديب و شاعر في مقامه الجدير به

*

كان من الممكن أن أنخرط في سياق السائد من الشعر الّذي كان يتراوح بين معاني الغزل والمديح والعنتريّات وبين معاني الرثاء والبكاء وجلد الذات،  وكان من الممكن أن أباشر الكتابة بالعامّية مُتمثّلا مقولة أنّها أقرب إلى الجماهير وأسهل في التّداول والاِنتشار، بل كان بوسعي أن أنخرط حتى في الكتابة باللّغة الفرنسية باِعتبار أنّها اللّغة الثانية في تونس والّتي يمكن بها أن أتواصل مع مدى أوسع في العالم
ولقد بدأتُ فعلا في الكتابة بتلك اللّغة ولكنّني اِكتشفت أنّ في العملية
اِنسلاخًا واِنبتاتا فتراجعت ولم أنخرط في الكتابة بالعامّية التونسيّة عند تلك المرحلة وذلك لسببين اثنين أوّلهما أنّني علمت أنّها كانت ضمن سياق الدعوة إلى القضاء على الهويّة الوطنيّة ذات الأبعاد العربية، وثانيهما عدم اِمتلاكي لمفردات قاموسها الكبير وبالتالي عدم قدرتي على الإحاطة بها والتّعبير عمّا كان يخالج نفسي من المعاني الغزيرة والعميقة بتلك اللغة
 ورغم ذلك فإنّي أرى أن الأدب العامّي شامل لرصيد تراثي غنيّ اِنصهرت فيه مختلف المكوّنات التاريخية تلك التي تتجلّى بوضوح من خلال الأمثال والحِكم والأزجال والأغاني والحكايات والخرافات والألغاز والنوادر وغيرها وإنّ النّهل من هذه التعبيرات إنّما هو إثراء للأدب العربيّ بل هو رافد مهمّ من روافد تجديده وتنوّعه
وقد لاحظت أنّه عندما تصبح الدّعوة إلى الاِستغناء عن العربية الفصحى وإبدالها بالدّارجة كتابة وتداولا فإنّ الأمر عندئذ ينقلب إلى قضايا تتعلّق بمكوّنات الشخصيّة الوطنيّة الّتي  أعتبر أنّ اللغة العربيّة هي اللّبنة الأساسية في بنائها وتماسكها وأنا لست مستعدا للمساهمة في هذا المشروع الخطير على الكيان الوطني الذي تمتدّ جذوره الثقافية والحضاريةعميقا في التاريخ إلى ما قبل القيروان وقرطاج

*

إلى اليوم لم أصادف كتابا في تاريخ الأدب التونسي يتناول بالجمع أو حتّى بالإشارة الى الأدب الذي كان في هذه الرّبوع قبل الحضور العربي الإسلامي في إفريقية إذن المسألة تحتاج الى بسط وتمحيص.

أنا أرى أن البحث في ذلك الأدب التونسي قبل الحضور الثقافي العربي أمر مهمّ الآن بعد أن زالت مخاطر الاِهتمام به وحيث ترسخت مفاهيم الاِنتماء الوطني التونسي عبر منطلقات المغرب العربي والتجذّر في الثقافة العربية ضمن البعدين المتوسطي والإفريقي وصولا الى ملامسة الثقافات الأجنبية الأخرى غير أن ذلك لا ينبغي ان يشطب من تاريخنا الحضاري إسهامات بلادنا قبل التعريب فهذه المسألة كانت تثير تحفظ بعض الذين كانوا يرون أن تاريخ تونس يبدأ مع تأسيس القيروان أما البحث في ما قبل ذلك فهو ضرب من الدعوة إلى الإقليمية والاِنعزالية والمحلية.

إن كتب التاريخ قد حوت نصوصا متنوعة باللغة اللاتينية واليونانية قد ترجم بعضها الى اللغة الفرنسية لذلك يمكن تعريب هذه النصوص والتعريف بها كمرحلة أساسية من تاريخ الأدب التونسي القديم الذي أراد الأديب محمد البشروش في الأربعينيات من هذا القرن أن يبدأ به مشروعه الضخم في كتابة تاريخ الأدب التونسي ذلك المشروع الذي ظل دون تحقيق غير أن الباحث والمؤرخ محمد حسين فنطر قد أكد في بحوث عديدة على الابداع الثقافي التونسي في العصور الغابرة قبل الفتح من ذلك توصّل إلى إثبات شهادات أدبية تتمثّل في الكتب المتنوعة التي تهم مواضيع الفلسفة والخطابة والشعر والقصة والحقوق أيضا قد صنّفها أفارقة كانوا فخورين باِنتمائهم إلى هذه الأرض الطيبة وأعربوا عن هذا الشعور النبيل بصريح العبارة فهذا أبُلُيّوس قد تعلّم ودرّس في جامعة قرطاج وذاع صيته في أركان الإمبراطورية الرومانية و كانت له اذ ذاك الكلمة الأولى في دنيا الفلسفة و الأدب فقد كان يحسن لغة اليونان ولغة الرومان وكان يقول مفتخرا بانتسابه الى إفريقية ” إني جدالي نوميدي” وجدالي نسبة لقبائل جدالة التي كانت تسكن بجنوب البلاد و قال نوميدي نسبة الى نوميديا مأنه يؤمن بوحدة القبائل الافريقية من حيث الحضارة و التاريخ.

ويؤكد الدكتور محمد حسين فنطر ان الشاعر فُولٌورُوس الذي وُلد بقرطاج وتعلّم بها ولمّا بلغ اشدّه سافر الى روما حتّى شارك في مسابقة شعرية نظمت تحت إشراف الاِمبراطور دُمسّيُوس الذي تبوّأ عرش الأباطرة من سنة 81 الى سنة 96 بعد المسيح وتفوّق الشاعر ـ فلُوروس ـ بشهادة لجنة التحكيم لكن القيصر سحب منه الجائزة مشيرا أنّه من العار أن يفوز بها افريقيّ على حساب الرومان فما كان من فلوروس إلا أن قال بعد الصدمة ” إنّها كادت أن تذهب عقله!”

فالتراث التونسي زاخر قبل الفتح ومنه التراث الأدبي الذي آن الأوان ان نتعرف عليه عند استعراضنا لمسيرة الأدب في بلادنا لعله يكون رافدا آخر يميز التجربة الأدبية التونسية بما يوحي منه من أبعاد وتضمينات ذلك أن الأدب العربي يزداد ثراء بتعدّد الأمصار والعصور.

*

إن مرجعيّة الشّاعر الحديث اليوم ما عادت تقتصر كما كانت على الشّعر القديم المبثوث في المتون والمختارات والمصنّفات من الدواوين تلك الّتي يقتصر الإبداع الحقيقيّ فيها على بعض القصائد فحسب، بل صارت تلك المرجعيّة تستند أيضا إلى عديد النّصوص الأخرى في الآداب القديمة والمعاصرة تلك الّتي اِطّلعنا عليها فاِكتشفنا فيها آفاقا وأنماطا أخرى من الإبداع فحاولنا أن نقتبس من تلك المعالم الإنسانيّة إلى شعرنا الحديث من دون نسخ أو نقل مباشر فالآداب تتلاقح وتتمازج وتتحاكى وتتطوّر ليس بفعل التّرجمة والاِطّلاع فقط وإنّما بسبب العوامل الاِجتماعيّة والحضاريّة أيضافالجيل الّذي كتب قصائده على نمط التّفعيلة ـ الشّعر الحرّ ـ وخرج على نمطيّة البحور والقوافي عند منتصف القرن العشرين قد عبّر بذلك عن خروجه على نسق المجتمع العربيّ القائم على التّقاليد والقيم تلك الّتي تزحزحت بسبب التطوّر الكبير في حياتها الّذي ِاستطاع أن يؤثّر في كلّ شيء فيها من تخطيط المدينة ومعمارها، إلى فضاء البيت ومختلف العلاقات بين ذويه، ومن أدوات الكتابة والقراءة، إلى أدوات الفلاحة والطبخ، ومن الأثاث واللّباس، إلى الأفكار والإحساس
إنّ قصيدة جيل النصف الثاني من القرن العشرين عبّرت عن ذلك التغيير والشّرخ الكبير الّذي تمرّ به المجتمعات العربيّة بفعل دوافعه الاِجتماعيّة والتاريخيةّ العديدة

*

أمّا الجيل الموالي الّذي تشكّل وعيُه في سنوات الثّلث الأخير من القرن العشرين فقد عاش فترة الِانهيار والانكسار والدّمار على المستوى المحلّي والقومي والعالمي وعلى مستوى الإديولوجيات والحزبي وإن حدث اِنهيار الاتحاد السوفياتي وهدم جدار برلين وتوقيع اِتفاقية كامب دافيد والاِعتراف بالكيان الصهيوني من طرف بعض الدول العربية والحروب في ما بينها واِنتشار وسائل الِاتصال المتطوّرة واِكتساح النظام الاِقتصادي العالمي الجديد بحيث أضحى العالم قرية صغيرة وغيرها من العوامل كلها زعزعت آخر القناعات الثابتة وطرحت الأسئلة الحارقة فمضى الشاعر في غضون تلك السنوات يبني ويؤسّس على غير ما وجد من النصوص لعلّه يجد الخلاص فرأيناه يَنشُد الجديد والغريب أحيانا ليس في الشّعر والآداب فحسب وإنّما في شتّى الفنون وقد اِستند على شرعية التّجديد والبحث والتجريب تلك الّتي ترنو إلى إنجاز إبداع يمثّل هواجسه ويعبّر عن مشاغله وأحلامهذلك هو الأمل والمبتغى، فحسب كلّ جيل أن يثبت بصماته

*

لقد قلتُ مرّة إنّ المحاولة في التّجديد أفضل من النّجاح في التّقليد وإنّ إيماني بهذه المقولة كان نتيجة المناخ الثّقافي الّذي كان سائدا سنة 1970 تلك السنة الّتي بدأت فيها النّشر بصفة جديّة مواكبًا عن قرب مقولات الحركات الفكريّة والسياسيّة التي كانت قائمة على قدم وساق في تلك السنوات سواء في الجامعة أو في الشارع والمجتمع أو في الأحداث العربيّة والعالميّة حيث كنت متابعا لها و قارئا نهما لمختلف أطروحاتها وأدبيّاتها وكنت أرفض فيها الاِنضباط والتسلّط إِذْ رأيت أنّ التنوّع والاِختلاف ثراءٌ في المعرفة وزادٌ لمَلء الوطاب وغِنًى للفكر والفنّ وفُسحة للرّوح فلقد كنت أحبّ أبا ذر الغفاري وغيفارا معًا وكنت معجبا بغاندي وحنّبعل كِليْهما

أنا لست منظّرا في الفكر والإديولوجيا ولا ملتزما في أيّ حزب ولكنّني رأيت أنّ التاريخ الإنسانيّ أكبر وأشمل من كلّ النّظريّات فما على الفلسطينيين إلا أن يتوحّدوا ضمن جبهة وطنية تضم كافة المنظمات والفصائل مثلما فعلته تونس والجزائر والمغرب ضد الاِستعمار الفرنسي حيث توحّدت في خمسينيات القرن العشرين في هذه البلدان جميع التعبيرات السياسية والنقابية والاجتماعية مطالبة بالاِستقلال وعملت على المستوى السياسي مع الكفاح المسلح ومساندة القوى التحررية في العالم فحققت بعد النضال والتضحيات استقلالها ….أمّا والحالة على ما هُم عليه من اِنقسامات وخلافات وصراعات حتّى دموية بين الأشفاء الفلسطنيين إضافة إلى الحروب العربية بين العرب واستقوائهم يالأجانبفإن الأسوأ قادم.. أنا تعبت من قصائد الجراح العربية ومن قراءة البيانات والاستماع إلى الخطب ورغم ذلك سنكتب ونرفع صوتنا عاليا فالكلمة مثل فوهة البندقية ومن بداياتي الأولى قرأت في اللغة الفرنسية وقبل أن تكون نصوصهم معرّبة قصائد شعراء عبّروا عن توقهم للحريّة معبّرين عن طموحات شعويهم في الاِنعتاق مثل لوركا وناظم حكمت وأراغون وبابلو نيرودا وسنغور
الشّعر عندي لا يَحُدّه معنى ولا شكلٌ وهو أوسعُ من التفعيلات والبحور وأشمل من البلاغة والبيان وما اللغة إلا تعبيرة من تعبيراته العديدة والمتنوعة وقد تضيق به أحيانا…فالرّسم مثلا شِعر بالألوان والشّعر رسم بالكلمات والموسيقى شعر بالأصوات والرقص شعر بالحركات فالفنون تتداخل وتتمازج وقد تتضاءل الحدود بينها فما بالك بتلاشي الحدود أحيانا 
بين مختلف الأنواع ضمن الفنّ الواحد

أعتبر نفسي محظوظا إذ أنّي أدركت حتّى الشعراء الذين عاصروا أبا القاسم الشّابي ومنهم الشّاعر مصطفى خريف الذي عندما صدر ديوانه – شوق ذوق –  في منتصف ستينيات القرن العشرين كان حدثا أدبيا بارزا وقد اِستعرضه لنا في درس العروض أستاذي الصّادق بن عمران بمعهد الصادقية وأذكر أنه قرأ لنا منه عديد القصائد وقد شدّت اِنتباهي قصيدتان هما  – حورية الموج – التي راوح فيها بين التفعيلات والصور الشعرية حتى لكأنها سنفونية وقصيدة –  بين جبل بحر – تلك التي وردت على غير النسق العروضي ومن وقتها خاصة عرفت أن الشعر  يكون على غير البحور والتفعيلات ثم اكتشفت بعد أن اقتنيت الديوان  من غد أنه يتضمن قصائد من الشعر الشعبي أيضا

لقد كان ديوان مصطفى خريف – شوق وذوق – نقطة اِنطلاق أولى كشفت لي باكرا أن الشعر يتمثل في أنواع مختلفة من الأشكال الفنية التي لا اعتقد أنها المحدّد الوحيد والأساسي للشّعر الذي من أسسه أيضا الصّورة والموضوع والإحساس ووجهة النّظر أو الموقف الإنساني

لذلك لابأس بهذه المناسبة من ملاحظة أراها مهمّة تلك التي تخصّ مصطلحات أشكال الشعر العربي الرائج في هذا العهد فأقترح أن يكون على أريعة أنواع وهي

ــ شعر البحر أو قصيدة البحر وهي التي تلتزم بالبحور العروضية

ــ شعر التفعيلة أو قصيدة التفعيلة وهي التي تجعل التفعيلة العروضية أساسا لها

ــ الشعر المتحرّر وهي القصيدة المتحرّرة من البحر والتفعيلة

ــ شعر الومضة أو القصيدة التي تعتمد اللمح والإيجاز والتركيز

*

أحبّ السينما لأنها جامعة لفنون كثيرة فهي الصورة والسرد والموسيقى بحيث أن السينما شرفات مفتوحة على الدنيا وعلى الناس فهي جامعة للفنون وللمعارف أيضا ناهيك بالأفلام الوثائقية في شتى الميادين ولكن الظروف لم تسمح لي بالانخراط في مجال السينما فأنا أكتفي بالمتابعة وقد توحي لي بعض المشاهد السينمائية ببعض الخواطر الشعرية ومن المصادفات العجيبة أن أحد تلاميذي درس الإخراج السينمائي وجاءني يوما ليقترح أن أقوم بدور أساسي في فلم فاِعتذرت له بكل أسف

من ناحية أخرى كان بإمكاني مواصلة انخراطي في سلك ضباط الطيران بالجيس الوطني التونسي عندما تخرجت من الأكادمية العسكرية وذلك عندما دعيت بعد تخرجي من كلية الآداب بواجب أداء الخدمة العسكرية

وكان بإمكاني أيضا عدم الانخراط في سلك التعليم وحمل المحفظة والاهتمام بتجارة مواد البناء ودخول عالم المقاولات من الباب الكبير فلقد كان الوالد اكتسب الخبرة في هذا المجال بعد أن اِحترف صناعة الفطائر والحلويات التقليدية التونسية

كان بوسعي أيضا أن أهاجر إلى فرنسا حيث هناك كثير من أقاربي ومعارف والدي

نعم في شبابي كانت أمامي اِختيارات عديدة وكان النجاح فيها ممكنا غير أني اِخترت المحفطة والقصيدة إذْ للشّعر لذائذ عديدة أولها لذة قراءته أو سماعه وما أمتع لحظات انبجاس إلهامه وأنت تحاول الإمساك بجناح من أجنحة الفكرة وهي ترفرف حواليك في كل آن ومكان مغرية حينا متمنّعة حينا وبين هذا وذاك أنت صابر لقنصها حتى إذا ما استسلمت منقادة وأرخت لك العنان تقبل عليها بحذر ولطف فتبدأ حينها في نسجها حرفا حرفا وكلمة كلمة وتظل معها 

كأنك تنسج من مختلف الخيوط والألوان والأشكال زربية من حرير أو كأنك تهيّء َمن أرض بُور  بستانا ليستحيل حدائق منسّقةً جميلةً وجناتِ يانعةَ الثمار وارفة الظلال

ثمّة قصائد عندي ما مسكتُها بحرف ولا أسكنتها ورقةً فلا عجب أن كتبتُ في السّنوات الأخيرة بعض الأشعار العموديّة ربّما بسبب الحنين إلى الماضي أو بحثا عن طرافة القديم في خضمّ الجديد لِمَ لا ؟؟ ذلك أنّ الشّعر عندي :لا يُحدّ بشكل ولا يُعدّ بنوع ولا يقتصر على موضوع بل إنّ القصيدة يكتبها قارئها وسامعها أيضا…!؟

قلمُ واللّسانُ ذَهـبْ ذكرياتِي بتِبْرٍ كَتَـــــــــــــبْ

أينُ منهُ يَراعُ الصِّـبَا كمْ بَريْتُ دَقيقَ القَــــصـبْ

ورَسَمتُ الحُروفَ على لوحةٍ مِنْ صَقِيلِ الخَشَبْ

ودواةٍ كَلَيْلٍ سَـجَــى لونُها البحرُ فِيهِا اِنْسَـــكبْ

ومِنَ الطّينِ قَوَّرتُهَا حِبْرُهَا سَاطعٌ كالشُّـــــــهُبْ

تَحتَ قِنديل زَيتٍ بَدَا راقصًا فِي ضِياءِ للّهَـــــبْ

ودُخانُ الشَّذى عَبِقٌ مَائِسٌ طيفُهُ كاَلْخَبَـــــــبْ

فِي الشّتاءِ أنيسٌ لنَا بِخَيالِ حَكايَا العَــجَـــــــبْ

سَنَواتٌ مَضَى عَهدُهَا مَا ألذَّ دِثَارَ الكُــــتُـــــــبْ

لمْ نَجِدْ فِي الصِّبَا غيرَهُ فَلبِـــسْــــنَا ردَاءَ الأدَبْ

وبِرغْمِ البِِلَى لا نبَدِّلهُ لوْ بِأعْلَــــى الرُّتَــــــــبْ

ومَدَى لعُمرِ نَذْكُرُهُ فَلقَــــدْ كانَ أوَّلَ حُــــــبْ

*سُوف عبيد