أمسيةُ السَّكْلَمَان

 

مدينة حمام الأنف من أكبر الضواحي  الجنوبية للعاصمة تونس وهي تقع بين الجبل والبحر وكانت مُستقرّا لبَياتِ تونس في  فترات من فصول السنة فهي في الشتاء تسيل بعينها الساخنة وهي في الصيف تزهُو بشاطئها ذي النخيل الباسق أما في الربيع فزَهر  ـ السَّكْلَمان ـ  أو بَخُور مريم ـ له في نواحي الجبل وشِعابه باقاتٌ للقاطفين

تلك هي حمام الأنف مدينة الجمال والفنّ والتاريخ وقد كتب الصّديق الأستاذ محسن كريفي مدير معهد البشير النبهاني بحمام الأنف على صفحته يقول ـ اِحتفاء باليوم العالمي للشعر يهل علينا شاعر تونس شادي الحب والحياة ضيفا مبجلا على تلاميذ معهد البشير النبهاني بحمام الأنف عشية الجمعة 16مارس 2018 ببهو المعهد في إطار شاعري فيه اِحتفاء باللباس التقليدي والأكلات التونسية الصميمة وفي جلسة تنسجم فيها الالحان والموسيقى والغناء. الجلوس مع الشاعر الدكتور سوف عبيد كالعادة ممتع سنحلق بعيدا بين جبل بوقرنين والبحر في الضاحية الجنوبية ..مرحبا بالشاعر الكبير سوف عبيد وبكم ضيوفا كراما..التقدير الكبير لخلية النحل من الإطار التربوي بمعهد النبهاني على التعاون والانسجام وابداعاتهم الباهرة على الدوام … متابعة قراءة أمسيةُ السَّكْلَمَان

اِبن خلدون يكتب بالكاميرا

اِبن خلدون يكتب بالكاميرا
ـ سُوف عبيد ـ

أعتبرُ أن الفِلم الوثائقيّ الذي أنجزه الدكتور خالد عبيد حول مؤامرة 1962 بتونس بدايةَ كتابة التاريخ بالكاميرا فقد سجّل مختلف الآراء حول هذه الواقعة التي ظلت على مدى سنوات متوالية محلّ خلافات عميقة ولكنّ الباحث خالد عبيد أفسح المجال للأطراف الفاعلة والقريبة من الوقائع فأدلت بشهاداتها بوضوح وحريّة ولكنّ ورغم ذلك فما تزال بعض الجوانب في القضيّة تحتاج إلى مزيد من البحث ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتمكّن من الوصول إلى الملفات القابعة في أرشيف الأطراف المعنية النافذة بدرجة أولى وهو أمر يبدو أنه اِستعصى على الباحث .
**من خلال بعض الشهادات يمكن أن نتساءل ـ من الناحية القانونية ـ هل أنّ الجزاء القاسي الذي ناله المحكوم عليهم بالإعدام كان متلائما مع أفعالهم والحال أن بعض الشهادات أكدّت أنهم لم يشرعوا في الإنجاز بل إن البعض منهم لم يأخذ الأمر على محمل الجدّ وأكّدت إحدى الشهادات أن البعض قد عدل وتراجع عن مشروع المؤامرة لكنه وجد نفسه في طابور الإعدام وقد تساءل خالد عبيد عن سرّ السّرعة العجيبة التي ألمّت بإجراءات البحث والمحاكمة وتنفيذ الأحكام وقد أشارت إحدى الشهادات إلى مدى مسؤولية بعض الشخصيات القريبة من بورقيبة وقتذاك .
** فالفلم الوثائقي حول مؤامرة 1962 كأنّي به أراد أن يقول قد آن الأوان لنتجاوز الحادثة ونُسلّم ملفاتها إلى المختصّين في التاريخ ولكن لابدّ أن نستخلص منها بعض الدروس لعل أوّلها أن الجيش التونسي يظل هو الحارس الأمين لاِستقلال البلاد وسيادتها والمدافع عن الوطن وأن لا يتدخل في الشأن السياسي والدعوة الثانية التي نستشّفها من الفلم تتمثل في تشهيره بالعنف والتعذيب والمظالم الأخرى التي طالت عائلات الموزّطين والفلم يؤكد من ناحية أخرى ومن خلال بعض الشهادات على ما يتّصف به التونسيّ من روح التسامح.
* *بمثل هذه الأعمال الجدّية التي تصدر عن أهل الاختصاص وبروح البناء والتجاوز يمكننا أن نتقدم بكثير من الملفات التي ما تزال تحتاج إلى البحث والمراجعة كي لا تبقى عواقب كَأداء بين التونسيين ليمضوا نحو المستقبل على أرضية واضحة وصلبة مثلما فعلت الأمم المتقدمة التي تصالحت مع تاريخها رغم مآسيها الكبيرة مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وجنوب إفريقيا وغيرها لذلك كان يجب أن يكون هذا الفلم مدّعما من وزارة الثقافة ومن مؤسسة التلفزة الوطنية وغيرهما من الأطراف المعنية ولكنه قد أنجز بفضل الإرادة الشخصية وتضحية كامل الفريق الذي أنجزه…فتحية شكر وتقدير

صباحَ الخير… لارَا

صباحَ الخير… لارَا

صباحَ الخير لارَا
كيف هُو اليومُ أصبحَ عندكُم
اُنظري من النّافذة
أخبريني
هل الثّلجُ مازال يغطّي عُشب الحديقةِ
لارَا  لا تُجيبُ
تبتسمُ
تبتسمُ كمِثل الشّمس تلوحُ في يومٍ ثالجٍ
لارَا بعيدةٌ…بعيدةٌ
بيني وبينها بحرٌ وبَرّ وحُدودٌ وجبالٌ
*
صباحَ الخير لارَا
لارَا  لا تُجيبُ
تُشيرُ بيُمناها
تُشير بيُسراها
نَعمْ…نعمْ
فَهِمتُ
صباحَ الخير… رَدّتْ لارَا
ونَاغتْ
فنفضتْ طيورُ الحديقة الثّلجَ على أجنحتِها
ورَفرفتْ
رأتْها  لارَا
فَرِحتْ
*

يا طيورَ الحديقة يَمِّمِي جنُوبًا

نحوَ الجبالِ والأنهارِ والبحارِ
وَحُطّي على نافذتِي
 لحظةً… أو لحظتيْنِ
لِتَريْ
دَمعتي
شَوقًا
إليهَا…
رادس ـ تونس ـ في عزّ شتاء 2018

أحلام الأسفار

أحلام الأسفار
أنا أعتقد جازما أنّ الرسم كان من اِستنباط المرأة زمن العصور الأولى من التاريخ فعندما كان الرّجل يذهب للصّيد ولقطف الثّمار بعيدا عن المغاور فإنّ المرأة التي تظل فيها كانت ترسم الحيوانات التي مضى القوم لصيدها من غزلان وأيائل وبقر وحشيّ وغيرها كتلك الرسوم التي كنا نراها في كهوف شعاب ـ غمراسن ـ بالجنوب التونسي وأجزم أيضا بالنسبة للشعر أنّ أول ما فيل منه كان على لسان اِمرأة ودليلي في ذلك أنّني كنتُ أسمع أمّي وهي تغنّي بينما كنت أتوسّد رُكبتها وهي ترحي القمح والشّعير برحى الصوّان…
تلك أحلامي كانت تتراءى لي وأنا أتنقّل متأمّلا بين لوحات الفنّانة التشكيلية والشّاعرة
رجاء محجوب نقاس ـ إيدلويس ـ المعروضة بنادي الطاهر الحداد في يوم بارد ممطر شتائي باِمتياز فإذا بالألوان المُشرقة الزّاهية التي على اللّوحات تبعث في الوجدان البهجة والاِنشراح فهي تحتفل بالمرأة اِحتفالا بهيّا ففي كل لوحة تجدها بشعرها االأسود لطويل المُرسَل مرّة جدائل متهدّلة ومرّة خصلات مرفرفة ومرة كخيوط الشّمس لكأن الرسّامة تؤكّد على اِمراة واحدة ولكن في حالات مختلفة ولعل لوحة الأربع نساء الواقفات بجانب بعضن في اللون الأزرق والوردي والأسود والأبيض ويبدو خلفهنّ رجل غير واضح الملامح هذه اللوحة قابلة لقراءات عديدة فمثلا يمكن أن ترمز للفصول الأربعة أو لتغيّر نفسية المرأة ولمراجها أو لعلّها تعبّر عن تنوّع الحالة لدى الإنسان بصفة عامة كما يمكن أن ترمز للتغيّر والتبدّل والتنوّع والتعدّد عامة وذلك هو سرّ جمال هذه اللوحة وأما إذا أدخلنا في الحُسبان ملامح الرجل الواقف من الخلف فسيذهب بنا التحليل إلى مجالات أخرى من الإيحاءات فالاِحتفال بالمرأة واضح وجليّ في أغلب اللوحات ومن بينها لوحة القُبلة ـ هكذا أسمّيها ـ وفيها أرهار متناثرة حمراء من ـ شقائق النعمان ـ على بساط من العشب الأخضر اليانع وفي أعلى اللوحة مثل بياض زهرة اللوز وفي وسط هذه الألوان الزاهية المشرقة عناقٌ وقبلةٌ بين حبيبين وطبعا الحبيبةُ خصلاتُ شعراها مرفرفةٌ حتى تكاد تتّصل بأغصان شجرة اللوز مما يجعل من اللوحة سنفونيةً من الحبّ والجمال والاِنسجام …كذلك الفنّ او لا يكون…!
* سُــوف عـبـيــد

في تكريم الشّاعر نور الدّين بالطيّب

ــــــــــــــ كلمة سُوف عبيد  ــــــــــــ

ـ 1 ـ
أخبرني الأديب محمد العروسي المطوي ـ رحمه الله ـ أنه لما عاد من المشرق العربي بعد مغادرته السلك الدبلوماسي بادر ثلة من الأدباء والشعراء والصحفيين بإقامة حفل أدبي للاحتفاء به وتكريمه فإذا به يقرأ بعد أسبوع أو أسبوعين خبرا بإحدى الصحف الصادرة في المغرب الأقصى يفيد أنه انتقل إلى رحمة الله تعالى لأن العادة كانت أن الأديب لا يصله التكريم إلا بعد أن يصل إلى مثواه الأخير وقد صاغ الأديب علي الدوعاجي ذلك الغبن قائلا
عاش يتمنى في عنبه
كِ مات علقولو عنقود
ما يسعد فنان الغلبه
إلا من تحت اللحود
وإنّ المتتبّع لمسيرة الكثير من أعلام الأدباء ورجال القلم في تونس يقف على خيط رابط بينهم جميعا يتمثّل في شعورهم بالغبن والجحود وهذا أمر قديم منذ الشاعر فُلُورُوس الذي كان أحد شعراء القرن الأول الميلادي بقرطاج إذ فاز بالمرتبة الأولى لكن قيصر روما رفض أحقيته ومنح الجائزة لشاعر روماني فهاجر إلى إسبانيا وخبر هجرة ابن خلدون إلى الشرق كان سببه الحسد والسعايات وكذا الأمر بالنسبة لمعاصره ابن عرفة الذي تعرض للانتقاد والتهكم بسبب أصوله البدوية عندما تولى إمامة جامع الزيتونة وتواصل ذلك الغبن والجحود حتى مع بعض المتصوّفة مثل أبي الحسن الشاذلي الذي كان مقامه الأول عندما وفد من المغرب مسجدا صغيرا بسوق البلاط وسط مدينة تونس وداخل سورها القديم ثم اِبتعد عن الناس والمدينة والمناوئين واِستقر في مقامه خارج المدينة بعيدا أسوارها في الجبل المعروف الآن ثم هاجر إلى مصر وفي العصر الحديث تواصل الجحود والغبن مع الشيخ الخضر بن الحسين والطاهر الحداد وأبي القاسم الشابي ومنوّر صمادح وغيرهم…لكنّنا ومنذ أواخر القرن العشرين بدأنا نلاحظ في بعض المناسبات الدعوة إلى تكريم شخصيات أدبية وعلمية وثقافية هي جديرة حقا بذلك بما قدّمته من مساهمات وإضافات فكأنّ التكريم إذن هو اعتراف بفضلها في إغناء الرصيد الثقافي
ـ 2 ـ
واليوم  ـ السّبت 10فيفري 2018 ـ وجمعية اِبن عرفة الثقافية التي دأبت على العمل الثقافي الجادّ منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية والتي اِحتضنت طالبي العلم والمعرفة جيلا بعد جيل وبروح التطوع والاستقلالية تكرّم بكل اِعتزازا أحد الأقلام التونسية التي دأبت على الكتابة والنشر والمواكبة الثقافية ألا وهو الشاعر والأديب والصحفي الأستاذ نور الدين بالطيب الذي ما زلت أذكر أنه ذات شتاء من سنة 1991 وبمناسبة تأسيس الدورة الاولى لمنتدى الأدباء التلاميذ بمعهد فرحات حشاد برادس والذي ما زال مستمرا إلى هذه السنة متنقلا من ولاية إلى أخرى …أذكر أنني دعوته باِعتباره شاعرا شابا يبشّر بمستقبل واعد وذلك من خلال باكورات قصائده التي فيها بصمات خاصة فحضر في ذلك الصباح البارد والمُمطر…حضر مُبلل الثياب كأنّه لتوّه كان غاطسا في البحر وما كان يعرف المعهد ولا رادس ولعله ركب قطار الضواحي الجتوبية لأول مرة لأنه نزل في المحطة الموالية وعاد راجلا تحت المطر فعرفت من يومئذ أنه شاعر بحبّ الكلمة بصدق وليس لغايات أخرى وسيكون له شأن مع العلم أني دعوت في تلك المناسبة شعراء آخرين فأصرّ بعضهم على ضرورة أن تأتي سيارة خاصة لنقله أو أن يتسلّم ثمن سيارة الأجرة ذهابا وإيابا وأشياء اخرى والحال أن أدباء كبار مثل الشيخ محمد العروسي المطوي وعبد الرحمان مجيد الربيعي قبلا الدعوة باِبتهاج كبير ومن دون أيّ شرط لأن الأدب عطاء ومعاناة ورسالة من أجل قيم المحبة والإخاء والسلام والعدالة والكرامة التي لا يمكن أن تكون إلا بالحريّة أما الكتابات  من أجل الكُدية والتمعّش والفنطازيات والفرقعات الجوفاء فسبيلها في آخر المطاف إلى التلاشي والنسيان .
وقد وعى الشاعر نور الدين بالطيب هذه المسألة منذ قدومه إلى العاصمة التي كانت تعجّ بالشعراء على مختلف أنواعهم وألوانهم ومشاربهم فاِختار درب المعرفة والمطالعة والجلوس في نوادي الأدب والشّعر ومواكبة التظاهرات الثقافية والتعرّف إلى الأدباء والشعراء والمثقفين والفنانين الذين اِقتبس منهم من خلال قراءتهم ومحاورتهم وتقديم آثارهم فاِكتسب زادا ثقافيا زاخرا كان له خيرَ رصيد يُنمّي به نصوصه الإبداعية والفكرية …غيرأنّ الذي يمتاز به الشاعر نور الدين بالطيب يتمثل خاصة في الحضور الواضح في شعره لمدينة دُوز ولطفولته في مرابعها ثم في الولاء لها في نشاطه الثقافي فهو من هذه الناحية اِبن بارّ لبيئته الأصيلة بما تحمله من قيم البداوة الجميلة مواصلا بذلك مسيرة الأديب الكبير محمد المرزوقي الذي يعتبره أيقونته الشخصية ومَثلَه الأعلى .

متابعة قراءة في تكريم الشّاعر نور الدّين بالطيّب

البُرتقالة والسكّين

شُكرًا
سَلِمَتْ يداكِ
أشْتَهي البُرتُقالةَ بأصَابعي
أغرسُ فيها بلطفٍ
ثُمّ أطوفُ بها
أداعبُ الثّنايا والتّلافيفَ
حتّى أصِلَ إلى غِلالتِها البيضاءِ
ثَمّةَ…تَحتَ الشّفيفِ…هُناكَ
الأرضُ في أَوْج الفُصول
قَيْظُ الجنوب ومَطرُ الاِستواءِ
شَمالا..
الينابيعُ التي لم يصلها أحدٌ
ومِنْ شَرق إلى غربٍ
الأسوارُ حولَ المَدائنِ ذواتِ الأبراج أفتحُها
وحدِي
بلا خَيل أو مَدَدٍ
فيَرشَحُ العصيرُ على شَفتِي
يَنِزُّ برحيق الأرضِ
أيتُّها التي كالبرتقالةِ في يدِي
تاجِي، صولجاني، مَمْلكتِي
أنا سَيّدُ الفاتحينْ
عَليكِ السّلامُ
لا حاجةَ لي بالسّكينْ
كفَى ما فعلتْ بي عيناكِ
شُكرا سيّدتي
سَلِمَتْ يداكِ
قَشِّرينِي

على جناحيْ حديد ونار أو عائد من دمشق

على جناحيْ حديد ونار

أو

عائد من دمشق

بقلم سُوف عبيد

ـ 1 ـ


الطائرة نحو بيروت على الساعة الثامنة صباحا ويجب أن أكون في المطار قبل ساعتين على الأقل أي السادسة لذلك قضيت الليلة في دار والدي ـ رحمه الله ـ وسط العاصمة لأكون قريبا من المطار إذ الفصل شتاء والسّحب باتت دكناء والحالة الأمنية لا تبعث على الطمأنينة ممّا يجعل التنقل من ضاحية رادس إلى المطار في ساعة مبكرة غير مضمون فسيارات الأجرة لا تجازف بالجولان في مثل هذه الظروف
و قبل أن ترنّ ساعة الهاتف بادرتُ بالنهوض وعند الخامسة كنت أّودّع زوجتي الحريصة دائما على أدقّ التفاصيل في حلّي وترحالي وأكّدتْ مُوصيةً على تناولل قراص الدواء في مواعيدها ثم دسّت بعنايتها المعهودة اللّمجة والبسكويت وقارورة الماء في حقيبتي الصغيره التي لا تحتوي إلا على نسختين من ديواني وقميصين وربطتيْ عنق وثيابي الداخلية فأنا أحبّ السفر خفيفّ الحِمل لا يُعيق تنقلي و يسهّل إجراءات التسجيل والتفتيش في المطارات والحدود
رذاذٌ على تونس

فجرَ يوم الجمعة الثاني عشر من جانفي سنةَ ثماني عشرة وألفين خرجت من المدينة العتيقة مُسرع الخطى نحو الشارع الكبير فلم ألاحظ الحركة العادية ولا تواتر سيارات الأجرة في مثل هذه الساعة بسبب الاضطرابات السائدة في البلاد التي لم تعرف الاستقرار رغم تعاقب الحكومات ووعود الأحزاب
صباح الخير يا تونس
الخامسةُ والنصف والسيّدةُ التاكسي لم تأت
ماذا أفعل إن فعلَتْها ولم تأت
لا شكّ أن الطائرة لن تنتظرني وسترحل في موعدها

بدأ هاجس الشك ينخرني
ولمحتها صفراء تطل قادمةً تتهادى في ثوبها الأصفر بإشارتها الضوئية الحمراء وهي علامة أنها مُهيأة لي فأشرتُ إليها من بعيد إني هنا يا سيدتي وفي اِنتظارك
صباح الخير
صباح الخير
إلى المطار من فضلك
لم أكن في حاجة أن أرجو من السائق أن يسرع حيث لم أكد أغلق الباب حتى انطلق كالعاديات ضَبحا والمغيرات صُبحا لا يعبأ حتى بالأضواء الحمراء وما رأيت سيارة أمامه إلا تجاوزها حتى وقف عند باب مطار تونس قرطاج
شكرا سيدي
والشكر يجب أن يكون نقدا كي يكون ذا جدوى وإلا أكون كقول الشاعر جَحظة
لي صديق يحبّ قولي وشدوي * وله عند ذاك وجهٌ صفيقُ
إن غنّيتُ قال أحسنتَ زدني * وبأحسنتَ لا يباع الدّقيقُ

ـ 2 ـ

متابعة قراءة على جناحيْ حديد ونار أو عائد من دمشق

الكمنجة

الكمنجة

–إلى زكرياء القُبّي

دخل زكريّاءُ علينا
يدُهُ في يدِها / يدُها في يدِه
على كرسيّ واحدٍ
جلسَا
بلُطف هَدْهَدها على ساعِدهِ
حتّى نامتْ في أحضانهِ
ومن دُون أن يُزعجَ أحلامَها
رُويدًا…راودَها… رويدًا
حتّى نَضَا عنها المعطفَ
فتح أزرارهُ واحدًا واحدًا
تبارك اللّهُ أحسنُ الخالقينَ
إذْ بَراها كأجمل ما تكونْ
في سُمرةِ الأَبنُوس
رقيقةَ الخِصر
ناعسةَ الجُفون
ومِنْ شَوق إليها
هوَى عليها…تقولُ ذبحًا
كالقُبلْ
فَمِن الحُبّ ما قَتلْ
كدْنا مِنَ الأشواق نفيضْ
وزكرياءُ يُرفرفُ
على أجنحةِ حمائمِهِ البِيضْ…

*الحمائمُ البِيضُ ـ فرقةٌ موسيقيّة تأسّست سنة1984 وقد غنّت بعض قصائدالشّاعر

من الكسكروت بالهريسة والتُنّ….إلى فندق الخمس نجوم

من الكسكروت بالهريسة والتُنّ….إلى فندق الخمس نجوم
——————
عندما حضرتُ المؤتمر الأول وأنا عضو جديد باتحاد الكُتّاب التونسين سنة 1980 ـ في ما أذكر ـ كنا حوالي ثمانين عضوا وطالبنا وقتها الهيئة الجديدة أن تعمل على إصدار مجلة خاصة بالاتحاد وكان مقر الاتحاد مكتبا صغيرا في دار الثقافة بباب العسل…مرت السنوات والهيئات ودخل الاتحاد من دخل وغادره من غادر و تمكن من إصدار المجلة والحصول على مقر في قلب العاصمة وإنشاء الفروع واستضافة المؤتمر العام للأدباء العرب وإصدار أنطولوحيات مترجمة إلى الفرنسية في الشعر والقصة والمسرح والنقد والقيام بعشرات الندوات والملتقيات بالإضافة إلى نشاط النوادي والوفود والمشاركة في عديد اللجان الخاصة بالكتاب والأدب والسينما وقد واكب تاريخ تونس المعاصر مثل ما عاصرته بقية الجمعيات والمنظمات مدا وجزرا ومثل ما عاصرت الاتحادات والرابطات الأدبية في بقية الأقطار العربية وفي البلدان الاشتراكية لكنه كان أكثر منها تحررا وأقل تماهيا مع الأنظمة فقد كان اتحاد الكتاب التونسيين في بعض فتراته يضم في هيآته المديرة أطيافا فكرية وسياسية مختلفة بل وحتى بعض ممثلي الحركات المعارضة ومن مدارس أدبية وفنية متعددة وكان أعضاؤه من شتى الفئات الاجتماعية والمستويات التعليمية مما جعله ممثلا بوضوح لجميع ألوان الأقلام التونسية وكانت جميع هيآته منتخبة انتخابا ديموقراطيا وقد أفسح مجال نشاطه لكثير من الكفاءات الأدبية والفكرية بالرغم أنها ليست من أعضائه بل وقد رشح البعض منها لنيل الجوائز وطنيا وعربيا وعالميا .
أما اليوم فعليه أن يواصل المسيرة من أجل الرفع من شأن الكتاب والأدب التونسي ومن منزلة الكاتب ولا يكون ذلك إلا بالبرامج المدروسة وبروح الحوار والصمود والتحدي مع الإصرار على تحقيق الأحلام….

متابعة قراءة من الكسكروت بالهريسة والتُنّ….إلى فندق الخمس نجوم