قراءة في قصيدة ـ دم الرّبيع في غَزّة ـ للشّاعر سُو ف عبيد بقلم ـ هاشم خليل عبد الغني ـ الأردن

قصيدة دم الربيع في غزة
للشاعر سُوف عبيد
أصدق ما كتب عن صمود غزة وحصارها
هاشم خليل عبد الغني الأردن

الـقـصـيـدة

دمُ الرٌبيع في غزٌة

 
السادسةُ صباحا
دُون أن أغسل وجهي
أفتحُ التلفزيون
للصباح حُمرةُ الشفق القادم من الشرق
اليومَ أيضا
تُشرقُ الشمسُ دما
في غزة
إذن
لغزٌة النارُ والحصارُ والدمار
لغزٌة الجوع والعطش
فإسعدوا بغزٌةَ ياعرب
وٱهنؤوا بالمواكب والقوافل
بالمهرجانات والأسفار
بالفنادق والرقص
بالفصاحة والشعر والجوائز
هنيئا لنا بالنفط والزيتون
هنيئا لنا بالعمائم وبالمذاهب والملل
هنيئا بفتوى الرضاعة والمِسيار
وجهاد النّكاح
هنيئا باِقتصاد السّوق و سباق النوق
هنيئا بشقاق ونفاق
هنيئا لك بثورات يا وطن
نفديك بروح ودمْ
من أجل كرة قدمْ
صباحٌ آخرُ من حصار
وموجةٌ أخرى
من… ألمْ


………
دم الربيع في غزة……للشاعر سوف عبيد  من  اروع و اصدق ما كتب عن العدوان الصهيوني المتكرر على غزةً،فقد اعتادت قوات الاحتلال الصهيوني مهاجمة غزٌة في فصل الربيع ،بالتزامن مع بداية شهر رمضان  المبارك ولهذا العدوان صور متعددة ومظاهر متنوعة ،مابين الاحتلال للأراضي، وطعن في المقدسات وقصف وتدمير وحصار ….. غزٌة
تعاني الموت الجوع والحصار ووحشية الأنسانية الجديدة ، غزٌة حكاية صمود وتحدٍ.
في فصل الربيع تظهر جماليات الطبيعة ولوحاتها الخٌلابة ،والتي يكون لها وقعا على الكثرين ،وللربيع نكهة جمالية خاصة ،كن زهور وألوان تبعث في النفس الراحة والنشاط والامل..ولكن للربيع في غزٌة لون أخر سائل احمر ينزف من الجراح وأنات شيوخها ونسائها وشبابها،سائل يجري في عروق  أزقتها وسهولها وشواطئها ،في غزة لا حرمة للدم لاعصمة لأحد….في غزٌة نداء الدم!!اين يا عرب رابطة الدم ؟؟هذه القصيدة بيان سياسي ثورة غضب وإدانة .
بأسلوبه السردي المتسلسل يفتتح
الشاعر سوف عبيد (دم الربيع في غزة)بسرد يقوم على خط دقيق وتصور واضح ،وعلى تدرج  السرد الشعري ،فيسرد الحدث الاول والثاني وهكذ اولأ

ولأان للشاعر اهتمام في متابعة القضايا والأخبار العربية والعالمية ،ومتابعة كل جديد وتغيير وتطور في العالم ..لأن العالم وحدة واحدة متداخلة في بعضها ،فالعالم كما يقولون قرية صغيرة .
يقول الشاعر :أفقت صباحا كالعادة في الساعة السادسة دون ان أغسل وجهي وفتحت التلفاز ،هذا الصباح إكتسى الأفق حمرة ،وإصطبغ الشفق بلون أحمر ،في إشارة من الشاعر تؤشر ان هذا الصباح عن غيره من الصباحات
يواصل الشاعر  اليوم أيضا ….طلعت الشمس وأضاءت ارض غزة دما ودموعا وتنكيلا ودمارا ,غارات متتالية متكاملة ومتزامنة..تستجلب إحدها الأخرى،لم يسبق له مثيل ،دكت غزة في جميع أرجائها صباح غازي حافل بالعذاب والصمود والفرجة من العرب
دم الربيع في غزٌة
السادسةُ صباحا
دُون ان أغسل وجهي
افتح التلفزيون
للصباح حُمرةُ الشٌفقٌ القادم من
الشرق
ايضا
تشرق الشمس دما
في غزٌة
هكذا أستقبلت غزٌة الربيع إذن “..يستخدم الشاعر حرف( إذن )حرف جوابٍ وجزاءٍ ونصبٍ والاستقبال ،لتهيئة المتلقي لأهمية ما سيقوله الشاعر ،فيصف حال غزٌة تحت القصف ،(لغزة النار المحرقة )،فهي بين نارين كلاهما شرٌّ،نار الحقد  الصهيوني ونار دسائس والتواطؤ العربي ،فقد اسهم النظام العربي في حصار غزة وسد جميع المنافذ المؤدية إليها ،فأتسع المجال المكاني للقتل ودمار
من الطبعي ان يكون لغزة الجوع والعطش،الذي انهك الأجساد وحصد الأرواح ،أليست هذه وحشية إنسانية فاقت كل تصور وخيال؟،ويطرح الشاعر معها ببساطة سؤالا ساذجا :هل من يحكم هذا العالم أناس ؟ام اننا امام وحوش حقيقية لاحمة ومفترسة
إذن
لغزة النار وحصار  والدمار
لغزة الجوع العطش
يوجه الشاعر  حديثه للعرب ساخرا منهم،وسخريته مرآة صادقة للحقيقة والواقع ،موجها سهام غضبه وسخريته نحو كل ماصطبغ بصبغة الذل والهوان والتراخي،عن نصرة الأخ المظلوم المحتل المحاصر في غزة
افرحوا وارتاحوا يا عرب بزيارتكم لغزة (غزة الشاهد والشهيد )وإهنؤوا بالشكليات والأستعراضات العسكرية الوهمية واهنئوا بمسايرة الحكام ..فالجيوش المنذورة  لحماية والطن تخون الأمانة ،فدولكم فاشلة ،كل مافيها وهم على وهم .
و يواصل الشاعر فضح الواقع العربية المتردي،الذي لا يهتم إلا لسفاسف الأمور وصغائرها ،فيقول لتهنؤوا وتبتهجوا بٱقامة المهرجانات الجهل والخيبة التي أستوطنت العقول والقلوب ،والتنعموا بالسفر والتنقل في البلاد والمناطق السياحية ،والرقص والرقص في قاعات الفنادق الفخمة..والتواصلوا خطبكم العصماء وأشعاركم الزجلة البليغة،فالشاعر هنا يقول :نريد افعالا لا اقوالا،لا نريد توزيع جوائز ترضية للفاشيلين والسحيجة أتباع المنظمة ،ينطبق علينا القولالمشهور  شامخ والفعل ركام، (فالافعال ابلغ من الأقوال)نريد املا مقرونٌا بالعمل
(
والعمل أبلغ خطابٍ)

فإسعدو بزيارة غزة يا عرب
وإهنؤوا بمواكب والقوافل
بالمهرجانات والأسفار
بالفنادق والرقص
بالفصاحة وشعر والجوائز
في قالبٍ كومدي ساخر ..يواصل الشاعر سخريته من واقعنا العربي  المضحك والمبكي ”  ساخرا من مواقف الحكام العرب السوداء من قضايا أمتنا المصيرية والمحورية حكاما بددوا ثروات الأمة المتعددة المتنوعة،ولم يوظفوها لخدمة الأنسان العربي وقضاياه ،رغم ان الوطن العربي يتمتع بكل مقومات القوة،عسكريا وسياسيا وأقتصاديا ،ففي البلاد العربية ثروات طائلة و وضع مزرٍ.
ويشير الشاعر إلى ان مصيبتنا ليست في حكامنا فحسب،بل في المنافقين من دعاة السلاطين شيوخ الضلال ،الذين يمارسون التضليل ،ضوطمس المذهبية ليطول عمر طغاة بصرف الناس عن الدين الحق الرافض للظلم وعبادة الطواغيت ..هؤلاء الشيوخ إقتصر دورهم على اثارة الأختلاف والأنقسام والعداوة والفتاوى إرضاع الكبير وزواج المسيار ،ومعاشرة الأزواج ..وجهاد النكاح متناسين قضايا أمتنا المصيرية والمفصلية ومقدساتنا المغتصبة ،متناسين  حصار غزٌة وقصفها وتدميرها ،من الكيان المحتل،(لم نسمع ايا من هؤلاء ذهب إلى غزة لقتال الكفار في فلسطين المحتلة ،او اصدر فتوى بوجوب تتدفق المقاتلين والأسلحة والأموال إلى هناك!!!) متانسين فساد الحكام ونهبهم للمال العام ،و إرتمائهم في إحصان أعداء الأمة والعقيدة الصهاينة والأمريكان
هنيئا لنا بالنفط والزيتون
هنئيا بالعمائم وبالمذاهب والملل
هنيئا  بفتوى الرضاعة  والمسيار
يواصل الشاعر فضح الواقع العربي البائس،مخاطبا العرب :أفرحو بإقتصاد السوق ..إقتصاد السلب والنهب ،إقتصاد الأحتكار حيث تتركز الثروة في أيدي عدد قليل من الأفراد ،أقتصاد المضاربات وقوة التحكم في التسعير والإنتاج
وهنيئاً لكم ألهاءالناس بمسائل تافهة لا أهمية لها مثل سباق النوق (الهجن)،وتحويل أنتباه الراي العام بعيدا عن الحقيقة ،وألهوه بمسائل تافهة لا اهمية لها،( أبقو الجمهور مشغولا مشغولا دون ان يكون لديه اي وقت للتفكير ، فقط عليه العودة إلى المزرعة مع غيره من الحيوانات الأخرى)وأنقسامكم وعدواتكم لبعضكم البعض،فانتم اهل الخصومة ونزاع ،بل انتم اثبتم وبالتجربة انكم اهل النفاق تُسٍرون الكفر وتظهرون الأيمان “.
هنيئا باقتصاد السوق والسباق والنوق
هنيئا بشقاق والنفاق
وكأني بالشاعر يتساءل عما آلت اليه الثورات الربيع العربي !!ماذا بقي منها ؟..لقد تحولت من الحراك السلمي إلى العمل المسلٌح (حروب أهلية )،لقدت آلت الأمور إلى ما لا يحمد عقباه على كافة المستوايات الاقتصادية والسياسية والثقافية والحياة الأعلامية والعامة ،تحولت إلى كابوس حقيقي ،خيٌم على شعوب المنطقة كلها
وبكل لوعة وحسرة يقول الشاعر :إن مراجلنا وبطولاتنا وإستعدادنا لبذل النفس والتضحية ، لا تظهر ألا في صغائر الأمور كمباريات كرة القدم ..
هنيئا لنا بالثورات يا وطن
نفديك بالروح و الدم
من أجل كرة القدم
بعد ان استعرض الشاعر مأزق الواقع العربي الراهن ،(أزمة حاكم ومحكوم )وبيٌنَ ان ازمة العرب تكمن في فشل النظام  الرسمي العربي ومرد ذلك الفساد المستشري وسوء إدارة الحكم،وغياب السيادة القانون والعادلة ….وتبعية الانظمة للغرب والأمريكان ،فلا عجب ان تتجدد الأعتداءات على غزة و بستمر حصارها ، وتظل غزة تحت النار موجة تتبعها موجة ،تعاني الوجع الشديد والألم القاتل .نار صهاينة اليهود وصاهينة العرب.
صباح أخر من الحصار
وموجة اخرى
من ألم
ختاما ..ان هذا النص الشعري الثوري ، طلقات تنورية سلطت الضوء على معناة اهلنا في غزة،تحت الحصار والقصف والدمار،غزة حكاية صمود وتحدٍ،كما فضح الواقع العربي المتردي حكاما ومحكومين لتخليهم عن نصرة اخواتهم في غزة ،وعري شيوخ التضليل والضلال ونهجهم البأس،وأشار لنهب وسرقة الثروات العربية وتوظيفيها في للهو والترف في مشاريع غي إنتاجية رسالة الشاعر للأمة أنى لحكام الهزيمة ان يقود قافلة النصر والتحرير .
لغة القصيدة مألوفة و واضحة وقوية ،وصور النص مؤثرة ، تتسم بالمجاز وتأمل إلى جانب التركيز ، كما وفق الشاعر في (اختيار الكلمات وربط بعضها ببعض ، لان بنية اللغة تؤلف جانب مهما من جوانب القيمة الجمالية للقصيدة ).
قالت نازك الملائكة🙁اللغة  كنز الشاعر وثروته ، وهي ايضا جنيته الملهمة ومصدر شاعريته و وحيه )

https://www.afaqhorra.com/%D9%

https://www.afaqhorra.com/%D9%

حسناء الهايكُو

حسناء الهايكُو

 

بين الأزرقِ والأزرقِ

بَياضٌ

نَورَسٌ

*

سحابةُ صيفٍ

تَضعُ نظّارةَ شمسٍ

سيّدةٌ

*

سَمكةٌ

على الرَّمل مَشويّةٌ

تتمدّد سيّدةٌ

*

تذُوبُ في الملحِ

قطعةُ سُكّر

سيّدةٌ

*

البحرُ سَرابٌ

تَخرُجُ من البحر

حُوريّةٌ…!

الدورة التأسيسية لشعر الهايكو

الدورة التأسيسة لشِعر الهَايْكُو  ـ بتونس

الدورة التأسيسة لشِعر الهايكو بتونس

السبت 27 مارس 2021

بالمكتبة المغاربية ببن عروس ـ تونس


مواكبةً للحركة الثقافية و للمنجزات الجديدة في الأدب ورصدًا للمدوّنة الشعرية في تونس لاحظنا خاصة في السنوات الاأخيرة بروز شعر ـ الهايكو ـ واِنتشاره بين عديد الشّعراء سواء في الدواوين أو خلال الأمسيات الشعرية أو ضمن الصفخات الفايسبوكية بل صارت له نواد وتظاهرات خاصة وصدرت فيه حتى الانطولوجيات في لغات عديدة ممّا يدعونا إلى مواكبة هذا النوع الجديد من الشعر في أدبنا والوقوف على بداياته في تونس وتطوّره وانتشاره ومعرفة خصائصه معنًى وشكلاحتى تتسنّى دراسة مُتون الشعراء البارزين فيه وبيان أوجه الاختلاف والائتلاف بينه وبين الأنواع الأخرى من الشعر الجديد كقصيدة الومضة أو اللمحة وغيرهما لنتبيّن مدى الإضافة في هذا النوع من الإبداع الذي كان يَبانيَّ النشأة والمَحتد وقام على أسس واضحة هي كالقواعد الضرورية وهي تشمل خاصة عدد المقاطع والأسطر ولا تخرج عن مواضيع الطبيعة ثمّ اِنتقل بفعل المثاقفة والترجمة إلى البلدان الأوروبية ثمّ انتقل عبر اللغة الفرنسية والإنقليزية خاصة إلى بقية الآداب في العالم حتى أمسى ظاهرة شعرية عالمية فشهد بعض التطوّرات بتأثير بيئة تلك الآداب مثل ظهور تفاصيل حياة المدينة عوضًا عن حضور الطبيعة فيه

متى بدأ شعر الهايكو في تونس ؟

مع مَن مِن الشعراء ؟

ما هي خصائص الشعر التونسي في الهايكو ؟

ما هي الآفاق المنتظرة في هذا النوع الجديد من الشعر ؟

هذه بعض المطارحات التي نروم بحثها والتداول فيها بمساهمة نخبة من شعراء الهايكو الذين لهم السبق والتجربة مع فتح المجال للأقلام الجديدة الواعدة أيضا لتتواصل مختلف الأجيال والمقاربات من أجل إثراء الشعر التونسي وتعزيز تنوّعه واِحتفاء باِبتكاراته وإبداعاته

ونأمل أن يتواصل تنظيم هذه المبادرة حول شعر الهايكو ليكون هذا الملتقى موعدا يجمع مختلف الشعراء والنقّاد وأحبّاء الكلمة الجميلة فمسافة الالف ميل تبدأ بالخطوة الأولى

: ويتضمّ هذا الملتقى *

صباحا ـ مائدة مستديرة حول نشأة قصيدة الهايكو وخصائصها

وتقديم شهادات في تجربة كتابة الهايكو

ثم استراحة تليها قراءات شعرية

مساء ـ مائدة مستديرة حول نماذج من قصيدة الهايكو في تونس

وتقديم شهادات في تجربة كتابة الهايكو

ثم استراحة وتليها قراءات شعرية

الاختتام ـ قراءة البيان الختامي

 بيان الدورة التأسيسية لشعر الهايكو

المكتبة المغاربية ببنعروس 27 مارس 2021

مواكبةً للمُنجزات الجديدة في المُدوَّنة الشعريّة التونسيّة ومتابعةً للأصوات المتميّزة فيها من أجل أن تُواصل العطاءَ لتكون إضافةً نوعيّة تُعزّر ما سبق من الحركات اِنعقد بالمكتبة المغاربية يوم السبت 27 مارس 2021 الملتقى الأوّل لشِعر الهايكو بمساهمة ثلّة من شعراء الهايكو (الهايكست ) مع غيرهم من الشّعراء والأدباء والنقاد والمبدعين والمثقفين فتدارسُوا عن كثَبٍ خصائصَ شعر الهايكو ومختلف مميّزاته من خلال شهادات ومداخلات نقدية واِستمعوا إلى نماذجَ منه وبهذه المناسبة يعلنون ما يلي

ـ 1 ـ يتقدّمون بالشّكر الجزيل إلى السيّدة فتحية شعبان مديرة المكتبة المغاربية ببن عروس وإلى زملائها على حسن التظيم وكرم الضيافة

ـ 2 ـ يؤكّدوا على أنّ الهايكو يُمثّل نوعًا خاصًّا من الشّعر بما فيه من خصائص معنويّة وشكلية تختلف مع غيره من الأشكال الشعريّة الأخرى

ـ 3 ـ يدعون إلى إيلاء شعر الهايكو المكانة التي هو جدير بها ضمن بقية الأنواع الشعريّة سواءً في النّشر أو الدّراسات وإدراجِه في مختلف مراحل التربية والتعليم وبمناسبة تنظيم التظاهرات الثقافية

ـ 4 ـ يعتبرون أن شعرَ الهايكو إضافةٌ نوعيةٌ في الشّعر التونسي الذي هو رافد من روافد الشّعر العربي

ـ 5 ـ يَرَوْنَ ضرورةَ الاِنفتاح والتفاعل مع بقية الفنون والتعبيرات والثقافات في العالم والاِستفادة من مختاف إنجازاتها

ـ 6 ـ ينظرون إلى ممارسة شعر الهايكو أنها فعلُ تأمّل وتَماه مع الطبيعة والحياة وهي اِحتفاءٌ ببهحتها ورونقها باِعتبار أن معايشة الهايكو يضفي على كاتبه وقارئه إكسيرًا لطيفًا من المسرّة والسعادة

ـ 7 ـ يأملون أن يصبح هذا الملتقى دوريّا كلّ سنة وتتبنّاه المكتبة المغاربية ببنعروس راجين أن يكون أكبرَ وشاملا لأكثرَ ما يمكن من المهتمّين بشعر الهايكو سواءٌ في تونس أو في غيرها من البلدان الشقيقة والصديقة وأن يتمّ توثيق محتوى هذا الملتقى ونشره

ندوة تكريمية للشاعر سُوف عبيد

 

الصديق الشاعر صالح الطرابلسي كتب  مشكورا على صفحته ما يلي وقد أحضر معه مجموعني الشعرية الأولى التي أهديتها له سنة صدورها 1980 :

حضرنا يوم الاربعاء 3 مارس بالمكتبة المغاربية ببن عروس أمسية ثقافية شـيّقة أعــدّتها جــمعيّة أحبّاء المكتـبة و الكتاب بإشراف الأخت فتحيّة شعبان مديرة المكتبة و رئـيسة الجـمعيّة احتـفاء بتكريم الشاعر سوف عبيد بحضور جمع من الأدباء و الشعراء أصدقاء و صديقات الشاعر المحتفى به.
و قد ترأّس الجلسة التكريميّة الكاتب و الصحفي محمّد بن رجب و تداول على تقديم الشاعر المكرّم كلّ من الشّعراء سنية عبد اللّـطيف ومنير الـوسلاتي وجـلال المخ وقد تناول كل واحد منهم بالتّحليل جانبا من جوانب التّجربة الشعرية للشاعر المحتفى به و التي تمتدّ على مدى أكثر من50 سنة و على مدى أكثر من 8 مجموعات شعرية بالإضافة إلى الدراسات .

متابعة قراءة ندوة تكريمية للشاعر سُوف عبيد

من غرائب المُصادفات

ـــــــــ من غرائب المُصادفات ــــــــــــ
تلقّيت في الأيام الأخيرة رسالة عن طريق بريدي الألكترونية من جامعة مدينة نانسي Nancy في شمال غربي فرنسا يسألني أحد الباحثين فيها بعد أن اِطلع على ديواني المنشور في موقعي من أين أستنبط قصائدي أمِنَ واقع الأحداث أمْ من الخيال ؟ لأنه بصدد إنجاز بحث جامعي
فأجبت أنني أستوحي قصائدي من الواقع والخيال معًا
ظننت أن الأمر اِنتهى وتمنّيت له التوفيق والنجاح لكنّي فُوجئت بسؤال عن قصيدة قصيرة كيف جاءتني فكرة كتابتها لأنها تتطابق مع حادثة وقعت لبعض الأطفال في الجنوب التونسي بمنطقة ـ قصر الحداد ـ من معتمدية غمراسن التي أنتسب إليها حيث اِنفجر على ذلك الطفل لُغم أو قنبلة من مخلفات الحرب العالمية الثانية وفقد إحدى يديه مع بصره والقصيدة حسب
الباحث تبدو مستوحاة من هذه الواقعة !
حينذاك فقط تذكّرت أن أحد أقاربي فعلا قد اِنفجرت عليه إحدى قنابل الحرب وقد كان يزورنا في ربوعنا ببئر الكرمة القريب من منطقة قصر الحدادة وقريبي هذا هو اِبنُ اِبنةِ عمّ جدّي وقد كان يزورنا معها في بعض المناسبات إبّان عهد طفولتي في الجنوب
كيف ربط هذا البحث في تلك الجامعة بين قصيدتي وبين تلك الحادثة التي وقعت لقريبي في سنوات الحرب العالمية الثانية ؟
وكيف ظلت يد ذلك القريب راسخةً وراسبةً في ذاكرتي وطفحت دون أن أشعر في قصيدتي ؟ ثمّ لم أتذكّرها إلا بمناسبة هذا الاِستفسار ؟
هذه مسائل أتركها للمختصّين ولكنّي أظن أن واقعة اِنفجار القنبلة أو اللّغم على قريبي موثّقة في بعض السّجلات الخاصة في الأرشيف الفرنسي ضمن ضحايا الحرب العالمية الثانية وجرحاها في تونس
إنّ مثل هذه البحوث تتطلب الصّبر والمثابرة والدّقة والإحاطة بكثير من الجوانب وتؤكّد أنّ النّص المنشور ولو كان قصيدة قصيرة يمكن أن يكون مصدرًا لبحوث عميقة ومتنوّعة…
التاريخ قد يُهمل لكنه لا ينسى.. لذاك سأظل أكتب على الحوت وألقي به في البحر…كما يقول المثل التونسي !!
Bonjour,
Je vous remercie énormément pour votre réponse. Je réalise un mémoire sur un livre d’Ibn Jazzar et en ce sens j’ai aussi étudier la Tunisie et particulièrement le Sud, je cherche à comprendre la vie des habitants dans leur histoire. J’ai récolté un témoignage dans un village du Ksar Haddada sur un triste événement survenu à un enfant dans les années 40 ayant perdu une main et la vue suite à un accident du à une grenade ou mine. Je m’interrogeais ainsi si il y avait un quelconque lien entre votre poème « la poignée de main » et cet événement.
Je vous remercie.
Très cordialement
ــــــــــ المُصافَحةُ ــــــــ
أربعينَ عامًا…لم نلتقِ
بالأحضانِ عانقنِي
أَمْهرَ رامٍ كانَ في البلدْ
مرّةً …أصابَ عُصفُورينِ
بِحَجَرٍ…أحَدْ
كيفَ أصَدِّقُ
أنّ ذاكَ الولدْ
لعِب يومًا بلعبةٍ من بقايا الحربِ
فصار
يُصافحُ…بلا يَدْ
* من مجموعتي الشعرية ـ نبع واحد لضفاف شتى ـ الدّيوان ـ

مع الرّؤوس

ــــــــــــ مع الرّؤوس ـــــــــــ

ـ الرّؤوس ـ هو عنوان كتاب نقدي للأديب مارون عبّود رأيته معروضا في واجهة مكتبة صغيرة قرب جامع الزيتونة بينما كنت في طريقي إلى معهد اِبن شرف لمواصلة دراستي الثانوية في شعبة الآداب بعدما درست المرحلة الأولى في المدرسة الصادقية ومن المصادفة العجيبة أنّ الدرس الأول في معهد ابن شرف كان مع أستاذ الأدب العربي الشيخ السلامي ذي الهندام التونسي الأصيل وقد خصص الدرس الأول لاِستعراض برنامج السنة الدراسية فأشار علينا حينذاك بجملة من المراجع من بينها كتاب مارون عبود _ الرّؤوس _ وقد اِعتبر فيه الشعراء العرب الذين تناولهم بالدّرس رؤوسًا أي أنهم علامات كبيرة في تاريخ الشعر العربي بما لهم من إبداع وأتباعلن أتحدث عن هذا الكتاب ولا عن تلك الرّؤوس ولكني اِستعرت العنوان لاستعراض ذكرياتي مع الرّؤساء العرب الذين التقيت بهم في مناسبات مختلفة وهم ـ الحبيب بورقيبة ـ زين العابدين بن علي ـ معمّر القذافي ـ ياسر عرفات ـ صدّام حسين متابعة قراءة مع الرّؤوس

مجلس اِبن خلدون الثقافي

الشّاعر مراد العمدوني في ـ مجلس اِبن خلدون الثقافي كما لم يتكلّم أبدا…
بقلم سُوف عبيد
افتتح مجلس ابن خلدون الثقافي يوم الأربعاء 2 ديسمبر 2020 لقاءاته الشهرية بدار الثقافة ابن خلدون بتونس العاصمة وذلك باستضافة الشاعر مراد العمدوني وحضور جمهرة من الشعراء والأدباء والفنانين والمثقفين نذكر منهم خاصة السيدات والسادة
مدير دار الثقافة الأستاذ فريد سعيداني ـ الأستاذ المحامي حسن المطيع رئيس جمعية ابن عرفة الثقافية ـ الفنان والشاعر محمد القماطي ـ السيد عبد العزيز بن عبد الله ـ الأديبة مسعودة بوبكر ـ الشاعرة سونيا عبد اللطيف ـ الكاتب الصحفي محمد بن رجب ـ السيد أحمد جليد ـ الفنان والشاعر سمير مجيد البياتي ـ الشاعر عبد الحكيم زريّر ـ الشاعر بوبكر عموري ـ الشاعرة إسمهان الماجري ـ الأديب الصحفي الهادي جاب الله ـ الشاعر الهادي المرابط ـ الشاعرة سلوى الرابحي….
الشاعر مراد العمدوني من مواليد 1969 بصفاقس وهم متخرج بأستاذية الفلسفة من كلية الآداب بالقيروان ويُعتبر من أهمّ الشعراء التونسيين الذين ظهروا في التسعينيات من القرن العشرين إلى جانب تمييزه بتجربته النقابية والسياسية فهو من أعضاء المجلس التأسيسي الذي أنجز الدستور بعد ثورة 2011 ثم اِستقال من العمل السياسة وعاد إلى وظيفته التربوية ونشاطه الثقافي وإسهامه الشعري وعند محاورته في هذه المجالات جميعا باح الشاعر ببعض التفاصيل الدقيقة والحاسمة في مسيرته منها أنه نشأ في حي شعبي بمدينة صفاقس معروف بالشغب من وبالسّمعة السيئة ناهيك أن الشاعر مراد العمدوني هو أول من تحصل على شهادة الباكالوريا ـ وبامتياز ـ وهو أول من درس بالجامعة من ذلك الحي الذي كان ملاذا للطلبة المطاردين من الشرطة في سنوات المظاهرات والاحتجاجات الشعبية وقد تأثر الشاعر في مرحلة مبكرة بتلك الأجواء الثائرة
ومن طريف الوقائع أنه عندما تلقى دعوة وهو تلميذ للمشاركة في مهرجان الصدى بتونس العاصمة اِستدعى مدير المعهد أباه ليسمح له بالغياب فظن الأب أن في الأمر جُرما كبيرا لذلك بادر بصفعه بحضور المدير تسبقةً له من العقاب
وقد كانت تجربته السياسية محطة بارزة في هذا اللقاء حيث اِستعرض النائب مراد العمدوني بعض الوقائع في المجلس التأسيسي مثل تقديمه لمشروع _ قانون تجريم التطبيع _ الذي وجد الصد والمعارضة الشديدة وذكر ما كان يلقاه من تضييقات وتهديدات وعنف حتى بات في فترة من الفترات مهدّدا في سلامته وحياته وهذا ما جعله ينتقل بالسكنى أكثر من عشر مرات وكشف أنّ كثيرا من القوانين والمواقف كان وراءها المصالح الخاصة وكانت مقبولة بالتصويت بفضل تدخّل الأموال والإغراءات وحتى التهديدات المختلفة ممّا جعله يتأكد أن الحياة السياسية في هذه المرحلة عبارة عن بركة عفنة لذلك قرر مغادرتها وهو مرفوع الرأس معتبرا أن مسؤولية المثقفين والمبدعين كبيرة كي تتجاوز البلاد هذه الظروف الصعبة التي حطت بكلكلها على تونس الجميلة

متابعة قراءة مجلس اِبن خلدون الثقافي

الحمامة الظامئة

 

 

                        الحمامة الظامئة

مِثْلُهَا فِي اَلْحُسْنِ وَرْدَهْ

                    عَذْبةُ الثّغْرِ كَـشَـهْدَهْ

شَعْرُها يَـنْـثـَالُ مَـــوْجًا

                  ليسَ سَهْلًا أنْ تَـصُدَّهْ

إذْ تهادَى فِي اِنْسِـيَابٍ

                كَـحَريرٍ مَـسَّ خَــــدَّهْ

مِــثْــلَ رَفٍّ لِلْحَـمَــامِ

                ظامِـئًـا يَـنْــهَـلُ وِرْدَهْ

فَـــرَوَاهَـا مِـــنْ زُلالٍ

               بِـحَــنَـــــانٍ وَمَـــوَدَّهْ

ثُمّ آواهَا بِِلُــــــطْــفٍ

            صَدْرَهُ لاقَـــتْوَزِنْــدَهْ

إنّـمَا الـدُّنـيَـا تَـمَـــنٍّ

             كُـلُّهَا الدُّنيَـاوَعِـنْــدَهْ

النّهر الكبير ـ جلال المخ

النهر الكبير
بقلم: جلال المخ
سوف عبيد شاعر تونسي معاصر انخرط في الحركة الشعرية التونسية منذ سبعينات القرن الماضي وظلّ يسكنه هاجس الكتابة الشعرية طيلة ما يزيد على الأربعة عقود وهو ما يزال إلى اليوم في حالة عطاء أدبي متدفّق من خلال إصدارات أدبية وشعرية متتالية جعلته واحدا من أبرز الأدباء التونسيين وصوتا شعريّا متميزا وهامّا رافق تطوّر الكتابة الشعريّة وتفاعل مع مختلف ملابساتها وإشكالياتها بل يمكن اعتباره أحد أعلام الشعر التونسي المعاصر نظرا لغزارة تجربته الشعرية وتنوّعها وامتدادها في الزمن وفي ذلك يقول أحد الدّارسين: “سوف عبيد علم من أعلام الشعر التونسي المعاصر ظلّ لعقود يرفع وبعناد العشاق وإصرارهم راية القريض عاليا ولا يزال… في قصائده التي استودعها على مرّ السنين إحدى عشرة مجموعة شعريّة، تنطق الكلمات صدقا فنيّا نادرا وتوهّجا في المشاعر وألقا فريدا بأسلوب لا نظير له في تجارب مجابليه.
ولا بدّ من التذكير بمؤلّفاته واستعراض المجموعات الشعريّة الإحدى عشرة التي تمثّل مدوّنته الإبداعية وتضم ما كتب من قصائد على مدى السنين:
– الأرض عطشى 1980
– نوّارة الملح 1984
– امرأة الفسيفساء 1985
– صديد الرّوح 1989
– جناح خارج السّرب 1991
– نبع واحد لضفاف شتّى 1999
– عمر واحد لا يكفي 2004
– حارق البحر: نشر إلكتروني عن دار إنانا 2008 ثمّ صدر عن دار اليمامة ورقيّا سنة 2013
– الجازية بترجمة المرحوم حمّادي بالحاج سنة 2008
يبلغ عدد هذه المجموعات المطبوعة التّسع ثمّ يأتي التتويج لهذه المسيرة على مستوى النشر سنة 2017 بإصدار ديوان سوف عبيد عن دار الاتحاد للنشر يضم بالإضافة إليها مجموعتين جديدتين لم تطبعا على حدة وهما “عاليا… بعيدا” و”واحدان” بالإضافة إلى فصول نثرية مستمدّة من سيرة الشاعر الشخصية كتبت نثرا وجعل لها عنوانا: “القطار الذي فات… بصمات وخطوات من سيرة ذاتيّة” وكان تاريخ إنجازها سنة 2016.
بالإضافة إلى هذه المسيرة الشعريّة الحافلة التي سنعود لها فإنّ سوف عبيد مهتمّ بالنّقد وبالكتابة والتأليف فيه دليلا على أنّه لا يكتب من عدم بل لكتاباته الشعرية أصول نظرية وخلفيات نقدية تجعل من إبداعه عملا واعيا ينخرط في مشروع ابداعي له توجّهاته وأهدافه.
وقد أصدر في هذا المجال أعمالا: مثل حركات الشعر الجديد بتونس سنة 2008 في سلسلة “كتاب الحريّة” وصفحات من كتاب الوجود، القصائد النثريّة للشابي سنة 2009 وعالج فيهما قضايا نظرية وتعرّض إلى مختلف المدارس والتوجهات التي عرفها الشّعر التونسي المعاصر. إلاّ أن نظرة سوف عبيد للعمل الثقافي ولدور المثقف أو المبدع لا تقف عند حدود الكتابة نقدية كانت أو شعريّة بل تتجاوزه لتنيط بعهدة المثقف دورا توعويّا وتربويّا يجعل منه مثقفا عضويّا فاعلا في المجتمع يؤمن بدوره التثقيفي والحضاري. ولعلّ إطلالة سريعة على سيرته الذاتية تبرز لنا مدى هذا الايمان بدور المبدع في المشاركة في الفعل الثقافي والدّور الحضاري في تقدم البلدان وازدهار الشعوب ورقيّها.
سوف عبيد أو سوف الجين عبيد ومعناه بالأمازيغية “النهر الكبير” من مواليد غمراسن سنة 1952 تخرّج من كلية الآداب بتونس بشهادة الأستاذية في اللغة والآداب العربية سنة 1976 وبشهادة الكفاءة في البحث حول تفسير ابن عرفة. بدأ النشر منذ عام 1970 في الجرائد والمجلاّت شعرا ونقدا إذ كان له أركان قارّة في عدّة صحف مثل “الصّدى” والملحق الثقافي لجريدة الحريّة شارك في عديد النوادي والنّدوات الثقافية بتونس وبخارجها وهو من مؤسّسي نادي “الشعر” بدار الثقافة ابن خلدون بتونس سنة 1974. انضمّ إلى اتحاد الكتاب التونسيين سنة 2000. أسّس منتدى أدب التّلاميذ سنة 1990 الذي تواصل سنويا في كامل أنحاء البلاد لمدّة عشرين عاما. ونظّم الملتقى الأوّل والثاني لأدباء الانترنت بتونس سنتي 2009 و2010 وشغل منصب رئيس جمعية ابن عرفة الثقافية 2013-2014 وأسّس مؤخّرا جمعيّة مهرجان الياسمين الثقافي برادس سنة 2018.
إنّها حياة مليئة بالعمل الثقافي الدّؤوب سخّرها صاحبها لخدمة الأدب وللنهوض بالثقافة إيمانا راسخا منه بدور الثقافة في الخروج من التخلّف والالتحاق بمصاف الدّول المتقدّمة.
وما زالت إصدارات سوف عبيد تتالى لتشهد هذه السنة أي 2019 صدور كتاب جديد عن دار الاتحاد عنوانه الضفّة الثالثة “قبسات من الشعر التونسي والعربي” ورغم هذا العنوان فإنّ حظّ الشعر العربي في هذا الكتاب لا يتجاوز الثلاث مقالات في حين خصص 47 فصلا للشعر التونسي وهو ومجموعة من المقالات والمقاربات والشهادات والذكريات تتعلّق كلّها بالشعر التونسي عبر العصور منذ الحصري الفهري القيرواني الضرير مرورا بالشابي ومصطفى خريف وانتهاء بشعر مجابليه أو من خلفوهم في حقول الإبداع الشعري وهو رغم اختلاف وسائل التطرّق إلى المواضيع التي حواها يحتفي بالشعر التونسي عموما ويدعو إلى الاهتمام بكتابات الشعراء التونسيين المعاصرين الذين كثيرا ما أهملهم النقد الجامعي وحتّى الكلاسيكي والانطباعي.
من بين مقالات الكتاب التي لفتت اهتمامي المقال التاسع الذي عنوانه “المعارضة من خلال الموافقة والمخالفة من خلال قصيد “يا ليل الصبّ” للحصري تعرّض فيه إلى موضوع المعارضات الشعريّة لكثير من القصائد العربية الكبرى والشهيرة. وقد اعتمدت دراسته على كتاب المرحومين محمّد المرزوقي والجيلاني بالحاج يحيى الذي عنوانه “يا ليل الصبّ مائة معارضة ومعارضة” وقد قدّم الدّارس عدّة نماذج من المعارضات قديما وحديثا أشهرها إطلاقا معارضة أمير الشعراء أحمد شوقي التي مطلعها:
مضناك جفاه مرقده وبكاه ورحّم عـــــــوّده
وكذلك معارضتا الشابي وخاصّة مصطفى خريف في قصيد طالعه:
العهد هلّم نجـــــــــــــــــدّده فالدّهر قد انبسطت يده
وتعرّض إلى ما يقارب العشرين معارضة بالدّرس إلاّ أنّه لم يذكر أنّه هو أي سوف عبيد كتب معارضة صدرت في ديوانه “حارق البحر عنوانها “عروس البحر” وما منعه من ذلك هو حياؤه وتعفّفه عن الحديث عن نفسه وعن قصيده الذي نعتبره من أجمل المعارضات وأنجحها لما تضمّنه من طرافة فنية ووسائل تصوير وتخييل مبتكرة رغم ارتباطها بكثير من استعمالات الشعر العربي القديم:
إن ساد الليل وأسوده لابدّ الشمس تبــــــدّده
وتنير الكون أشعتـــــــــها ويجيء الفجر يجـــــدّده
وهذه المعارضة رغم بنائها الشعري العمودي قصّة بأتمّ معنى الكلمة تتوفّر فيها كلّ مقومات القصّة وشروطها من إطار زماني وهو الفجر الذي بدّده ظلام الليل وإطار مكاني وهو أرض على شاطئ البحر تملؤها لوحات من آيات الحسن والجمال الطبيعي وشخصيات محورية هي عروس البحر والصّياد والبحر وشخصيات ثانوية تجسّدت في عديد من قوى الطبيعة الحيوانية والنباتية: اثنان من الطّير – الشجر – الثمر – النخل – بساط العشب – البيد – يمام الأيك – جلمود الصّخر…
ثمّ إنّ الحوار الذي دار بين مختلف هذه الشخصيات والذي أضفى على النص حركيّة كبيرة فٱتسمت مختلف أقسامه بالحيويّة وامتلأت أرجاؤه بأصوات متعدّدة ومتنوّعة زيادة على الأحاديث المتبادلة مثل شدو الطير وهدهدة الأمواج وصياح عروس البحر وهبوب الرّياح وجري بساط العشب وتغريد اليمام وبكاء الورد…
وكذلك نلاحظ تسلسل الأحداث وتعاقبها في نسق تصاعدي في اتجاه المفاجأة قبل أن تنفجر في نهاية مأساويّة يتبخّر فيها الحلم وتتلاشى مكوّناته وتندثر صوره.
وقد تفنّن الشّاعر في بناء هذه القصّة الشعريّة إلا أنّه تفنّن خصوصا في الوصف فكان النص مجموعة من اللوحات الفنية بل معرضا استعمل لرسمها فنيات كثيرة استعارها من الرسامين مثل تعدّد الألوان التي خلطها دون أن يجعلها تتنافر أو تصدم الذوق وقد طغا عليها الأخضر والأزرق واستخدم كذلك تقنية الضّياء والظّلال من خلال تقابل الليل الحالك وضياء الفجر الساطع المنبثق من أشعّة الشمس النيّرة ومزج تلك التقنيات التشكيلية بعديد من المحسنات البلاغية وفنيات البديع والبيان من تشابيه واستعارات وغيرها ممّا ٱختزن في ذاته الشعريّة من موروث بلاغي ولغوي وأدبي مكّن الشعر العربي من تجسيد أبدع نصوصه متصرّفا في كلّ ذلك تصرّفا شخصيا ينبع من تصوّراته الذاتية المندلعة من شخصيته الشعريّة وإحساسه الفني ومفهومه لجمالية الإبداع.
ومن ذلك ما فعله من البيت الثالث إلى البيت الثامن إذ أنّه بعد استهلال يذكّرنا ببعض الاستهلالات الشابيّة في البيتين الأوّلين يشرع في رسم لوحة تمثل الاطار المكاني الذي ستنطلق فيه الأحداث وفي هذه الأبيات الخمسة نراه بكثير من الاقتدار الفنّي واللّغوي يتجاوز وحدة البيت الشعري التقليدي ويجعل منها كتلة لا تتجزّأ فإذا بعجز البيت الأوّل ينصهر في صدر البيت الموالي وهكذا دواليك من خلال ترابطات نحوية تجعل فاعل الجملة في البيت الأوّل أو مفعولها بأنواعه أو تمييزها يُبتدأ به البيت الموالي فتنهدم استقلالية الأبيات عن بعضها البعض ولا يمكن للقارئ أن يتوقف عند نهاية كلّ واحد منها بل نراه محمولا على مواصلة القراءة ليتوقّف في غير المكان الذي تعوّد على التوقف عنده ويكون تنقّله في القصيدة غير الذي عوّدته على منواله القصائد العموديّة. وهذا يدلّ على أنّ الشاعر ليس مجرّد معارض ممتثل للتعامل السّائد مع الشعر العمودي بل هو يتصرّف داخل ذلك الفضاء المسطّر بتحرّر مقتدر على إعادة ترتيب مكوّناته وعلى إعادة تركيب جزئيّاته.
فتَرى الأَرْضَ وَقَدْ لاَحَتْ حُسْــــــــــنًا بِالنُّورِ تُنَضِّدُهُ
فِي لَوْحَــــــــــاتٍ هِيَ آيَــــــــاتٌ إِبْــــــــــــدَاعُ اللِّهِ تُمجِّـــــــدُهُ
بِلِسَانِ الطّيْرِ شَدَا سَحَـــــــــــــــرًا سِرْبًا سِرْبًا يَتَهَجِّدُهُ
نَغَمًا وَكَهَمْسِ الْبَحْرِ سَجَا مَا أَرْوَعَ مَوْجًا هَدْهَدَهُ
حُلْمُ الأشواقِ وَقَدْ سَرَحَتْ كَمْ بَاتَ اللّيلُ يُقَيِّدُهُ
وتعقب هذه اللوحة في رسم المنظر الطبيعي لوحة أخرى في رسم بورتريه عروس البحر ذات الوجه السّاحر والثغر الباسم والشعر الطويل والنظرات الآسرة. ولا يمكن هنا ونحن نرمق عروس البحر تخرج إلى الشاطئ في تلك الطبيعة الخلاّبة ألاّ نتذكّر “حورية الموج” وهي تنبثق من المياه البحرية في قصيدة من روائع الشعر التونسي لسيدي مصطفى خريف:
شفّ صدر البحر عن سرّ الجلال
وطفقـــــــــــــــــــــت فيــــــــــــــه الــــــــــــــــــلآلي
فوق موج فاض من سحر الجمال
فـــــــــاق تصــــــــــــــــــــــــوير الخيـــــــــــــــــــال
وإن كان مصطفى خريف قد احتضن حوريّة موجه واعتنقها فإنّ سوف عبيد قد تزوّجها بشهادة ٱثنين من الطّير وغمرها بالصّيد الوفير مهرا لها وعاش معها أحلى حلم.
ولم يلبث ذلك الحلم أن تبدّد ولفّته غيوم حالكة وعاد الشاعر يبكي وحدته وتمتلئ نفسه بالأصداء الشعرية بعد أن ٱمتلأت بالأصداف البارقة دليلا على أنّ حلم الشعراء يكمن في بحثهم عن الحلم وقَدَرِهم في مطاردة الأطياف البارقة واصطياد الصّور الشعريّة واللوحات البديعة والخيالات المجنّحة وسعادتهم الحقيقية أو شقاؤهم يتمثلان في بناء عوالهم الشعرية. وعرائس بحرهم وحوريّات موجهم لسن في نهاية الأمر سوى قصائدهم التي نذروا العمر عشقا لها وأنفقوا الدّهر تفانيا في حبّها والاتّحاد بها.
ورغم قدوم الشاعر من القصيدة النثرية وهو أحد أقطابها والمنظرين لها في تونس وعودته على أعقاب الكتابة الشعرية قاطعا مسافة طويلة ليعود إلى القصيدة العمودية فإنّه نجح في إنشاء نصوص شعريّة قيّمة وذات نفس شعري طويل فيها من الجوانب الإبداعية الشيء الكثير. ولم يكن مجرّد ناظم مقلّد بل كان داخل ذلك الإطار مبتكرا ومبتدعا لعدّة ٱستعمالات فنية ولعلّ اختياره لمعارضة أشهر القصائد وأخطرها رهان رفعه وتحدّ وضعه لنفسه ولقدرته على الكتابة والتجريب في مختلف الأنماط الكتابية عموما والشعريّة خصوصا فجاءت هذه القصيدة وغيرها طريفة نابضة بالحركة ومتدفّقة بالمعاني وجيّاشة بالصّور.
وربّما قد يعتبر بعضهم أوبته إلى القصيد العمودي ردّة وتعليقنا هو إن كانت نتائج الردّة إبداع قصائد فائقة الصّنعة والجمال فمرحى بالردّة وبجميع المرتدّين ولئن انتهى بعض الشعراء الثائرين على القصيد العمودي شعراء كلاسيكيين فإنّ النمطين الشعريين بقيا يتعايشان دون تنافر في قريحة سوف الإبداعية وعن هذا الموضوع يقول في كتابه “حركات الشعر الجديد بتونس” ص122: “التاريخ الإنساني أكبر وأشمل من كلّ النظريات وبالتالي فإنّ الشّعر عندي أوسع من العروض والبحور وأشمل من البلاغة والبيان وحتّى اللغة قد تضيق به أحيانا… فلا عجب إن كتبت في السنوات الأخيرة بعض الأشعار العمودية ربّما بسبب الحنين إلى الجذور أو بحثا عن طرافة القديم في خضمّ الجديد. لِمَ لا والشعر عندي لا يُحَدّ بأشكال ولا يعدّ بأنواع”…
سوف الجين أو النهر الكبير اسم شعريّ خالص فيه نبوءة تحقّقت فكان سوف نهرا كبيرا من الإبداع بل بحرا طاميا وزاخرا بالكتابة الأدبية الشعريّة وكانت أعماله تدفقّا عارما من الفعل والإنتاج الثقافيين يجتاح صحاري الجهل والواقع الرديء فتزهر بالقصائد وتونع وتثمر كتبا ودواوين وبحوثا أدبية.
حمام الأنف
25-26 نوفمبر 2019
L’image contient peut-être : 1 personne, barbe, lunettes et gros plan
 https://www.facebook.com/Portraits-litt%C3%A9raires-par-Jalel-El-Mokh-248901902189610

متابعة قراءة النّهر الكبير ـ جلال المخ