أرشيفات التصنيف: Uncategorized

النّهر الكبير ـ جلال المخ

النهر الكبير
بقلم: جلال المخ
سوف عبيد شاعر تونسي معاصر انخرط في الحركة الشعرية التونسية منذ سبعينات القرن الماضي وظلّ يسكنه هاجس الكتابة الشعرية طيلة ما يزيد على الأربعة عقود وهو ما يزال إلى اليوم في حالة عطاء أدبي متدفّق من خلال إصدارات أدبية وشعرية متتالية جعلته واحدا من أبرز الأدباء التونسيين وصوتا شعريّا متميزا وهامّا رافق تطوّر الكتابة الشعريّة وتفاعل مع مختلف ملابساتها وإشكالياتها بل يمكن اعتباره أحد أعلام الشعر التونسي المعاصر نظرا لغزارة تجربته الشعرية وتنوّعها وامتدادها في الزمن وفي ذلك يقول أحد الدّارسين: “سوف عبيد علم من أعلام الشعر التونسي المعاصر ظلّ لعقود يرفع وبعناد العشاق وإصرارهم راية القريض عاليا ولا يزال… في قصائده التي استودعها على مرّ السنين إحدى عشرة مجموعة شعريّة، تنطق الكلمات صدقا فنيّا نادرا وتوهّجا في المشاعر وألقا فريدا بأسلوب لا نظير له في تجارب مجابليه.
ولا بدّ من التذكير بمؤلّفاته واستعراض المجموعات الشعريّة الإحدى عشرة التي تمثّل مدوّنته الإبداعية وتضم ما كتب من قصائد على مدى السنين:
– الأرض عطشى 1980
– نوّارة الملح 1984
– امرأة الفسيفساء 1985
– صديد الرّوح 1989
– جناح خارج السّرب 1991
– نبع واحد لضفاف شتّى 1999
– عمر واحد لا يكفي 2004
– حارق البحر: نشر إلكتروني عن دار إنانا 2008 ثمّ صدر عن دار اليمامة ورقيّا سنة 2013
– الجازية بترجمة المرحوم حمّادي بالحاج سنة 2008
يبلغ عدد هذه المجموعات المطبوعة التّسع ثمّ يأتي التتويج لهذه المسيرة على مستوى النشر سنة 2017 بإصدار ديوان سوف عبيد عن دار الاتحاد للنشر يضم بالإضافة إليها مجموعتين جديدتين لم تطبعا على حدة وهما “عاليا… بعيدا” و”واحدان” بالإضافة إلى فصول نثرية مستمدّة من سيرة الشاعر الشخصية كتبت نثرا وجعل لها عنوانا: “القطار الذي فات… بصمات وخطوات من سيرة ذاتيّة” وكان تاريخ إنجازها سنة 2016.
بالإضافة إلى هذه المسيرة الشعريّة الحافلة التي سنعود لها فإنّ سوف عبيد مهتمّ بالنّقد وبالكتابة والتأليف فيه دليلا على أنّه لا يكتب من عدم بل لكتاباته الشعرية أصول نظرية وخلفيات نقدية تجعل من إبداعه عملا واعيا ينخرط في مشروع ابداعي له توجّهاته وأهدافه.
وقد أصدر في هذا المجال أعمالا: مثل حركات الشعر الجديد بتونس سنة 2008 في سلسلة “كتاب الحريّة” وصفحات من كتاب الوجود، القصائد النثريّة للشابي سنة 2009 وعالج فيهما قضايا نظرية وتعرّض إلى مختلف المدارس والتوجهات التي عرفها الشّعر التونسي المعاصر. إلاّ أن نظرة سوف عبيد للعمل الثقافي ولدور المثقف أو المبدع لا تقف عند حدود الكتابة نقدية كانت أو شعريّة بل تتجاوزه لتنيط بعهدة المثقف دورا توعويّا وتربويّا يجعل منه مثقفا عضويّا فاعلا في المجتمع يؤمن بدوره التثقيفي والحضاري. ولعلّ إطلالة سريعة على سيرته الذاتية تبرز لنا مدى هذا الايمان بدور المبدع في المشاركة في الفعل الثقافي والدّور الحضاري في تقدم البلدان وازدهار الشعوب ورقيّها.
سوف عبيد أو سوف الجين عبيد ومعناه بالأمازيغية “النهر الكبير” من مواليد غمراسن سنة 1952 تخرّج من كلية الآداب بتونس بشهادة الأستاذية في اللغة والآداب العربية سنة 1976 وبشهادة الكفاءة في البحث حول تفسير ابن عرفة. بدأ النشر منذ عام 1970 في الجرائد والمجلاّت شعرا ونقدا إذ كان له أركان قارّة في عدّة صحف مثل “الصّدى” والملحق الثقافي لجريدة الحريّة شارك في عديد النوادي والنّدوات الثقافية بتونس وبخارجها وهو من مؤسّسي نادي “الشعر” بدار الثقافة ابن خلدون بتونس سنة 1974. انضمّ إلى اتحاد الكتاب التونسيين سنة 2000. أسّس منتدى أدب التّلاميذ سنة 1990 الذي تواصل سنويا في كامل أنحاء البلاد لمدّة عشرين عاما. ونظّم الملتقى الأوّل والثاني لأدباء الانترنت بتونس سنتي 2009 و2010 وشغل منصب رئيس جمعية ابن عرفة الثقافية 2013-2014 وأسّس مؤخّرا جمعيّة مهرجان الياسمين الثقافي برادس سنة 2018.
إنّها حياة مليئة بالعمل الثقافي الدّؤوب سخّرها صاحبها لخدمة الأدب وللنهوض بالثقافة إيمانا راسخا منه بدور الثقافة في الخروج من التخلّف والالتحاق بمصاف الدّول المتقدّمة.
وما زالت إصدارات سوف عبيد تتالى لتشهد هذه السنة أي 2019 صدور كتاب جديد عن دار الاتحاد عنوانه الضفّة الثالثة “قبسات من الشعر التونسي والعربي” ورغم هذا العنوان فإنّ حظّ الشعر العربي في هذا الكتاب لا يتجاوز الثلاث مقالات في حين خصص 47 فصلا للشعر التونسي وهو ومجموعة من المقالات والمقاربات والشهادات والذكريات تتعلّق كلّها بالشعر التونسي عبر العصور منذ الحصري الفهري القيرواني الضرير مرورا بالشابي ومصطفى خريف وانتهاء بشعر مجابليه أو من خلفوهم في حقول الإبداع الشعري وهو رغم اختلاف وسائل التطرّق إلى المواضيع التي حواها يحتفي بالشعر التونسي عموما ويدعو إلى الاهتمام بكتابات الشعراء التونسيين المعاصرين الذين كثيرا ما أهملهم النقد الجامعي وحتّى الكلاسيكي والانطباعي.
من بين مقالات الكتاب التي لفتت اهتمامي المقال التاسع الذي عنوانه “المعارضة من خلال الموافقة والمخالفة من خلال قصيد “يا ليل الصبّ” للحصري تعرّض فيه إلى موضوع المعارضات الشعريّة لكثير من القصائد العربية الكبرى والشهيرة. وقد اعتمدت دراسته على كتاب المرحومين محمّد المرزوقي والجيلاني بالحاج يحيى الذي عنوانه “يا ليل الصبّ مائة معارضة ومعارضة” وقد قدّم الدّارس عدّة نماذج من المعارضات قديما وحديثا أشهرها إطلاقا معارضة أمير الشعراء أحمد شوقي التي مطلعها:
مضناك جفاه مرقده وبكاه ورحّم عـــــــوّده
وكذلك معارضتا الشابي وخاصّة مصطفى خريف في قصيد طالعه:
العهد هلّم نجـــــــــــــــــدّده فالدّهر قد انبسطت يده
وتعرّض إلى ما يقارب العشرين معارضة بالدّرس إلاّ أنّه لم يذكر أنّه هو أي سوف عبيد كتب معارضة صدرت في ديوانه “حارق البحر عنوانها “عروس البحر” وما منعه من ذلك هو حياؤه وتعفّفه عن الحديث عن نفسه وعن قصيده الذي نعتبره من أجمل المعارضات وأنجحها لما تضمّنه من طرافة فنية ووسائل تصوير وتخييل مبتكرة رغم ارتباطها بكثير من استعمالات الشعر العربي القديم:
إن ساد الليل وأسوده لابدّ الشمس تبــــــدّده
وتنير الكون أشعتـــــــــها ويجيء الفجر يجـــــدّده
وهذه المعارضة رغم بنائها الشعري العمودي قصّة بأتمّ معنى الكلمة تتوفّر فيها كلّ مقومات القصّة وشروطها من إطار زماني وهو الفجر الذي بدّده ظلام الليل وإطار مكاني وهو أرض على شاطئ البحر تملؤها لوحات من آيات الحسن والجمال الطبيعي وشخصيات محورية هي عروس البحر والصّياد والبحر وشخصيات ثانوية تجسّدت في عديد من قوى الطبيعة الحيوانية والنباتية: اثنان من الطّير – الشجر – الثمر – النخل – بساط العشب – البيد – يمام الأيك – جلمود الصّخر…
ثمّ إنّ الحوار الذي دار بين مختلف هذه الشخصيات والذي أضفى على النص حركيّة كبيرة فٱتسمت مختلف أقسامه بالحيويّة وامتلأت أرجاؤه بأصوات متعدّدة ومتنوّعة زيادة على الأحاديث المتبادلة مثل شدو الطير وهدهدة الأمواج وصياح عروس البحر وهبوب الرّياح وجري بساط العشب وتغريد اليمام وبكاء الورد…
وكذلك نلاحظ تسلسل الأحداث وتعاقبها في نسق تصاعدي في اتجاه المفاجأة قبل أن تنفجر في نهاية مأساويّة يتبخّر فيها الحلم وتتلاشى مكوّناته وتندثر صوره.
وقد تفنّن الشّاعر في بناء هذه القصّة الشعريّة إلا أنّه تفنّن خصوصا في الوصف فكان النص مجموعة من اللوحات الفنية بل معرضا استعمل لرسمها فنيات كثيرة استعارها من الرسامين مثل تعدّد الألوان التي خلطها دون أن يجعلها تتنافر أو تصدم الذوق وقد طغا عليها الأخضر والأزرق واستخدم كذلك تقنية الضّياء والظّلال من خلال تقابل الليل الحالك وضياء الفجر الساطع المنبثق من أشعّة الشمس النيّرة ومزج تلك التقنيات التشكيلية بعديد من المحسنات البلاغية وفنيات البديع والبيان من تشابيه واستعارات وغيرها ممّا ٱختزن في ذاته الشعريّة من موروث بلاغي ولغوي وأدبي مكّن الشعر العربي من تجسيد أبدع نصوصه متصرّفا في كلّ ذلك تصرّفا شخصيا ينبع من تصوّراته الذاتية المندلعة من شخصيته الشعريّة وإحساسه الفني ومفهومه لجمالية الإبداع.
ومن ذلك ما فعله من البيت الثالث إلى البيت الثامن إذ أنّه بعد استهلال يذكّرنا ببعض الاستهلالات الشابيّة في البيتين الأوّلين يشرع في رسم لوحة تمثل الاطار المكاني الذي ستنطلق فيه الأحداث وفي هذه الأبيات الخمسة نراه بكثير من الاقتدار الفنّي واللّغوي يتجاوز وحدة البيت الشعري التقليدي ويجعل منها كتلة لا تتجزّأ فإذا بعجز البيت الأوّل ينصهر في صدر البيت الموالي وهكذا دواليك من خلال ترابطات نحوية تجعل فاعل الجملة في البيت الأوّل أو مفعولها بأنواعه أو تمييزها يُبتدأ به البيت الموالي فتنهدم استقلالية الأبيات عن بعضها البعض ولا يمكن للقارئ أن يتوقف عند نهاية كلّ واحد منها بل نراه محمولا على مواصلة القراءة ليتوقّف في غير المكان الذي تعوّد على التوقف عنده ويكون تنقّله في القصيدة غير الذي عوّدته على منواله القصائد العموديّة. وهذا يدلّ على أنّ الشاعر ليس مجرّد معارض ممتثل للتعامل السّائد مع الشعر العمودي بل هو يتصرّف داخل ذلك الفضاء المسطّر بتحرّر مقتدر على إعادة ترتيب مكوّناته وعلى إعادة تركيب جزئيّاته.
فتَرى الأَرْضَ وَقَدْ لاَحَتْ حُسْــــــــــنًا بِالنُّورِ تُنَضِّدُهُ
فِي لَوْحَــــــــــاتٍ هِيَ آيَــــــــاتٌ إِبْــــــــــــدَاعُ اللِّهِ تُمجِّـــــــدُهُ
بِلِسَانِ الطّيْرِ شَدَا سَحَـــــــــــــــرًا سِرْبًا سِرْبًا يَتَهَجِّدُهُ
نَغَمًا وَكَهَمْسِ الْبَحْرِ سَجَا مَا أَرْوَعَ مَوْجًا هَدْهَدَهُ
حُلْمُ الأشواقِ وَقَدْ سَرَحَتْ كَمْ بَاتَ اللّيلُ يُقَيِّدُهُ
وتعقب هذه اللوحة في رسم المنظر الطبيعي لوحة أخرى في رسم بورتريه عروس البحر ذات الوجه السّاحر والثغر الباسم والشعر الطويل والنظرات الآسرة. ولا يمكن هنا ونحن نرمق عروس البحر تخرج إلى الشاطئ في تلك الطبيعة الخلاّبة ألاّ نتذكّر “حورية الموج” وهي تنبثق من المياه البحرية في قصيدة من روائع الشعر التونسي لسيدي مصطفى خريف:
شفّ صدر البحر عن سرّ الجلال
وطفقـــــــــــــــــــــت فيــــــــــــــه الــــــــــــــــــلآلي
فوق موج فاض من سحر الجمال
فـــــــــاق تصــــــــــــــــــــــــوير الخيـــــــــــــــــــال
وإن كان مصطفى خريف قد احتضن حوريّة موجه واعتنقها فإنّ سوف عبيد قد تزوّجها بشهادة ٱثنين من الطّير وغمرها بالصّيد الوفير مهرا لها وعاش معها أحلى حلم.
ولم يلبث ذلك الحلم أن تبدّد ولفّته غيوم حالكة وعاد الشاعر يبكي وحدته وتمتلئ نفسه بالأصداء الشعرية بعد أن ٱمتلأت بالأصداف البارقة دليلا على أنّ حلم الشعراء يكمن في بحثهم عن الحلم وقَدَرِهم في مطاردة الأطياف البارقة واصطياد الصّور الشعريّة واللوحات البديعة والخيالات المجنّحة وسعادتهم الحقيقية أو شقاؤهم يتمثلان في بناء عوالهم الشعرية. وعرائس بحرهم وحوريّات موجهم لسن في نهاية الأمر سوى قصائدهم التي نذروا العمر عشقا لها وأنفقوا الدّهر تفانيا في حبّها والاتّحاد بها.
ورغم قدوم الشاعر من القصيدة النثرية وهو أحد أقطابها والمنظرين لها في تونس وعودته على أعقاب الكتابة الشعرية قاطعا مسافة طويلة ليعود إلى القصيدة العمودية فإنّه نجح في إنشاء نصوص شعريّة قيّمة وذات نفس شعري طويل فيها من الجوانب الإبداعية الشيء الكثير. ولم يكن مجرّد ناظم مقلّد بل كان داخل ذلك الإطار مبتكرا ومبتدعا لعدّة ٱستعمالات فنية ولعلّ اختياره لمعارضة أشهر القصائد وأخطرها رهان رفعه وتحدّ وضعه لنفسه ولقدرته على الكتابة والتجريب في مختلف الأنماط الكتابية عموما والشعريّة خصوصا فجاءت هذه القصيدة وغيرها طريفة نابضة بالحركة ومتدفّقة بالمعاني وجيّاشة بالصّور.
وربّما قد يعتبر بعضهم أوبته إلى القصيد العمودي ردّة وتعليقنا هو إن كانت نتائج الردّة إبداع قصائد فائقة الصّنعة والجمال فمرحى بالردّة وبجميع المرتدّين ولئن انتهى بعض الشعراء الثائرين على القصيد العمودي شعراء كلاسيكيين فإنّ النمطين الشعريين بقيا يتعايشان دون تنافر في قريحة سوف الإبداعية وعن هذا الموضوع يقول في كتابه “حركات الشعر الجديد بتونس” ص122: “التاريخ الإنساني أكبر وأشمل من كلّ النظريات وبالتالي فإنّ الشّعر عندي أوسع من العروض والبحور وأشمل من البلاغة والبيان وحتّى اللغة قد تضيق به أحيانا… فلا عجب إن كتبت في السنوات الأخيرة بعض الأشعار العمودية ربّما بسبب الحنين إلى الجذور أو بحثا عن طرافة القديم في خضمّ الجديد. لِمَ لا والشعر عندي لا يُحَدّ بأشكال ولا يعدّ بأنواع”…
سوف الجين أو النهر الكبير اسم شعريّ خالص فيه نبوءة تحقّقت فكان سوف نهرا كبيرا من الإبداع بل بحرا طاميا وزاخرا بالكتابة الأدبية الشعريّة وكانت أعماله تدفقّا عارما من الفعل والإنتاج الثقافيين يجتاح صحاري الجهل والواقع الرديء فتزهر بالقصائد وتونع وتثمر كتبا ودواوين وبحوثا أدبية.
حمام الأنف
25-26 نوفمبر 2019
L’image contient peut-être : 1 personne, barbe, lunettes et gros plan
 https://www.facebook.com/Portraits-litt%C3%A9raires-par-Jalel-El-Mokh-248901902189610

مجلس السّكلمان

http://www.almothaqaf.com/a/memoir02/950744

السّكلمان أو ـ بخور مريم ـ زَهرة نادرة جميلة لطيفة شذيّة تراها ذات بتلات رقيقة متعدّدة الألوان وهي من الزهور الجبلية التي لا مثيل لها في برّ البلاد التونسية ولا تنبت إلا في غابة جبل – بو قرنين – الذي تنبسط بين سفحه وساحل بحره مدينة حمام الأنف في تناسق بديع الألوان كأنها قوس قزح يلوح من خضرة الجبل وبياض سطوح المنازل وحمرة قرميد الفيلات وزرقة الخليج وصفرة شمس الضحى وهي تبدو من ناحيته فإذا أنت أمام لوحة تَبارك الله أحسن الخالقين

عندما أقصد مدينة حمام الأنف من ناحية تونس العاصمة أو رادس سواء بالسيارة أو بالقطار لابدّ أن ألتفت إلى يميني قبل الوصول لأرى جبل بوقرنين ـ يقابلني بقرنيه وبينهما الثلمة الكبيرة التي ورد في المخيال الشعبي أنها حدثت بسبب ضربة سيف عليّ بن أبي طالب عندما كان يقارع الكافرين وللّه في خلقه شؤون ولكن يا سيّدنا عليّ كرّم الله وجهك بعد صولاتك وجولاتك في جيش الأعداء عاد العرب والمسلمون يضرب بعضهم رقاب بعض طمعًا في الحكم وتفرّقوا سَبَهْلَلَا وكلّ منهم يدّعي أنه على حق وأن الآخرين على باطل وهم إخوان الشياطين يا سيّدنا عليّ كرّم الله وجهك قد أمسى العرب المسلمون منذ قرون وقرون وعصور وعصور في أسفل السّافلين فلا علوم ولا صناعة ولا فلاحة ولا نظام ولا عدل إلا الخراب والتخريب

خراب قصر الباي خراب الحديقة التي أمامه خراب مبنى الحمّام خراب الكازينو خراب حوض السّمك والنّخيل الذي كان صفوفا صفوفا قطعوا اغلبه فيا حسرة على حمّام الأنف التي كانت في عهدها الزّاهر مثالا للنظافة والنظام والجمال والحضارة يا حسرتاه على الغابة في الجبل فقد غزتها البناءات  وهي التي صدرت فيها قوانين منع البناء ولكن حاميها حراميها وضاعت دماء الأشجار هدرا وتفرّقت بين المجلس البلديّ وإدارة الغابات ووزارة البيئة….إلخ…إلخ….

وبينما أنا في شجوني إذ بي أجدني في محطة حمام الأنف فنزلت من القطار وما كدت أغادر النفق حتى اِستقبلني صديقي الشاعر عبد الحكيم زريّر هاشّا باشّا ولكن بدون مصافحة ولا أحضان فنحن في زمن الكورونا يا صديقي وتكفي الاِبتسامة والكلمة الطيّبة وما في القلب يصل إلى القلب وصديقنا حكيم هذا من المتيّمين بحبّ حمام الأنف فقد نشأ فيه منذ الصغر وله أمتع ذكريات شبابه في أرجائها بين بحرها وجبلها فتسمعه متحدّثا عن جولاته وصولاته فيها بحنين وحرقة كلما مررنا بمكان يقول كان وكانت… فيذكر السّاعةَ الكبيرة التي كانت وسط المدينة وهي ساعة أرقامها من الأزهار والورود على بساط عشب يانع ويذكر الحوض من الفسيفساء وفيه سابحاتُ الأسماك الملوّنة أمام الكازينو…الكازينو… يا حسرتاه على الكازينو…!! ويضرب ـ حكيمُو ـ كفّا على كفّ في أسف ونكد ونحن نصل إلى الكرنيش الذي قطعوا نخيله فلم تبق من صفوفه إلا نخلات هنا وهناك لست أدري كيف ماتزال صامدة أمام هجومات ـ ياجوج وماجوج من الوندال والمغول والتاتار وأعراب بني هلال والذين يشبهونهم من الاِنتهازيين بعد الاِستقلال والثورجيين على أنواعهم وأشكالهم بعد 2001….خراب….خراب

فما الذي أتى بي إلى حمام الأنف إذن ؟

إنّه مجلس السّكلمان يا حبيبي ! وأكرم به من مجلس والبحر أمامك والجبل وراءك والنّسيم عليل والفصل خريف معتدل وأنت في أنس الأحبّة بين حديث يشمل آخر الأخبار السّياسية والاِجتماعية وبين اِستذكار الطرائف الأدبية والشعرية وبين التدقيقات التاريخية واللغوية وواسطة عقد هذا المجلس هو الصديق الأديب والشاعر والمترجم جلال المُخ الحريص على الحضور من منتصف النهار إلى الثانية ظهرا كامل أيام الأسبوع حتى في العطل والأعياد ـ حسب ما سمعت ـ حتى وإن لم يحضر أصدقاؤه الأدباء فلديه مُريدون عديدون من حمّام الأنف يسعون إليه في شغف واِحترام وصاحبنا هو أيضا من عشّاق حمّام الأنف ومن متيّميها وقد تَرجم عشقه هذا في كتاب عنها أصدره منذ سنوات والغريب الغريب والعجب العُجاب أن هذا الكتاب لم تقتن منه البلدية ولا نسخة واحدة فلاتحدّثني عن رواج الكتاب وتوزيعه في حمام الأنف ولا في غيرها ورغم هذا الجحود وهذا الإهمال فإنّ ـ جلال المخ ـ أصدر أكثر من أربعين كتابا في شتى الأجناس الأدبية باللغة العربية والفرنسية وهو يمثل واسطة العقد في نادي ـ إضافات ـ الذي يجتمع مرتين في الشهر في دار الثقافة وقد اِحتفى هذا النادي بعشرات الأدباء والشعراء والمثقفين من تونس وغيرها من الزائرين والمقيمين العرب وهو ناد يقوم على الجهود الذاتية طبعا ويضمّ نخبة من أقلام حمام الأنف من بينهم خاصة أذكر ـ عبد الحكيم زرير ـ فتحي جوعو ـ صالح الطرابلسي ـ فتحي جوعو. ـ هشام الخلادي ـ عمر سبيكة ـ منيرة الشطّي ـ علي بوزميطة

مجلس السكلمان أو هكذا أسمّيه أقصده من حين إلى ﻵخر لأجد فيه متعة السّماع وأقطف منه جمّ الفوائد من أناس ظرفاء أحبّوا الأدب ولا شيء غير الأدب !

على ضفاف دجلة والفرات

هذه بغداد…

 من تحت جناحي الطائرة تبدو في الليل كوشي بساط متلألئ …هذه هي بغداد الرشيد…بغداد دجلة وعيون المها بين الرصافة والجسر …بغداد أبي نواس والتوحيدي…بغداد الكرخ ومقامات الهمذاني…كنت سارحا في صفحات الأدب حتى شعرت بأن الطائرة العراقية تحط بتماس لطيف على الأرض فطفق الركاب يصفّقون بحرارة تحية شكر وإعجاب بالقائد وأغلب الركاب شعراء وأدباء تونس والجزائر والمغرب وموريطانيا حتى قال أحدهم مازحا إنه لو سقطت الطائرة وهلك من فيها من الشعراء المغاربة لكتب بقية الشعراء العرب  ديوانا كاملا في رثائهم…!

هذه بغداد…

 حلم وتحقق أن أزور بلاد دجلة والفرات التي قرأت عنها منذ مطالعاتي الأولى وحدثنا عنها أستاذ التاريخ في معهد الصادقية سيدي  الهداوي الذي تخرج من كليتها فكان كثيرا ما يعرج بنا في الدرس للحديث عن ذكرياته في  بغداد فيصف لنا وصفا دقيقا شارع الرشيد وشارع المتنبي وحي الأعظمية حتى جعلنا نشتهي مختلف الحلويات البغدادية من كثرة ما حدثنا عن تفاصيل ذكرياته في العراق وهنا لابد من ذكر العلاقة الأدبية الوطيدة بين الأدباء التونسيين المعاصرين والعراق حيث أتمم كثير منهم دراسته الجامعية ونذكر على سبيل المثال أبا القاسم كرو والميداني بن صالح وعلي دَب الذي كان يجلس معنا أحيانا  بمقهى الكوليزي حيث أقبل علينا الأديب يوسف عبد العاطي ذات يوم من ربيع سنة 1984 وأعلمني أنه علم بدعوة عراقية لوفد من الشعراء والأدباء التونسيين وأن اِسمي من ببنهم فاِبتهجت اِبتهاجا كبيرا وكان اِستقبالنا بحفاوة كبيرة ناهيك أن سيارات فخمة خُصّصت لنا ضمن موكب تَحُفُّ به الدراجات النارية أوصلتنا إلى فندق الرشيد وهو أرقى فنادق العراق وكان رفيقي في الغرفة الصديق الشاعر محمد بن صالح الذي أتّفق معه في كثير من الأشياء ومنها تلك التفاصيل البسيطة…عدم التدخبن مثلا….

عندما أصبح الصباح نزلت إلى بهو الفندق ذي الصالات الواسعة والرّدهات الممتدّة بعضها يُفضي إلى بعض وإذا بجموع الشعراء والأدباء والصحافيين وقد جاءت من بلدان القارات الخمس تتبادل التحايا وكلمات التعارف وتلتقط الصّور مع بعضها وتتهادى الكتب بعدما يخطّ الشاعر والأديب على صفحاتها الأولى عبارات المودّة وقد عدت بعشرات الدواوين والكتب من مختلف البلدان التي بدوري أهديت شعراءها ما حملت في حقيبتي من نسخ من ديواني الأول ـ الأرض عطشى ـ والثاني ـ نوارة الملح ـ وقد رجعت ـ والحق يُقال ـ بأكثر ممّا حملت معي

هذه بغداد …

عشرة أيّام بلياليها اِنقضت في لمح البصر بين جلسات للقراءات الشعرية وزيارات سياحية للمعالم والآثار ولبعض المدن من بينها بابل والنجف والموصل وسامراء وغيرها وكلّما وجدت سُويعات خارج البرمجة حَثثت الخطى أجوب شوارع بغداد وأحيائها وأتمشّى على جسورها وعند ضفاف دجلة عندما صادفت تمثال شهريار وشهرزاد فمكثت أكثر من ساعة أتأمّل من مختلف الجهات ذلك الإبداع الجميل الذي جعل من الصّنم الجامد كيانا مُعبّرا حتّى لكأنّي كنت حينذاك أسمع حكاية من حكايات شهرزاد بينما شهريار يتّكئ كالمسحور من كلامها وكم هي كثيرة المنحوتات  والتماثيل الجميلة في العراق الذي يٌعتبر من أوّل البلدان العربية  في الفنون التشكيلية الحديثة .

هذه هي البصرة…

حيث يلتقي في شطها دجلة والفرات وتتآلف الحضارات أيضا….هذه مدينة الجاحظ والخليل بن أحمد والسيّاب… كانت شمس الصباح قد لاحت من فوق نخيل مدينة البصرة بعد رحلة قطار الليل ولم أدر كيف وجدت نفسي وجهًا لوجه مع تمثال بدر شاكر السيّاب الذي نال منه الرّصاص والشّظايا في إحدى المواجهات الحربية بين العراق وإيران وهي الحرب التي ليتها لم تكن فقد كانت مآسي ودمارًا وكانت القوى الاِمبريالية هي المستفيدة الوحيدة منها وقد لاحظت أنّ عديد الشرفات والنوافذ تُسدل لافتاتٍ سوداء بأسماء شهداء عائلاتها…نعم كانت تلك الحرب تضحية بالأرواح وهدرًا للطاقات وذلك بسبب غياب العقل الرّشيد بين الجارين 

التّمثالُ والخليجُ*

مِثلما يُيَمِّمُ بَاسِقُ النّخلِ
للشطّ سَعفَهُ
إنّك تُولّي للخليج ظهركَ
أيّها الشّاعرُ
شَبَهٌ بينكَ وبين النّخل اِنتصابًا
عندمَا أغمضتْ البَصْرةُ
جريدَها
هَوى في العينِ عُرجُونٌ
وفي الأزرق وراءَكَ
غَرِقَ سِربُ السّمكِ

في الجُذوع نرَى
الرّصاصَ في صَدركَ مضَى
كالنَّشيج
مِن شَناشِيل
اِبنةِ الجَلَبِي

ألا أيّها الواقفُ
اُخرُجْ من التّمثال
و اِخلعْ عنك لباسَ الحديدِ
لتجلسَ قارئًا على الزُوّار
كتابَكَ الذي في الجيبِ

وإذا الأوراقُ تطايرتْ
بأيِّ ذنبٍ
تلك المدرسةُ
هُدّمتْ؟ !

هل يا تُرى في المحفظةِ
قطعةُ حلوى ومقلمهْ
أم في المحفظة شَظيّةٌ
من قُنبلهْ؟!

وُقوفًا
واجمينَ نظلُّ
كاِنحباسِ الكلمةِ
الكلِمةُ شَفَةٌ
شِفاهُنا هواءٌ في خَواءٍ
وشَفتُكَ حديدْ

ألا أيّها الواقفُ
بين الموج والجريدْ
يُبَرقِشُكَ الرّملُ والملحُ
ينُوشُكَ الصّديدُ
لا تَغمِسْ ريشتكَ
في خليج المِحبرةِ
جُثَثٌ موجُهُ
وتحتَ الزّوارق
دمٌ

واقفٌ
يداهُ برغم الصّديدِيدانِ
تَجنيان بَلحًا
يداهُ في الحديدِيدانِ
تُسابحان طيرًا
تقُولان 
سلامًا
سلامًا
متَى تعودُ للشّرق
شمسُهُ
الآفلهْ

*هو تمثال بدر شاكر السيّاب في البصرة