ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين الغفاري وغيفارا *
ليس الجناس اللغوي هو الذي يجمع بينهما فحسب وإنما هما من بقايا ذكريات الجيل الذي انبلج فجر وعيه على واقعة سنة 1967… ثلاثون سنة مرت عجافاً على تلك النكبة كأنها ما تزال الآن …وهنا…
حينذاك كنا في أول ريعان الشباب نحلم بأن تكون الدنيا أجمل، نحلم بالنصر للمناضلين وبالرفاهة للكدّاحين، نحلم بالزرع في الحقول وبالمعرفة في العقول، نحلم بالمصانع ترتفع مثل الصوامع… نحلم بالسلام والمحبة والرخاء..!
يا زمان الأحلام في سنوات الستين من القرن العشرين!
إن نكسة جوان 1967 ظلت الصدمة التي فجرت الوعي، فعندما نزلت أخبَار الهزيمة علينا كالصاعقة مادت الأرض تحت أقدامنا كأنها زلزلت زلزالها، فتهدمت الأهرامات وفاض النيل واندكت سلاسل الأطلس وجف البحر الأحمر ونضبت ضفاف دجلة والفرات فقد احتلت القدس وسيناء والجولان في أيام معدودات !
حسبنا أننا سنرميهم في البحر فوجدنا أنفسنا نغرق في السراب..
أفقنا من أحلامنا مذعورين… فتحنا أعيننا على الهزيمة فكبرت الجراح فينا… …تساءلنا…شككنا في ما كنا نحسبه يقينا وخرجنا عن المقولات القديمة في أشياء عديدة إن لم أقل في كل الأشياء… فقد طرحنا الأسئلة الحارقة… من نحن؟ وماذا نريد؟ وكيف السبيل؟
في أواخر ستينيات القرن العشرين كانت مراجعنا واضحة من الماضي كنا نرى في أبي ذر الغفاري مثال الشخصية الثورية التي تصدت للسلطة وللمال… ومن الحاضر كنا نرى في كفاح تشي جيفارا رمز النضال ضد الإمبريالية والاستعمار، وكان السؤال الخطير الذي طرحناه في ذلك الوقت : كيف يمكن لنا أن نؤلف ونوحد بين الرمزين ؟
ليس بالغفاري وغيفارا وحدهما تأثر ذلك الجيل، بل يضاف إليهما الحلاج وأبو نواس وكذلك ناظم حكمت ولوركا والبياتي وأدونيس وغيرهم !
في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات بدأ الجيل الذي تعلم في مدارس الاستقلال يعبر عن نفسه بالطموح في كتابة نص تونسي يقف بثبات وشموخ أمام النصوص الأدبية الوافدة عليه من الشرق ومن أوروبا أيضا، ذلك الجيل الجديد كان يؤمن بأن تونس هي منطلق إبداعاتهم دون التماهي والتبعية لأي جهة أخرى مهما كانت وعلى كل المستويات فانبرى ذلك الجيل الجديد باحثا يخوض تعبيرات جديدة في الشعر وفي القصة والمسرح وفي الرسم وفي الموسيقى وفي السينما أيضاً كأنه يسلك بين الجبال والشعاب مسالك جديدة…
بعد ثلاثين عاماً من جيل جيفارا ومن نكسة جوان 1967 ما زال ذلك الجيل يواصل الإبداع والإشعاع رغم كل الإحباطات وكل الأزمات، لأنه يرى أنه في الإمكان أحسن مما كان وأن تونس قادرة على الإشعاع…!
* من كتاباتي ومنشوراتي سنة 19
————+————————–
أضحى اِسم سونيا عبد اللطيف اِسمًا حاضرا في مختلف المناسبات ضمن المشهد الأدبي بتونس فقد أطلّ منذ سنوات قليلة بمجموعة شعرية بعنوان ـ اِمرأة اِستثنائية ـ تضمنّت باكورة قصائدها المتوهّجة بصدق المعاناة في أشكال شعرية تنتمي إلى حركة الشعر الجديد بما فيها من بحث عن الطرافة والاِبتكار مستفيدة من منجزات السابقين ومطوّرةً في بعض قصائدها من أسلوب الومضة ومستعملةً أحيانا فنون السرد والمسرح بما فيها من حبكة وحوار وتشويق ثم عزّزت هذه المجموعة بمجموعة ثانية ـ بجناح واحد أطير ـ جاءت على غير نسق قصائدها الأولى ممّا يؤكّد أنها أخذت المسألة الشعرية مأخذ الجدّ لتمضي في دربها إلى الأبعاد وتتجاوز عتبات البداية وولَع الهواية
ــ 2 ــ
اِنتظرنا إذن ديوانها الثالث لكنها فاجأتنا بكتاب ـ ميتروهات وهدرات ـ وهو نصوص تسجيلات يومية تتحدث فيها عن وقائع الحياة في عديد مواقفها وتفاعلاتها مبدية ملاحظاتها إذ أنها تتنقل كل يوم تقريبا على متن الميترُو فجاء كتابا طريفا يعايش الواقع في تونس ولم يَخْلُ من نقد اِجتماعي واضح وبرغم بعض الشّجون من خلال ظلال من السيرة الذاتية فإنه يُعتبر كتابَ شهادة عن واقع بما فيه من معاناة وصدق.
وإضافة إلى هذا النشر المتواصل على مدى سنوات متوالية كانت تُشرف الشاعرة والأديبة سونيا عبد اللطيف على نادي الشعر وعلى نادي الأدب بعده في جمعية اِبن عرفة وقد أشرفت كذلك على بعض الأندية في اِتحاد الكتّاب التونسيين وفي دار الثقافة السليمانية وفي مدينتها قليية حيث أسّست فيها ـ مجالس همس الموج ـ واِستقبلت في رحابه عديد الأدباء والأديبات ومختلف المبدعين من تونس ومن المغرب العربي والمشرق العربي وجعلته ينتقل أحيانا من فضاء إلى آخر فاِكتسبت الأديبة والشاعرة سونيا عبد اللطيف يفضل هذا الدأب في النشاط والنشر والمشاركات العديد في الأمسيات الأدبية والمهرجانات مصداقية أدبية جعلتها تحظى بالإشعاع والتقدير والدعوات سواء داخل تونس أو خارجها في كثير من البلدان مثل الجزائر والمغرب ومصر والأردن والعراق وفرنسا وإنقلترا وغيرها فلا عجب إذن أن تُرجمت نصوصها الشعرية إلى اللغة الإنقليزية في أكثر من مناسبة وفي أكثر من كتاب خاصّ ومُشترَك أيضا.
ــ 3 ــ
ما كادت سنة 2023 تدخل في شهرها الأخير حتى أطل الديوان الثالث بعنوان ـ وجهي… والرّياح ـ ويضمّ نحو خمسين نصّا شعريّا متنوعة المعاني والمباني التي لا يمكن إجمال القول فيها إلا بعد قراءتها واحدًا واحدا فكل نص هو حالة بذاتها وقد نجد تشابها بين نص ونص آخر وتختلف كثير من النصوص في أسلوبها عن بعضها البعض لذلك لا يُجدي التعميم لأنه يفضي إلى التعتيم فلأجل إيلاء هذه المجموعة الشعرية ما هي جديرة به من الاِهتمام نقترح قراءة كل نص بتمعّن وتدبّر حتى نتجنب النظرة السطحية البانورامية لذلك سنقف في هذه المناسبة عند بعض العلامات الدّالة باِعتبارها شواهدَ وعيّنات فحسب فقد قيل قديما ـ يكفي القلادةَ ما أحاط بالعنق وقيل أيضا ـ ما لا يُدرك كلُّه يُؤخذ جُلّه.
ــ 4 ــ
تبدأ قراءة هذه المجموعة الشعرية من حامل القصائد وهو كتاب في طبعة جيّدة وفي نحو مائة وخمسين صفحة من القطاع المتوسط بعنوان ـ وجهي… والرّياح ـ
تبدأ قراءة هذه المجموعة الشعرية من أوّل ما يبدو من الكتاب أي ـ الغلاف ـ وفيه وجه اِمرأة قد حَجبت ملامحَه أو تكاد خصلاتُ شَعرها المتطاير فلم يظهر منه إلا بعض من الجبين والوجنتين والشفتين.
ونرى خلف الوجه والخصلات فضاءً مفتوحًا على أرض وسماء وفي هذا الفضاء الذي يبدو مدًى فوق مدًى نقرأ العنوان وتحته بيان النوع الأدبي بين قوسين كلمة ـ شعر ـ وهذا التنصيص على كلمة ـ شِعر ـ هو بمثابة العتبة الأولى التي يدخل القارئ منها إلى هذه النصوص لكأنه ـ عقدُ اِتفاق قراءة ـ حول نوع المقرُوء يُهيّء إلى كَوْنٍ شعري دون سواه من عوالم القراءة الأخرى.
العنوان ورد في كلمتين على سطرين متوازيين والكلمتان يفصل بينهما فراغ وثلاث نقط وكذلك واو
النّقط الثّلاثُ لها معنى ولا شكّ
وهذه الواو ماذا تُفيد ؟
وجهي…والرّياح
يمكن للواو أن تَتْبع ما سبق من معاني النّقط المخفية
يمكن أيضا أن تعود إلى وجهي فتكون واو عطف؟
ويمكن أن لا تكون بينها وبين كلمة وجهي أية صلة باِعتبار أن فصلا بينهما وأنها مكتوبة في سطر وحدها
ــ 5 ــ
للواو في العربية أسماء عديدة وتختلف بِاِختلاف معانيها وإشاراتها في سياق الكلام من بينها نذكر خاصة ـ واو العطف ـ واو الحال ـ واو المعيّة ـ واو الاِستئناف ـ واو رُبّ ـ واو الجماعة ـ واو الأسماء الخمسة ـ واو القسم ـ واو الثمانية ـ
أمّا هذه الواو في عنوان ـ وجهي…والرّياح ـ فهي غير الواوات السابقة لأننا نستشف منها غير معنى الحال ولا معنى العطف أو المعيّة ناهيك عن معنى القسم وغيره وإنّما تفيد معنى المقابلة والمواجهة كقول المتنبي ـ ذَراني والفلاةَ ـ وكذلك ـ ووجهي والهجيرَ ـ في بيته
ذَراني والفلاةَ بلا دليل * ووجهي والهجيرَ بلا لثام
هذه المقابلة والمواجهة وحتى التحدّي نجدها في غضون بعض القصائد وخاصة في القصيدة التي تحمل عنوان ـ لك أيّتها الرّيح ـ حيث تخاطبها في نبرة التحدّي وحتى اللامبالاة قائلة لك أن تمزّقي أشرعتي وأوردتي ـ وأن تفتّتي شراييني ـ وأن تسلّط عليها الأمواج فتعلو وتُزبد ـ وأن تكسّر أضلعها ـ وأن تلقي بها في اليابان والصّين ـ وحتى في أحد القطبين. رغم كل هذه التحدّيات العديدة والمهولة فإن الشاعرة ظلت ثابة متماسكة في شموخ وكبرياء وأنفة بل تقابل بالمحبة والصفاء والعطاء قائلة
أنا سنبلة المواسم في كل المراسيم
حبوبي منثورة
بآلاف الملايين
لي زهرات الآس
والقرنفل
والفل
والياسمين لك أيتها الريح
الفصل والقضاء
وأنا الصبر
والحب والعطاء ـ ص و120
ــ 6 ــ
للشاعرة سونيا عبد اللطيف مع الريح حكايات شجون وأسرار خفيّة لا يمكن كشفها لكنّها رشحت في هذا الديوان من بعض القصائد مثل قولها في ـ قصيدة الأسرار ـ.
أنا لا أثق في الرّياح
ولا أستهوي نسيج النواحي
….لكنما الرياح
منذ الخلق تصفعني…تتقاذفني
كانت عن الغواصة أسراري
وزدت في الإصرار
إذ رشقتني من كل الجوانب
حجارة الصوان
وحدي أناجيني مع أسراي
والشّمس أذرو أشعاري
أنشودة الرياح
أنشودة الرياح ـ ص60
***
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من ذكريات الزمن الجميل ـ العشاء الفاخر ـ
ـ 1 ـ
من الطرائف التي عشتها مع أصدقائي الشعراء في أجواء حميمية وإنسانية ظلت راسبة تبعث البهجة والحنين في ذاكرتي رغم ما كان فيها من مواقف صعبة أو محرجة أحيانا لا بأس أن أحدثكم عن الأمسية الشعرية التي برمجها لنا سنة 1974 أحد أصدقائنا من الشعراء الأعضاء بنادي الشعر بدار الثقافة اِبن خلدون والذي كان يدرُس معنا بكلية الآداب بتونس فاِقترح علينا أن ينتقل نادي الشعر إلى دار الثقافة بنابل لنقيم بها أمسية شعرية بناء على دعوة اِتصل بها من مديرها فكان هذا الاقتراح من صديقنا تحوّلا تاريخيا في نشاطنا الأدبي الذي كنا نطمح أن يكون مشعا خارج العاصمة حتى نلتقي بجمهور الشباب وغيرهم من الذين لا تصل إليهم قصائدنا خاصة في المناطق النائية فكان تنظيم تلك الأمسية أوّل خروج لنا من العاصمة لنقرأ نصوصنا أبعد من أبواب مدينة تونس وقد تكفّل صديقنا الشاعر بتنظيم جميع التفاصيل كيف لا ! وهو اِبن ولاية نابل وصاحب العلاقات الوثيقة بالصحف النّافذة وصاحب الكلمة المسموعة لدى الدوائر الإعلامية وقتذاك لذلك اِنفتحت لنا أبواب أمانينا على مصراعيها ورفرفت بنا أحلامنا الوردية خاصة وصديقنا أكّد أنّنا سنحظى باِستقبال بهيج من ممثلي السلطة الجهوية وقد طمأننا أنه إذا اِمتد الوقت المخصص للقراءات فلا بأس علينا ولا نحن نحزن لأنّ العشاء سيكون بأحد الفنادق الفاخرة في الولاية بل حتى المبيت سيكون متوفّرا لمن أراد ذلك..
ـ 2 ـ
لا تَسَلْ عن فرحتنا بتلك الأماني خاصة أن أسماءنا صارت مقروءة في الجرائد والمجلات الثقافية مثل مجلة الفكر وجريدة الصباح والملحق الثقافي لجريدة ـ العمل ـ وغيرها وصارت نصوصنا وحتى صورنا إلى جانب الأدباء الأكبر منا سنّا ومسيرةً وقد بدأ الأصدقاء في اِستعراض قائمة أصناف الأطعمة الفاخرة مع المشروبات المتنوعة فكنا إذا جلسنا في مقهى ـ لونيفار ـ في شارع بورقيبة أو في مقهى الأندلس قرب جامع الزيتونة عنه لا يكون الحديث بيننا إلا حول الرّحلة الموعودة والأمسية المرجوّة والعشاء بما لذّ وطاب والمبيت في فندق الرّفاه وعندما قرب موعد الاِنطلاق بيوم أو يومين زفّ لنا صديقنا خبرا مهمّا فقد أكّد لنا أن حافلة خاصة ستأتي من نابل وتنقلنا إلى دار الثقافة هناك وضرب لنا موعدا فعَدّلنا كلّ مواقيتنا على الواحدة بعد الزّوال من يوم الجمعة القادم أمام دار الثقافة ابن خلدون
ـ 3 ـ
كان اليوم ربيعيا باذخا وقبل الواحدة اِجتمعنا أمام دار الثقافة في اِنتظار قدوم الحافلة السياحية الخاصة غير أنّ صديقنا مهندس الرّحلة وقائدها لم يحضر وقد قاربت الواحدة فقلنا لعله منشغل بأمر تنظيمي طارئ وعندما فاتت الواحدة بربع ساعة ولم يأت ولم تأت الحافلة كمثل صاحبة الشاعر الحبيب الزناد التي كان ينتظرها و ـ لم تأت ـ في قصيدته ـ المجزوم بلم ـ غير أن صاحبنا خالفها وأتى وقد بدا وجهُه مكفهرّا وسرعان ما حلّقنا به مستفسرين فأخبرنا أن الحافلة مازالت في المستودع وحتى إن أتت فستصل متأخرة لذلك لابدّ أن نعجّل بالذّهاب خاصة وأن محطة القطار قريبة وسينطلق بعد نصف ساعة ولست أذكر كيف تدبّرنا أمر ثمن التذاكر بالتعاون مع بعضنا ونحن نمنّي أنفسنا بالأمسية الشعرية التي ستكون إنجازا تاريخيا لنادينا الحديث النّشأة ولم نشعر بمدة السّفرة لأننا انشغلنا بقراءة نصوص قصائدنا ومراجعتها حينا وأحيانا بتعداد أصناف المآكل التي تنتظرنا بعد الأمسية في الفندق ذي الخمس نجوم أو الأربع على الأقل وما زاد في تأكيد يقيننا أن صديقنا قائد الرحلة ومنسّق الأمسية بدا على ثقة تامة من إنجاز ما وعده لنا ومازلت أتذكّر كيف أنّ أحد الأصدقاء الشعراء توعّده بأن يلقي به في سكة الحديد أو الطريق عند العودة إذا لم نجد في نابل ما حدّثنا به
توقّف القطار في نابل وهي آخر محطّاته
نزلنا
بقينا برهة ننتظر لعل أحدًا يستقبلنا ويرحّب بنا
غادرجميع المسافرون المحطة
لم يبق إلا نحن
وقفنا
وكما يقول المثل التونسي ـ وقف الزّقاق بالهارب
ـ 4 ـ
وَجَمَ صديقنا وظلّ برهة لم ينبس بحرف ثم قال سأنطلق إلى دار الثقافة وأعود بسرعة فهي قريبة عند ذاك اِنفجر البعض غضبا واِنفجر البعض ضحكا أما أنا فقصدت لوحة مواعيد سفر القطارات العائدة إلى تونس
وبعد وقت طويل ثقيل لاح صديقنا قادما يجر أذيال الخيبة وبحزن كبير أعلمنا أنه وجد أبواب دار الثقافة مغلقة ولا حياة لمن دقّ عليه أو نادى …
كنا شبابا لم تتجاوز وقتها العشرين إلا بسنة أوسنتين عشقنا الأدب والشّعر وعزمنا أن نكون إضافة لحركة الطليعة في تونس تلك التي ظهرت في أواخر ستينيات القرن العشرين وكانت ضمن رجّة شاملة في المجتمع وهزّت بوضوح أكثر تعبيرات المسرح والموسيقى والرّسم والقصة والشعر طبعا
وأعود بالحديث عن تلك الأمسية فقد أعلمنا صديقنا أنه اِتفق مع مدير دار الثقافة على جميع ما وعدنا به لكن يبدو أن قرار التنفيذ لم يكن بيده وسُحب من تحته البساط ربما لأننا شعراء غير مرغوب في سماع قصائدهم ذات المواضيع الملتزمة بالقضايا السياسية والاِجتماعية ولسنا من الأسماء الأدبية الموالية أو المؤلّفَة قلوبهم أو ربّما أيضا لعدم التنسيق الدقيق
والخلاصة أننا عُدنا كما يقول المثل بخُفّي حُنين أو بيد فارغة والأخرى لاشيء فيها
ـ 5 ـ
تحيّةُ وفاء لذلك الجيل الذي عشت في أحضانه بتجاربي الأولى في الكتابة والنّشر والنشاط الثقافي وأذكر خاصة من الذين رافقتهم في هذه الرحلة الشاعرين مختار اللغماني وعبد الحميد خريف رحمهما الله
وتحية مودّة إلى صديقنا الشاعر محمد أحمد القابسي الذي كان من أبرز الشعراء المجدّدين في سبعينيات القرن العشرين وقد كان المنسّق الرئيسي لنادي الشّعر في فترته الأولى لكن صديقنا محمد أحمد القابسي اِنقطع تواصله مع الشّعر منذ سنوات طويلة فأرجو أن يعود إلى النشر والنشاط ويا ليته ينظّم لنا أمسية أخرى إن أمكنه ذلك وسيكون النقل والعشاء والمبيت على حسابنا طبعا !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة الحياة الثقافية التونسية
يمكن أن نحدد بداية الأدب التونسي الحديث بصدور جريدة الرائد التونسي سنة 1860م ثمّ بصدور مجلة السعادة العظمى لصاحبها الشيخ محمد الخضر حسين سنة 1904م وبصدور هذه المجلة أضحى الأدب التونسي مسايرا وملازما لظهور بقية المجلات اللاحقة التي صارت خاملة لبصمات الأدب التونسي المعاصر والمعبّرة عن مختلف منعطفاته مثل – مجلة العالم الأدبي – لصاحبها زين العابدين السنوسي التي برزت في المشهد الثقافي على مدى السنوات الأولى من ثلاثينيات القرن العشرين وقد ظهرت على صفحاتها أسماء جديدة ستكون راسخة في المشهد الأدبي الحديد ومن بعدها ظهرت مجلة _ المباحث _ قبيل الحرب العالمية الثانية لصاحبها محمد البشروش لكنها لم تعمر طويلا بسب اندلاع الحرب ووفاته أيضا فتجدد صدورها بعده على يد محمود المسعدي سنة 1944 فظهرت على صفحاتها كوكبة من الأدباء المتأصلين في الثقافة التونسية والمتفتحين على الثقافة الفرنسية ومن بعدها ظهرت مجلة – الثريا – وفي منتصف الخمسينيات أنشأ محمد مزالي مجلة – الفكر – التي استطاعت بفضل تواتر صدورها سنوات طويلة أن تكون المرآة العاكسة لمختلف التعبيرات الأدبية في تونس بعد الاستقلال لأنها جمعت أغلب الأقلام شعرا وقصة ونقدا جيلا بعد جيل ثم في مطلع الستينيات من القرن العشرين صدرت عن كلية الآداب بتونس مجلة – الحوليات التونسية – التي تنشر المقالات المعمقة ثم ظهرت إثرها مجلة – قصص – المختصة في نشر القصة القصيرة وقد أصدرها نادي القصة برئاسة محمد العروسي المطوي وفي آخر الستينيات ظهرت مجلة – ثقافة – ببادرة من سمير العيادي عن دار الثقافة ابن خلدون لكنها لم تصدر إلا أعدادا قليلة وفي منتصف سنوات السبعين من القرن العشرين تولى محمود المسعدي وزارة الثقافة ومن أهم إنجازاتها وقتذاك إصدار مجلة الحياة الثقافية سنة 1975 فكانت حدثا ثقافيا بارزا لدى الأدباء وغيرهم من الباحثين والجامعيين وكل الذين لم تجد نصوصهم المجال فسيحا للنشر بالقدر المرضي لأسباب عديدة في مجلتي – الفكر – و قصص – وغيرهما حيث أن فرص النشر وإمكانياته كانت قليلة وغير يسيرة خاصة بالنسبة للأقلام الشابة والجديدة التي تخالف السائد والتي لا تساير التوجهات العامة لسياسة الدولة وحتى إن تمكنت من نشر بعض نصوصها المارقة شكلا أو ومضمونا فهو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة وقد استبشرنا بصدور هذه المجلة بالرغم أنها برعاية الدولة لأن المسؤول الأول عليها هو الوزير المثقف والمبدع محمود المسعدي وقد رأينا أنها ستنافس مجلتي الفكر وقصص وستجد فيها الأقلام الفضاء الذي لم يجدوه في تينك المجلتين على جلال منزلتهما عندهم .
لا أتذكر كيف تناهى إلى علمي أن وزارة الثقافة حينذاك دعت مختلف الأقلام إلى مد المجلة بنصوصهم فكنت من الذين لبوا الدعوة وكم ابتهجت عندما قرأت قصيدتي بعنوان – الكف – ضمن العدد الأول مع الشعراء الميداني بن صالح ومحي الدين خريف ومحمد الحبيب الزناد ومازلت أتذكر أن هذا العدد قد نشر كذلك دراسة عن اللغة العربية لهشام بوقمرة ومقالة عن مراحل الأدب العربي في تونس لمحمد العروسي المطوي وبحثا عن الموسيقى لصالح المهدي أما في القصة فأتذكر منها قصصا لرضوان الكوني وعمر بن سالم ويحي محمد .
لقد كان العدد الأول من مجلة الحياة الثقافية في تونس إضافة متميزة ومنبرا ثقافيا آخر يعرف بما تزخر به البلاد من مواهب في مختلف الفنون فقد وجد الفن التشكيلي هو أيضا صفحات من المجلة تواكب المعارض وتعرف بمسيرة أعلامه كما اشتملت المجلة على المقالات الفكرية والتاريخية والاجتماعية وحتى على الترجمات وغيرها وهذا ما جعلها مجلة ثقافية متنوعة وفتحت صفحاتها لكثير من الأقلام العربية مشرقا ومغربا وصارت مقروءة وقد وصل توزيعها إلى الجزائر والمغرب في بعض السنوات .
بعد مسيرة خمسين سنة لابد لهذه المجلة أن تكون لها إدارة خاصة تعتني بجمع المواد وقراءتها وترتيبها في الأعداد القادمة وتشرف على طباعتها وحسن توزيعها وتسهر على خلاص مكافآت الكاتبين فيه فهذا التنظيم الإداري بات ضروريا كي لا تتحول مجلة الحياة الثقافية إلى نشرية داخلية محدودة الانتشار
وبهذه المناسبة لابد من تحية إكبار ووفاء لكل من ساهم في بعثها وعمل على إصدارها والكتابة فيها وكذلك لكل قرائها ومتابعيها وتحية مساندة واعتزاز لمن يواصلون مسيرة هذه المجلة – مجلة الحياة الثقافية –
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جمعية ابن عرفة الثقافية
تأسّست – جمعية ابن عرفة الثقافية – سنة 1946 وكان اِسمها جمعية – شباب ابن عرفة بغمراسن …ثم وعلى إثر الحرب العالمية الثانية انتقلت إلى العاصمة بالمدرسة السليمانية بهدف إعانة الطلبة والتلاميذ المقيمين بها بعد أن تشتتوا بسبب الحرب وتعرض العاصمة للقصف والاحتلال من طرف مختلف الجيوش فرجعوا إلى ديارهم.
وتنادى الوطنيون وقتذاك من مختلف جهات البلاد إلى تأسيس الجمعيات الاجتماعية والثقافية للإحاطة بالتلاميذ والطلبة ودعمهم ومن بين تلك الجمعيات- جمعية ابن عرفة الثقافية التي احتضنت ودعمت العشرات من طلبة وتلاميذ تلك الفترة وقد أوتهم غرف المدرسة السليمانية حتى نُسبت إليها.
وقد حاضر على منبرها أفذاذ الشيوخ والأدباء مثل الشيخ محمد الفاضل بن عاشور والأديب العربي الكبادي والشعراء محمد المرزوقي ومنور صمادح والحبيب المستاوي وغيرهم.
بعد الاستقلال وبداية الستينات اهتمت الدولة التونسيّة الناشئة بالتعليم في مختلف مراحله وشؤونه فتقلّص دور تلك الجمعيات .
في سنة 1976 أعاد تحيينها القانوني وتجديدها جمع من المثقفين خاصة من قدامى الجمعية وأبناء المؤسسين فبرز نشاطها وانتشر إشعاعها ووجهوا نشاطها إلى المجال الثقافي خاصة من ذلك أنها ساهمت في تنظيم مشروع الملتقيات الثقافية الذي اعتمدته وزارة الثقافة على مدى سنوات السبعينيات وأوائل الثمانينيات والذي شمل عديد الولايات على غرار ملتقى ابن رشيق في القيروان وملتقى ابن منظور في قفصة وغيرهما فاِختصت الجمعية بتنظيم ملتقى ابن عرفة أكثر من عشر دورات في ولايتي تطاوين ومدنين حول مواضيع حضارية وتنموية وساهم فيها نخبة من المختصين وكان ذلك بإشراف اللجنة الثقافية الوطنية وقد منحتها وزارة الثقافة لغزارة نشاطها مقرا في حي الشباب بشارع محمد الخامس بالعاصمة وهو في الأصل فضاء شاسع لمعرض تونس الدولي فنشطت به الجمعية في مقرها المستقل مثل بقية الجمعيات الثقافية والشبابية هناك.
بعد ترميم – المدرسة السليمانية – بالمدينة العتيقة سنة 1985جعلتها وزارة الثقافة خاصة بالجمعيات الثقافية والجمعيات الطبية مثل جمعية أخصائِيِي الأشعة وجمعية أخصائيي التغذية وغيرهما وصار اسم المدرسة السليمانية – دار الجمعيات الطبيّة –
وعينت لها مديرة قديرة هي السيدة صلوحة الإنوبلي نذكرها بكل خير فنشطت بها تلك الجمعيات وأقامت فيها حتى المعارض والندوات المختصة من بينها معرض الأدوات الجراحية عبر التاريخ.
وقد خصّصت وزارة الثقافة لــ “جمعية ابن عرفة الثقافية” الطابق العلوي فصارت تنشط فيه إلى اليوم ضمن أنديتها ومكتبتها وندواتها وملتقياتها ومؤتمراتها وفتحت الرواق العلوي للفنانين التشكيليين لعرض أعمالهم وجعلت قاعته الصغيرة لتعليم أعضائها وروادها الكتابة على الحاسوب .
في السنوات الأخيرة أحدثت وزارة الثقافة في دار الجمعيات الطبية بالمدرسة السليمانية دار ثقافة جديدة تسمّى “دار الثقافة بالسليمانية” وظلت جمعية ابن عرفة الثقافية تواصل نشاطها من خلال أنديتها ومكتبتها المفتوحة للأدباء والباحثين وبالتالي فليس لجمعية ابن عرفة الثقافية أي صلة إدارية بدار الثقافة إلا صلة الجوار والتعاون في إنجاز بعض التظاهرات الثقافية أحيانا حرصا منها على دعم الثقافة الوطنية.
إن جمعية ابن عرفة الثقافية تمثل علامة راسخة ضمن الذاكرة الوطنية وتعتبر أن مرجع نظرها القانوني والإداري هو رئاسة الحكومة ومرجع نظرها الثقافي هو وزارة الشؤون الثقافية مباشرة.
وجيلا بعد جيل ومن أجل ثقافة تونسية المنطلق إنسانية الأفق تواصل جمعية ابن عرفة الثقافية دربها بعزم وثبات وهي تستعد للاحتفاء بالذكرى الثمانين لتأسيسها فتحية شكر وتقدير لكل من ساهم في مسيرتها وإعلاء شأنها .
ـــــ محضر جلسة الهيأة المديرة لجمعية ابن عرفة الثقافية ـــــ
اجتمعت الهيأة المديرة لجمعية ابن عرفة الثقافية صباح الإثنين 3 أوت 2026 برئاسة الأستاذ حسن المطيع وأعضائها السادة محمد القماطي ورشيد بن جوهرة وعبد العزيز بن عبد الله وسُوف عبيد للنظر في مراسلة مديرة منه دار الثقافة بالسليمانية إلى الجمعية وقد طلبت فيها نقلة الجمعية من المقر الحالي في الطابق العلوي وتعويضه بمقر آخر في الطابق الأرضي .
* بعد تداول مختلف الآراء في الموضوع وتداعياته على تاريخ الجمعية ومستقبلها وتحملا لمسؤولية أمانة الجمعية التي تُعتبر من أقدم الجمعيات في تونس وفي البلدان العربية قررت الهيأة المديرة ما يلي :
* التأكيد على أن الجمعية مستقلة إداريا وقانونيا وبالتالي لا علاقة لها بدار الثقافة بالسليمانية إلا علاقة حسن الجوار مع العلم أن الجمعية سابقة في الاستقرار بالمدرسة السليمانية منذ 1946 وكانت وماتزال علامة مضيئة في الحياة الثقافية جيلا بعد جيل .
* التمسك بالمقر الحالي مع العلم أن كامل الطابق العلوي هو في الأصل من مشمولات الجمعية وقد خصصته لمؤتمراتها الدورية وللندوات ولمعارض الفنون التشكيلية وغيرها وقد سمحت لدار الثقافة بالنشاط فيه تدعيما منها للثقافة الوطنية الشاملة لجميع الأطراف ووضعت على ذمتها أحيانا قاعة مكتبتها للقيام ببعض أنشطتها
* إذا طلبت منا الوزارة بصفة رسمية – ومباشرة – الانتقال من مقرنا الحالي فمن المفروض أن تعوضه بمقر يكون مناسبا ومرضيا ومُهيأ بحيث يتسع لأنشطة الجمعية ومكتبتها وأنديتها ومشمولاتها .
* يكون الاتفاق مكتوبا ومصادقا عليه من سلطة الإشراف في الوزارة .
* رئيس الجمعية الأستاذ حسن المطيع هو الممثل للجمعية عند التفاوض والاتفاق .
* السيد رشيد بن جوهرة عضو الهيأة المديرة هو المكلف بالتنسيق مع إدارة دار الثقافة إذا تطلب الأمر ذلك .
* تواصل الجمعية نشاطها في مقرها الحالي وتستعد للاحتفال بالذكرى الثمانين لتأسييها
* الشكر والتقدير لكل من ساندنا من أجل أن تواصل جمعية ابن عرفة رسالتها الثقافية التونسية المنطلق والإنسانية الأفق .
الكاتب العام ـ سُوف عبيد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الماء في الشعر الجاهلي
بين كلمة (ماء) وكلمة (أمّ) صلة القربى فإذا كانت الأمّ مصدر الإنسان فإن الماء أصل الحياة وهما زاد اللغة العربية ثراء في معجمها بالنسبة لهذه الكلمة أنها نشأت وانتشرت وسادت في أصقاع هي من أشد الأقاليم حاجة إلى الماء بل إن الحضارة الإنسانية ظهرت حول الينابيع والانهار الدافقة التي على ضفافها عرف الإنسان الفلاحة والثقافة فانبثقت الحضارات الأولى بين دجلة والفرات والنيل حتى عمّت العالم عبر العصور وعبر الأودية والسواحل أيضا.
حفلت اللغة العربية اذن بالماء ووجدت له كلمات لا تحصى ولا تعدّ بحسب خروجه وسيلانه وبحسب نوعه واستعماله وبحسب وجوده ومشتقاته حيث أورد الثعالبي في كتابه فقه اللغة أن الماء إذا كان من السحاب فقد سحّ وإذا كان من الينبوع نبع ومن الحجر انبجس ومن النهر فاض ومن السقف وكف ومن القرية سرب ومن الاناء رشح ومن العين انسكب واذا كان الماء دائما لا ينقطع ولا ينزح في عين أو بئر فهو عدّ فإذا حرّك منه جانب لم يضطرب جانب آخر فهو كرّ فإذا كان كثيرا عذبا فهو غدق، فإذا كان مغرقا فهو غمرا فإذا كان تحت الأرض فهو غور، فإذا كان جاريا فهو غيل، فإذا كان سبل المنال والاستعمال فهو سيح، فإذا كان ظاهرا جاريا فهو معين، فإذا كان جاريا بين الأشجار فهو غلل، فإذا كان إلى العكبين فهو ضحضاح فإذا كان قريب للقعر فهو ضحل فإذا كان قليلا فهو ضهل فإذا كان خالصا يخالطه شيء فهو قراج فإذا خاضته الدواب فهو طرق، فإذا تغير فهو سجس فإذا تغيّر من حيث الرائحة فهو آجن، فإذا كان حارا فهو سخن، فإذا اشتدت حرارته فهو حميم ، فإذا كان بين البارد والحار فهو فاتر، فإذا كان مرّا فهو قعاع فإذا كان شديد الملوحة فهو حراق ، فإذا كان مرّا ومالحا فهو اجاج فإذا كان يشرب فهو شريب فإذا كان لا يشرب إلا على ضرورة فهو شروب والماء العذب فرات.
فإذا زادت عذوبته فهو نقاخ فإذا جمع الصفاء والعذوبة فهو زلال.
وقد فصلت اللغة القول تفصيلا في ذكر الأنهار والأودية والجداول والآبار والأحواض والأمطار بحسب الأوصاف والكمية والوقت والمكان والصوت والسيلان كما أنها صنفت الماء تصانيف بحسب المناسبة والشراب والمصدر الطعم.
بل أن اللغة اشتقت من مفردات الماء كلمات تدلّ بها على أوصاف لمسميات أخرى كالفرس مثلا، فإذا كان الفرس سريع الجري فهو غمر وهو الماء الكثير، وهو جموم أي مستعد دائما للعدو ومثل البئر الجموم أي التي لا ينزح ماؤها، فإذا كان الفرس متتابع الخطو فهو مسح كالمطر المتتابع فإذا كان لا ينقطع جريه فهو بحر ومن دلالات الماء كذلك كلمة العين التي لا تفضي إلى عديد المعاني بحسب سياقها في الكلام فهي منبع الماء وجارحة البصر وهي الذات والنفس في قولهم عين الشخص وهي في الابرة موضع الخيط ومن
معاني الكلمة قولهم مال عين أي عقار وقولهم فلان عين عن جمع أعيان وقولهم كان عينا أي جاسوسا وقولهم عين الشجرة أي منطلق الغصن فيها، أما أهل الصرف فقد جعلوا للفعل عينا أيضا.
نحن إذا تتبعنا سيرة الشعر العربي في مختلف عصوره الزاهرة وجدنا عيون النصوص فيه ترشح بالماء تصريحا وتلميحا حتى لكان الشعر العربي إنما كان وأينع وازدهر عندما احتفل بالماء ومعانيه ولكان الماء هو حياة الأدب أيضا فسبحانه الذي قال وجعلنا من الماء كل شيء حي.
من ضمن المعلقات التي تعتبر من أهم عيون الشعر العربي معلقة امرئ القيس حيث تحدث فيها عن يوم دارة جلجل إذ أورت كتب الأدب القديمة أن امرئ القيس كان عاشقا لابنة عمة عنيزة وأنه طلبها زمانا فلم يصل إليها حتى كان يوم الغدير وهو يوم دارة جلجل الذي باغت فيه النسوة ومعهن عنيزة وهن يغتسلن في الغدير فأتى امرئ القيس وأخذ ثيابهن فجمعها وقعد عليها والله لا أعطي جارية منكن ثوبها ولو قعدت في الغدير يومها حتى تخرج متجردة فتأخذ ثوبها. فأبين ذلك حتى تعالى النهار وخشين أن يتخلفن عن العودة فخرجن جميعا غير عنيزة التي أبت لكنها أذعنت لإرادته في آخر الأمر فما كان منه عندئذ إلا نحو ناقته اكراما لهنّ وطلبا للهو والمتعة ولقد قال لله درّه في ذلك اليوم – يوم الغدير
ألا رب يوم من البيض صالح
ولا سيما يوم بدارة جلجل
ويوم عقرت للعذارى مطيتي
فيا عجبا من رحلها المتحمل
فظل العذارى يرتمين بلحمها
وشحم كهدّاب الدمقس المفتّل
وامرؤ القيس يذكر الماء في معلقته عند قوله أيضا.
وليل كموج البحر أرخى سدوله
علىّ بأنــواع الهمــوم ليبتلــي
وهو عندما يصف فرسه يستعمل الماء في صورة
مكرّ صفر مقبل مدبر معا
كجلمود صخر حطه السيل من عل
مسح إذا ما السابحات على الونى
اثــرن الغبــــار بالكــديد المركّــل
فالماء لدى امرئ القيس كان إطارا لبعض أحداث معلقته بالإضافة إلى جعله من العناصر التصويرية في الوصف عند فرسه خاصة.
أما معلقة عنترة بن شداد فهي أيضا ذكرت الماء في قوله :
لا تسقني ماء الحياة بدلّة
بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل
ماء الحياة بذلّة كجهنّم
وجهنّم بالعزّ أطيب منزل
فاقتران الماء والحياة كان يمثل التلازم بينهما فكلما وجد الماء وجدت الحياة ولا حياة بدون ماء ولكن سياق الماء في هذه القصيدة يفيد بالإضافة إلى ما سبق رونق الحياة ومسراتها وذلك من شاعرية المعنى في القصيدة.
ويذكر عنترة الماء عند وصفه لخوضه المعركة على متن جواده قائلا :
لما رأيت القوم أقبل جمعهم
يتذامرون كررت غير مذمّم
يدعون عنتر والرماح كأنها
اشطان بئر في لبنان الأدهم
فالحبل والبئر من سياقات الماء وكذلك الشراب والزجاجة في قوله أيضا.
ولقد شربت من المدامة بعدما
ركد الهواجر بالمشوف المعلم
بزجاجة صفراء ذات أسرّة
قرنت بأزهر في الشمال مقدّم
فإذا شربت فإنني مستهلك
مالي وعرضي وافر لم يكلم !
تلك هي بعض سياقات الماء في الشعر الجاهلي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشّاعر مصطفى خريف والحركة الصهيونية في تونس
الشاعر مصطفى خريف من مواليد مدينة نفطة بمنطقة الجريد بالجنوب التونسي سنة 1909 في أسرة أدبية ودرس بجامع الزيتونة وكان من جماعة مجلة العالم الأدبي وجماعة تحت السّور وكذلك من جلساء الأديب ـ العربي الكبادي ـ وهو صاحب برامج أدبية بالإذاعة التونسية توفّي بتونس العاصمة سنة 1967 صدر له في حياته ديوان الشعاع سنة 1949 وديوان شوق وذوق سنة 1967 وهو بالإضافة إلى قرض الشعر فإنه كاتب قصص قصيرة ومقالات أدبية واِجتماعية ومؤلف أغان
***
ما أحوجنا إلى قراءة ما كتبته الأجيال السابقة بتمعّن وتدبّر حتى لا يتماهى بعضهم مع ما اِنتشر من الأفكار المُسبقة التي سادت حول الكثيرين منهم فننظر إلى ما كتبوه نظرة موضوعية شاملة فنُوليهم ما يستحقّون من اِعتبار مثل الشاعر التونسي مصطفى خريف الذي كان معاصرًا لأبي القاسم الشابي والذي ظل دون ما هو جدير به من عناية ودراسة فلم يكن حظّه من الاِهتمام بالقدر الكافي وقد تولّت وزارة الثقافة التونسية جمع ونشر مُجمل ما كتب هذا الشاعر ضمن سلسلة الأعمال الكاملة لنخبة من الأدباء التونسيين
في الجزء المخصّص للمقالات قرأت مقالا بعنوان ماذا يريد اليهود ـ وهو منشور بجريدة ـ الزّمان ـ يوم 29 أوت1932 وهي جريدة أسبوعية كانت تكتب فيها نخبة من الأقلام ذات المنحى الوطني والداعية إلى التجديد
تبدأ المقالة بأنّ الصحف اليومية تتالت فيها أخبار الاعتداءات الفظيعة من طرف اليهود على المسلمين بحيث أصبحت هذه الاعتداءات ظاهرة شملت عديد المناطق في البلاد وذكر منها صفاقس وأريانة لهذا اِنبرى قلم مصطفى خريف متصدّيا لهذه الظاهرة الغريبة عن المجتمع التونسي قائلا
ـ بل هي اليوم أخذت تصطبغ طائفية محضة وظهر جليّا أن اليهود يحملون في صدورهم حفيظة وعداوة المسلمين طغت وتمردت فاِنفجرت في صدورهم ولم يطيقوا صبرا على كتمانها وكبح جماحها فلا تمرّ المناسبة الصغيرة التافهة إلا ويرفع اليهودي الحانق يده بما يجد أمامه ويضرب المسلم ضربا وجيعا ويعتدي على كرامته في كثير من التحرش والغيظ ثم يتجمهر اليهود وكأنهم على ميعاد ليعاضدوا صاحبهم على الجريمة ويسرعوا بإطلاق النار في غير مبالاة وبشحاعة لم تعرف من اليهود قط ـ
هنا يسجل مصطفى خريف العنف الواضح من طرف الطائفة اليهودية على التونسيين المسلمين ويرى أنه ناتج عن الحقد الدّفين ويضيف قائلا
ــ ففي مدينة صفاقس ـ وهي ثاني أكبر المدنالتونسية ـ وفي أريانة ـ وهي ضاحية من ضواحي العاصمة ــ وفي بقاع كثيرة من الحاضرة مثّلت مآس مؤلمة كان اليهود فيها هم البادون بالاعتداء وكان المسلمون سريعا ما يركنون إلى أعوان الأمن ليرفعوا شكواهم ويستغيثوا بالحكومة لتدفع عنهم جور اليهود ـ
***
لكن الحكومة كما بيّن مصطفى خريف لم تكن حازمة مع هذه الاِعتداءات ضدّ المسلمين التونسيين من طرف اليهود حيث يقول إنها أبدت نحوهم تسامحا عظيما لأن تونس في ذلك العهد كانت ترزح تحت الخكم الاِستعماري الفرنسي والشرطة كانت فرنسية فمن الطبيعي أن تقف ضدّ التونسيين وتساند الطائفة اليهودية في اِعتداءاتها وتجعلها نصيرا في قهر التونسيين وداعما لها على اِستغلال خيرات البلاد هذه الطائفة التي كما يقول مصطفى خريّف إن أفرادها كانوا يعيشون في تونس محترمين وفي حسن جوار ومعاشرة بل قد أولاهم التونسيون الثقة وسلّموا لهم إدارة مصالحهم ويؤكد مصطفى خريّف أن الصهيونية هي التي كانت السبب في إظهار عدائهم للتونسيين حيث يقول
ـ وليذكروا أيضا أن الصهيونية التي توحيإليهم بما يفعلون مبدأ مُعاد للعرب والمسلمين غايته طرد العرب من وطنهم وتدنيس المسجد الأقصى.
إنهذه المقالة قد كُتبت ونشرت سنة 1932 فكانت شاهدة على تلك السنوات التي شهدت دعاية كبيرة للحركة الصهيونية في تونس بدعم من الاستعمار الفرنسي وقد أورد مصطفى خريّف ما كانت تلجأ إليه الحركة الصهيونية في تلك السنوات حيث يقول
ـ وهم لم يكتفوا باِستدعاء المهيّجين الذين يلهبون قلوبهم حقدا علينا وعلى العرب والمسلمين ولم يأبهوا للغضب والاستياء اللذين تبديهما تلقاء تلك التصرفات بل قد أدخلوا فعلا لبلادنا ذلك ـ الرِّبِّي الصهيوني الذي أتى بمهمّة جمع التبرّعات المالية لأجل أن تنفق في سبيل طرد إخواننا العرب من وطننا العربي ـ فلسطين ـ
***
هذه مقالة ذات قيمة وثائقية مهمّة فهي تسجل بوضوح موقفا صريحا للشاعر مصطفى خريف وهو في العشرينات من عمره يبدو مناهضا للحركة الصهيونية منذ بداية اِنتشارهافي تونس وتعبّر هذه المقالة أيضا عن مرحلة مفصلية من تاريخ تونس فهي السنوات التي اِشتدت فيها القبضة الاِستعمارية إذ شهدت هذه الفترة تنظيم المؤتمر الإفخارستي المسيحي في تونس بالتزامن مع الاِحتفال بالذكرى الخمسين للاِحتلال والذكرى المائة لاحتلال الجزائر وشهدت من ناحية أخرى بروز حركات جديدة سياسية واِجتماعية وثقافية شاملة في الأدب وفي الموسيقى وفي الرّسم وحتى في الرياضة وغيرها ضمن هَبّة تاريخية عبّرت عن طموح شعبي عارم ضمن أحلام جيل جديد من بينهم الطاهر الحداد والشابي ومحمد البشروش وبيرم التونسي و زين العابدين السنوسي وعلي الدوعاجي وغيرهم
إنه جيل كان يرنو إلى التحرّر من الاِستعمار وتثبيت الشخصية الوطنية في بعديها المغاربي والعربي وكانت الصحافة مرآة تلك الحركات فسجّلت مختلف إرهاصاتها ومن بينها هذه المقالة للشاعر مصطفى خريف الذي عبّر في قصائده العديدة عن عميق تجذّر وجدانه واِنتمائه إلى قوميته العربية في أبعادها الإسلامية من خلال عديد قصائده وإن تعبيره عن هذا الانتماء يُعتبر إعلان تحدّ وصمود ضدّ الاستعمار الفرنسي الذي حاول بطرق كثيرة وفي مناسبات عديدة طمس معالم الشخصية الوطنية وقطع جذورها سواء بإغراءات منح الجنسية الفرنسية أو بمناهج التعليم وغيرها من الطرق والوسائل
***
في ديوان ـ شوق وذوق ـ جمع ـ سيدي مصطفى ـ كما كان يدعوه أحبّاؤه ـ ما تيسّر له من قصائد وذلك سنة 1965 وأصدره وهو على فراش مرضه فنقرأ فيه أكثر من قصيدة تعبّر عن وشائج الاِنتماء إلى الأمّة العربية فقد أوحت إليه القضية الفلسطينية قصيدة ـ عيد العروبة ـ وقد كتبها كما ورد في تصديرها في أيّام حرب فلسطين حيث يقول فيها
لا تلمنـي إن نـبـذتُ الأدبا * وتـقـلّـدت حُــسـامـا أشطـــبا
فاغفري يا ابنة قومي سلوتي * واِسألي قلبك يُصدِقْك النّبا
لو أتى الظالم يـغــزو عِترتي * وتـحـدَّى شــرفي واِنـتـهـبا
حدّثيني ما الذي يُغني الفتى * إن دعا في قومـه :وَاحَــربا
حَـلّ وغـدٌ واغل في حرمي * ورعى حول الحِمى واِستلـبا
وأعـارته اللّـيالـي فــرصـةً * فتمطّـى نــحوها واِغـتـصبـا
ومضى يختال تيهًا في الحِمى *مَرِحَا لأعطاف ينزُو طـربا
وممّاورد فيها قوله أيضا
كيـف أ غـفُو وجراحي جَمّة *ودمـي من كبـدي قـد شـخَـبا
ساد في قومي وحش جائع *وسطا في أرض جدّي الغُربا
لكأنّ هذه القصيدة تعبّر اليوم عن حال فلسطين بل عن حال العرب اليوم فما أشبه اليوم بالبارحة بل لعلّه أكثرُ مأساةً فهذه قصيدة ـ رثاء فلسطين ـ وقد كتبها الشاعر سنة 1948 كأنّه كتبها اليوم إذ ورد فيها ما نحن فيه من مواجهة دامية مع الكيان الصهيوني المدعوم من مناصريه من الدول الغربية التي تدّعي الحرية والقيم الإنسانية حيث يقول
فهل صحّ أنّ القدس ألفى بأرضه * ثعالبَ تَفري جلدها وثعابينا
وهل قدّروا ويلٌ لهم كيف قدّروا * ورامُو عُتُوًّا في مقام النّبيئينا
وهل وطِئوا المَسْرى المبارَكَ حوله * ليُبدُوا الخنا والرّجْسَ فيه أفانينا
أَحَقٌّ تراثُ الرُّسْل نَهْبٌ مُقَسَّم * أحَقٌّ غزا جيشُ العَدوّ فَلسْطينا ؟
فَوَا لَهْفُ قلبي حينَ أمست أسيرةً *مكبّلةً تشكُو الهَوان وتدعُونا
ونحنُ قُعودٌٌ تَـزدهينا سَفاسفٌ * وتُضحكنا دُنيا الغُرور وتُلهِـيـنا
***
لئن سجّلت مقالة مصطفى خريّف بعض ممارسات الحركة الصهيونية وبيّنت اِستقواءها بالاستعمار الفرنسي في تونس فإنّ هذا لاينبغي أن يحجب عنّا ما كان يسود العلاقة بين التونسيين المسلمين والطائفة اليهودية من اِحترام وتسامح وحسن معاملة وجوار على مدى عهود وعصور طويلة ولابدّ كذلك أن نعلم أيضا أنّ بعض المثقفين اليهود شاركوا في الحركة التحريرية التونسية ضدّ الاِستعمار الفرنسي و نالهم ما كان ينال الوطنيين التونسيين من محاكمات وسجن ونفي ونذكر على سبيل المثال ـ جورج عِدّة ـ الذي يعرّف نفسه كـ“تونسي يهودي مُعاد للصهيونية“،وكان يؤكد في خطبه وكتاباته على دعمه لحقوق الشعب الفلسطيني الشّهيد ” كما كان يقول وقد رفض زيارة فلسطين بسبب رفضه الاِعتراف بشرعية الاحتلال الإسرائيلي ونذكر أيضا في هذا السّياق ـ جُوزيف جيلبار النقّاش ـ الذي رغم اِنتمائه وأصوله اليهودية، فإنّه كان من أشدّ المعادين للحركة الصهيونية ومن أكبر مناصري القضية الفلسطينية في مواقفه وكتاباته وآرائه وكان جيلبار النقّاش في كل مناسبة تتاح له يندّد بالممارسات العنصرية الإسرائيلية لأنه يعادي الحركة الصهيونية باِعتبارها حركة اِستعمارية عنصرية
***
ما أحوجنا إلى معرفة مثل هذه المقالات والقصائد ومثل هذه المواقف المناهضة للاِستعمار والعنصرية ونشر صفحاتها المشرقة
الأدب هو الحريّة أو …لايكون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأبعاد العربية لدى الشاعر الألماني رلكه
يظل الأدب الألماني دون بقية الآداب الأوروبية الأخرى اِنتشارا واِطلاعا بين قراء العربية بالرغم من كونه يعتبر أحد أهم الآداب في العالم وربما يعود سبب قلة انتشاره بين العرب إلى عدم اطلاع المتعلمين العرب على اللغة الألمانية بصفة واسعة سوى نخبة قليلة نذكر من بينهم الدكتور عبد الرحمان بدوي الذي تخصص في الثقافة الألمانية وترجم منها عيون فلسفتها وأدبها وشعرها وإن كتابه حول الأدب الألماني في نصف قرن الصادر عن سلسلة، عالم المعرفة، يندرج ضمن جهوده للتعريف بهذا الأدب حتى يكون رافدا من روافد الابتكار والتجديد والإثراء في أدبنا العربي الحديث.
و الشاعر الألماني رلكه عاش بين سنة 1875 وسنة 1926 وهو أهم الشعراء الألمان المعاصرين وقد حظي بأوسع شهرة وأرفع مكانة طوال القرن العشرين لأنه كان حقا نسيج وحده.
- المولد والنشأة والانطلاقة:
هو رايتر ماريّا رلكة من مدينة براغ عاصمة الدولة التشكيوسلافيكية وقد ولد سنة 1875 لأب كان ضابطا في الجيش النمساوي وقد شارك هذا الأب في حملة النمسا ضد ايطاليا سنة 1859 ثم اضطر لترك الجيش بسبب صحته والتحق بإدارة السكة الحديدية أما أمه فهي ابنة تاجر كان مستشارا لإمبراطور النمسا لكن الحياة الزوجية لم تستمر طويلا بينهما فعاشا حالة انفصال من دون طلاق وكانت أمه هي التي أنفقت عليه ورعته ودفعته للمطالعة ونمّت فيه مواهبه الفنية.
بعد تعليمه الابتدائي التحق رلكه بالمدرسة العسكرية الثانوية بالقرب من فيينا عاصمة النمسا وذلك سنة 1886 ثم انتقل منها إلى الكلية الحربية سنة 1890 التي لم يمكث فيها سوى عام واحد حيث لم يكن منسجما مع جو الانضباط والقسوة الذي وجده بين زملائه والمدرسّين وقد شبّه ذلك الإطار ببيت الموتى.
ومن القصائد الأولى التي نشرها رلكه قصيدة تحت عنوان ( الفستان الجرار هو الموضة) وذلك سنة 1891 وفي نهاية 1894 ظهرت له مجموعته الشعرية الأولى (الحياة والأغاني) وقد اهتم فيها بالقصائد القصيرة ذات الإيقاع الذي يقوم على المحسنات اللفظية ومن بينها هذه القطعة التي يقول فيها:
غنّ من جديد لحبيبتي
يا صوت عودي المضيء بالحب
غنّ إبّان الليل
و في هذه المجموعة قصائد أخرى تعتمد الومضة والإيجاز:
من يعرفون الإنسانية يقولون
إن العبقرية مقدّر عليها الهلاك
كلا:إذا كان الزمان لا يخلق عظماء
فإن الإنسان يخلق لنفسه زمان مجده
ونشر رلكه مجموعته الشعرية الثانية تحت عنوان “قربان إلى اللارات” واللارات في الديانة الرومانية القديمة هي الآلهات التي تحمي البيوت وموطن الميلاد فمعني العنوان كما رأى الدكتور عبد الرحمان بدوي أن القصائد الواردة في المجموعة تدور حول مدينة براغ موطن ميلاد الشاعر وحول أهلها ومن هنا نعتها البعض بأنها تندرج ضمن (شعر المدينة) حيث نجد فيها وصفا لبعض الأحياء المتميزة في براغ خصوصا الأحياء الشعبية مثل قوله في إحدى تلك القصائد:
هم يذهبون في حرارة المحبّ الحارة
ويخرجون من المصانع رجالا وفتيات
وعلى جباههم المنخفضة المغلّقة
كتب البؤس مدادا من العرق
الوجوه حزينة والعين منطفئة
والنعال الثقيلة تقرع الطريق
مثيرة التراب والغبار
لكن الشاعر – وهو يتحدث عن القضاء في المدينة بمختلف مكوّناته وأبعاده – نلاحظ انه ينخرط في الصراع السياسي في عصره فهو يقول في قصيد له بعنوان ” الشك ” :
النزاع الوحشي بين ألم
لا يصل إلى منه أيّ صدى
لأني لا أنحاز إلى أيّ طرف
إذا الحق ليس هناك ولا هنا
وفي أوائل سنة 1896 طبع مجلة أدبية اسمها “الشيكوريا البريّة” وهي تقع في 66 صفحة وقد وزعها مجانا على المستشفيات والنوادي المختلفة ثم راح بعد ذلك يوزعها على المارة بالمجان أيضا وقد قدّم لهذه المجلة قائلا: ” مجرد كلمة واحدة: أنتم تنشرون مطبوعاتكم في طبعات رخيصة الأثمان وبهذا تسهّلون على الغني الشراء لكنكم لا تساعدون الفقير لأنه بالنسبة إليه كل شيء غالي الثمن… أنا أيضا فقير لكن هذا الأمل يجعلني غنّيا. إنّ “الشيكوريا البريّة” ستظهر مرة أو مرتين في العام فاقطفوها ولتكن مصدر سرور لكم”.
ومن روائع الشاعر رلكه هذه القصيدة:
مثل الريح اخترقت الخمائل
ومن كل بيت كان ينبعث دخان
وبينما كان الآخرون يستمعون بما اعتادوه
بقيت أنا شبيها بعدة غريبة
يداي دخلتا دخولا رهيبا
في مصيرالآخرين المعلّق
لا بد من سند أرضي
لان الثقة لا تتولد إلا في الثقة
كل إحسان هو فعل بمثابة مقابل
أوّاه لم يتطلب مني الليل شيئا
لكن حين توجهت نحو النجوم
أين كنت أنا؟
البحث عن الشرق
و تماما مثل الشاعر الألماني “قوته” وبتأثر حركة الاستشراق انبهر الشاعر رلكه هو أيضا بعالم الشرق و بما في حضارته من تأمّل وبساطة وروحانيات خاصة، لكن السبب المباشر في انفتاح مهجته على العوالم الشرقية يعود إلى زوجته التي قامت برحلة إلى مصر ومن زمن تلك الرحلة تراه مولعا بالنيل وبالصحراء وبتمثال أبي الهول الذي كتب فيه قائلا ضمن رسالة: “أبو الهول ليس ذلك الأثر الفني الذي صنعه نحات معيّن، بل هو أولا وقبل كل شيء ذلك الأثر الذي عاون في صنعها الزمان، إذن لقد اشترك في عمله فنانان: الفنان البشري ثم ذلك الفنان العظيم الآخر إلا وهو الزمان، فلم يعد الحجر مجرد نحت بل صار كائنا حيا وشاهد إصباح آلاف الأيام وأمواج الرياح وما لا يحصي من النجوم التي تطلع وتأفل ومواكب الأفلاك في العلا وحرارة السماوات الممتدة هناك أبدا.
رلكه في تونس
و قبل أن يصل إلى مصر زار رلكه بلاد الجزائر وتونس التي كتب عنها بعض رسائله قائلا انه طاف بأسواقها الغنية بعروضها ومتاجرها وأقمشتها المتعددة الألوان حيث يسود جوّ ألف ليلة وليلة وقد تجّول في سوق العطّارين فتعّرف إلى عطار لا تصافحه اليد حتي تظل معطرة النهار كله وهو في رسالة كتبها من القيروان بتاريخ 21 ديسمبر سنة 1910 يكشف الجانب الصوفي بما فيه من تقوى وزهد فيقول عن القيروان إنها مدينة مقدّسة وفيها مسجد جامع عظيم استخدمت في بنائه أعمدة كثيرة من آثار قرطاجنة والمدن الساحلية الرومانية والفينقية لتحمل سقفا من خشب الأرز وقبابا بيضاء ولا يحيط بالمدينة سوى السهول والمقابر لهذا تبّدت له كأن الموتى يحاصرونها وهم راقدون حولها يزدادون دائما ولا يتحّركون أبدا.
ويثير هذا المنظر في نفس رلكه خواطر عن الإسلام فيكتب قصيدة “رسالة محمد”، جاء فيها:
لّما تبدّى الملك الكريم الطاهر
ذو الملامح المعروفة والنّور الباهر
تبدّى رائعا له خلوته
خلع كل كبرياء وخيلاء وتوسّل إلى التاجر
وقد اضطرب باطنه إثر أسفاره
توسّل إليه أن يبقى
لم يكن قارئا، وها هي ذي كلمته
كلمة عظيمة حتى على حكيم
لكن الملك وجّهه بمهارة
إلى ما كان مسطورا في لوح
ولم ييأس، بل ظل
يردّد دائما: إقرا
فقرا حتى انحنى الملك
وأصبح ممن
يعرفون كيف يقررون
ويستمعون ويتمون “الرّسالة”
ويرى الدكتور عبد الرحمان بدوي أنّ السبب الذي كان وراء كتابة هذه القصيدة ربّما مأتاه التأثر بكتاب “الديوان الشرقي للمؤلف الغربي” أو أنّ الشاعر قد قرأ سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتأثر بها وبسورة “العلق”.
- الرحلة إلى مصر:
في سنة 1911 أبحر الشاعر إلى مصر وهو يشعر أن عالم الشرق بدا يتفتّح له بل وقد استولى على كامل وجدانه عندما بدأ رحلته من الإسكندرية إلى القاهرة ومنها ركب الباخرة إلى الصعيد عبر نهر النيل حيث أوحت إليه بقصيدة “الكرنك”.
كان ذلك في الكرنك
إلى هناك ذهنيا على فرس
هيلمانه وأنا،بعد عشاء سريع
وتوقّف الترجمان: هنا طريق آباء الهول
آه..المدخل… لم أنص من قبل
في عالم جديد مثل هذا
أهذا ممكن أيتها العظمة؟
لقد عظمت في نفسي عظمة مفرطة
السفر، هل هو البحث؟ الآن، قد أصبح غاية
والحارس عند المدخل أشعرنا
بقشعريرة المقدار: فلكم كان صغيرا
إزاء ارتفاع البوّابة المتواصل
والآن، طول العمر كله
العمود، ذاك العمود،ليس كافيا
إنّ التدمير جعله على حق
لقد كان أعلى
من أيّ سقف؟ ولكنه بقي حاملا
لقد أودع الشاعر رلكه هذه القصيدة كل انطباعاته تلك التي خطرت له قبل مشاهدة الآثار الفرعونية وسجل فيها أيضا ما لمسه من عظمة الإبداع المصري القديم في الأقصر وطيبة ووادي الملوك والمناطق المجاورة حيث يقول في إحدى قصائده
الفلاح الذي كان يرافقنا
ظلّ في المؤخرة، لقد كنا في حاجة إلى وقت
لتحمل أثر هذا، إذ كان أثرا شبه مدمر
أثر الوقوف وحده في الوجود:
لو كان عندي ولد
لأرسلته إلى هناك في نقطة تحوّل العمر
التي فيها يكّرس المرء نفسه للحق وحده
وعلى طول الجدران ملاحم
الملوك: لم يسمع بمثلها
وامتلأت التماثيل بنور القمر
واحد إثراء آخر
لقد كان نحتا بارزا
و يتحدث رلكه عن رؤيته لتمثال أبي الهول فيقول “تركت ساعة العشاء تمرّ وكان الأعراب يقعون هناك بالقرب من نارهم والظلمة تحول بينهم وبين رؤيتي، لقد انتظرت حثي أسدل الليل ستائره بعيدا في الصحراء ثم مشيت من خلف أبي الهول وقدّرت أنّ القمر لا بد أن يكون على وشك الطلوع خلف الهرم القريب الذي أحرقته شمس المغيب ذلك أن الليلة كانت ليلة بدر، وفي الواقع لم أكد أستدير حول أبي الهول حتي كان القمر قد تصاعد عاليا في السّماء وانتشر منه فيض من النور على الأفق اللامتناهي”. ونرى رلكه في قصيدة ” أبي الهول ” يخلط بين ذكريات الأقصر والكرنك وطيبة وبين ذكريات أبي الهول والأهرام حيث يقول فيها:
إنه يقوده بخفة خلال مناظر الأنين
ويدلّه على أعمدة المعابد أو إطلال
القصور المحصنة التي كان بها أمراء الأنين
يحكمون البلاد بحكمة
ويدله على أشجار الدموع وحقول الأحزان الزّاهرة
ولا يعرف الأحياء عنها إلا الأوراق الرقيقة
ويرى الدكتور عبد الرحمان بدوي أنّ القصيدة تحتاج إلى تفسير لأنها تحيل على عدة إشارات حول التاريخ الفرعوني.
إن الشاعر الألماني رلكه (1885-1927) كان أحد الشعراء في العالم الذين تعرفّوا إلى البلدان العربية واستلهموا حضاراتها فكانت إضافة نوعية في شعره مما جعله الشاهد على اِنصهار الثقافات وتداخل الحضارات في شعره ذي المنزع الإنساني الذي ينظر إلى الثقافة العربية ورموزها نظرة إيجابية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدكتور
ـ1 ـ
وأنت تمرّ من أحد أنهج مدينة تونس العتيقة أو أنت عابر من بطحائها ورأيتَ رجلا يمشي على مَهل كأنه في فُسحة أو نزهة ثم يقف حينا يتأمّل زاوية من الزوايا أو بابا من الأبواب أو تراه وقد أحاط به جَمع من الأطفال أو الشباب أو قافلة من السائحين الأجانب يشرح لهم تاريخ المكان وخصائصه فاعلمْ أنه عاشقُ مدينة تونس المُتيّمُ بحبّها
ـ2 ـ
هو الدكتور الطبيب و صِفتُه المناسبة والصّحيحة ـ الحكيم ـ إنّه محمد رضا الماجري الذي عرفته عن قرب في السنوات الأخيرة أو بالأحرى بعد ثورة 2011 وقد رأيته وسمعته من قبلُ في بعض المناسبات الثقافية بنادي الطاهر الحداد فشدّ اِنتباهي من وقتذاك سِعةُ اِطلاعه في المواضيع المطروحة بين الحاضرين ولست أدري كيف توطّدت العلاقة بيننا بمناسبة أنشطة جمعية اِبن عرفة في السليمانية قرب جامع الزيتونة فكان حريصا على الحضور والمساهمة في توضيح عديد المسائل الاجتماعية والحضارية والتاريخية والطبية ناهيك أنه يحدّثك حتى عن الفطائر وصنعها وعن إعداد الكسكسي بتفاصيل اِستخراجه بأنواع الغرابيل ويُفصّل لك الوصف في الكسكسي تفصيلا دقيقا حول كيفية إحضاره حسب مختلف الأصناف حسب المدن التونسية وجِهاتها ومقارنة الكسكسي التونسي ببقية الأنواع في البلدان المغاربية وحتى ببعض البلدان الأوروبية ليؤكّد بكلّ هذا الإلمام والتدقيق عبقرية المراة التونسية عبر التاريخ
عندما دار الحديث بيننا مرّة عن رغبته في أن يكون له مجلس مُخَصّص للقراءات الحرّة من مختلف الكتب والنصوص وبجميع اللغات بلا رقيب أو حسيب سُرعان ما لبّيتُ رغبته بكل سرور فكان ذلك كذلك صباح كل يوم جمعة بجمعية اِبن عرفة الكائنة في فضاء ـ السليمانية ـ ومن يومها والدكتور مُرابط بناديه هذا في موعده ما عدا أيّام العطل الرّسمية أو إذا دُعي لحضور مناسبة طبيّة أكيدة لا يُثنيه عن القدوم إلى ناديه في الموعد بالضبط ـ بل قبل خمس دقائق ـ لا الحرُّ ولا القَرّ ولا الأمطار ولا الرّياح
ـ3 ـ
درس الدكتور الطب بفرنسا وعاش هناك أحداث ماي 1968 بإرهاصاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية وخالط الكثيرين من مثقّفيها وفلاسفتها وأدبائها من المستشرقين أيضا فيحدثك عن بعض تفاصيل مسيرتهم وخصائص أفكارهم وحتّى عن كتبهم حديث يَقين العارف فهو ليس من أولئك الذين يزعمون القول على عواهنه مَثَلُهم مَثَلُ – طُز ْ حِكمة – ويتذكّر الدكتور سفره إلى فرنسا بعد نجاحه في الباكالوريا إذ جاء رجل من الوزارة يسعى بهندام محترم ودقّ باب منزله وقدّم له ما يفيد أنه تحصّل على منحة لمواصلة تعليمه العالي والدكتور يستحضر ذلك اِعتزازًا منه بدولة الاِستقلال التي كانت تشجّع على طلب العلم وتجتهد في فتح الأبواب أمام أصحاب الكفاءات والمواهب في جميع المجالات ومن جميع جهات البلاد وهو لا ينسى أبدا فضل معلّميه وأساتذته وكم هو فخور بأنه درس اللغة والأدب العربي على أيدي الأساتذة الشاذلي القليبي ومصطفى الفيلالي ومحجوب بن ميلاد الذي تتلمذتُ إليه أنا أيضا في كلية الآداب بتونس فاِبتهج الدكتور لذلك ـ والحقَّ أقول ـ إنّ اِبتهاحي كان أكثر لأني صرت إليه زميلا أو كزميل دراسة بطريقة من الطرق والدكتور عندما يذكرهم فإنه يؤكد بإعجاب أنه تعلّم عنهم دقة اللغة العربية واِكتشف معهم جماليتها وأنه اِستفاد منهم أيضا عندما كان ضمن اللجنة العربية المختصة في تعريب المصطلحات الطبيية
ـ4 ـ
الدكتور يذكر دائما بكثير من المودّة صديقه ـ حمادي الصّيد ـ وكيف كان يعاقبه الأستاذ الشاذلي القليبي وذلك بأن يقف على رجل واحدة في إحدى زوايا قاعة الدّرس وهو الذي كان قد دعاه بعد ذلك ليكون من مساعديه في الإذاعة الوطنية عندما تولّى إدارتها وفي هذا السياق يتحدث الدكتور عن ذكرياته مع الشاعر مصطفى خريف ذاكرا بعض طرائفه ليصل الحديث معه إلى جماعة أدباء تحت السّور الذين أدرك البعض منهم فيذكر مثلا قصة أغنية ـ حبّي يتبدل يتجدد ـ للفنان الهادي الجويني وكيف اِلتقط قِطع أوراقها الممزّقة من صاحبها الأديب علي الدوعاجي على إثر خلاف أو شجار بين الحاضرين في مقهى ـ تحت السّور ـ بباب سويقة
والآن وهنا…. يصل بنا الحديث إلى باب سويقة مع الدكتور فهذا الحيّ الشعبيّ العتيق بتونس العاصمة هو ملخّص حياة الدكتور وكُنهُها ومدارُ ذكرياته في مختلف أرجائه ونواحيه اِنطلاقا من ساحته الفيحاء إلى بطحاء الحلفاوين ومن مقام سيدي محرز وسُوقه إلى بطحاء ـ رحيبة سيدي الجبالي ـ حيث نشأ الدكتور وترعرع ففي هذا الفضاء العمراني من تونس العاصمة يَكمُن مَخزن عارم لأرشيف هائل يحفظ ذكريات الدكتو رالزاخرة بالأحداث البسيطة والجليلة من ذكرى السّهرات العائلية إلى ذكرى عودة الزّعيم بورقيبة في غرة جوان 1955 وهو أرشيف يحفظ سيرة شخصيات مازالت ذكراها طافحة في خيال الدكتور الذي يصرّح أنه تأثّر بها بل وتعلّم منها ما لم يتعلمه في المدرسة والمعهد أو الكليّة فتسمعه يذكر بمتعة أخبار الشيخ ـ سيدي على بلخوجة ـ الذي رغم منزلته الدينية والاِجتماعية الجليلة فإنه كان قريبا من النّاس بفضل الأريحية وروح المرح والشخصية الاجتماعية التي يتميّز بها ويحدّثك الدكتور بإعجاب عن مغامرات ـ عليّ شورّب ـ المعروف ببلطجيته وصعلكته لكنه عند حلول شهر رمضان يمكنك أن تجده في المسجد يصلّي التراويح وتراه مارّا بين الدكاكين يأخذ من الباعة ـ رضي منهم من رضي وكره من كره ـ ما يحتاجه المُعوِزُون في الحيّ لإعداد عَشائهم فكأنه ـ عُروة الصعاليك ـ في العصر الجاهلي ويذكر الدكتور أنّ ـ علي شورّب ـ جاء إلى العائلة مسرورا مهنّئا حاملا المشروبات بمناسبة حصوله على الباكالوريا
ـ5 ـ
هذا التنوّع والاِحتلاف والتعدّد في الشخصيات التي عرفها الدكتور هو الذي طبع شخصيته المنفتحة فهو كثيرا ما يقول إنه قد عاش التنوّع الحضاري منذ تشكّل وعيُه حيث ينطلق من حيّ باب سويقة ذي الطابع التونسي ثم يمرّ في طريقه ـ إلى ـ معهد كارنو ـ على الحيّ اليهودي بحيّ الحفصية وباب قرطاجنّة كي يصل إلى الحيّ الأوروبي حيث المعهد فالدكتور عارف بأحياء العاصمة تونس حيّا حيّا وبطحاءَ بطحاءَ وساحة ساخةً وشارعًا شارعًا ونهجًا نهجًا وزُقاقًا زقاقًا وأقول سُوقًا سُوقًا وبنايةً بنايةً وبابًا بابًا وأحسبني على يقين لأنه يُبيّن لك معنى اِسم كلّ منها وسبب تسميته وطرائف نقل الاِسم إلى اللغة الفرنسية بما يأتي بالغريب والعجيب فحدّثنا مرّة أنه كان في لجنة من اللّجان المكلّفة بأسماء الشوارع والأنهج الجديدة في أحد الأحياء الجديدة ورأت اللجنة أن تسمّيَ البعض منها بأسماء الشهداء والمناضلين القدامى فأسندت اللجنة اِسم الشهيد البطل ـ مصباح الجربوع ـ لأحد الأنهج غير أنّ هذا الاِسم لم يرُق لبعض الوجهاء الساكنين في الحيّ فطالب بما له من نفوذ أن يغيّروا الاِسم باِسم آخر حَسَنِ المعنى ونزولا عند رغبة ذلك السيّد تغيّر الاسم وأصبح ـ نوّار عشيّة ـ أو ـ مِسك الليل ـ فتمّت ترجمة الاسم المقترح
belle de nuit
فتراجع ذلك السيّد غاضبا معبّرا عن رفضه للاِسم الجديد لأنه سيّء الإيحاء في اللغة الفرنسية
ـ6 ـ
وللدكتور وَلعٌ كبير باللّغة عامّة وباللغة التونسية خاصة فتراه يسعى إلى التذكير باللغة اليومية الجميلة التي كان يستعملها التونسيون بما فيها من دقّة وظُرف ويُبدي اِزدراءه من أحاديث القوم الهجينة في خطاباتهم اليومية إذ يراها خليطا متنافرًا من الفصحى والفرنسية حتّى في وسائل الإعلام من إذاعات وتلفزيونات وفي نصوص الإعلانات والرسائل القصيرة عبر وسائل الاِتصال وكم من مرّة يحدّثنا عن أصول بعض الكلمات وقد رجع إلى لسان العرب وإلى اللغات الأخرى مثل الأمازيغية واللاتينية والإسبانية والتركية والفارسية وغيرها فكثير من الكلمات التي نتكلم بها يوميًّا تعود في أصولها إلى هذه اللغات كالعلّوش والبرشني والسّردوك والكوجينا والفكرون والدّورُو وغيرها فالدكتور تونسيّ اللّسان والوجدان والهندام أيضا فتراه ـ يحطّ الحطّة ـ أي في ـ أحسن هندام ـ باللباس التونسي الأصيل من الجبّة ذات الصدريّة والبدعيّة والمنتان والشّملة على الكتف والشاشية مع البرنس إذا فرض الطقس ذلك وكلها تبدو في تناسق سنفونيّ بديع وترى كذلك صديقي الدكتور أيضا في المناسبات الرّسمية أيضا
tiré à quatre épingles
أي في أناقة كاملة باللّباس الإفرنجي في اِنسجام وتمام بين الألوان من الحذاء إلى رباط العنق ومنديل الجيب فتبارك الله أحسنُ الخالقين لطلعته البهيّة يزيدُه الوقارَ عكّازهُ المنسجمُ وقعُهُ مع إيقاع خُطاه في ثبات واِتّزان متّعه اللّه بالصحّة والعافية وطول العمر فالحديث معه فائدة ومعرفة والجلوس إليه متعة وأنس
ـ 7 ـ
ويحدّثك الدكتور في سياق ما يحدّثك عن لقبه العائلي ونِسبته إلى قبيلة ماجر التي يفخَر بالانتساب إليها فقد جاء والده من مضارب ربوع القصرين إلى العاصمة في مُقتبل العمر فنشأ فيها وترعرع وتوظّف ومنها تزوّج لكنه كان يُنسَب دائما إلى كونه من ـ ماجر ـ فهو الماجري دائما كي لا يلتبس اِسمه مع العائلات التونسية القديمة في العاصمة بل في المدينة العتيقة أساسا وللدكتور تفاصيل في هذه المسألة التي كانت في العهود السابقة تعبّر عن تفرقة بين سكان العاصمة الأصيلين وبين القادمين عليها من مختلف الجهات التي ينسبونهم إليها بل إن الدكتور يرى أن التفرقة لم يسلم منها حتى سكان العاصمة أنفسهم فالفرق لديهم واضح بين من كانت عائلته داخل السّور الأصلي وبين الذي كانت عائلته من سكان خارج السّور الأصلي أي من حيّ باب سويقة والحلفاوين وباب الجديد وباب الجزيرة وغيرها ويؤكّد الدكتور دائما على النواحي السلبية لهذه العقلية المحافظة والتي نجدها أيضا مبثوثة في بقية المدن مع الأسف وإنّ تمسّك الدكتور بمحبّة حَيّه الأصليّ ـ باب سويقة ـ هو الذي جعله يفتح عيادته الطبية الخاصّة في تلك الناحية ويبني منزله قريبا منه أيضا على عكس الكثيرين من أصيلي تلك المنطقة التي رحلوا عنها وهجروها لكن الدكتور ظل وفيّا للنّاس الذين اِحتضنوه يتيمًا وأحاطوا به صغيرا وشجّعوه على الترقّي في مدارج العلم والمعرفة فاِحترموه طبيبا بينهم وبَوّؤُوه مراتب التبجيل والإجلال
ـ8 ـ
ما يشغل الدكتور وما يجعله على ما لا يُرام هو أسفُه الشديد على ظروف تونس السيئة فتونس يرى أنّها ثريّة بعديد المواهب والطاقات في جميع المجالات وأنها زاخرة بالكفاءات العالية التي لو يتمّ توظيفها على قاعدة الرّجل المناسب في المكان المناسب لرأينا البلاد أحسن بكثير ممّا تعيش فيه الآن من بؤس وتدهورعلى جميع المستويات
وكم الدكتور يحاول في كل يوم وفي كل مناسبة أن ينشر حُبّ المطالعة والكتاب بين الأطفال والشباب وحتى بين الكهول والشيوخ وهو الحريص على إبلاغ الناس جميعا والأجيال الجديدة خاصة ما لتونس وشعبها من عبقرية وإنجازات في شتّى الميادين ساهمت بها عبر التاريخ في الحضارة الإنسانية
ـ9 ـ
الدكتور مثال لقول الجاحظ ـ الأدب هو الأخذ من كل شيء بطرف ـ فهو إذا حدّثك عن الطبّ أفاد وإذا تكلّم في الحضارة والتاريخ تبحّر وإذا تطارحتم في كلمة من الكلمات فصّل وشرح وإذا ذُكر عنوان كتاب ذكر لك ما فيه وبسط القول حول صاحبه وإذا دار الحديث عن أيّ مكان من العاصمة تونس فإنه يرجع بك إلى أصله وأطواره ووقائعه في إمتاع فلا تملّ من حديثه أبدا ,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رشيد النّاي
ما أكثر الذين يتسلّمون الدواوينن والكتب هدايا مُبدين حرصهم على قراءتها إنما عندما نلتقي بهم لا نجد لديهم أيّ أثر لنصوصنا في حديثهم إلينا أو عند حضورهم في أحد الأندية بمناسبة تقديمها والاِحتفاء بها .
لاشك أن مصير تلك الكتب والدواوين النسيان على رفوف مكتباتهم في أحسن الأحوال إن لم يكن على أرصفة باعة الكتب القديمة التي تصادفك ذات يوم…
لهذه القاعدة اِستثناءات ولا شك ومنها الفنان صاحب النّاي رشيد بن جوهرة الذي عرفته ضمن فرقة موسيقية كانت تنشط بدار الجمعيات بالسليمانية في المدينة العتيقة بتونس فجمعتنا بعض اللقاءات الجانبية التي كشفت لي عن شخصيته الشغوفة بالموسيقى والمتمكنة من تاريخ البلاد والعارف بمجالات الأدب الشعبي لكنّ عشقه الكبير للناي فإذا ورد ذكرُه في الحديث فاِستمعْ إليه واِستفدْ وتمتّع بحديثه عن الناي ويرتفع بك إلى سماوت من الصفاء عند عزفه وهو يراوح بلطف بين أنامله وينفث بحنان ومهجة عواطفه في جوف النّاي لكأن يقبّل ثغر حبيبته..
ولصاحب الناي عشق العارم بالهاجس الثقافي ناهيك عن معرفته لشعراء تونس المعاصرين فقد قرأ لي بعض قصائدي التي كنت أنشرها على صفحات الجرائد وذكر لي قصيدة ـ ثلاثية عبد الله ـ وصادف وقتذاك نشر ديواني الذي جمعتُ فيه ما صدر من مجموعاتي الشعرية فقدّمته له هديّة وعند لقائنا بعد ذلك بمدة قصيرة فاجأني بما لم أنتظره من أحد فقد سرد من حفظه تلك القصيدة التي فيها هذا المقطع الذي يحبّه كثيرا
يبتسمُ عبدُ اللّهِ عند سَماع ثلاثٍ
بأنّ الأرضَ كرويّةُ الشّكل
بأنّ المَرأةَ مُساويةٌ للرّجُل
وعندَ سماعِهِ يومٌا حكايةَ جُحا
والحمار
يضحكُ ويقُول
لو كنتُ جُحا
لجَعلتُ الحِمارَ
للعربةِ
ورَكِبْتُ أنا واِبنِي
صديقي رشيد بن جوهرة أو رشيد النّاي أنا أدعوه ـ أبو الرّشد ـ ممتع الحديث يذهب بك في شجونه وشعابه من طرائف أخبار سبيطلة وشخصياتها اللطيفة إلى تاريخها المنسي في أحداث الحركة الوطنية ووقائعها التي شارك فيها رجالها الأشاوس ومن بينهم والد صديقنا رحمه الله الذي كتب فيه شهادةً قيّمة أحدُ أبناء سبيطلة على صفحته يقول فيها ما يلي :
في سبيــطلة نڤولو دار بن جوهرة أما ما نعرفوش شكونو بن جوهرة و كيفاه جيت التّسميةشخصيًا أول مرة نشوف تصويرة الرّجل الشهم المرحوم بإذن الله عم عبد الله بن عمر الصالحي المعروف عنا بـعبد الله بن جوهرة.الرّجل و بشهادة جميـع قدماء سبيطلة يعرفو حكاية عدم تسليمه للسلاح بعد الإستقلال.و للأمانة عم عبد الله بن جوهــرة شارك في بداية الثورة المسلحة اللي آنطلقت من ڤرعة العطش بسبيطلة و كان ذلك في ربيـع 1952 و ما بين 1952 و 1954 بقـى المرحوم و المناضل عم عبد الله بن جوهـرة يعاون في الفلاّڤــة في جبل السّلوم سرًا.و في معركة جبل سيدي علـي أم الزّين بالروحية أكتوبر 1954 و من التاريخ هذا أعلن عم عبد الله تمّرده ضد المستعمر الفرنســي و طلع للجبل و قاوم كغيره من المقاومين التّوانسـة المعروفين و اللي ذكرهم التّاريــخ كالطاهر لســود.لمحــة صغيرة من تاريخ رجل من رجال سبيطلة و كغيره شاركـوا في أحداث الثّــورة المسلحة التونسيةنرجعـوا لحكاية بن جوهرة…!قبل الإستقلال بمدة كبيرة كانت والدة عم عبد الله مرا مناضلة كيف ولدها و كانت تهز في المونة للثّـوار في الجبل كيفها كيف الدّڤاشية الله يرحمها.والـدتو يعنـي والدة عم عبد الله آسمها زهـرة و يتربّجو بيها ناس بكري و يعيطولها جُوهرة-زهرة
و من هنا جيت تسمية عبد الله ولد بن جوهرة ,
فلا عجب إذن أن ورث صديقنا أبو الرشد قيم الرجولة والشهامة والكرم وكم هو وفيّ لمن وهب له الناي الأول الذي ما يزال يحتفظ به ويذكر بإجلال كل من تعلم منه العزف وساعده ورافقه في مختلف المناسبات التي شارك فيها مع بعض الفرق ولا ينسى أصحايه الأوفياء في سبيطلة التي فارقها منذ سنوات ليستقرّ في العاصمة استئناسا بالأجواء الأدبية والثقافية فأضحى بين عشية وضحاها رفيقا للشعراء والأدباء في أنديتهم وأمسياتهم ومهرجاناتهم سواء في العاصمة تونس وضواحيها أو داخل المدن في مختلف الولايات فهو صديق الجميع يؤنس الحاضرين بألحانه الشجية من عتيق الأغاني التونسية والشرقية بروح التطوع في أغلب الأحيان ومن النوادر التي وقعت له مع بعض الشعراء أو الشاعرات أنه دُعي كعازف محترف إلى حفل توقيع ديوان شعري وعندما بِيعت جميع النّسخ إلا نسخة واحدة كان إكرامه أو جزاؤه أن طلب منه الشاعر أو طلبت منه الشاعرة أن يشتري تلك النسخة الباقية…! فحدّث ولا حرج عن مستحقاته المهضومة أو تلك التي تعطلها الإجراءات الإدارية…فما أكثر ما قدّمتَ يا رشيد النّاي وما أقلّ ما أخذتََ..!
في هذا السياق أتذكّر قول الشاعر العبّاسي جَحْظة البرمكي حيث يقول
لي صديق يحب قولي وشدوي … وله عند ذاك وجه صفيق
إن تغنيت قال أحسنت زدني … وبأحسنت لا يباع الدقيق
*
أصبح رشيد النّاي بفضل مواكبته الدائمة على مدى سنوات جلسات أندية جمعية ابن عرفة الثقافية عضو هيئتها المديرة والمسؤول عن تنسيق الأندية والندوات فيها فأضاف إليها بفضل مصداقيته وفنّه وحماسه الثقافيّ لتواصل رسالتها جيلا بعد جيل من أجل إشعاع الثقافة التونسية رغم العوائق والتحدّيات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في تكريم الشاعر البشير المشرقي
هذه مساهمة في تكريم الشاعر التونسي البشير المشرقي بمنتدى – التنوير – الذي يشرف عليه الأستاذ الباحث – محمد المي – بمدينة الثقافة بتونس مساء الأربعاء 20 مارس 2024
*
باِعتزاز كبير واِبتهاج فيّاض يسعدني أن أكون من المساهمين في تكريم الصّديق الشّاعر الكبير البشير المشرقي فهي مناسبة لإيلائه ما هو جدير به من اِحتفاء وتكريم لأنه من المساهمين باِستمرار في مسيرة الشعر التونسي منذ أكثر من نصف قرن وإنّ هذه المبادرة التكريمية لأعلامنا التونسيين في الأدب أعتبرها ردّ اِعتبار للأبعاد الثقافية التي كادت أن تُطمس ويجرفها تيّار المنافع الماديّة العاجلة الرّبح والشّاعر البشير المشرقي من أولئك الذين آمنوا بقيمة الكلمة في صدقها وجمالها وتأثيرها فعكف على رعايتها والكلف بها عشرات السنين وما دواوينه المتوالية الصّدور وإصراره على نشر قصائده في مختلف المنابر إلا دليل على شغفه بمتعة الإبداع..
الشاعر البشير المشرقي ليس شاعرا فحسب وإنما هو صاحب نظرية في الشعر أيضا وهي لئن بدت واضحة السّمات في شعره فإنه قرأ من خلالها بعض النصوص الشعرية التي عكف على تقديمها والتعريف بها وللشّاعر كذلك كتابات صحافية ومساهمات إذاعية في برامج الإذاعة الوطنية أمّا البُعد الآخر الذي لا يقلّ أهمية في شخصية الشاعر فهو مسيرته التربوية سواء في التدريس أو في تسيير بعض المعاهد ولعلّ المرحلةَ الأهمّ في حياته الثقافية تتمثّل في إشرافه على مدى أكثر من عشرين سنة على نشاط الحركة الثقافية في ولاية بنزرت حتى أضحت قِبلة المثقفين والمبدعين من تونس وخارجها وقد أصدر البشير المشرقي المجموعات الشعرية التالية :
ـ في البحث عن مقر
ـ نوافير .. وتشدو همسات الى الزمن الهارب
ـ أحبتي. . والليل . . والوطن
ـ على نقر المطر . . والذكريات
ـ توقعات الربيع الخامس
ـ السندباد والقمر الوحيد
ـ كتاب الفصول
ـ تحليق خارج حدود الحلم
ـ أقمار في ليالي الحنين
ـ فسيفساء الظل والألوان
ـ وكذلك مجموعة شعرية بالاشتراك ـ الرياح اللواقح ـ
بالإضافة إلى عديد القصائد الأخرى المنشورة في مختلف الصحف والمجلات والأنطولوجيات سواء في تونس أو خارجها فعسى أن تكون هذه المناسبة حافزا كي يجمع ما نشر وما لم ينشر من شعره ضمن ديوان كامل شامل يكون تتويجا لأعماله الشعرية .
البشير المشرقي من شعراء تونس الذين ظهروا وبرزوا في الثلث الأخيرمن القرن العشرين وقد شهدت هذه الفترة تحوّلات كبيرة على المستوى الثقافي إذ نشأت حركات في شتى الفنون ترنو إلى الجديد محاولةً فتح آفاق غيرِ مألوفة سواء في المسرح والموسيقى والرّسم والسينما أو في القصة والرواية والنقد والشّعر الذي شهد على مدى تلك السنوات حركات متنوعة المنطلقات ومختلفة التجارب والرّؤى أنتجت مدوّنة شعرية زاخرة وثريّة لذلك نجد صدى هذه الحركات في كتابات البشير المشرقي النقدية معبّرا عن نظرته للشعر التي بيّنها في خضمّ تلك الحركات فيُحدّده قائلا ضمن مقالة ـ أغراض الشعر التونسي الحديث ـ بمجلة الفكر أكتوبر 1978حيث يقول :
ــ كنت وما زلت أعتقد أن الشعر الخالص هو ذاك الذي ينفذ إلى القلوب والنفوس بواسطة مجموعة من الأدوات التي بدونها لا يكون الشعر شعرا ولكون للكلمة الشعرية الحيّز الجدير بها على خارطة التعبير الفنّي ومن هذه الأدوات كما لا يخفى عنصر الموسيقى الموحية التي تساعد على تقبّل ما يصبو إليه الشاعر من تعبير عاطفي إلى جانب التزامه العناية بالصورة الشعرية التي يعمل جاهدا على أن تكون في مستوى الجمالية التي تتطلبها حقيقة العمل الفنّي وليس عتصر الموسيقى او الإيقاع الشعري من خصائص الشعر العربي دون سواه بل نجده يحتلّ مكانة قصوى في كل عمل شعري مهما كانت اللغة التي أُخرج بها إلى الوجود ولعل الشاعر الفرنسي ـ بول فرلان ـ قد عبّر عن ذلك أحسن تعبير عندما قال في إحدى قصائده ـ إن الشعر موسيقى… وموسيقى قبل كل شيء.
فالشاعر البشير المشرقي يرى أنّ الشعر لا يكون إلا بتلازم الموسيقى والصّورة
ونحن عندما نستعرض حتى عناوين قصائده نلاحظ أن غمامة من الأسى تخيّم على أغلب كلماتها وهذه بعض من تلك العناوين :
عيونك باقية وأنا راحل ـ للريح مواجعها ولقلبي البوح ـ اليوم لا تبكي الرياح على دمي ـ بكائية الوجد ـ من أغاني سيزيف المهزوم ـ ويرحل مثل النورس ظلي ـ ما تيسّر من أبجدية العشق والأحزان ـ مقدّمات للشتاء القادم
فجذور شجن البشير المشرقي تبدو قديمة لعلها من زمن الطفولة ونمت مع مكابدته
ذلك أن مِسحة الأسى وظلال الشجون في شعر البشير المشرقي يمكن أن نعتبرها اِمتدادا لمنجزات الرومنطيقية العربية بما في قصائده من اِحتفاء واضح بعناصر الطبيعة التي جاءت منثالة في أغلب صوره الشعرية ونجدها أيضا في بعض قصائده ضاربة الجذور في مُتون الشعر الأندلسي كما لدى اِبن زيدون واِبن خفاجة ولا شكّ أنّ البيئة التي نشأ فيها الشاعر والتي عاش فيها أيضا لها الأثر الواضح في شعره فربوع بنزرت ذات طبيعة غنّاء جمعت بين المروج وبساتينها وبين السواحل وخلجانها المنداحة بين الحقول والغابات وعند سفوح الجبال وكثبان الرّمال فالشاعر مِلء عينيه طبيعةٌ متنوّعة بشتى عناصرها التي لا تكاد تخلو منها قصيدة من قصائده
ولئن وردت أغلب قصائد الشاعر على شكل البحور الشعرية في إيقاع التفعيلة وترجيعة القافية فإن اِنتصاره إلى هذا الشكل لم يمنعه من التصرف أحيانا في نسق التفعيلات وتداخلها في القصيدة الواحدة بل قد يخرج عن النسق العروضي أيضا ويكتب أحيانا القصيدة الوجيزة أو الومضة وهذا يؤكد قدرته على الكتابة في مختلف الأشكال الشعرية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــ غزل الطفولة ــــــــ
تعريف الغَزَل كما ورد في القواميس اللغوية هو فنّ من فنون الشِّعر، يتغنَّى فيه الشَّاعر باِمرأة ويُحمِّله مشاعره
وهو الشِّعْرُ الَّذِي يُقَالُ فِي النِّسَاءِ وَوَصْفِهِنَّ وَالتَّشَبُّبِ بِهِنَّ.
يُقال للظّبي غزال وللظبية غزالة والغزالة في اللغة أيضا هي الشّمس عند الضّحى
وقد شبّه الشعراء القدامى حبيباتهم بالشّمس تعبيرًا عن وضاءتها وحسنها مثل عنترة في قوله :
أَشارَت إِلَيها الشَّمسُ عِندَ غُروبِها * تَقولُ إِذا اسوَدّ الدُّجَى فَاطلِعِي بَعدي
والغزل هو فتل الصّوف خيوطا وقد ورد في القرآن قوله في سورة النحل ـ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ـ
وقد جمع المعرّي بين الغزْل والغزَل في أحد أبياته قائلا :
سُقيا لِشَوْهاءَ ما هَمّتْ بفاحشَةٍ * غدتْ على الغزلِ، ليستْ تعرِفُ الغزَلا
هذه مناسبة إذن للوقوف على العلاقة بين الغزَل والغزْل والغزالة فيبدو لي إذن أن غزل الصوف حول المغزل هو مثل غزل الكلام حول المرأة التي تشبه الغزالة في حسنها وفي كثير من طباعها فغزْل الصوف يتطلب اللطف والحذق والمداومة حول المغزل وشعر الغزل يتطلب كذلك المهارة اللغوية ولطف المقاربة كما قيل في قواميس اللغة هو محادثة النساء بِلُطْفٍ وَرِقَّةٍ وَكَلاَمٍ عَذْبٍ وَتَوَدَّدَ إِلَيْهِنَّ وأما التشبيه بين الحبيبة والغزالة فأمر شائع في مدوّنات الغزل كقول قيس بن الملوّج مخاطبا ظبية :
أَيا شِبهَ لَيلى لا تُراعي فَإِنَّني * لَكِ اليَومَ مِن بَينِ الوُحوشِ صَديقُ
فَعَيناكِ عَيناها وَجيدُكِ جيدُها * سِوى أَنَّ عَظمَ السّاقِ مِنكِ دَقيقُ
وهذا الشاعر المنخّل اليشكري هو أيضا يجد شبها وتوافقا آخر ولكنه مع البعير والناقة ليعبّر عن تمام الانسجام وكماله بينه وبين حبيبته حيق قال :
وأحبُّها وتحبّني * ويُحبّ ناقتها بعيري
قيس بن الملوّح يستحضر هو أيضا زمن طفولته مع حبيبته ليلى وهما يرعيان صغار الغنم فيقول :
تعلّقتُ ليلى وهي غرّ صغيرة
ولم يبد للأتراب من ثديها حجمُ
صغيرين نرعى البُهم يا ليت أنّنا
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البَهمُ
تمثّل الطفولة الصّفاء والنّقاوة والبياض الذي لم تَشُبه شائبة والعاطفة فيه صادقة تنأى عن هواجس الغرائز وحسابات المصالح وقد صوّر الشابي الطفولة فاِعتبرها حلما لذيذا مرفرفا وذلك في أسلوب صيغة التعجّب الذي يرشح بمعاني المحبّة والاِشتياق المَشُوبة بشيء من الحسرة على اِنقضاء عهدها حيث يقول :
للّه ما أحلى الطفولة إنّها حلم الحياة
عـهد كمعسول الرّؤى ما بين أجنحة السُّبات
وعذوبة الطفولة لدى الشّابي جعلته يفتتح بها ـ معلّقته ـ صلوات في هيكل الحب ـ إذ يستهلّها قائلا :
عذبة أنت كالطفولة كالأحلام كاللّحن كالصّباح الجديد
أمّا الشّاعر التونسي ـ حاتم حمّادي ـ وهو من آخر حبّات العنقود في مدوّنة الشعر التونسي فقد نشر أخيرا قصيدا جديدا عاد فيه هو أيضا إلى ألعاب الطفولة خاصّة منها لعبة الغمّيضة لينال قبلة من حبيبته جائزة له بعد عناء البحث والفوز بالرّهان فهذه اللعبة البريئة والمسليّة تُعتبر أكثر صدقا وأبلغ حميميّة من طقوس الحبّ الرّسمية الخاضعة للبروتكولات
قصيدة ـ الغُمَّيْضَةُ ـ للشاعر ـ حاتم حمّادي ـ تونس
إنْ أَقْرُبْكِ
أَغْمِضِي عَيْنَيَّ بِمنديلٍ صغيرٍ
أو وِشَاحٍ
ثُمَّ
تَوَارَيْ قَلِيلاً…قَلِيلاً
وتَسَلَّلِي
ثم تَخَفَّيْ بِتُؤَدَةٍ
وراءَ جدارٍ
أو
وراء ستارٍ
كطفلةٍ تَتَسَلَّى بِي
تحت…
جُنْحِ الظَّلاَمِ
وَإِذَا…
بعْد جَمِيلِ تَعَثُّرٍ
وبعدَ بحثٍ حليمٍ
وَكَدٍّ خفيفٍ ومُزَاحٍ
وَجَدْتُكِ دون عناءٍ
لِيَكُنْ حَظِّي مِنَ الرِّهَانِ
قُبلة برقيّة خاطفة
بِالكَادِ تمسح مسحا خفيفا
على الخدَّيْنِ
مثلما
يفعل جميع الأطفالِ،
سأراها مخاطرة
ومجازفة كبرى
وجزاء
وسترينها مُخَالَفَة
وأحلى عقاب
صَرَاحَةً…صراحةً
أريدُ أن ألْعبَ معكِ
مثلَما يلعب جميع الصِّغارِ
إنّي…
مَلَلْتُ الحُبَّ الرّسْمِيَّ
والقُبُلاَتِ مِنْ نَارٍ !
قصيدة الغمّيضة للشاعر حاتم حمّادي عودة إلى ينابيع الشّعر العُذري واِستلهام لرموز الرّومنطقية وهي من ناحية أخرى مواصلة في تفاصيلها وصورها وأبعادها لمسيرة الشّعر الجديد بتونس .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عاشقُ القيروان
ألقاه بين فترة و أخرى هادئا مطمئنا في أحدِ الشّوارع إمّا وقد اِنتهى لِتَوِّهِ من إصدار كتاب أو مُستعدًّا لطبع كتاب آخر جديد.
نحيفُ الجسم رقيقُ الكلمات لطيفُ الحركات غير شاكٍ ولا باكٍ فصديقي من أولئك الذين يعلمون أنّ دروب الأدب طويلةٌ أوّلًا وصعبة ثانيا وأنّ بلوغ تخقيق الأماني لن يتسنّى إلا بالمكابدة والدّأب وأنّ الذي يرومُ حرقَ المراحل مصيره الاِحتراق قبل الأوان.
هو الشّاعر حسين القهواجي الذي في رصيده إلى الآن سبعة كتب إبداعية على الأقلّ …إنّه ما يزال على نفس الإصرار في عشق الحروف وإبلاغها إلى النّاس ولو على حساب الضّروريات من الحياة,
من هذه الدّواوين:
ليل المقابر
غراب النبوءات
أنْدَرُ من بُروق الصّيف
أرقُّ من غيمة الخريف
يوميات في مارستان
الأرواح البيضاء
كتاب الأيام
تندرج نصوص حسين القهواجي الشّعرية ضمن السّياق التجديدي العام من حيث المبنى وتتمحور حول الهواجس الذّاتية من حيث المعنى الذي كثيرا ما يحُومُ حول المعاني الصّوفية بما فيها من وجْدٍ و تغَنِّ بالكون و المَلَكُوتِ اِنطلاقًا من التراث الصّوفي العام.
يقول الشّاعر في ديوانه ( غراب النبوءات) و في قصيدة (نمل) التي تُوحي برباعيات الخيام لكنّها جاءت على شكل الدُّوبيتْ القديم:
1- بخدّي أُُخدود ماءٍ غصّت به الجُفُونُ
أيُّنا أحصى شهور الحمل وهو جنين
2- جيئُوني بحفَّار و ناعِ
قبل أن تنبش أشلائي الأفاعي
3- و لأنّ الدّهر كالعنكبوت نسّاجُ أكفانْ
هيَّأتُ فوق البُرج لحمي وليمةً للعُقبانْ
4- رياحٌ من عهد إرَمَا
ملأتُ بيتي مَأَتَمَا
5- هلالُ الخريف اِبتلعته غمامهْ
أسفًا دروبُ الفجر مُطفأةُ العلامهْ
فهذه المجموعة الشّعريّة ترشح بالمعاني الصّوفية فبالإضافة إلى الخيَام نقرأ فيها إحالات على الحلاّج و على غيره من النُسّاك و القدّيسين و الفلاسفة في أثينا وفي غيرها وبقدر ما نلاحظ اِستيعابًا للأدب الصّوفي لدى الشاعر حسين القهواجي فإنّه من ناحية أخرى اِستطاع أن يرسم الملامح الخاصّة به في هذا الغرض القديم الذي حاول أن يضيف إليه لونه فيصبغه به :
أنكرتُ الوجوه و الكتب التي أعرف
عساي أتصيّد الرّبيع
في قصب السكّر يغفو
لو عُدتُ للمهد صبيًّا
كنت صوّرت الأرض هالهْ
طوّافةً بين قرنيْ غزالهْ
ولاِنهمر الغيمُ ورقًا نديًّا
هكذا أعيشْ:
فانوسُُُ يرشح مَوْتًا
و سكونٌ يُذعر منه الجنُّ
وَكْرُ النَحْس قلبي – باضتْ
و فرّختْ فيه الخفافيش
وهي نفس المعاني تقريبا في ديوانه (يوميات في مارستان) حيث يقول في غضون إحدى القصائد :
أنا من مزّق ثوب العزّ عنه
رجعتُ لا أدري الطّريق
و لا دار بها سكني
و تناهى بي تطوافي
مرقوع الثّوب باليا
قدمي في الشّوك أراق دمي
و إشفاقا على النّبت لا أطأ المرعى
فصوفية حُسين القهواجي ذات جذور تراثية تتراوح من الأدب العربي إلى الآداب الأجنبية الأخرى وقد اِستنبط شكل نصوصه الشّعرية من مقولات الشّعر الجديد في حُسن الصّياغة والبحث عن رشاقة العبارة بالإضافة إلى هذا فإنّ هذا الشاعر مع الأسف لم ينل حظّه في الإعلام وفي المشاركات الأدبية والشّعرية بينما يتوفّر شعره على اِنسيابات دافئة و سلسة رغم ما فيها من مُباغتة بالفجيعة أحيانا
إنّ شعر حُسين القهواجي يرشح بالصّدق وبالمعاناة في عصر الألمنيوم
والأزرار ولا عجب إِذِ الشّاعر أصيل مدينة القيروان الجذلى بعبق التراث والتي تعود إليها أغلب قصائد حسين القهواجي
هو في شعره درويش متجوّل عبر العالم وعاشق للصّفاء وللجمال
وللمحبّة من خلال نفائس هذا الكون البديع
حُسين القهواجي شاعر جدير بالاهتمام
* نشرت هذه المقالة في حياة الشّاعر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ بانُوراما على تُخوم يُوسف رزوقة
ــ 1 ــ
ذلك الفتى الذي تقدّم إلى أستاذه مبتهجا ومفتخرا جذلانَ وهو في السنوات الأولى من التعليم الثانوي وفي يده المجلة أو الصحيفة التي نشرت له نصّه قصةً أو شعرًا لاقاه ذلك الأستاذ عابسا بالصدّ بل نهره كأنّ الفتى اِرتكب ذنبا كبيرا في نظره فقد اِعتقد جازمًا أن تلميذه اِنتحل النص ونشره باِسمه
هذه هي الصدمة الثانية التي يتلقاها ذلك الأديب اليافع
أما الصدمة الأولى فقد كانت مع عمود الكهرباء عندما اِصطدم به وهو يسير قارئا ما خطّه يراعُه الذي فاجأه منشورا أوّل مرة وقد أرسله بالبريد فاِنهمك في قراءته وهو يسير حتى اِندمج في الصحيفة فوجد نفسه بغنةً
وجهًا لوجه مع العمود
بعد سنوات عشرٍ أو تكاد جلس ذلك الفتى وقد صار شابا في كلية الآداب بتونس أمام أستاذه وهو الشاعر رياض المرزوقي ليمتحنه في المسألة الشفاهية فيجد منه التشجيع بل التهنئة والاِعتزاز بفوزه بجائزة وزارة الثقافة الأولى بالرغم أن أستاذه قد فاز معه ولكن بالجائزة الثانية
ذاك الفتى… ثم ذلك الشاب بعد سنوات وجدت تعريفا له في موقع غوغل على الأنترنت كما يلي :
ـ يوسف رزوقة شاعر وناقد وكاتب تونسي من مواليد 21 مارس 1957، بقصور الساف بتونس. يراوح في كتاباته بين النقد، الشعر، القصّة ويكتب للأطفال واليافعين. صاغ مع مثقفين عرب دستور الشعراء : رؤيةً جديدة لتشخيص الإيقاع العالمي الجديد في ظل الفضاء الاِتصالي المُعَولم.
ـ خاض مع شعراء من فرنسا ضمن أشغال ورشوية تجربة تطبيق العروض على القصيدة الفرنسية وله في هذا السياق مؤلفاتٌ كما خاض مع شعراء من الأرجنتين ضمن أشغال ورشوية تجربة اليوغا الشعرية بالإسبانية وله في هذا السياق مؤلفات
ـ تمّ اِنتخابه 2005 سفيرًا لدى جمعية أمريكا اللاتينية لشعراء العالم بالشيلي، مُمثّلا للعالم العربي فأمينا عاما لها وتمّ تعيينه 2006 في جينيف سفيرا عالميا للسلام
إلى جانب لغته الأمّ، يدأب على الكتابة بلغات أخرى هي الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والبرتغالية
ــ 2 ــ
اِبتهجتُ حقا بهذا التعريف الشامل لأنه يؤكد أن أديبا تونسيا من أصدقائي ومن جيلي قد نال كل هذا التقدير بفضل دأبه على الأدب في مختلف فنونه ولغاته وأحسست بشيء من الحسرة أو العتاب الذاتي لأني لم أكن مُلمّا بكثير من هذه التفاصيل في مسيرة يوسف رزوقة وأنا الذي أكنّ له المحبّة والاِعتزاز وبيننا الصفاء والعِشرة الطيّبة فقد اِلتقينا وشاركنا وترافقنا وواكبنا عديد المناسبات معًا على مدى سنوات عديدة في تونس خارجها وهذه مناسبة لمصافحة أخرى بيني وبين صديقي يوسف رزوقة شاكرا لصديقنا محمد المي إتاحة هذه الفرصة للحديث عمّا تيسّر في مسيرته الثريّة والمتميزة والتي يصفها صديقنا عامر بوعزّة قائلا :
ـ إنه يصعب تصنيف الكاتب يوسف رزوقة ضمن تيار بعينه من تيارات الكتابة الحديثة في تونس وذلك على الأقل لثلاثة أسباب موضوعية، أوّلها تبعثر التيارات الأدبية المحلية منذ نهاية الثمانينات وتلاشيها في أصوات منفردة رغم كل محاولات تجميعها اللاحقة، وثانيها غزارة إنتاج الكاتب فهو أكثر شعراء جيله إصدارا للمؤلفات بل لعله يمثل ظاهرة فريدة في تونس التي يتّسم إنتاجُ كتّابها ومثقفيها بالندرة بدءا من أبي القاسم الشابي وصولا إلى محمود المسعدي، وثالث هذه الأسباب تنوع تجربة الكتابة لدى يوسف رزوقة فقد جمع بين لغات شتى ووظف ذلك ليكون بمحض مبادرته جسرا بين الثقافة العربية في شمال افريقيا ونظيرتها في أمريكا اللاتينية، وهو ينتقل جيئة وذهابا بين الشعر والرواية وإن كان لا يتفرد بهذا إذ درج كثير من الشعراء على الانتقال في مراحل متقدمة من تجاربهم إلى السرد مستثمرين حوار الأجناس في أعمالهم لاكتشاف مناطق جديدة في التجريب الإبداعي
ــ 3 ــ
ليس سهلا بل ليس ممكنا إذن أن أحيط بمحطّات ومصنّفات ومساهمات يوسف رزوقة الأدبية والفنية من رسم وشعر وقصة ورواية وكتابات للأطفال واليافعين وغيرها من الكتابات في مختلف اللغات فهذا الأمر لا تقوم به إلا جهود متنوعة ومتضافرة وعلى مدى سنوات من البحث ومثل هذا الطموح من المفروض أن تنهض به مختلف المؤسسات الجامعية والثقافية بما لها من كفاءات نقدية ومجالات بحث مختلفة ضمن برامجها وشهائد تخرّجها وفي نطاق اِستراتيجية ثقافية وطنية شاملة تعتز بالاِنتماء إلى تونس أوّلا وبالذات ولكن مع الأسف فإن الكثير من قومنا يؤثرون الغير على بنيها بالرغم أن بينهم من هو جدير بالدراسة والمتابعة ومن ذاع صيته شرقا وغربا…
ليس عجبا إذن أنك إذا تصفحتَ ـ غوغل ـ أو كتبت اِسم يوسف رزوقة في مجالات الأنترنت ستقرأ لا محالة عديد العناوين من بينها مثلا :
يوسف رزوقة… العبقريّ المنسيّ في تونس المحتفى به عالميا
أو
يوسف رزوقة… قصّة شاعر وكاتب تونسي اِحتفى به العالم وتناسته بلاده
إنّ الأمر لا يهمّ يوسف رزوقة فقط وإنما يشمل العديد من الأدباء التونسيين نذكر من بينهم الراحلين مثل محمد العروسي المطوي والميداني بن صالح ومحمد المختار جنّات ومحي الدين خريّف ونور الدين صمود وجعفر ماجد ناهيك أنّ أبا القاسم الشابي ومحمود المسعدي وما أدراك ما هما… هما اللذان لا أعرف أن رسالة دكتوراة دولة واحدة أنجزها أحد من التونسيين في موضوع حول مصنّفاتهما العديدة !
في هذا السياق وضمن هذا الطموح تتنزّل مثل هذه الندوة لعلها تكون حافزا للهمم فتحرّك ساكنا وتثير المياه الرّاكدة .
لقد اِكتوى شاعرُنا بهذا الجحود من بني قومه وتأثّر من عدم المبالاة الضارب في تونس حول المبدعين وقد نال منه اليأس والإحباط بسبب الوضع الإنساني المرعب الذي أمسى يسود العالم فصرّح مرّة قائلا في فزع :
ـ اِنتهى الإنسان وانتهت الرّؤى… حلوى وشوكولاتة مسمومة في كلّ واجهة معلّبة بلا علب هنا والآن، لا قرّاء إطلاقا ولا عشّاقا للأدب اِنتهى الأدب اِنتهى الشّغف…
ــ 4 ــ
ثمّة بعض المبالغة حقّا من صديقنا يوسف في شعوره بهذا الضّيم الذي أحسّ به فهو والحقّ يقال يتمتّع بين الجميع بقدر كبير من التقدير والاِحترام سواء كان مشتغلا بالصحافة أو منتسبا لميدان الثقافة فهو أحد رموز القصيدة التونسية الجديدة بلا منازع وعندما نستعرض فقط قائمة الجوائز التي نالها نتأكد من ذلك ومن هذه الجوائز نذكر :
- الصّنف الثالث من وسام الاستحقاق الثقافي بتونس.
- 1~ جائزة وزارة الثقافة لكتابه الشعري «برنامج الوردة»،1986.
- 2~ جائزة وزارة الثقافة لأدب الطفل عن كتابه «وطارت البرتقالة» 1993
- 3 ~ جائزة وزارة الشباب والطفولة لأناشيد الأطفال، عن شريطه المغنطيسي “صباح الخير يا وطني” (ألحان فرحات الجديد وأداء أطفال المرّيخ”) 1997
- 4~ جائزة وزارة الثقافة لكتابه الشعري «الذئب في العبارة»،1999.
- 5~ جائزة أبي القاسم الشابي لكتابه الشعري «أزهار ثاني أوكسيد التاريخ»،2002.
- 6~ جائزة الدكتور أحمد عبد السلام للإبداع الثقافي | رصدتها ولاية المهدية تتويجا لمسيرته الشعرية،2003.
- 7~ جائزة الملك عبد الله للآداب والفنون ـ عمان الأردن، عن مجمل أعماله الشعرية 2004 مناصفة مع الشاعر الأردني حيدرمحمود حيدر
ــ 5 ـــ
لا أظن أن المبدع الحقيقي يقيس نجاحه بكثرة الجوائز والتكريمات وغيرها لذلك نرى صديقنا يوسف رزوقة غير راض بما آل إليه الشعر والفنون في شتّى أصقاع العالم من عدم اِهتمام فقد تفشّت حضارة الاِستهلاك السريع في كل الميادين ومقاييس العرض والطلب واِنحدرت القيم الإنسانية هاويةً في سراديب التلاشي والاِنهيار وفي هذا السياق نضع قولته هذه ـ
اِنتهى الإنسان وانتهت الرّؤى… حلوى وشوكولاتة مسمومة في كلّ واجهة معلّبة بلا علب هنا والآن، لا قرّاء إطلاقا ولا عشّاقا
للأدب اِنتهى الأدب اِنتهى الشّغف…ـ
فبهذا الاعتبار إذن نقرأ عنوان مجموعته الشعرية الأولى ـ أمتاز عليك بأحزاني ـ إنها أحزان ثقيلة وضاربة في الأعماق وتُخيّم على كل الآفاق لأنها ناتجة عن إحساس إنساني عارم بما آل إليه العالم نحو التدهور على جميع المستويات فوجد الشاعر نفسه وحيدا غريبا لا تربطه بغيره أية علاقة وقد اِنفصمت الصلات بينه وبين الآخرين مثلما عبّر عن غربته الموحشة الشاعر القديم الأحيمر السّعدي قائلا:
عَوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى
وصَوَّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ
فلا نتفاجأ عندما نقرأ قصيدة ـ نلتقي في جنّة الوهم ـ أنه يودّع الجميع ويودّع كل شيء كأنها قصيدة رثاء ذاتي قبل الأوان :
مكرها لا بطلا
أُلقِي بنفسي خارجَ المنزلِ والتّاريخِ والجغرافيا
لا اللّغةُ الأمُّ بأمّي
لا عبادُ اللّهِ ناسي
مُكرَها لا بطلا
أنسلُّ من عائلةٍ..
عائلُها الأوّلُ كالآخِرِ شيءٌ تافهٌ جدًّا ومفعولٌ به حدَّ الرّثاءِ
مكرَها لا بطلا
أشطُبُ اسمي
إنّني المَيِّتُ
والواجبُ إكرامي بالممكنِ من فاكهةِ النّسيانِ
لا أطلبُ شيئًا من محاويجِ بلادي
لا ولن أبكيَ كالخنساءِ كوني متُّ قهرًا
مع أنّي وأنا أمضي بعيدًا..
أتمادى في بكاءٍ يجعلُ النّخلةَ تحدودبُ في صحرائـِها لي
أيّها الآخِرُ
ها أنّي وحيدٌ و.. كثيرٌ
لستُ أحتاجُ إلى شيءٍ
فقطُ إن لحت في زُومِكَ..
فلا تفتحْ لي ذراعيكَ
وأغلقْ، أيّها الآخِرُ، فردوسَكَ في وجهي
فلا يستأهِلُ الواحدُ منّي، وأنا شعبٌ من اللاّ شيءِ، شيئًا
قد ينجّيني من الموتِ وحيدًا وشريدًا وبعيدًا عن بلادي..
مكرَهًا لا بطلاً
ألقي بنفسي خارجَ المنزلِ والتّاريخِ والجغرافيا
ها إنّني متُّ
فلن أبكيَ، من ثـمّةَ، من قهرٍ، على كمْ وطنٍ لي
لم يعد يعني، وكلّ الفضل للأبناء، شيئا
نلتقي في جنّةِ الوهمِ… وداعًا!.
ـ 6 ـ
إن شعور الإحباط والتشاؤم من المنزلة الإنسانية زاد من هموم الحزن القديم في معاناة الشاعر فحُزنه يبدو أنه مثخن متأصّل الشجون ضارب الجذور منذ نشأته زمن طفولته فبرز واضحا جليّا وبغتة في مطلع شبابه مع صدور ديوانه الأول وذلك في عنوان ـ أمتاز عليك ـ وهو في الأصل عنوان قصيدة بمناسبة رحيل صديقنا الشاعر مختار اللغماني سنة 1976
وللشّاعر عديد الوقائع يستذكر فيها تفاصيل عهد الطفولة ويسجّل بعض الملامح والأخبار عن أبيه وجدّه وهي نصوص جديرة بالتحليل لكشف أغوار نفسيته حيث وردت في خمسة فصول أو محطات منشورة في حسابه الخاص بالفايسبوك وهي :
ـ قصور الساف محطة أولى
ـقصور الساف محطة ثانية الساف أعرفها
ـ قصور الساف محظة ثالثة
ـ صور الساف محطة رابعة ـ زُردة
ـ محطة خامسة ـ الغولة التي أحببت
لقد كان الشاعر واعيا بهذا الحزن باِعتباره أحد أهم محاور الشاعرية لديه حيث نقرأ له قائلا :
ـ منذ البداية، لازمني الحزن كهاجس متواتر بوصفه حزنا إيجابيا يؤسس لبدائل شعورية ورؤيوية تبني في المتلقي ما به يستوي مستطيعا بالسلبيات.. ولعل في عنوان ديواني الأول «أمتاز عليك بأحزاني» الصادر سنة 1978، وكنت طالبا وقتها في سنتي الأولى بكلية الآداب، خير دليل على تباشير الحزن الأولى والتي تواصلت معي ولم تزايلني إلى الآن، على خلفية أن الحزن لا يصدر دائما عن مزاج سوداوي، قاتم بل إحساس عارم شبيه بالاندهاش الفلسفي يجعل الذات المبدعة تتمثل هما بنائيا هو الحزن المؤسس والذي بدونه، ينتفي رؤيويا معنى الانشغال وتحل محله الدعة واللا اهتمام بسؤال الوجود في شتى تلاوينه
ــ 7 ـ
إن حُزن يوسف رزوقة ليس حزنا رومنسيا شخصيا وإنّما هو حزن متجذّر شامل حتى أمسى حزنا كونيّا نتيجة تماهيه في الغربة الإنسانية التي اِلْتبس بها واِلْتبست به عند مقاربته الآداب الأخرى في العالم من أقاصي آسيا إلى وسط أوروبا وحتى أمريكا اللاتينية فتفاعل مع أعلام الشعر والأدب في تلك البلدان وربط صلاتٍ وُثقى مع كثير من معاصريه في آدابها التي حذق بعض لغاتها وأبدع فيها أيضا وما قصيدة ـ يفغيني يفتوشنكو ـ إلا مثال عن هذا الفيض الإنساني فعبّر فيها عن تضامنه مع هذا الشاعر من الاِتحاد السوفياتي حيث كشف في قصائده ومقالته بشاعة عهد ستالين وفي القصيدة ثمة إشارة إلى التحولات الجذرية التي حدثت في عهد غورباتشوف مما يؤكد تفاعل يوسف رزوقة مع بعض الأحداث العالمية جاعلا من أعلام العصر إشارات وتلميحات فهو يقول في بعض حواراته إنه يعمل على تقنية القصيدة التي تقول الصمت وتلهج بالمسكوت عنه ـ وهذه القصيدة تعبّر أحسن تعبير عن هذه القولة
وهذه قصيدة يوسف رزوقة ـ يفغيني يفتوشنكو ـ
الغربة
غورباتشوف
غرابة ما لم يغرب بعد
اغرب عن وجهي !
لكنّ السّنجاب تجاهل تهديدات الشّاعر
واستولى من ثمّ
على حبّ امرأة
كانت تتجمّل غير بعيد عن يفتوشنكو
لفتاها القادم بعد قليل
من فزّاعة غورباتشوف
ومن قصائد الشاعر يفغنني يفتوشنكو
1932 ـ 2017)، وهو شاعر وروائي من أصل أوكراني. بدأ نشاطه بكتابة الشعر في عام 1949، ثم في عام 1952 أصدر أول كتاب له بعنوان “كشافة المستقبل”، وأصبح أصغر عضو في اِتحاد الكتاب في الاتحاد السوفييتي. انتقل سنة 1991 للعيش في الولايات المتحدة.
ومن قصائده بترجمة إبراهيم إستنبولي هذه القصيدة
نحن لا نشيخ بفعل الشيخوخة
ولا بسبب ما عشناه من سنوات
بل نشيخ من جرَاء التعب
وبسبب الآثام والإهانات
بفعل الحزن والقدر المحتوم
وبفعل حبٍّ لم يُكتب له النجاح؛
بسبب فقدان الأمل في هذي الحياة
وبسبب ذلك الصخب اليومي
بسبب الهموم التي تتضاعف وحسب
والمشاكل التي لا حلَّ لها
نحن نشيخ قبل الأوان
لأنَّ أرواحنا تُصاب باليأس
والإحباط
ــ 8 ــ
إنّ منهجية الأدب المقارن التي تبحث في العلاقة بين مختلف الآداب من خلال آثار الأدباء في هذه اللغة وتلك فتقف على التشابه والتأثر والتأثير بينهم يمكن أن تكون أحد أهمّ أبواب الولوج إلى أدب يوسف رزوقة لكشف تخوم مسيرته شعرا ورواية وغيرهما من نصوصه الأخرى كما يمكن لمنهج التحليل النفسي أن يستبطن حتى تأثيرَ اِسمه _ يوسف _ في كثير ممّا كتب وأن يحلّل تلك النصوص التي تمخّضت عن بعض الأحداث المأساوية في حياته…وقائع شخصية قد واجهها في حياته بكثير من الصبر والتحدّي وهذا المبحث النفسي يمكن أن يفتح مجالات أخرى في خصائصه الأدبية التي تتميز أيضا بالتعدّد اللّساني فقد أرسل ذئبه الإبداعي في غابة الأدب بشتى اللغات والأجناس فحقق المعادلة المستحيلة… ما جاع الرّاعي… ولم
يشتك الذئب
ــ9 ــ
:أقترح إذن منهجيةً ثلاثية الأبعاد أو الأضلاع هي
منهجية التحليل النفسي
ومنهجية أدب المقارن
والمنهجية اللسانية
بهذه الثلاثية مجتمعة يمكن لنا مباشرةُ مدوّنةِ يوسف رزوقة
حتى نقف على مختلف أبعادها وخصائصها
ختاما
قرأتُ في بعض الأخبار القديمة أن يوسف زليخة سُئل يوما ما فعل بك إخوتك ؟ فأجاب : لا تسألوني عن فعل إخوتي بل اُذكروا لطف ربّي بِي
اليوم ونحن نحتفي بصديقنا يوسف رزوقة نقول إنّ الذئب الذي أرسله في العبارة كان ذئبا وديعا…وديعا جدا
فما ألطف ذئب عبارتك يا يوسف !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع أصدقاء مدينة المهديّة
ــ 1 ــ
ما أبهجها من لحظات عندما تجد الأصدقاء القدامى في اِنتظارك وأنت قادم إليهم من تونس العاصمة وتنزل بينهم ليستقبلوك بالأحضان في مدينة المهدية هذه المدينة التونسية العريقة التي تتربع وسط السواحل التونسية تبعد عن تونس العاصمة مسافة 250 كلم وكانت عاصمة الدولة الفاطمية على كامل أنحاء إفريقية في القرن الرّابع الهجري إنّها مدينة المعزّ لدين الله ومدينة الشاعر اِبن هانئ الأندلسي
ــ 2 ــ
قصدت المهدية يوم السبت 17 فيفري 2024 لأحضر اِفتتاح المكتبة الخاصة لصديقنا الفقيد الأديب عبد المجيد يوسف رحمه الله وقد هيأتها عائلته الكريمة بعناية لتكون كتبها المختلفة في متناول الأدباء والدارسين والباحثين وهذه بادرة جديرة بالتقدير لما ترمز إليه من اِعتزاز ووفاء لصديقنا العزيز من ناحية ومن ناحية أخرى لما تُتيحه من مجالات بحث في أدبه وفي الأدب التونسي والأدب العربي وحتى في بعض الآداب الأخرى لأن مدوّنة الأديب عبد المجيد يوسف تشمل أجناسا مختلفة من الكتابات شعرا وقصة ورواية ونقدا ومقالات في اللغة ومقدّمات وغيرها من المترجمات من اللّغة الفرنسية والإيطالية وقد حملتُ معي إلى هذه المكتبة صورة جميلة كبيرة لصديقي الرّاحل لتقابل كل من يدخل إليها بسلام… فسلام وسلام على روحك يا صديقي وأرجو من ـ الصّالون الأدبي والفكري ـ الذي تسمّى باِسمك أن يواصل التعريف بمختلف إصداراتك وأن يعمل جاهدا لجمعها ونشرها ضمن طبعة ـ أعمال كاملة ـ كي لا تضيع ويطويها الإهمال والنسيان وما هذا بعزيز إذا صحّ العزم
ــ 3 ــ
كانت مناسبة إذن للإلتقاء بأصدقائي القدامى والجلوس معهم والفضل يعود لصديقي الطبيب الدكتور المولدي فرّوج الذي أعلمهم بقدومي وهو شاعر وروائي ومسرحي وكاتب صحفي عرفته منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين عندما كان طالبا في الطب ومن روّاد ـ النادي الثقافي الطاهر الحداد ـ ثمّ تعارفنا أكثر بمناسبات اِتحاد الكتّاب التونسيين وجلسات نادي الشعر وعلى صفحات ـ جريدة الرأي ـ وفي ملتقيات الشعر بتوزر والمتلوي وغيرها وهاهو اليوم أجده في اِنتظاري فذكرنا بأسف ولوعة أصدقاءنا الشعراء والأدباء الذين فارقونا في المدة الأخيرة واِسترجعنا بعض الذكريات معهم ولم يغب عنا كذلك الخوض في أحوال اِتحاد الكتّاب التونسيين وما يشهده من ركود في نشاطه وتواصينا أن نساند في المؤتمر القادم المترشّحين الذين نتوسّم فيهم العمل الجدّي والإضافة للخروج بالاِتحاد من أزمته الحالية ليُحقّق طموحات الأدباء وليكون صوتا متميّزا وعاليا في كل ما يهمّ الشأن الثقافي خاصة والقضايا الوطنية عامة وقد تبادلنا الحديث في هذا الموضوع مع الأصدقاء الحبيب بن فضيلة وعمار العموري وخالد الرداوي الذين عبّروا عن تمسّكهم بالاِتحاد باعتباره مكسبا يمكن أن يكون ناجعا أكثر بفضل ما في رصيده من إنجازات وبما يزخر به من طاقات وخبرات .
ــ 4 ــ
عدت من المهدية بهدايا ثمينة هي إصدارات جديدة للصديق المولدي فرّوج
* رواية ـ في الاِنتظار
* مجموعة شعرية ـ هذا كلام في الريح
ومجموعة قصصية للصديق الحبيب بن فضيلة
* أجراس صدئة
ــ 5 ــ
بعد الجلسة في المقهى دُعيت إلى الغداء في أحد المطاعم الفاخرة ولكني شكرتهم على كرم الضيافة واِخترت الأكلة التي تختصّ بها المهدية وهي ـ الشّاباتي ـ فأخذوني إلى دكّان مشهود له في هذه الأكلة التي تتكوّن مع عجين مطروح رقيق ثم يُحشى بيضًا مسلوقا وجُبنًا وفُتاتَ التّن مع شيء من البهارات ويُلفّ الجميع على شكل قرص نصف دائرة ثم يوضع في الفرن وما ألذّه وأشهاه !
سألت صديقي الدكتور الطبيب مولدي فرّوج قبل أن أبدأ تناوله عن طريقة أكله ـ كي لا أوضع في حرج ـ فأرشدني ناصحًا أن أبدأ من زاويته السّفلى المكتنزة
فطريقة أكل – لحمة الكتف – إذن تشبه تماما طريق أكل ـ الشاباتي ـ فكلاهما يؤكل بداية من الزاوية السّفلى حتّى لا يسيل ماءُ لحمة الكتف على الثياب وكي لا يتساقط ما في ـ الشّاباتي ـ بين اليدين !
ولم أبدأ إلا بعدما رأيت صديقي يتناول ـ الشاباتي ـ بخبرة وظرافة…كيف لا وهو الطبيب الأديب !!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جبل القرنين
ــ 1 ــ
صديقي الشاعر معمّر الماجري هو ثالث الثلاثة من الأصدقاء المتيّمين بمحبّة مدينة حمام الأنف مع الأديب جلال المخ والشاعر عبد الحكيم زريّر هذه الضاحية التي كتب عنها ـ بالإضافة إليهم ـ عديد الأدباء من بينهم علي الدوعاجي في إحدى قصصه والشاعر مصطفى خريّف في قصيده ـ بين جبل وبحر ـ وذكرها الأديب عزالدين المدني عند سرد ذكريات طفولته عندما لجأ إليها مع عائلته إبّان الحرب العالمية الثانية التي كتب عن إحدى وقائعها في مدينة حمام الأنف الشاعر مصطفى المؤدب وللشاعر عبد الرحمان الكبلوطي قصيدة فيها أيضا وقد ذكرها كذلك الأديب ميخائيل نعيمة في إحدى رسائله على إثر زيارته لتونس سنة 1961
ــ 2 ـــ
دعاني الصديق الشاعر معمّر الماجري في يوم رائق معتدل بعد أيام قرّ شديد إلى زيارة هذه الضاحية فكانت مناسبة لزيارة قبر جدّي رحمه الله في المقبرة القديمة ثم صعدنا الهُوينا عبر دروب جبل بوقرنين حيث كان صديقي يحدّثني بحنين عن ذكريات طفولته في محتلف الأحياء والشّعاب فكان ـ سي معمّر ـ محلّ ترحاب حيث ما مررنا أو جلسنا كيف لا وهو الذي عاشر مختلف أصناف أناسها جيلا بعد جيل عن قرب وعلى مدى سنوات فعرفهم وعرفوه في عديد الظروف وله معهم حكايات طريفة وعجيبة أحيانا
يوم كأنه من أيام الرّبيع ظفرنا به في عزّ أيام الشتاء الباردة والممطرة فلاحت الأشجار خضراء يانعة لامعة بقطرات المطر المتبقّية على أوراقها تحت الشمس الدافئة فكان كلما مررنا بشجرة ذكر لي اِسمها وخصائصها وأوجه الاِستفادة منها لكأنه خبير بها …كيف لا وقد كانت هذه الفجاج والشعاب والأودية مسرحا لألعاب طفولته مع أتراب حيّه بين كرّ وفرّ وبين سهر وسمر
عندما بلغنا منبسطا من إحدى الشعاب توقف وحدثني أن هذا المنبسط كان في السنين الخوالي منتزها في فصل الربيع لعائلات ـ حيّ الملاسين ـ فترى الجميع في سرور وحبور مجتمعين حلقات حلقات طاعمين مع بعضهم شاربين كؤوس الشاي والأطفال في لهوهم وألعابهم بين الأشجار فرحون فيا لها من ذكريات ممتعة اِسترجعها بحنين صديقي الذي كلّما مررنا بأحدٍ أو جماعةٍ توقّف ليسلّم عليهم فيستقبلونه بحرارة ومودة وتقدير إذْ عاد إليهم بعد غياب مثلما عاد إلى مرابع طفولته في وهاد جبل بوقرنين الذي يعرفه شجرة شجرة ونبتة نبتة من العرعار والكالتوس بالإضافة إلى الصّنوبر الذي كان يقطف منه حبّات الزّقوقو
ــ 3 ــ
كم حدّثني صديقي عن ولعه بجمع باقات زهرة السّكلمان ـ بخور مريم ـ الجميلة والنادرة الوجود والتي يختصّ بها جبل بوقرنين وكان يشير من حين لأخر إلى أصناف عديدة أخرى كالإكليل والزعتر والصبّار وإلى نبتة ( صبّاط الغول )التي كان يلُفّ بها باقة السّكلمان لتحفظها وتزيدها جمالا
ومن النباتات الجبلية الأخرى التي أرانيها صديقي نبتة القيز وأعلمني أنّ نبتة البُصّيلة هي غذاء للخنزير يستخرجها من تحت الأرض وقد صادفتنا يومئذ آثار سيره أمّا نبتة التّيفاف فهي طعام لذيذ للحيوانات العاشبة يشاركها الإنسان أيضا في أكلها وقد قيل في المثل الشعبيّ ( آش يكفي الجمل م التّيفاف ) وحين تطلّ طلائع الرّبيع بأيّامه الأولى يكتسي الجبل بحلّته المزركشة التي فيها صفرة (القْرّيسة ) وحمرة الأقحوان فيلوح جبل بوقرنين بديعا للناظرين
صعدنا رويدا رويدا حتى أشرفنا على زرقة الخليج المقابلة للاِخضرار تحت زُرقة السماء فيا لها من متعة رائقة إذ يحفّ بنا النّسيم كأنه أجنجة نرفرف بنا في خضمّ هذه الطبيعة البديعة في تونس الجميلة في كل ناحية من نواحيها حيث ما كنتَ أو اِتّجهتَ ولكنّنا لم نقدّرها حقّ قدرها مع الأسف فحينما بلغنا الربوة المطلّة على مدينة حمّام الأنف بدا لنا ـ البُرج الأخضر ـ في حالة دون ما يجب أن يكون لأنه كان في السنين الخوالي مَعلما سياحيا متميّزا أمّا عن ـ الكازينو ـ
وكذلك ـ قصر الباي ـ فحدّث عن خرابهما ولا حرج
ــ 4 ــ
لقد كان جبل بوقرنين مُلهما لبعض الشعراء والأدباء مثل الشاعر مصطفى خريّف الذي اِستقرّ بمدينة حمام الأنف مدّة من الزمن أثناء الحرب العالمية الثانية فكتب قصيدة ـ بين جبل وبحر ـ وهي في صيغة حوار بينهما وقد نشرها في ديوانه الأوّل ـ الشّعاع ـ سنة 1949 ثم أعاد نشرها في ديوانه الثاني ـ شوق وذوق ـ سنة 1965 ومنها قوله
(الجبل)
يا بحر
أيّها الغائص في بطون الأرضين
السجين في أغوار الصخور وأكناف الرمال
يا رهين القيود والأصفاد والظلمات
ما أبعد أعماقك ! وما أبهم اِمتدادك
(البحر)
يا جبل
أيّها الضائع في أجواز السماوات
التائه في آفاق الفضاء الأبدية
المتحمّل أثقال السّحب وأنفاس الكواكب
يا مُنبت الصّخر والشّوك
و القتاد والجيف المتعّفنة
ما أحمق رسوخك
و ما أحقر تطاولك
ــ 5 ــ
عندما زار الأديب ميخائيل نعيمة تونس تونس سنة 1961 أرسل رسالة إلى اِبن عمّي سي الحبيب عبيد الذي كان في توديعه ذكر فيها جبل بوقرنين قائلا ـ
لكَم وددت يا صديقي الفتيّ لو كان لي أن
أتحدّث إليك وإلى الكثير من الشبّان التونسيين أمثالك لا من على منبر المسرح البلدّي بل على شاطئ البحر أو في بستان من الزّيتون أو في سفح “بوقرنين” أو في أيّ مكان يطيب فيه الحديث فيجري طلقا عفويا ودونما أقل كلفة ـ
نص الرسالة منشور في العدد الأخير من مجلة الحياة الثقافية التونسية
ولصديقنا الشاعر عبد الحكيم زريّر قصيد زجلي بديع بعنوان ـ الهَمْهَامَا ـ وهو الاِسم الشّعبي لمدينة حمام الأنف وصف فيه مختلف معالم المدينة ومناطقها التي من بينها ـ جبل بوقرنين ـ حيث ورد فيه قوله
مْدِينَة حَيَّة
مِزْوَارَة شِرْهَة شَعْبِيَّة
خْصُوصِي تْجِيهَا عْقَابْ عْشِيَّة
وْمَا نَحْكِيشْ عْلَى امَّالِيهَا
يَا مَحْلاَهَا
حِسْدُوهَا إِلِّي بَحْذَاهَا
بْخَصْلْتِينْ الْبَارِي حْبَاهَا
جْبَلْهَا وِبْحَرْ مْحَاذِيهَا
رَاهِي نَارُو
كَرْنَازِيسْ مَحْلَى خُنَّارُو
بْقِمْتِينْ وُسْطَ اشْجَارُو
قِمَّة وَحْدَة يْقُولُو بِيهَا؟
فُخْرِةْ نَارُو
تَدْفَا بْمَاهْ وْمَا تْشُوفْ نَارُو
مِنْ قْدِيمْ وْعَرْفُو كَارُو
جْمِيعْ لِبْرَايِدْ يْدَاوِيهَا
مِنْ بْعِيدْ
يْنَاجِي فِي سِيدِي بُوسْعِيدْ
الْمُوجَة تْوَصِّلْ فِي التَّنْهِيدْ
بْنِسْمَة فَايْحَة يْعَبِّيهَا
ــ 6 ــ
جمع صديقنا الأديب جلال المُخ في كتابه ـ حمّام الأنف في قلوب الشعراء ـ الصّادر عن دار المعارف للطّباعة والنشر سنة 2008 عديد القصائد لجمهرة من الشعراء والأدباء الذين كتبوا عن مدينة حمام الأنف ومن نكد الدّهر أن بلديتها رفضت اِقتناء ولو نسخة واحدة من هذا الكتاب المَرجع وهي المدينة التي كانت وماتزال سَكنا ومَزارا وقِبلة الأدباء والشّعراء والفنانين على توالي الأجيال وتتالي العصور من الشّرق والغرب على السّواء ومن أولئك الشّعراء المتيّمين بحبّها والوفاء إليها صديقنا معمّر الماجري صاحب قصيدة مبتكرة في غرض الرثاء أعتبرها إضافة جديدة لما حوته من الحنين والألفة في أسلوب سرديّ يعتمد بساطة التفاصيل الصغيرة ضمن السّهل الممتنع ولكنها بساطة وسلاسة تعبّران عن ألم ثخين بسبب فراق رفيقة عمره والقصيدة بعنوان ـ اِنعم بزوجك يا زوج الحذاء ـ
كلّ الأفضيةِ
تَنَفٌّسُ ريحَكِ
في ” المغازة ” هذا الصّباحَ
حدّثَني زوجُ حِذاءٍ
أَنّهُ يُناسبُ مقاسَكِ
وأنّ لونَهُ الذي تُفضّلينْ
وأنّه قُدّ من الجلدِ الثّمينْ
و أنّ سِعرَهُ مناسبُُ
و أنّهُ … و أنّهُ …
قلتُ لهُ
يا زوجَ الحذاءْ
إنّها اِرتقَتْ
ما عاد يتّسعُ المَقاسُ
ما عادت تُغريها الألوانُ
ولا الأثمانُ
حبيبتي
حلّقَتْ روحُها
لا زوجةَ لي
اِنْعَمْ بزوجكَ
يا زَوجَ الحذاءْ
والشّاعر معمر الماجري يكتب في شتّى الأجناس الأدبية سَردا ونقدا وشعرُه مختلف المواضيع والأشكال إلا أنّه إلى الطقوس العمودية أميل مثل قصيدة ـ رحلة هوجاء ـ التي كتبها عندما بلغ الستين من العمر والتي يذكر فيها الحيّ الذي مررنا به حيث يقول فيها
ستّون عاما قد ركبتُ مَطيّها
في رحلة هوجاءَ دون قرارِ
في حيّنا الشعبيٌّ نسجُ ملامحي
غصنا تربّى في حِمى الأشجارِ
و لقد نشأنا في العراكِ من الصّبا
” سيزيفُ ” يعشق لذّة الإصرارِ
والفقرُ لمٌا سامنا بسياطه
قلنا له إنّي اِتّخذتُ إزاري
من صبر أيّوبَ الجميلِ حبكتُهُ
من قصّة الإيمان بالأقدارِ
ما زلتُ أذكر في الديار حمامتي
زجل الحمام معلّق بجداري
قد بحت بالحبّ الجميل كرامةً
لا يُفقد البوحُ الجميلُ وَقاري
ستّون عاما قد مررن بسرعة
الله أعلمُ ما مدى الأعمارِ
هي إذن قصيدة السّيرة الذاتية المفعمة بالحنين والشجون
ــ 7 ــ
ما كنت أدري قبل أربعين أن أحد تلاميذي النّجباء في معهد فرحات برادس وهو الصّديق عبد الوهّاب الهاني كان يعرض عليّ وقتها بعض القصائد لصديق له حتّى أبدي فيها رأيي فكنت أشجّع صديقه على المواصلة والمطالعة وتمرّ الأيام والأعوام لأجد نفسي أمشي مع صاحب تلك القصائد على دروب جبل بوقرنين
وبهذه المناسبة أذكر عندما كنت بالسنة الأولى أو الثانية من التعليم الثانوي بالمدرسة الصّادقية في منتصف ستينيات القرن العشرين الماضي بعثتُ مع زميلي وصديقي هشام بالشّيخ قصائدي الأولى إلى أخته الأديبة حياة بالشيخ فقد كانت من أبرز الأديبات التونسيات في تلك السنوات فقرأت قصائدي وكتبت لي ملاحظاتها القيّمة التي اِستفدتُ منها فإليها جزيل الشكر وفائق التقدير
ما أبلغ قول الجاحظ
ـ ينبغي أن يكون سبيلنا لمن بعدنا كسبيل من كان قبلنا فينا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصيدة أنثى
أنا أزعم أن القصائد الأولى في التاريخ هي الأغاني التي كانت تردّدها النساء وهُنّ يحتضنّ ويُرقّصن بَنينهنّ أو ينتظرن رجالهنّ العائدين بما اِصطادوه أو قطفوه من الغابات والأدغال والبراري أو هنّ يعتنين بما تنتجه الأراضي الخصبة القريبة من مقرات إقامتهنّ ولعل القصيدة البابلية المُدوَّنة بالخط المسماري في سطور لوح طيني والتي تعود إلى أكثر من أربعة آلاف سنة تؤكّد أن المرأة هي الأولى التي وصلت إلينا قصيدتها أو مقطع منها حيث تقول في بعض سطورها
أنا في البريّة وقد اِنتهيت من اِقتلاع الأشواك
والآن سأزرعُ كرمة عنبٍ
وقد غمرت النَّار المستعرة في داخلي بالماء
فأحبّني كما تحبُّ حملانك الصغيرة
واِعتنِ بي كما تعتني بقطيع ماشيتك
واِبحثْ عنِّي إلى أنْ تجِدني
في القرن السابع قبل الميلاد اِكتملت صياغة ملحمتي الإلياذة والأوديسا حسب بعض الباحثين وفي نفس هذا القرن في بلاد الإغريق ظهرت الشاعرة ـ صافُو ـ وهي أول شاعرة وصلتنا قصائدها فربما تكون إذن معاصرة للشاعر ـ هوميروس ـ ومن قصائد الشاعرة ـ صافُو ـ قولها في مقطوعة
في فجر الربيع
يبزغ القمر مكتملا
وتأخذ الفتيات أماكنهن
كما لو كن يتحلقن حول المصلّى
غير أنّ تاريخ الشعر العربي لم يسجّل بوضوح بعض الشاعرات إلا في القرن الأول الهجري الموافق للقرن السابع الميلادي فذكر ليلى الأخيلية مع صاحبها توبة بن الحميرـ والخنساء مع أخيها صخر
وسجّل بوضوح جرأة الشاعرة ولادة بنت المستكفي الأندلسية تلك التي طرزت بيتين من شِعرها على وشاحها قائلة
أنا واللَه أصلُح للمعالي * وأَمشي مشيتي وأتيهُ تِيهَا
وَأمكّنُ عاشقي من صَحن خدّي * وأعطي قُبلتي مَن يشتَهيهَا
أمّا في تونس وعلى ساحلها الشرقي وبالقرب من مدينة الشّابة فما يزال ـ برج خديجة ـ قائما إلى اليوم شاهدا على الشاعرة ـ خدّوج الرّصفية ـ وهي من معاصري القرن الرابع الهجري وقد ذكر حسن حسني عبد الوهّاب أنّها أحبّت الشاعر أبا مروان عبد الملك بن زيادة الله وأحبّها وكتب فيها شعرًا ممّا أغضب إخوتها ففرّقوا بينهما ومن شعرها قولها في ذلك :
فرّقوا بيننا فلمّا اِجتمعنا * مزّقونا بالزّور والبهتان
ما أرى فعلهم بنا اليوم إلّا * مثلَ فعل الشيطان بالإنسان
أوّل شاعرة تونسية أصدرت ديوانا هي الشاعرة ـ زبيدة بشير ـ بعنوان ـ حنين ـ سنة 1968 وقد عبّرت قصائده عن وهج الوجدان في خضمّ مشاعر الحبّ بين مدّه وجزره ووردت القصائد في نمط شعر البحر و شعر التفعيلة أيضا ولم تكد تمض سنوات قليلة حتى أصدرت الشاعرة فضيلة الشابي ديوانها الأوّل بعنوان ـ روائح الأرض والغضب ـ سنة 1973 وكانت جميع القصائد في غير نمط البحور والتفعيلات ومعبّرة عن توقها للحريّة والقيم الإنسانية
بظهور الشّاعرة فضيلة الشابي وبتواتر إصداراتها الأدبية المتنوعة اِنفتح المجال على مصراعيه أمام الأقلام النسائية وماكان ذلك إلا بفضل اِنتشار التعليم عامّة واِكتساب المرأة التونسية مكانة متقدّمة في شتّى المجالات وخاصّة في التعليم والصحّة والإدارة والفنون وحتى في الجيش فبرزت بعد سنة 1970 شاعرات أخريات أضفن إلى المدوّنة الشعرية في تونس ألوانا أخرى من محتلف فنون الشعر جديرة بالمتابعة بالدراسة …أليست القصيدة أنثى ؟ !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــ من غرائب المُصادفات ــــــــــــ
تلقّيت في الأيام الأخيرة رسالة عن طريق بريدي الألكترونية من جامعة مدينة نانسي Nancy في شمال غربي فرنسا يسألني أحد الباحثين فيها بعد أن اِطلع على ديواني المنشور في موقعي من أين أستنبط قصائدي أمِنَ واقع الأحداث أمْ من الخيال ؟ لأنه بصدد إنجاز بحث جامعي
فأجبت أنني أستوحي قصائدي من الواقع والخيال معًا
ظننت أن الأمر اِنتهى وتمنّيت له التوفيق والنجاح لكنّي فُوجئت بسؤال عن قصيدة قصيرة كيف جاءتني فكرة كتابتها لأنها تتطابق مع حادثة وقعت لبعض الأطفال في الجنوب التونسي بمنطقة ـ قصر الحدادة ـ من معتمدية غمراسن التي أنتسب إليها حيث اِنفجر على ذلك الطفل لُغم أو قنبلة من مخلفات الحرب العالمية الثانية وفقد إحدى يديه مع بصره والقصيدة حسب الباحث تبدو مستوحاة من هذه الواقعة
حينذاك فقط تذكّرت أن أحد أقاربي فعلا قد اِنفجرت عليه إحدى قنابل الحرب وقد كان يزورنا في ربوعنا ببئر الكرمة القريب من منطقة قصر الحدادة وقريبي هذا هو اِبنُ اِبنةِ عمّ جدّي وقد كان يزورنا معها في بعض المناسبات إبّان عهد طفولتي في الجنوب
كيف ربط هذا البحث في تلك الجامعة بين قصيدتي وبين تلك الحادثة التي وقعت لقريبي في سنوات الحرب العالمية الثانية ؟
وكيف ظلت يد ذلك القريب راسخةً وراسبةً في ذاكرتي وطفحت دون أن أشعر في قصيدتي ؟ ثمّ لم أتذكّرها إلا بمناسبة هذا الاِستفسار ؟
هذه مسائل أتركها للمختصّين ولكنّي أظن أن واقعة اِنفجار القنبلة أو اللّغم على قريبي موثّقة في بعض السّجلات الخاصة في الأرشيف الفرنسي ضمن ضحايا الحرب العالمية الثانية وجرحاها في تونس
إنّ مثل هذه البحوث تتطلب الصّبر والمثابرة والدّقة والإحاطة بكثير من الجوانب وتؤكّد أنّ النّص المنشور ولو كان قصيدة قصيرة يمكن أن يكون مصدرًا لبحوث عميقة ومتنوّعة
التاريخ قد يُهمل لكنه لا ينسى.. لذاك سأظل أكتب على الحوت وألقي به في البحر…كما يقول المثل التونسي
Bonjour,
Je vous remercie énormément pour votre réponse. Je réalise un mémoire sur un livre d’Ibn Jazzar et en ce sens j’ai aussi étudier la Tunisie et particulièrement le Sud, je cherche à comprendre la vie des habitants dans leur histoire. J’ai récolté un témoignage dans un village du Ksar Haddada sur un triste événement survenu à un enfant dans les années 40 ayant perdu une main et la vue suite à un accident du à une grenade ou mine. Je m’interrogeais ainsi si il y avait un quelconque lien entre votre poème « la poignée de main » et cet événement.
Je vous remercie.
Très cordialement
ــــــــــ المُصافَحةُ ــــــــ
أربعينَ عامًا…لم نلتقِ
بالأحضانِ عانقنِي
أَمْهرَ رامٍ كانَ في البلدْ
مرّةً …أصابَ عُصفُورينِ
بِحَجَرٍ…أحَدْ
كيفَ أصَدِّقُ
أنّ ذاكَ الولدْ
لعِب يومًا بلعبةٍ من بقايا الحربِ
فصار
يُصافحُ…بلا يَدْ
* من مجموعتي الشعرية ـ نبع واحد لضفاف شتى ـ الدّيوان ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملامح التجديد لدى الشاعر منير الوسلاتي
القصيدة
لم أغيـّـر أقفالي ومفاتيحي..
مازلتُ أحملُ القِفْلَ ذاتَهُ منذ سنين…
فلا داعي لاتّهام الأبواب بالصدإ..
ولا داعي لاتّهام الخشب الأخْرَس
والتباكي على الحظّ المأزوم..
..اعترفي..أنك أضعت مفتاحي..
في كومة المفانيح…
وقلبُ عبارتي..مستغلقٌ..
فقط أمام طواحين الريح..
…عبثا تحاولين
معالجة قِفل بابي بالسكّين…
…
من سخرية الأقدار..
أن بابي ..كان مفنوحا دائما…!
*من ديوان ـ نسّاج الضوء ـ
ـــــــ 1 ــــــ
الشّكوى من الدّهر وسوء الحظ من الدنيا والأسف على فقد الأحبّة والخلّان وذكر تخاذل الأقارب والأصدقاء غرض قديم في مختلف دواوين الشّعر العربي فهذا طرفة بن العبد يقول في معلقته وقد تنكّرت عشيرته له :
* وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً
عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ
وهذا أبوفراس الحمداني الذي ظلّ أسيرا لدى الروم فتألّم من تناسيه وإهماله وهو الذي كان يذود عن حماهم حيث يقول
متحسّرا ومذكّرا فضائله :
سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم *
وَفي اللَيلَةِ الظَلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ
ومثله المعتمد بن عبّاد الذي كابد هو أيضا الأسر وعرف الخذلان وسوء المُنقلَب بعد عزّ السّلطان حيث يقول شاكيا حاله :
* غَريب بِأَرضِ المغربينِ أَسيرُ
سَيَبكي عَلَيهِ مِنبَرٌ وَسَريرٌ
* وَتَندُبُهُ البيضُ الصَوارِمُ وَالقَنا
وَينهلُّ دَمعٌ بينَهُنَّ غَزيرُ
ـــــ 2 ــــــ
ليس الشّعراء وحدهم قد اِشتكوا من سوء ما تعرضوا له من الغبن والظلم والجحود بل إن الأدباء أيضا قد عبّر بعضهم عن هذه الحالة فوصفوا غربتهم في قومهم حيث صوّر أبو حيان التوحيدي مثلا حالته قائلا :
ـ أمسيتُ غريب الحال، غريب النِحلة، غريب الخلق، مستأنساً بالوحشة، قانعاً بالوحدة، معتاداً للصمت، ملازماً للحيرة، محتملا للأذى، يائساً من جميع من ترى ـ
فنلاحظ أنّ التعبير عن معاني غرض الشكوى من سوء المنزلة كان متواترًا بين هؤلاء الشّعراء وقد ورد لديهم في أنساق تعبيرية متقاربة غير أنّ الشّاعر التونسي المنير وسلاتي لئن طرق هذا الموضوع القديم فقد عبّر عنه بأسلوب جديد من خلال إيحاءات مبتكرة بسردية شعرية تتوالى فيها الصّور وتتوالد من ثناياها المعاني فتبدأ القصيدة بالإخبار أنه لم يغيّر أقفاله و مفاتيحه ليؤكد بهذا ثباته على مبادئه رغم تبدّل الظروف فكأنه مُحصّن من غائلات الدّهر وتمضي القصيدة على نفس المسار مُبديا ثقته في نفسه معتزّا بها متحمّلا مسؤوليته في خياراته وحده دون الآخرين حيث يقول :
لم أغير أقفالي ومفاتيح
مازلت أحمل القفل ذاته منذ سنين
فلا داعي لاتّهام الأبواب بالصّدإ
ولا داعي لاتّهام الخشب الأخْرَس
والتباكي على الحظّ المأزوم
ــــــ 3 ــــــ
ثمّ ينعطف اِتّجاه القصيدة إلى مخاطبة اِمراة في صيغة العتاب داعيا إيّاها بالاِعتراف أنّها هي التي أضاعت المفاتيح وعبثا أنها تحاول فتح قفل بابه بالسكّين لأن بابه كان دائما مفتوحا حيث يقول :
…عبثا تحاولين
معالجة قِفل بابي بالسكّين…
…
من سخرية الأقدار..
أن بابي ..كان مفنوحا دائما..
هذا الباب المفتوح لدى الشاعر تعبير عن التفاعل الإيجابي معها ومع الآخرين أيضا رغم ما قُوبل به الشاعر من إيلام وما السكّين إلا رمز لكل المعاني السّلبية الخطيرة لكنّ الشاعر قابل كل ذلك بالمسالمة والأريحية و ـ الباب المفتوح ـ هو رمز لقبول الآخر المختلف بل حتّى العدائي أيضا في دعة ووئام
ــــــ 4 ــــــ
القصيدة متعدّدة الرسائل المشفّرة لمن يعنيه الأمر وهي تعبّر عن الثقة والاِعتداد بالنّفس وتلامس بعض المعاني في القصيدة حدود التحدّي لكنها تنفرج بعد ذلك نحو التعبير عن العتاب لتنتهي عند آخرها بالاِنفتاح الإيجابي
فحركة القصيدة تبدأ منبسطة سَلسة ثم تتصاعد شيئا فشيئا إلى أن تصل إلى ذروة التأزّم ثمّ تنزل رويدا رويدا وتنفرج عند الخاتمة اِنفراجا مُفاجئا معاكسا لما سبق.
ذلك هو الإيقاع في هذه القصيدة التي تمثّل شاهدا متميّزا يعبّر عن التجديد الشعري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءة في قصيد صفوان بن مراد
الصّديق ـ صفوان بن مراد ـ من أقدم الأصدقاء فقد تعارفنا على مقاعد معهد الصّادقية في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين عندما كنا نتابع بشغف أستاذنا البشير العريبي وهو يحدثنا عن بخلاء الجاحظ وعن زيارة طه حسين إلى تونس وعن – حتّى – التي ظلت في صدر أحد اللغويين القدامى بعد أن مات وما زلتُ أذكر كيف خرجنا من الأقسام مع كوكبة من التلاميذ والطلبة صائحين ثائرين في أيام حرب جوان 1967 ومن وقتها اِشتعل فينا فتيل الحسّ الثوريّ على الأوضاع السائدة في الأوطان العربية فأقبلنا بحماس على قراءة الشعراء المجدّدين مثل عبد الوهاب البياتي ونزار قباني وبدر شاكر السياب وسليمان العيسى الذي عرّفني به صديقي صفوان بن مراد وقد كان يكتب قصائد فيها الكثير من وشائج الوجدان العارم بالشجون العربية وأتذكّر في ما أتذكّر أننا عندما كنا ندرس في شعبة الآداب بمعهد ابن شرف جاء معمر القذافي في زيارته الأولى إلى تونس في شتاء 1970 فخرجنا دون إذن من الإدارة وحرصنا أن نكون من بين الحشود في اِستقباله هو والزعيم بورقيبة فوقفنا عند مرور الموكب مرّتين الأولى عند مروره من باب الجزيرة ثم جرينا مسرعين في أسواق المدينة العتيقة المزدحمة وأنهجها الضيقة لنلتقيه مرة ثانية عند باب سويقة ورفعنا المطريّة السّوداء وقد كتب عليها صفوان بالطباشير الأبيض بخطه الجميل – تحيا الثورة العربية –
تلك الواقعة يا عزيزي صفوان ما تزال راسبة في ذكرياتي فكم من أحداث ووقائع أخرى مرّت عشناها متألّمين في هذا الوطن وفي بقية أوطان العالم تلك الأوطان التي كنا نحلم أنها ستتحرر قريبا من الظلم والقهر والجهل والفقر والاستغلال والتخلف والتعبية والاِستعمار وأن شمس الحرية ستشرق قريبا…يا صديقي تلك كانت أحلامنا في اليقظة عشناها ونحن نقف ذات يوم في صورة لنا جنبًا إلى جنب عند حديقة باب البحر بين الكنيسة وسفارة فرنسا حيث تمثال ابن خلدون الآن….الآن وهنا هل ترى دبّاباتنا التونسية جاثمة تحمي السفارة الفرنسية بعدما كانت تونس تحت الحماية الفرنسية…يا سبحان الله كيف تبدلت معاني الأسماء والحالة واحدة !..في تلك لحظات تلك الصورة وقفنا أمام العدسة كأننا جمال عبد الناصر ومعمر القذافي أو كأننا فيدال كاسترو وتشير غيفارا…آه يا زمن الأحلام الجميلة كيف أهوى عليها بالمطارق التاريخ الأليم الذي عشنا تفاصيله على مدى نصف قرن وها نحن نلتقي بعد خمسين عاما في رحاب نادي القراءة بجمعية ابن عرفة فما أروع القصيدة التي سمعتُها أخيرا منك يا صديقي صفوان بن مراد وأنت تُلقي شجونك فيها بنبرة صوتك المضمّخ بالمعاناة هي معاناة السنوات عبر رحلة العمر كأن القصيدة وقفةُ تامّل تستجلي فيها ما فات وما هو آت فإذا بنا معك نقف على الخيبة ونتبيّن ذلك من خلال
ـ معجم الكلمات
ـ ومن خلال الصّور
ـ والإيقاعات
فمعجم القصيدة اللغوي مُثقَل وثخين بمفردات مثل السّهاد والرّماد والقاتل والعوّاد والدّجى والدّمعة واِجترحتني والنّسيء حين حصاد
هذه كلمات تعبّر كلها عن المعاناة والمكابدة والألم والتفجع والخيبة والاستياء وفقدان الرجاء
أمّا الصوّر الشعرية فهي تعبّر عن حالة نفسية متجهّمة للشاعر الذي وجد نفسه وحيدا حتّى نديمه لم يؤنسه بل تخلّى عن صُحبته وتركه وحيدا وآثر على صُحبته الذي ناداه فلم يجد من أنس إلا قمرا في ليل سهاده
والصّورة الشعرية الثانية تبدو في إيقاد الشّموع رمزا لحالة البهجة والأمل لكن هذه الحالة سرعان ما تلتها صورة الخيبة المتمثلة في حفة من رماد وتتوضّح الخيبة أكثر في صورة القاتل الذي هو من عُوّاده وهذا لَعَمري تعبير عن الخيانة والغدر من طرف أقرب الأقرباء سواء من دائرة القربى أو الأصدقاء أو الرّفاق أو غيرهم وتتواضل صور الخيبة إلى آخر القصيدة عند التعبير بصورة ـ حصاد زرعه النّسيءِ ـ أي المؤجّل كدأب بعض العرب القدامي عندما يقدّمون أو يؤخرون مواعيد الشهور وفي هذا كناية وإشارة خفية عن حال العرب اليوم الذين تعوّدوا على تأجيل أحلامهم فكانت كمثل الذي حصد الهشيم .
إنّ مناخ القتامة وظلال الخيبة نلاحظه أيضا في الإيقاع الصّوتي وذلك من خلال القافية الدّالية ذات الجرس الشّديد الوقع منذ البيت الأوّل الذي جاء مُصرّعا وورد فيه حرف الدّال مكرّرا في أغلب كلمات العجُز ـ نتادى ـ نديمي ـ منادي
ونلاحظ الإيقاع في المعاني أيضا سواء في التّضاد أو في المقابلة والطّباق بما يوحي بحالة الرّفض والانقباض وعدم الألفة على المستوى النفسي من خلال الثنائيات الواردة في القصيدة وذلك :
قمر ـ ليلي
رماد ـ جمرة
النور ـ الدجى
همسا ـ نجوى
زرعي ـ حصادي
وما أضفى على القصيدة إيقاعًا غنائيا يلائم شجون النّفس وُرودها على البحر الخفيف ـ فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن ـ وهو بحر يلائم خواطر الحزن ضمن اِمتداد حركاته وتلاحقها على نسق بطيء وزاد القصيدة غنائيّة تواتر الجناس من المحسّنات البديعية في ترجيع الحروف وتصاديها مع بعضها مثل ـ تنادى ونديمي ومنادي ـ ومثل لاح وباح ـ ومثل دمعة ومداد ـ ومثل جراحها واجترحني ـ ومثل موعدي ومعادي .
ليت الصديق الشاعر صفوان بن مراد ـ وقد عاد إلى جدائقه الشعرية ومجالسه الأدبيّة بعد اِنقطاع سنوات عديدة ـ يَبري قلمه ويُعدّ أوراقه ليجمع شتات قصائده وينشرها في ديوان ليكون إضافة متميّزة في مدوّنة الشعر التونسي ولنا مآب عند ضدور الكتاب.
* القصيدة
قمرٌ رحلتي و ليلي سهادي
إذْ تَنادى إلى نديمي المنادي
أوقد الشمعَ من شهودي و أهْدى
لِحنايايَ قبضة من رمادِ
جمرهُ رُقْيتي فيا عجبًا من
قاتِلي عاد و هو من عُوّادي
يا لَطيف سراجه النارُ و النّور
وسحر الدُّجى و شهد الفؤاد
أي طيف كشهقة الحرف في الفجْر
وكالحرف دمعةً من مداد
كلما لاح باح همسا بنجْوى
أي طيف نسيجه من سهادي
كم ذنوبٍ جراحُها اجترحتني
فاقْتضتني مُنايَ عند السداد
لا تسلْني ما موعدي و مَعادي
ذاك زرعي النّسِيءُ حين حصاد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في سيدي بوسعيد…شعرا
منذ قرطاج الفينيقيين كانت ضاحية سيدي بوسعيد مركز مراقبة للدفاع عن الخليج ويقابله في الضفة المقابلة مركز رادس وجبل بوقرنين ثم صارت مثل هذه المراكز في العهد الإسلامي رباطات لحفظ القرآن وتعليم الفقه وأبراجا لمراقبة هجمات الروم والإفرنج وقد جعلها المتصوفة مقرات لهم يتعبدون فيها ويستقبلون فيها مريديهم وكذلك يراقبون منها حركة السفن القادمة وقد كان جبل سيدي بوسعيد يُعرف بجبل المنار حيث اِستقرّ فيه الولي الصّوفي أبو سعيد الباجي نسبة إلى قرية صغيرة كانت بالقرب من مدينة منوبة الآن وعند إنشاء بلدية المكان في أواخر القرن التاسع عشر صار اسمه سيدي بوسعيد حيث تصطاف كثير من العائلات التونسية واستقر البعض منها في منازل ذات طابع تونسي أصيل بجوار هذا الولي الصالح الذي تتلمذ إليه كثير من الأولياء مثل أبي الحسن الشاذلي فأضحت ضاحية سيدي بوسعيد منذ القرن التاسع عشر مزارا للفنانين التشكيليين الأوروبيين ونالت بذلك شهرة عالمية بما في معمارها من أشكال وألوان وبما تختزنه من وشائج روحية تبدو خاصة في احتفالاتها الصيفية بالأناشيد الصوفية وانتشرت في أرجائها عديد الفضاءات للفن التشكيلي فأضحت قِبلة الفنانين التشكيليين جيلا بعد جيل في تونس ومن عديد البلدان أيضا .
___ 2 ___
سيدي بوسعيد مقصد جحافل السياح من كل الجنسيات وقبلة التونسيين للنزهة وملتقى الأصدقاء والأحبة على مدار العام أما في العطل والأعياد فهو خير وجهة للشباب والأطفال واليوم رغم فصل الشتاء فهو كأجمل أيام الربيع في اِعتدال حرارة ونسيم عليل وشمس لطيفة وقد صادف في هذا اليوم الاستعداد لاحتفالات آخر السنة مع أخريات أيام العطلة المدرسية والجامعية فلا تكاد تجد موضع قدم في الطرقات وعلى الأرصفة فما بالك أن تجد موضعا تركن فيه السيارة والسيارة لصديقي الشاعر محمد علولو الذي رافقته مشكورا إلى ضاحية سيدي بوسعيد هذه الضاحية الهادئة لا أزورها إلا في أوقات معلومة كي أتمتع ببهائها وصفائها ولا يتسنّى لي ذلك إلا في باكر صباحات الصيف والربيع أو في صباحات الخريف والشتاء ولكني اليوم أجيء تلبية لدعوة كريمة من لدن الشاعرة كوثر بلعابي بمناسبة اِفتتاح ناديها الأدبي ـ فصول أدبية ـ الذي أرجُو أن يكون إضافة متميّزة في الحياة الثقافية ولا شكّ أن هذا النادي سيضيف إلى ضاحية ـ سيدي بوسعيد ـ فنون الكلمة عندما تستقبل الأدباء والشعراء ليتناغموا مع الفنون الأخرى المعروفة بها .
ــــ 3 ـــــ
مكثنا أكثر من ساعة نطوف بين الأنهج والساحات لعلّنا نظفر بثلاثة أمتار نركن فيها السيارة ولكن دون جدوى وليس من عاداتي أن أصل متأخرا إلى مثل هذه المناسبات فشعرت بحرج كبير خاصة وأننا لا نعرف أين تقع دار الشباب فلم أجد بُدّا من مهاتفة صديقي الشاعر صفوان بن مراد سائلا إيّاه عن المقرّ فهو لاشك أنه قد سبقنا إلى هناك والحمد كان جوابه شافيا ضافيا حيث أعلمني أن دار الشباب قريبة من محطة القطار حينئذ اِقترحت على صديقي محمد علولو أن يعُوج بنا إلى مقرّ البلدية القريب من دار الشباب ونركن السيّارة في أحد أركانها وليكن ما سوف يكون !
ــــــ 4 ــــــ
أخيرا…لاحت لنا دار الشباب فإذا هي بناية كبيرة جديدة على الطريق بين الساحة الكبرى لسيدي بوسعيد ومحطة القطار فموقعها حسن وسهل الوصول إليه فكان في اِستقبالنا ببشاشة وترحاب مديرة دار الشباب الأستاذة ـ ثريّا هدّاوي ـ التي تشرف على عديد الأندية في هذه الدّار منها
نادي الفنون التشكيلية
نادي المسرح
نادي السينما
نادي الفيتنس
وشباب الدار يساهم أيضا كلما سنحت الفرصة في الأنشطة البيئية والعلمية بالإضافة إلى الرحلات للاِطلاع على الموروث الثقافي و البيئي للبلاد التونسية كما ينظم دورات تكوينية في الروبوتيك فدار الشباب خلية نحل متنوعة الأنشطة وقد انضاف إليها هذا النادي الجديد ليعززالجهود في احتضان الشباب
ـــــ 5 ــــــ
في الطابق العلوي وجدت جَمع الأصدقاء من الأدباء والشعراء وقد أتمّوا الجزء الأوّل من الأمسية فتحلّقوا على إثرها حول المرطّبات والمشروبات في بهجة وحبور وتتوسّطهم الأستاذة كوثر بلعابي ترحّب بهم بلطف وتطلب منهم تناول المزيد ممّا لذّ وطاب ثمّ اِلتأم الجمع من جديد ليبدأ الجزء الثاني من الأمسية بدعوتي إلى إلقاء كلمة بالمناسبة فتحدثت عن الأندية الأدبية في تونس بداية من ظهور الأندية الخاصة في بيوتات بعض الشيوخ والوجهاء إلى ظهور النادي الأدبي بجمعية قدماء الصادقية حيث ألقى ابو القاسم الشابي محاضرته عن ـ الخيال الشعري عند العرب ـ ثم عرفت تونس المجالس الأدبية والفنية لدى ـ جماعة تحت السّور ـ وفي منتصف الخمسينيات من القرن العشرين ظهرت جماعة ـ القلم الحديد ـ وإثر الاستقلال بسنوات قليلة أي في بداية الستينيات أنشأت الدولة الجديدة دُور الشعب ودور الثقافة واللجان الثقافية ودور الشباب وبعض الأندية الثقافية مثل النادي الثقافي أبو القاسم الشابي بالوردية والنادي الثقافي على البلهوان بشارع فلسطين بالعاصمة والنادي الثقافي الطاهر الحداد وأنشات وزارة الثقافة الفرق المسرحية في بعض الولايات خاصة في الكاف وقفصة وصفاقس فظهرت في هذه الفضاءات العديدة أندية أدبية لكنها لم تستمر ويمكن ذكر نادي الشّعر الذي أنشئ في السنوات الأولى من السبعينيات وكان ناشطا في دار الثقافة ابن خلدون ثم في دار الثقافة ابن رشيق ثم ظهر نادي الشعر باِتحاد الكتّاب ونادي الأربعاء بالنادي الثقافي الطاهر الحداد
ـــــ 6 ــــ
بعد سنة 2011 برزت عدة أندية أدبية متشابهة البرامج ويحضر فيها نفس الأشخاص تقريبا فهي لئن تعبّر عن الحراك الشعري المستمرّ غير أنها في حاجة إلى أن يتميّز كلّ منها بسمات خاصة حتى تستفيد الحركة الأدبية من تنوّعها وإضافاتها
أرجُو لهذا النّادي الاِستمرار وأن يكون منبرا وعلامة بارزة في مسيرة الأدب التونسي شاكرا له جزيل الثناء على التكريم الذي حباني به .
ــــــ 7 ــــــ
في آخر مداخلتي اِقترحت على الحاضرين هذا القصيد وهو من آخر ما كتبت
ــــــ شوق على شَبق ــــــــ
شَوْقًا سَارَتْ بِخُطَى اَلْخَبَبِ
طرَقَـتْ بَابِـي بَـيْـنَ الــطُّـرُقِ
بَـاتَـتْ…مَـا بَاتـتْ ليْـلتَـهَا
مَــا أطـوَلَـهُ اللّـيْــلُ فِي الأَرقِ
جَاءتْ…أَشْرَقَ العِشْقُ في عَينِهَا
لمّـا بَـاحَتِ الـعَـيْـنُ بِالـشَّـبَـقِ
مِثلَ بُهْرةِ شَمْسِ الضُّحَى حِينًا
أوْ كَمِثْـلِ أفُـولٍ فِي اَلْغَـسَــقِ
قُــلْــتُ أَهْـــلًا مَوْلاتي مَرْحَبًا
وَاِرْتَمَتْ بَـيْـنَ صَدْرِي والعُـنُـقِ
عَانَـقَـتْـنِي فِـي وَلَـهٍ وبَـكَـت
رُوحِـي تَـفْـدِي دَمْعَـةَ اَلْـحَـدَقِ
عَانَقـتْـنِـي عانَـقْـتُـهَا صِـرْنَا
كَجَنَاحَيْنِ طَــارَا فِـي اَلْأفُــــقِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الذكرى الأولى للشّاعر علّالة الحوّاشي
ما يزال بِسَمته الأنيق وبلحيته الكثّة وبظّارته راسخا في ذاكرتي وما يزال صوته الشجيّ صدى يأتيني من بعيد وتذكّرت الآن أنّ صديقي علالة الحواشي ما رأيته مرة بدون ربطة العنق فهو حريص على أناقته وعلى تناسق هندامه في كل الفصول في سنوات كان البعض من الشعراء والمنتمين إلى الأجواء الفنية والفكرية يعتبرون أنّ المبدع والمثقف يجب أن يكون هامشيا فوضوي السلوك ورثّ الثّياب تلك سنوات اِنقضت ومضت ولم يبق منها إلا ما غربله الزّمان وبمناسبة مرور سنة على رحيل الشاعر علالة الحواشي عدت إلى أرشيف كتاباتي فوجدت هذه المقالة التي نشرتها عند صدور ديوانه الأول ـ حلاج البلاد ـ سنة 1995 وأعيد نشرها تحية وفاء لروحة .
للشاعر الإصدارات التالية
1 ـ في الشعر
ـ حلاج البلاد
ـ صلوات أخرى
ـ فرس التهر
ـ يتدفأ بالذكرى
2 ـ في الرواية
ـ أسفار أبي الأحناش المفقودة
ـ دارنا ودوّارنا
3 ـ في المذكرات
ـ يهيم باللّولتي
4 ـ في النقد االأدبي
ـ هذه الكتابة هؤلاء الكتاب
عودة الحلاج
ثمة في تونس شعراء عديدون يكتبون وينشرون في صمت، بلا ضوضاء ولا جلبة، همهم الوحيد المعاناة في الإبداع جاعلين من الوحدة أنيسا ومن التأملات جليسا، ومن هؤلاء الشاعر علالة حواشي الذي أصدر مجموعته الأولى: حلاج البلاد سنة 1995 في نحو 100 صفحة وفي طبعة محترمة وتضم ستة فصول وهي:
– فيروز
– جذور وجسور
– في تخوم ليلى
– مقصلة وذات
– بشائر
– خنقة
وكل فصل منها يحتوي على عدد من القصائد كتبها الشاعر بين سنتي 1985 و1995 .
وإن أنا بدأت بالناحية الشكلية في هذه المجموعة فذلك لأشير إلى أن جل الكلمات فيها جاءت مشكولة شكلا تاما وهذا ما يسهل القراءة واستيعاب المعنى المقصود من الشاعر نفسه حيث أن ضبط الحركات على الحروف بات ضروريا لإبلاغ المضمون كأحسن ما يكون خاصة في النص الشعري الذي قد تُقرأ الكلمة فيه من وجوه عديدة، أما محتوى قصائد علالة حواشي فإنه ينطلق من التضمين ليعبّر تجربته في الحاضر كأنه يستقي من الجذور التراثية لإنضاج ثمرته الجديدة تحت شمسه وفي تربته الخاصة، ففي قصيدة ” حلاج البلاد ” مثلا يعمد إلى تنزيل شخصية الحلاج في إطار تاريخي جديد ومخترقا العصور الماضية وجاعلا إياها كأنها في وقائعها المعاصرة مستلهما شخصية الحجاج بن يوسف باعتباره ممثلا للاستبعداد والقهر المسلّط على الحلاج كرمز للتضحية في سبيل المبادئ والقيم
غير أن الشاعر علالة حواشي وظف أيضا الحلاج توظيفا جديدا عندما جعله يتوحد في الوطن قائلا:
أجدد موتي، حياتي
فناء فنائي بها ولها
أرتل: أهوى البلاد حلولا
و ذي جبتي ما حوت غيرها (ص 22)
وكأني بهذه المجموعة الشعرية وهي تستلهم التراث، كأني بها تعيد كتابة هذا التراث نفسه خاصة من خلال رموزه الصوفية التي نظر إليها علالة حواشي نظرة تاريخية ثم وظفها باعتبارها رمزا لمعاناة واقعية جديدة بعيدا عن القداسة الروحانية التي غالبا ما انساق إليها شعراء آخرون، فالحلاج وابن خلدون والمسيح وحواء أسماء تبدو في القصائد تحمل أبعادا رمزية جديدة يضفيها الشاعر عليها .
وفي هذه المجموعة نسيج شعري آخر يعتمد على اللمح باعتباره القصيدة الومضة، تلك القصيدة التي تعتمد على الإيجاز في المبنى والطرافة في المعنى وقد نجح علالة حواشي في الكثير منها خاصة في قصيدة ” رجاء ” و” أمحاق ” ذلك أن القصائد القصيرة كالرامي بسهم واحد يصيب الهدف أو لا يصيبه .
وفي المجموعة نقرأ شيئا من السيرة الذاتية للشاعر عندما نقرأ قصائد ترشح بشخصيات حياته اليومية مثل “ذلك القطار” و”دفق” .
وخلاصة القول في هذه المجموعة الشعرية الأولى للأستاذ علالة حواشي أنها تمثل أنواعا عديدة من التجارب الشعرية تتراوح بين التي تعتمد على الإحالات التراثية وبين التي تستلهم الواقع الجديد في تفاصيله اليومية ومن بينها أيضا النصوص الطويلة ذات المعاني والصور المتلاحقة في انسجام ومنها كذلك الومضات التي تستند على اللمح والمباغتة،
فالشاعر علالة حواشي من أولئك الذين يبحثون عن المضامين المعاصرة في الأشكال المناسبة لها
إنه شاعر تونسي آخر متميز يضيف إلى مسيرة القصيدة الجديدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــ قراءة في رواية ابن العاقر ــــــــــ
زهرة الحواشي اسم جديد في دنيا الأدب بتونس وأضحى حاضرا بما تواتر من إصداراتها المتنوعة فقد خاضت غمار الشعر والقصة والرواية والترجمة مراوحة بين اللغة العربية الفصحى والدارجة التونسية واللغة الفرنسية كما كتبت لليافعين الأمثولة أيضا ومن إصداراتها نذكر:
ـ رأسي في قفص الانسان
ـ حديث الروح
ـ حرف ودمعة
ـ دبشليميات
وهذه المجموعات الشعرية تتضمن كل منها نصوصا بالعربية الفصحى وبالدارجة التونسية وبالفرنسية أما في الترجمة فقد انبرت لترجمة قصائد – اللحمة الحية – للأديب صالح القرمادي من العربية إلى الفرنسية وقامت بتعريب قصائده التي كتبها بالفرنسية في نفس الديوان وبذلك أسدت عملا جليلا للمكتبة التونسية ناهيك أن هذا الديوان صار مفقودا وتناسته الأيام بالرغم أن صالح القرمادي يعتبره الكثيرون أحد أعمدة اللسانيات في العالم العربي وأحد أهم دعاة التجديد الأدبي في تونس .
– ابن العاقر – آخر ما صدر للأديبة التونسية زهرة الحواشي وهي رواية تتحدث عن امرأة من ربوع الشمال الغربي التونسي لم تنجب برغم تواصل سنين زواجها فكان مآلها الطلاق والعودة إلى أبويها ورفضها الزواج مرة أخرى خاصة وأنها تقدمت في السن غير أن أحد معارف أبيها في القرية ماتت زوجته وتركت مولودها فتقدم إلى أبيها يسعى للزواج منها بغاية أن تعتني بالرضيع ولا تكلف نفسها الشؤون الأخرى فالرجل فلاح ميسور الحال وبعد تردد وإلحاح قبلت ربح بنت الضاوي الزواج من – علي بالخمري – فوجدت سعادتها في المولود كأنه ابنها الذي لم تنجبه.
في هذا المنعطف تبدأ طرافة هذه الرواية عندما تصور تطور الحالة النفسية لربح التي تحنو على الرضيع فتصف تفاصيل ذلك بأسلوب الأم التي لها خبرة في الإعتناء بالمولود وهذه ميزة لا تتوفر لكل كاتب حيث يكمن الفرق بين قلم الأديب والأديبة باعتباره إضافة نوعية لا غير .
وفي مسار هذه الوقائع يتحول نفور ربح من زوجها ومن مهمة رعاية ابنه إلى قبول ورضا بعدما وجدت منه الاهتمام والحظوة واللطف في معاملته لها وبدأت تشعر بميلها نحوه فانفجرت فيها جداول الأنوثة بعدما كاد يدركها اليأس منها وذلك عندما أحست مرة بقوة ذراع – علي بالخمري – فوق كتفيها وحرارة وجهه وشاربه يلامس جبينها وقد كان رأسها قريبا من صدره العريض فتمازجت فيه رائحة العطور بحرارة الشهوة الرجالية حينئذ استلذت – ربح – تلك اللحظة غير أنها لم تدم طويلا.
ومن هذه الواقعة التي شعرت فيها بهاجس الأنوثة تسري فيها عرفت العلاقة بين ربح وبين زوجها دفقا جديدا بعد أن ظلت مدة لا تتجاوز علاقتهما وظيفة المربية الساهرة على الرضيع بعناية فائقة لكنها منذ تلك الملامسة أصبحت علاقة زواج تامة فتغيرت ربح وعرفت السعادة المفقودة التي كانت تحلم بها وحرمت منها سنوات طويلة لكن أمر المستقبل وهلوساته بدأ أيضا يحط عليها بسحبه الداكنة فاحتارت في مصيرها بعدما يكبر الصبي ويطالبها أبناء زوجها الآخرون بنصيبهم من الميراث
لقد سبرت الرواية بعمق شجون ربح في مختلف أطوارها سواء في علاقاتها مع أمها وأبيها وأختها أو في معاناتها في عهد زواجها الأول وقرار طلاقها وكذلك عند ترددها وحيرتها في قبول الارتباط بالزوج الثاني وتحملها مسؤولية الاعتناء بمولوده والسهر على تربيته فجالت بنا أطوار الرواية بين حالات نفسية مختلفة الأطوار تشتد حينا وتلين أحيانا بين انقباض وتأزم مرة وبين انسياب وانفراج مرة أخرى.
هذا السبر في أغوار نفس الزوجة ربح جعل من الرواية سردية مهمة بما تخللها من تشويق واندياح وارف في ظلال الحياة اليومية لريف الشمال الغربي لتونس فقد سجلت الرواية العادات والتقاليد في أدق التفاصيل اليومية من الولادة وما يسبقها من عوالم عجائبية إلى الختان وما يحيط به تحضيرات وإلى الزواج وما يتطلبه من إعداد وإلى عادات التزاور والتجاور والتعاون في شتى الأعمال والمناسبات وسجلت الرواية في كثير من سياقاتها الأغاني التي كانت منتشرة في تلك الربوع والتي أضحت اليوم من التراث الذي تعبق به الذاكرة .
ولكن أين ابن الزوجة العاقرة من تطورات الرواية؟
نعم ستنجب – ربح – وهذه هي الغرابة في بقية الوقائع التي لا مناص من الاطلاع عليها عند قراءة بقية الرواية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قنديل باب المنارة وجلال المح
خمس مجموعات شعرية دفعة واحدة هديّة سَنيّة فاجأني بها صديقي الشّاعر والأديب جلال المخ وقد أصدرها أخيرا دُفعة واحدة كأنه يتحدّى أزمة النشر والتوزيع وأزمة القراءة ويقول للعالم ها أنا رغم كل هذه العوائق أنشر وأواصل الحضور وهذه الدواوين الخمسة الأخيرة هي :
ـ اُكتب ما أنا بكاتب
ـ كان ما كاد يكون
ـ من سفر التكوين
ـ البارحة بتّ بلا قصيد
ـ جراحي تسمع صوتي
جلال المخ يُعتبر من أغزر الأدباء التونسيين إنتاجًا إذ في رصيده أكثر من ثلاثين عنوانا شعرًا وقصةً ودراساتٍ وترجمةً باللغتين العربية والفرنسية وبهذه المناسبة أتساءل أين المتابعة الإعلامية وأين الدّراسات النقدية في الصحف والمجلات وأين الأطروحات الجامعية في مختلف الكليات التونسية التي من المفروض أن تهتمّ بالأدب التونسي وتواكب أدباءه الذين ترسخت مسيرتهم لتقف على خصائصهم وإضافاتهم ولكن مع الأسف كأن الدراسات النقدية والجامعية تدير ظهرها للأدب التونسي إلا بعض الاِستثناءات التي لا تجد متابعة ولا اِهتمامًا
فكيف لا تهتم كليات الآداب المنتشرة في البلاد بآثار أدباء تونسيين أفذاذ مثل محمد العروسي المطوي ومحمد المرزوقي ومنوّر صمادح و الميداني بن صالح ومُحي الدّين خريف ورضوان الكوني والطاهر الهمامي ومحمد المختار جنّات وعبد الله مالك القاسمي وعلالة حواشي حلاج البلاد وغيرهم من الذين فارقونا وأتمّوا مسيرتهم الأدبية هؤلاء وغيرهم لماذا لا نجد آثارهم في دروس تلك الكليّات وأطروحاتها وبحوثها في مختلف المستويات ناهيك عن الأدباء الأحياء الذين مضوا في مسيرتهم مسافات طويلة مثل حسن نصر وعز الدين المدني وحسونة المصباحي و محمد الحبيب الزناد وفضيلة الشابي وجميلة الماجري ومحمد علي اليوسفي ومنصف الوهايبي ومحمد الغزي وعلي دَب ومحمد رضا الكافي وبشير المشرقي ويوسف رزوقة ونافلة ذهب وحياة الرايس وبنت البحر ونجاة العدواني وفوزية العلوي ومسعودة أبو بكر ومحمد عمار شعابنية وعبد المجيد يوسف ومراد العمدوني وسليم دولة وحافظ محفوظ وجلال المخ وسالم اللبان وصلاح الدين الحمادي وشمس الدين العوني وحسين القهواجي ومحمد الهتدي الجزيزي ومنير الوسلاتي وغيرهم كثير… ؟ الجواب بسيط إنّه يتمثّل في غياب اِستراتيجية الاِعنتزاز بالثقافة الوطنية عامة ومنها الاِعتزاز بإسهامات الأدباء التونسيين الذين يواجهون جبهتين كبيرتين متنفّذتين في الدّواليب الإعلامية والثقافية وفي التعليم بمختلف مستوياته فأمّا الجبهة الأولى فإنها تعتبر أن المشرق العربيّ هو الأصل الذي لا ينبغي للتونسيين أن يخرجوا عن فلكه كي يظلّوا دائما تابعين له فالأدب التونسي لدى أصحاب هذه النّظرة يعتبرونه هامشا وظلا للمشرق لا غير …أمّا الجبهة الثانية فإنّها تعتقد أن الغرب مُمثَّلا في الثقافة الفرنسية يجب أن يكون هو الوجهة وهو المثل الأعلى الذي لابدّ أن يُحتذى… والرّأي عندنا أنّ تونس تظل لا شرقية ولا غربية بالرّغم من أن تاريخها عرف حضارات عديدة متلاحقة والحقيقة الدّامغة أن التونسيين كان لهم دائما عبر التاريخ التميّز والإضافة في خضمّ هذه الحضارات بداية من رواية ـ الحمار الذهبي ـ لأبوليوس إلى ـ اِعترافات ـ أوغسطين في العصر الرّوماني إلى إسهامات اِبن رشيق وعلي الحصري واِبن خلدون وابن عرفة قديما إلى تفرّد ـ تفسير التحرير والتنوير للشّيخ ابن عاشور ـ وديوان أغاني الحياة للشابي ـ وكتاب اِمراتنا في الشريعة والمجتمع للحداد ـ ورواية السّد وفصول حدّث أبو هريرة للمسعدي ـ ورواية الدقلة في عراجينها ـ وغيرها من الإبداعات المتميّزة في العصر الحديث….ولكن ـ في بني عمّك رماح….وقنديل باب المنارة الذي لا يضيء إلا للغرباء….مثلما يقول المثل التونسي…
في هذه الأسلاك الشائكة تظهر الخمسة دواوين هذه التي جاءت كأنها سلسلة متشابهة الشكل واللّون والرسوم ممّا يجعلها تحفة فنّية بديعة حسنة الإخراح والتنسيق فبدأت بديوان ـ جراحي تسمع صوتي ـ التي اِستهلّها الشاعر بقصيدة ـ اِنتحار شياطين الشعر ـ فإذا القصيدة تبدو كأنها رحلة عجيبة في وادي عبقر من جرّاء اِقتفائه آثار السندباد ليخلص إلى أن الشعر الجديد المنتشر في هذا العصر لا يمتّ بصلة إلى الشعر الذي عرفته شياطين الشعر في وادي عبقر حيث يقول :
لا تنسبوا كلامكنّ إلى إلهامنا
جورا وباطلا
فنحن اِنقرضنا بعد عصور من العطاء
وهذا الزمن لم يعد زماننا
ولكن بقية القصائد في هذا الديوان أثبتت لي أن الشاعر جلال المخ نسيجُ وحده في ما قرأت له من قصائد بما فيها من شجون وجودية ضمّنها إيحاءات من مختلف الثقافات والسياقات لذلك تمنّيت أن تكون بعض الكلمات مشكولة شكلا تاما لتتيسّر قراءتُها أو عليها إحالة لشرحها على الهامش
إنّ مثل هذا الشّعر يتطلّب قارئا مُلمّا بكثير من المٌتون العربية والعالمية فليس سهلا أن تقرأ لجلال المخ الذي كتب فبه الأستاذ فتحي جوعو قائلا ـ لشعر جلال المخّ مذاق خاص في أسلوبه و نبرة متميّزة تعكسه وتعبّر عن شخصه و قناعاته و هواجسه لكنها في نفس الوقت وبنفس الحدّة تعانق الإنسانية و تتبنّى قضاياها وهواجسها ومعاناتها فهو حين يكتب لا يكتب لذاته الفردية بل يكتب للإنسانية جمعاء…
لجلال المُخ قصيد بعنوان الوصيّة ورد في ديوانه ـ البارحة بتّ بلا قصيد ـ وهو من الدواوين الخمسة الأخيرة وقد بدأه بقوله :
إن متّ يوما بينكم
وهل أموت يا ترى؟
فبالله عليكم
عند ذَرفكم دموع التماسيح
لا تقولوا : فارس من فرسان من فرسان الحرف ترجل
فكم أكره هذه العبارة
وكم أمجّية تكرارها البارد
الذي يرتطم بجدران الروتين
وأسوار التصنّع والعادة الجنائزية…
ـ جلال المخ ـ شاعر تونسي آخر يحتفي وحده بالرحيل قبل الأوان ….ويكتب وصية الوداع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عين دراهم …من الاِخضورار إلى الدمار
ـ 1 ـ
تونس خضراء
وخضراء بالتمام والكمال وفي كل ناحية خاصة في شمالها الغربيّ عند مناطق ـ فرنانة ـ وبني مطير ـ وعين دراهم ـ وحمام بورقيبة ـ وطبرقة ـ وما جاور تلك النواحي حيث الاِخضرار ينعش روح الزّائر والمياه الرقراقة المتجمّعة في السّدود تبعث الحياة في كثير من نواحي البلاد شُرْبًا وسَقْيا إنها ربوع فيحاء وهبتها الطبيعة الكثير من جمالها وبهائها في كل الفصول أجيئها مشتاقا كلما سنحت الفرصة لأعود منها وقد اِنتشيت ببهجة مناظرها وطيبة أهلها… نعم جذلان نشوان منها أعود
ـ عين دراهم ـ هذه المدينة الصغيرة الراسية بين شاهق الجبال والتي تقول الحكاية عن اِسمها إن المدينة تسمّت باِسم عين ماء كانت لاِمرأة تسُمّى دراهم وعندما دخلت الجيوش الفرنسية المنطقة سنة 1881 من الحدود الجزائرية واجهها أهالي هذه المنطقة بما توفّر لهم من عتاد بسيط فاِستبسلوا وأبلوا بلاء حسنا في الذود عن موطنهم لذلك اِستقرّت حامية عسكرية فرنسية في عين دراهم لتفرض وجودها بالحديد والنّار فأهالي هذه المنطقة جميعهم يعودون إلى فروع قبيلة خمير المعروفة بشدّة بأسها
ـ 2 ـ
ما كدت أمضي في طريق ـ فرنانة ـ نحو ـ عين دراهم ـ حتى فاجأتني الأشجار المحترقة واقفة في حقول الرّماد فلا أغصان ولا أوراق وارفة ولا ذاك الشّذى المنعش الذي كان دائما يستقبلني وأنا أتوغّل في الطريق العالية الملتويه التي تشق الجبال والشّعاب والوهاد بل صدمتني هذه المرة رائحة الحرائق التي أتت على أجزاء كبيرة من الغابة فلا عزاء لصنوبرها ولسنديانها وفلّينها وزانها ولغيرها من الأنواع التي لا تُحصى ولا تُعدّ من الأشجار المثمرة ولا عزاء لطيورها وفراشاتها ونحلها ولا عزاء لإكليلها وزعترها وزهورها وحشائشها ونباتاتها الكثيرة المتنوّعة التي لا يعرف أسماءها وخصائصها ومنافعها إلا أهلها
غمرني الحزن أكثر عندما لاحظت الإهمال الواضح لكثير من معالم عين دراهم الجميلة بدروبها ومنتزهاتها وبناياتها الخاصة ذات القرميد الأحمرحيث لاحظت مثلا ان أغلب المقاعد التي على الطريق مهشّمة وأن العيون الجارية بدون صيانة حيث تتكدّس بالقرب منها قوارير البلاستيك وغيرها فوا أسفي على عين دراهم التي عرفتها إذ صارت أثرا بعد عين فكم من بناية كانت عامرة وأصبحت خرابا في شارعها الرّئيسي وكم من درب كان السير فيه رفرفة مع الحمائم والبلابل فإذا به أمسى مليئا بالأشواك والمزابل !
ـ 3 ـ
من عادتي أنني كلما أزور مدينة أذهب إلى مكتبتها العمومية….شكرا أثيلا لمديرة مكتبة مدينة ـ طبرقة ـ التي اِستقبلتني بحفاوة وهي محفوفة بزملائها المتحمّسين للعمل الثقافي وكم اِبتهجت عندما وجدت بالمكتبة بعضا من دواويني و قد لاحظت ـ والحمد لله ـ أنها في حالة غير حسنة بسبب كثرة تداولها بين القرّاء الذين يجدون في رحاب هذه المكتبة ـ بالإضافة إلى رصيدها الكبير من الكتب ـ نوادي للتنشيط الثقافي ويستضيفون كلما سمحت الظروف الأدباء التونسيين والجزائريين بمناسبة ملتقى خاص يُقام دوريا فما أروع مثل هذه المكتبة !
في طريق العودة عُجتُ على قرية ـ بني مطير ـ الجميلة والتي تطلّ على السّد فإذا بي أرى مخزونه المائي يكاد يلامس القاع فماذا ينتظر تونس أيضا إذا لم يكن الخريف ممطرا…
ـ 4 ـ
كان بالإمكان أن تكون مناطق الشمال الغربي في تونس جنّة على وجه الأرض لو أننا عرفنا كيف نستثمر خيرات غاباتها الثريّة و نقوم باِستغلالها أحسن اِستغلال في مجالات الفلاحة والصناعات التحويلية وفي السياحة الداخلية والعالمية صيفا وشتاء وعلى مدى بقية السنة ذلك أن منطقة عين دراهم كانت في سنوات قبل الحرب العالمية الثانية تشتمل على أكثر من ثلاثين فضاء سياحيا ولكننا مع الأسف لم نحسن تطوير ما خلّفه لنا المستعمر الفرنسي من معالم ولم نحافظ عليها بل دمّرناها تدميرا كأن الوندال وبني هلال مرّوا على تونس مرّة أخرى…!
فما ظلمَ تونس إلا أبناؤها
وبأيديهم خرابها…
ما أتعس المرء يصيبه الإحباط فيشعر بخيبة الأمل عندما يكون في المكان الخطأ والزمان الخطأ…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكتابة بعد الستّين
لست أدري أين قرأت قول أحد خلفاء بني أميّ ولعله معاوية اِبن أبي سفيان ـ ما شيّبني إلا اِنتظار المواعيد ـ فغفر الله لكل الذين بقيت أنتظرهم في مناسبات عديدة وعندما يصلون متأخرين يجدون كلّ الأعذار فأبقى متحسّرا على هدر وقتي فمن النادر جدّا الالتزام بالمواعيد لدينا معشر التونسيين إلا بعض اِستثناءات نادرة تشفي غليلي وآخرها ما كان مع الصّديق الأديب مصطفى يحي الذي وصل إلى الموعد قبل ساعة أو أكثر وذلك بمناسبة الاِحتفاء به في نادي الأدب بجمعية اِبن عرفة الذي تديره الأديبة سُونيا عبد اللطيف وأظنه تفاجأ عندما وجدني في
اِنتظاره لعله اِعتاد مثلي الاِنتظار في المواعيد
باسمًا طَلقَ المُحيّا يصعد المدارج نشيطًا أنيقَا في كسوته الرّمادية فتراه ممشوقًا كرُمح كأنه في العشرين وهو في عقد التاسع فما شاء الله تبارك الله ومتّعه بالصّحة والعافية صديقي القادم في تلك القيلولة من مدينة قابس على مسافة أربع مائة كيلومتر من العاصمة تونس
الأديب مصطفى يحي بدأ الكتابة الأدبية بعد أن تجاوز الستين عاما وهذه مسألة مهمّة للغاية لأنه يؤكد أن الولوج إلى عالم الأدب لا يمكن أن نحدّه بسنّ معيّنة فهو متاح لكل من يروم معانقة الحرف والكلمة أما المسألة الثانية التي نعتبرها من صديقنا أبي جمال فإنها تؤكد أيضا أنّ الشهادة العلمية ليست ضرورية ولا كافية أيضا ولا شافعة كذلك لكسب صفة الأديب ذلك أن مصطفى يحي لم ينل حظه من التحصيل المدرسي إلا سنوات قليلة من التعليم الاِبتدائي وسبقه الجلوس إلى المؤدّب في الكتّاب ولكنه ثابر على التحصيل والمطالعة بعدهما فقد تمكّن من قواعد اللغة العربية والفرنسية عن كثب وحذق أسرارهما فكتب الشّعر والقصة بفصاحة الجاحظ وفُولتير معا لذلك فقد حلّق في سماء الأدب بجناحين معًا وقد زادته تجربته الطويلة والمتنوعة في الحياة من الاِستفادة من معاناته في الحياة فهو من مواليد سنة 1935 بقابس التي تجمع بين الواحة والبحر والصحراء وقد عمل سنوات في سلك الأمن الوطني إبّان السنوات الأولى من الاِستقلال وكان من المتطوعين في حرب بنزرت سنة 1961 ثم هاجر إلى فرنسا وعاش هناك سنوات طويلة متقلّبا في أطوار مختلفة فكل هذه المراحل أفادته في مواضيع كتبه باِعتبارها منهلا لا ينضب وقد أوجزت الأديبة سُونيا عبد اللطيف مسيرته في هذه الفقرة قائلة عند تقديمه :
أوّل كتاب له هو “ذكريات من المستقبل” سنة 2001 وهو مجموعة شعري )
مزدوجة بين العربية والفرنسي، عبّر فيها عن اِنبهاره بمدينة الأنوار باريس.. وحنينه للوطن
المجموعة الشعرية الثانية “شظايا” 2007 بالعربية رثا في قصائده مآسي الأمة العربية…
في سنة 2008 فاجأ ابو جمال الساحة الثقافية بإصداره للجزء الأول من سيرته الروائية بالفرنسية passent les jours.. وتحدث فيه عن حرب بنزرت والمجزرة التي حصلت.. ولم يكشفها التاريخ..
و ـ الأمل لا يموت ـ هو عنوان مجموعته الشعرية الثالثة سنة 2009 وهي قصائد مزدوجة بين اللغتين..
في سنة 2013 أصدر روايته “لظى بنزرت” التي هي ترجمة للجزء الأوّل من من سيرته الذاتية passent les jourS فيها فضح المستور وعرّى المطمور..
في سنة 2015 أصدر مجموعته القصصية الأولى “أخشى النسيان” وهي مزيج بين الواقع والخيال، ومن خلالها نلاحظ فيها اِسترجاعا للذكريات واِستحضارها وكأنه يعيش على حنينها… وكأنه يتعجّل تدوينها خشية التلف والضياع…
ونشطت الذاكرة بعد الاضطراب فأتت المجموعة القصصية الثانية ـ قطوف الخريف ـ سنة 2018 وهي مزيج بين الماضي والحاضر.. وكان الأهداء فيها لروح زوجته التي فارقته..
وخريف أبو جمال ليس ذلك العراء وذلك الذبول بل هو بداية موسم جديد.. بداية دورة الحياة…
وكانت المجموعة القصصية الثالثة “حين يزهر الخريف ” وهو الكتاب التاسع في حصيلته..
( خريف أبو جمال خصب ومازالت أشجاره تزهر …
والأديب مصطفى يجي أبو جمال متيّم بمدينته قابس الفيحاء وعاشق لواحتها التي قضّى فيها طفولته وتمتع بجمالها وصفائها قبل أن تصاب الواحة والمدينة بالتلوّث وقد كتب قصيدة بديعة يتغنى فيها بالواحة والنخلة مستحضرا فيها سنواته العذبة في أرجائها ومتحسّرا على ماضيها بما كان فيه من هدوء ومرح وهناء ثم في آخر القصيدة يُبدي غضبه ونقمته على ما آلت إليه تلك الربوع حيث نالت منها أيدي العبث بالطبيعة نتيجة لطغيان المادة والجشع… وله قصائد أخرى من بينها قصيدة ـ شموخ ـ وقد رسم فيها مبادئه في الحياة لكأنها دستوره الخاص أو كأنها خلاصة حياته حيث يقول :
لا وجه منيّتي أخشاه
لا طول حياتي يغويني
في عقدي التاسع هذا
لا شيء عاد يغريني
ما المال كان مرادي
فنزر النزر يكفيني
شربت الحب أكوابا
من ذابلات الجفون
بعزم ذدت عن وطني
ما مال للغازي جبيني
وللتمجيد ما سعت قدمي
ولا فخم القصور يعنيني
فصديقة في الود صادقة
عن كل الغواني تغنيني
وخلّ إذا العواصف هبّت
هبّ في الحين يحميني
ومن قصائد أبي جمال بالفرنسية هذه القصيدة التي يمجّد فيها الرّفق بالحيوانات وهي لعَمري أرقى درجات الإنسانية التي تتجاوز الإنسان إلى الحيوان والطبيعة جمعاء حيث يقول :
MES AMIS LES ANIMAUX
**************
Jamais je ne monte un cheval
Ni le faire courir à en crever
Jamais je ne chasse un animal
Ni priver un oiseau de liberté
Je ne tue point vipère ni crotale
Si je ne suis en grand danger
Le lion, le loup ou le chacal
Ne chassent que par nécessité
Le superbe tigre du Bengale
Ne traque le cerf que pour manger
La viande je mange car c’est vital
Mais n’use jamais de cruauté
Le toréro ce sanguinaire médiéval
Torture la bête pour des « Olé »
ومن مآثر أقوال صديقنا الأديب مصطفى يحي وهو في عقده التاسع ما يلي :
الصّبا له أريجه وكذلك المراهقة والشباب والكهولة أما الشيخوخة فهي داء لا دواء له
شخصيا أمقتها ولكني أجاريها ولا أجد لها أيّ طعم بل طعمها ترياق وحنظل نرى الشهد ولا نستطيع أكله ونرى الورد ولا نستطيع قطفة ويرانا الجمال فيفرّ هاربا من أمامنا.
هذه تحية لأديب تونسي أعتبره مثالا في العطاء وتقديرا له على مسيرته الجديرة بالدراسة متمنيا له المزيد من الإبداع في كنف الصحة والعافية وطول العمر…
لا تحسب عُمرك بالسّنوات وإنما بالذكريات ولا تحسب ثروتك بالمال بل بالأصدقاء كما يقول المثل السويدي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجماعات الشعرية في تونس
ـ 1 ـ سِيكَا أو المدينة التونسية ـ الكاف ـ
أصل الكلمة “سِكّا فِنِيرِيَا” Sicca Veneria وهي من التسميات الرومانية التي ربما تعود إلى اللغة الأمازيغية وهي مدينة عريقة بالشمال الغربي تبعد عن العاصمة تونس 160 كلم ويمكن اِعتبارها المنارة الثقافية الأولى في الشمال التونسي فقد أنجبت منذ أوائل القرن العشرين على الأقل أجيالا متوالية في مختلف الفنون من الغناء والمسرح والسينما إلى الشعر والقصة وغيرها
فهذا التميّز الثقافي لمدينة الكاف جعل من المبدعين المنتسبين إليها وإلى ربوعها يشعرون بنخوة خاصة تلاحظها في أحاديثهم بحيث لا يكاد أحدهم يمضي معك في الكلام حتى يذكر لك شيئا عن الكاف سواء عادة من عاداتهم أو مكانا فيها أو بالقرب منها أو أغنية من أغانيها أو حادثة وقعت له فيها أو شخصا تعرفه وكم يكون سعيدا بل مفتخرا به عندما يعلمك أن ذلك الشخص الذي تعرفه هو من الكاف فليس عجبا إذن أن يترك صديقي الشاعر ـ المهدي القاطري ـ اسمه ويتسمّى ـ الحلاج الكافي ـ وصديقنا هذا كأني به ـ بمعية الصديقين الشاعرين بوبكر العموري وعماد الزغلامي وغيرهما بصدد تجميع شعراء الكاف وأدبائها في رابطة أو جمعية أو ودادية ليتنظّموا فيها من أجل تنسيق نشاطهم الثقافي في الجهة وفي خارجها وبهذه المناسب أعبّر لهم عن مساندتي المبدئية يقينا منّي أن العمل الجمعياتي هو أساس المجتمع المدني أوّلا وثانيا أعتبر أن المجهود الثقافي الفردي لا يمكن له أن يستمرّ ومصيره لامحالة إلى التلاشي
ــ 2 ـ شهدت تونس عديد الجماعات الأدبية التي كان لبعضها الأثر الواضح في تطور الأدب التونسي من بينها نذكر خاصة أدباء مجلة العالم الأدبي التي برز منهم أبو القاسم الشابي ومحمد الحليوي ومحمد البشروش ثم جماعة تحت السور وبرز منهم بيرم التونسي وعلي الدوعاجي وبعدهم ظهر جماعة مجلة ـ المباحث ـ التي أظهرت أدباء جددا من ذوي التكوين المدرسي العصري والمنفتحين على الثقافة الفرنسية من بينهم خاصة محمود المسعدي والصادق مازيغ والشاذلي القليبي ومصطفى الفيلالي ثم ظهرت مجلة ـ الندوة ـ وفي مطلع الخمسينيات أنشئت رابطة القلم الجديد ومن بين أعلامها منور صمادح والشاذلي زوكار وبعض الشعراء والأدباء الجزائريين المقيمين في تونس وقد شهدت الخمسينيات صدور مجلة ـ الفكر ـ وظهور تجديد شعري كبير ضمن الاِلتزام التحرري والاِجتماعي فاِنبثق الشعر الحر القائم على أساس التفعيلة ويمثله خاصة الشاعران مصطفى الحبيب بحري ومحسن بن حميدة وبدأ في آخر هذه السنوات تنظيم ـ العكاظيات ـ بمناسبة بعض الأعياد الوطنية وفي أعياد ميلاد بورقيبة خاصة وقد شارك فيها عدد كبير من الشعراء التونسيين والعرب وكان الشاعر أحمد اللغماني أبرزهم ثم في أوّل الستينيات صدرت مجلة ـ التجديد ـ ذات المنهج التقدّمي على يد كوكبة من الأساتذة الجامعيين الجُدد من بينهم منجي الشملي وصالح القرمادي وتأسس نادي القصة ومن أعلامه الأوائل محمد العروسي المطوي والطاهر قيقة ومصطفى الفارسي وعز الدين المدني وحسن نصر وغيرهم وفي آخر الستينيات برز شعراء جماعة غير العمودي والحر ضمن حركة الطليعة عامة وهي حركة ثقافية عارمة قامت على الرفض والتجديد في سائر الفنون من المسرح والرّسم إلى الموسيقى والسينما ومن بين شعرائها محمد الحبيب الزناد والطاهر الهمامي وفضيلة الشابي وأحمد الحباشة ومحمد مصمولي ومن بين نقادها محمد صالح بن عمر واحمد الحاذق العرف وفي أوّل السبعينيات من هذا القرن القرن العشرين تأسّس اِتحاد الكتاب التونسيين الذي نظّم مؤتمر الأدباء العرب ومهرجان الشعر العربي سنة 1973 واِلتفّت جماعات من الأقلام الشابة وقتذاك ضمن مجموعات مثل جماعة نادي الشعر في تونس من بينهم عبد الحميد خريف ومحمد أحمد القابسي ومختار اللغماني وهشام بوقمرة وحسين العوري واحميدة الصولي وعلي دب ومحمود الماجري وآدم فتحي ونجاة العدواني ومحمد العوني والطاهر الضيفاوي وغيرهم وجماعة الشعر المنجمي في الجنوب الغربي من بينهم سالم الشعباني ومحمد عمار شعابنية وأحمد مختار الهادي وغيرهم وجماعة الأخلاء منهم خاصة أبو وجدان الصادق شرف ويوسف رزوقة وبشير المشرقي وعبد الله مالك القاسمي والحبيب الهمامي وعبد الرؤوف بو فتح وظهرت كذلك في آخر السبعينيات جماعة صغيرة على أساس الألفة والصداقة مثل جماعة الفتية الشرسين من بينهم حسونة المصباحي وخالد النجار أو جماعة مقهى الزنوج من بينهم منصف المزغني ومحمد العوني ـ الشاعر ـ ومحمد الصغير أولاد أحمد أو جماعة الرّياح الأربعة وهم الشعراء الذين نشروا دواوينهم في ـ دار الرياح الأربعة ـ التي نظمت لهم بعض الأمسيات الشعرية وقد نظّمت ـ دار الثقافة ابن خلدون ـ ثم ـ دار الثقافة ابن رشيق ـ بالعاصمة أسبوع الشعر التونسي سنتي 1980 و1981 وحفلت المبادرتان بمشاركة عشرات الشعراء وتضمّنت قراءات شعرية مع ورقات نقدية وحوارات عميقة اِستمرّت ساعات طويلة إلى أن اِنعقد الملتقى الأول والثاني للشعر التونسي بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات في أوائل الثمانينيات وقد اِنقسم الشعراء المشاركون وقتذاك إلى ثلاث مجموعات مختلفة هي جماعة المنحى الواقعي وجماعة القيروان وجماعة الرّيح الإبداعية وكان الخلاف بينها على أساس إديولوجي بدرجة كبيرة فجماعة القيروان كانوا يميلون إلى مقولات القومية المشرقية وجماعة المنحى الواقعي ظلوا متمسكين بمقولات المدرسة الواقعية الاِشتراكية بينما جماعة الريح الإبداعية أكّدت على الجانب التحرّري والإنساني في الأدب وهذه الجماعات الثلاث واصلت نشاطها وتطورت نصوصها وراجعت أحيانا مقولاتها حتى اِقترب بعضها من بعض وشهدت تونس في هذه السنوات حضور عديد الأدباء والشعراء العرب والفلسطينيين خاصة ودأبت مختلف نواحي البلاد على تنظيم عديد الملتقيات والمهرجانات الأدبية والشعرية في مدن توزر وقليبية والمنستير وبنزرت وصفاقس وحيّ الزهور بالعاصمة وغيرها فما كاد القرن العشرون ينتهي حتى وضعت الحروب الشعرية أوزارها وظهرت منذ التسعينيات أسماء شعرية حقّقت إضافة نوعية في مسيرة الشعر التونسي وعزّزت عن جدارة المشهد الإبداعي الجديد بما فيه من توالي الأجيال وتنوّع المضامين والأشكال وبات من شبه الاِقتناع والإجماع أن الشّعر البديع يمكن أن يكون على أكثر من منوال سواء ضمن التفعيلات أو البحور أو ضمن التحرر منها على أنساق الشعر المنثور فالعبرة بالجودة والإضافة والتميّز في أيّ شكل وفي أي نوع من النصوص الشعرية
.ـ 3 ـ أرجو أن تكون مبادرة شعراء سيكا إضافة نوعية في الشعر التونسي المعاصر الذي منذ سنوات عديدة يراوح تقريبا نفس الأسماء بنفس المواضيع والأشكال الفنية إذا ما اِستثنينا بعض الظواهر المنتشرة مثل ظاهرة قصيدة الومضة وقصيدة الهايكو وحتى هذه الظاهرة لا نكاد نجد فيها تميّزا خاصا إن نحن اِطلعنا على الآداب الأخرى في العالم هذه الآداب التي أصبح الاِطلاع عليها ميسورا بفضل اِنتشار الأنترنات وبفضل بوّابة ـ غُوغل ـ العجيبة بحيث ما عاد مقبولا أن ينكفئ أدبنا على نفسه فلا ننظر من خلاله إلا إلى أنفسنا في المرآة .صحيح أننا نشجع الأقلام الجديدة ومن واجبنا فسح لها المجال للظهور والمشاركة والنشر وحتّى تحمّل المسؤولية في الجمعيات الثقافية ولكن من الواجب أيضا أن ندعوها إلى ضرورة الِاطلاع على مختلف التجارب السّابقة في تونس وفي البلدان العربية وكذلك في بقية الآداب في العالم حتى تملأ وطابها وحتى لا نُكرّر ما قاله السابقون إن هي رامت الإضافة والإبداع فليت أن هذه الأقلام الجديدة قرأت نصوص زبيدة بشير ومحي الدين خريّف وصالح القرمادي ومختار اللغماني وعبد الله مالك القاسمي وحسين القهواجي ولُوركا وناظم حِكمت ونيرودا وغيرهم لتسنّى لها تقديم نصوص أرقى بكثير… ولا شك إنّ الذي يجعلني متفائلا بمبادرة شعراء سيكا ما يلي
* تضمّ هذه المبادرة شعراء وشاعرات مختلفين في نصوصهم الشعرية من حيث المضامين والأشكال وحتى اللغة فالبعض يكتب بالعربية الفصحى وفي العمودي وفي التفعيلة وفي البحر وفي غير هذا وذاك من قصيد النثر والومضة والهايكو والبعض يكتب باللغة التونسية سواء على أوزان الشعر الشعبي أو غيرها من الإيقاعات الجديدة والبعض يكتب باللغة الفرنسية فهذا التنوّع في الألوان والأنواع سيفضي لا محالة إلى تلاقح واِنفتاح على مجالات أخرى لدى الشعراء
** إنّ هذه المبادرة تشمل أقلاما ذات مسيرة طويلة ومحترمة والبعض منها ذو رصيد أدبي وعلميّ ممّا يسمح بدعم الأقلام الجديدة التي يبشّر الكثير منها بمستقبل إبداعي إذا ما أخذت الكتابة مأخذ الجدّ ودأبت على المثابرة والمكابدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدورة التأسيسة لشِعر الهايكو بتونس
السبت 27 مارس 2021
بالمكتبة المغاربية ببن عروس ـ تونس
مواكبةً للحركة الثقافية و للمنجزات الجديدة في الأدب ورصدًا للمدوّنة الشعرية في تونس لاحظنا خاصة في السنوات الاأخيرة بروز شعر ـ الهايكو ـ واِنتشاره بين عديد الشّعراء سواء في الدواوين أو خلال الأمسيات الشعرية أو ضمن الصفخات الفايسبوكية بل صارت له نواد وتظاهرات خاصة وصدرت فيه حتى الانطولوجيات في لغات عديدة ممّا يدعونا إلى مواكبة هذا النوع الجديد من الشعر في أدبنا والوقوف على بداياته في تونس وتطوّره وانتشاره ومعرفة خصائصه معنًى وشكلاحتى تتسنّى دراسة مُتون الشعراء البارزين فيه وبيان أوجه الاختلاف والائتلاف بينه وبين الأنواع الأخرى من الشعر الجديد كقصيدة الومضة أو اللمحة وغيرهما لنتبيّن مدى الإضافة في هذا النوع من الإبداع الذي كان يَبانيَّ النشأة والمَحتد وقام على أسس واضحة هي كالقواعد الضرورية وهي تشمل خاصة عدد المقاطع والأسطر ولا تخرج عن مواضيع الطبيعة ثمّ اِنتقل بفعل المثاقفة والترجمة إلى البلدان الأوروبية ثمّ انتقل عبر اللغة الفرنسية والإنقليزية خاصة إلى بقية الآداب في العالم حتى أمسى ظاهرة شعرية عالمية فشهد بعض التطوّرات بتأثير بيئة تلك الآداب مثل ظهور تفاصيل حياة المدينة عوضًا عن حضور الطبيعة فيه
متى بدأ شعر الهايكو في تونس ؟
مع مَن مِن الشعراء ؟
ما هي خصائص الشعر التونسي في الهايكو ؟
ما هي الآفاق المنتظرة في هذا النوع الجديد من الشعر ؟
هذه بعض المطارحات التي نروم بحثها والتداول فيها بمساهمة نخبة من شعراء الهايكو الذين لهم السبق والتجربة مع فتح المجال للأقلام الجديدة الواعدة أيضا لتتواصل مختلف الأجيال والمقاربات من أجل إثراء الشعر التونسي وتعزيز تنوّعه واِحتفاء باِبتكاراته وإبداعاته
ونأمل أن يتواصل تنظيم هذه المبادرة حول شعر الهايكو ليكون هذا الملتقى موعدا يجمع مختلف الشعراء والنقّاد وأحبّاء الكلمة الجميلة فمسافة الالف ميل تبدأ بالخطوة الأولى
: ويتضمّ هذا الملتقى *
صباحا ـ مائدة مستديرة حول نشأة قصيدة الهايكو وخصائصها
وتقديم شهادات في تجربة كتابة الهايكو
ثم استراحة تليها قراءات شعرية
مساء ـ مائدة مستديرة حول نماذج من قصيدة الهايكو في تونس
وتقديم شهادات في تجربة كتابة الهايكو
ثم استراحة وتليها قراءات شعرية
الاختتام ـ قراءة البيان الختامي
بيان الدورة التأسيسية لشعر الهايكو
المكتبة المغاربية ببنعروس 27 مارس 2021
مواكبةً للمُنجزات الجديدة في المُدوَّنة الشعريّة التونسيّة ومتابعةً للأصوات المتميّزة فيها من أجل أن تُواصل العطاءَ لتكون إضافةً نوعيّة تُعزّر ما سبق من الحركات اِنعقد بالمكتبة المغاربية يوم السبت 27 مارس 2021 الملتقى الأوّل لشِعر الهايكو بمساهمة ثلّة من شعراء الهايكو (الهايكست ) مع غيرهم من الشّعراء والأدباء والنقاد والمبدعين والمثقفين فتدارسُوا عن كثَبٍ خصائصَ شعر الهايكو ومختلف مميّزاته من خلال شهادات ومداخلات نقدية واِستمعوا إلى نماذجَ منه وبهذه المناسبة يعلنون ما يلي
ـ 1 ـ يتقدّمون بالشّكر الجزيل إلى السيّدة فتحية شعبان مديرة المكتبة المغاربية ببن عروس وإلى زملائها على حسن التظيم وكرم الضيافة
ـ 2 ـ يؤكّدوا على أنّ الهايكو يُمثّل نوعًا خاصًّا من الشّعر بما فيه من خصائص معنويّة وشكلية تختلف مع غيره من الأشكال الشعريّة الأخرى
ـ 3 ـ يدعون إلى إيلاء شعر الهايكو المكانة التي هو جدير بها ضمن بقية الأنواع الشعريّة سواءً في النّشر أو الدّراسات وإدراجِه في مختلف مراحل التربية والتعليم وبمناسبة تنظيم التظاهرات الثقافية
ـ 4 ـ يعتبرون أن شعرَ الهايكو إضافةٌ نوعيةٌ في الشّعر التونسي الذي هو رافد من روافد الشّعر العربي
ـ 5 ـ يَرَوْنَ ضرورةَ الاِنفتاح والتفاعل مع بقية الفنون والتعبيرات والثقافات في العالم والاِستفادة من مختاف إنجازاتها
ـ 6 ـ ينظرون إلى ممارسة شعر الهايكو أنها فعلُ تأمّل وتَماه مع الطبيعة والحياة وهي اِحتفاءٌ ببهحتها ورونقها باِعتبار أن معايشة الهايكو يضفي على كاتبه وقارئه إكسيرًا لطيفًا من المسرّة والسعادة
ـ 7 ـ يأملون أن يصبح هذا الملتقى دوريّا كلّ سنة وتتبنّاه المكتبة المغاربية ببنعروس راجين أن يكون أكبرَ وشاملا لأكثرَ ما يمكن من المهتمّين بشعر الهايكو سواءٌ في تونس أو في غيرها من البلدان الشقيقة والصديقة وأن يتمّ توثيق محتوى هذا الملتقى ونشره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تكريم الشاعر سُوف عبيد بالمكتبة الجهوية ببنعروس الأربعاء 3 مارس 2021
الصديق الشاعر صالح الطرابلسي كتب مشكورا على صفحته ما يلي وقد أحضر معه مجموعني الشعرية الأولى التي أهديتها له سنة صدورها 1980 :
حضرنا يوم الاربعاء 3 مارس بالمكتبة المغاربية ببن عروس أمسية ثقافية شـيّقة أعــدّتها جــمعيّة أحبّاء المكتـبة و الكتاب بإشراف الأخت فتحيّة شعبان مديرة المكتبة و رئـيسة الجـمعيّة احتـفاء بتكريم الشاعر سوف عبيد بحضور جمع من الأدباء و الشعراء أصدقاء و صديقات الشاعر المحتفى به.
و قد ترأّس الجلسة التكريميّة الكاتب و الصحفي محمّد بن رجب و تداول على تقديم الشاعر المكرّم كلّ من الشّعراء سنية عبد اللّـطيف ومنير الـوسلاتي وجـلال المخ وقد تناول كل واحد منهم بالتّحليل جانبا من جوانب التّجربة الشعرية للشاعر المحتفى به و التي تمتدّ على مدى أكثر من50 سنة و على مدى أكثر من 8 مجموعات شعرية بالإضافة إلى الدراسات .
المسيرة الشعرية للشاعر سوف عبيد تعتبر بصمة مميّزة في المدوّنة الشّعرية التونسيّة لما تتفرّد به من خصوصيّات .
فهو يمثّـل الجـيل الأوّل ما بـعد الطّليعةو الـذي حـاول عـبر “قصيدة النثر” أن يرتفع بالواقعيّة الطليعيّة إلى مستوى أعـمق شعريّة و أفسح رؤى بشيء من الجرأة الحداثيّة التي كانت بمثابة المغامرة الـتي أنشأ به”جناحا خارج السّرب” بشعريّة تذهب في اتّجاه معاكس لـ”واقعيّةباهـتة”أثـبتت عجزها عن النفاذ إلى أدقّ الحالات و المشاهد ليلتجأ حسب الناقد مصـطفى الكيلاني إلى”سرياليّة”ذاتيّة تسقط الحدود الفاصلة بين الواقع و رؤيا الواقع،فإذا “الأرض عطشى”تبشر بقصيدة النثر وبالقصيدة البرقيّةنصّا يتّخذ “الناس و الأرض لغته”. يقول في نصّ بعنوان “الورقة” من مجموعته “جناح خارج السّرب” :
تعلّمت القراءة و الكتابة/صار القلم جسدي/
الناس و الأرض لغتي” (ص 52)
لقد جعل الشاعر من النّـثـر بلاغـة تنحت شعريّة النّصّ تتداعى فيها اللغة سردا شعريّا يمثل إيقاعا ضمن إيقاع الصّـورة و الـرّؤيا الـمشهـديّة في جماليّة تستوحي من كلّ الفنون في حداثة تحتفل بالأشياء و تفاصيل الوجود المادي و تصوّر حالات الـتّوتّر والطّمأنينة داخل الذّات. فالمعنى يكتشف بقراءة الصّورة بقطع النظر عن اللفظة ، كما أنّ الـرّؤيا تـستخلص من كل التّفاصيل التي تذهب آنا إلى أبعـاد غارقة في الأنا وقد تـذهب آونة أخرى إلـى أبعاد جمعيّة تطلّ على أشجان الوطن وعلى أشجان العالم فإذا بالنص الشعري ينبض بالحياة والشعرية تستجلي الواقع بكل وقائعه
وقد امتع الفنان عباس المقدم الحاضرين بمداخلتين موسيقيتين مرددا بصوته الرخيم انغام قصائده الرائعة شعرا و لحنا…
* وكتبت الأديبة سونيا عبد اللطيف على صفحتها أيضا :
بتاريخ مساء الأربعاء 03 /03 /2021 كان تكريم الشاعر المبدع سوف عبيد بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في المكتبة المغاربية ببن عروس وبدعوة من أمينتها الأستاذة فتحية شعبان الكريمة والناشطة في الحقل الأدبي والتي تسعى دوما إلى تثمين جهود الأدباء والشعراء الكبار الذين ناضلوا في هذا الحقل وقدموا وأضافوا ومازالوا يضيفون دون انتظار مقابل من وزارة او مندوبية لأن شعارهم الحفاظ على لغتنا العربية والرقي بالأخلاق والقيم من خلال تلك الإنجازات الأدبية وتعذيب ذائقة المتلقي وتشريكه في تناول الكلمة كتابة وقراءة ونقدا وتجديدا.. وكان لي بالمناسبة مداخلة بعنوان الطفولة والإنسانية في أعمال سوف عبيد الإبداعية وقد ركزت على سيرته الذاتيه التي أعطاها عنوان بصمات وخطوات وهي محطات متخلفة من حياته (اكثر من عشرين مقالة تحدث فيها عن طفولته والبيئة التي ولد فيها وتربى لمدة ست سنوات وهي غمراسن بالجنوب التونسي.. وجانب من علاقاته مع الآخرين الاهل والأقارب والأصحاب والامكنة والازمنة..) في ديوانه الذي صدر سنة 2017 عن اتحاد الكتاب التونسيين مشكورين، المداخلة الثانية للشاعر المتألق منير وسلاتي الذي اكتشفنا أنه ناقدا جيدا فهو أتى على كل الأضواء والألوان في مجموعة الأرض عطشى وهي أول أعمال الشاعر سوف عبيد وصدرت سنة 1980 وقد ركز خاصة على قصيدة البدء… المداخلة الثالثة للاديب المبدع الهادئ جلال المخ تناول فيه مسيرة الشاعر الادبية ورحلته مع الشعر وأعماله وعلاقته مع قصيدة حورية الموج التي جاءت في مجموعة صديد الروح على ما اظن وكان تحليلها ونقدا ذكيا تدل على الخبرة والفطنة.. وبين هذا وذاك ترأس الجلسة الاعلامي البشوش الغني عن التعريف صديق كل المبدعين وقد واكبهم منذ السبعينات او حتى قبل الأستاذ محمد بن رجب وقد تفاجأنا بمداخلتين موسيقيتين للفنان عباس المقدم إذ غنى بصوته الشجي اغنيتين لحنهما من إبداعات الضيف الشاعر سوف عبيد… ثم أعطيت الكلمة للشاعر سوف عبيد فقرا قصيدتي البرنس والشهر التاسع.. وزاحم الوقت الجميع فختم الاستاذ محمد بن رجب الأمسية بدعوة الأستاذة فتحية شعبان لتتولى تكريم الضيف بهدية رمزية باقة ورود جميلة وزيتون مباركة من الفضة وشهادة تقدير وتقدير داعين له بمزيد الإبداع والصحة وطول العمر
فشكرا لكل الشعراء والكتاب والاصدقاء على حضورهم ومشاركة الضيف فرحته في هذا الجو العائلي البهيج البعيد عن البروتوكولات…. ولا اقصد بها البروتوكول الصحي فذلك متوفر وشرط من شروط اللقاء.. ومرة أخرى تحية كبيرة لتلك المرأة المجتهدة الأستاذة فتحية بن شعبان على كرمها وحسن الضيافة و الاستقبال…
** وكتب الصديق محمد بن رجب على صفخته كذلك ما يلي :
في بن عروس :
تكريم الشاعر سوف عبيد في جلسة أدبية متميزة
بمناسبة اليوم العربي للغة العربية…………
…………..
علاقتي بالشاعر سوف عبيد لها تاريخ طويل تعود إلى أكثر من خمسين سنة.كانت زاخرة بالعمل الثقافي والنشاط الأدبي والإبداعات الشعرية.. فإن كنت شخصيا قد بدأت في مطلع السبعينيات بكتابة الشعر والقصة والنقد ثم توقفت عن كتابة الشعر والقصص
إذ التحقت بالصحافة فإن سوف عبيد انخرط في عالم الشعر. كتابة وبحثا.. غرق في* بحور * الكتابات الشعرية الحديثة.. وعاش كل اطوار الشعر بحب وتفان وجرب كل أنواعه من أجل كلمة جديدة. ورؤية حديثة للشعر مع المحافظة على التدريس طبعا.. فهو استاذ اللغة العربية و عمل في عدد من المعاهد الثانوية في مناطق مختلفة من البلاد..وانتم بشكل أو بآخر في حركة الطليعة الأدبية التي عرفتها تونس في نهايات الستينيات وبداية السبعينيات.. وتعمق في النضالات الفكرية بالكتابة الشعرية الحديثة والنجريب المتواصل من أجل تطوير التجربةالحضارية الإنسانية
وفي الثناء كان يكتب المقالة ويشارك في الندوات والملتقيات والمهرجانات بل بعضها هو الذي ينظمها او يبعثها الى الوجود لاثراء الساحة الثقافية. ولم ينفك ينشر المجموعات الشعرية بعد أن يكون قد نشر قصائدها في جل الصحف والمجلات في تونس.. الي ان بلغت مجموعاته أثني عشرة مجموعة باسماء وعناوين تقطر شعرا..
وقبل بضعة سنوات نشر ديوانه جمع فيها كل أعماله الشعرية.. وطبعا لا يعني ذلك انه لن يكتب الشعر و سيسكت…. ابدا فإن من يعرف هذا الرجل يكون متأكدا من أنه سيواصل الكتابة الشعرية والنشاط الأدبي والدراسات التي نشر البعض منها في كتب.. آخرها كتاب* الضفة الثالثة *التي جمع فيها بعض ما نشر في الجرائد من مقالات ودراسات في شتى فروع الثقافة والأدب.. فقلم سوف عبيد لا يتوقف عن الصرير.. لأن قلبه معطاء وعقله مؤسسة بحالها من الإنتاج والتفكير في كل مجالات الحياة…
اذكر كل ذلك دون أن انسى ان شاعرنا رجل جمعيات.. لا يهدأ من التاسيس والانتماء الى جمعيات شريكة في الحياة العامة وخاصة في الحياة الأدبية والثقافية وهو من سنوات عديدة عضو نشيط بجمعية ابن عرفة مع الإشراف المباشر عليها.. وجعلها منارة من منارات العطاد الثقافي في تونس من خلال مقرها المشع من قلب مدبنة تونس العتيقة الي جانب جامع الزيتونة المعمور……….
ولأني أعرف الشاعر سوف عبيد بدقة منذ البدايات والي اليوم.. وكنت كتبت عن بعض أعماله واوردته في عدة كتابات.وتابعت حياته بكل تفاصيلها.. وأحببت شعره المتجدد. على مدى نصف قرن فلا غرابة اذن أن أكون رئيس جلسة تكريميّة خصصتها له المكتبةالمغاربية ببن عروس بمناسبة اليوم العربي اللغة العربية.. وفي نطاق اهتمام هذه المكتبة بتكريم كبار الادباء والعلماء في تونس فهذه المكتبة دار ثقافة مشرقة.. وقد تمكنت مديرتها السيدة فتحية شعبان أيقونة ثقافية تشد الناظرين من أهل الثقافة والفنون…
وقد ساهم في هذه الجلسة التكريمية التي كانت رائعة عدد من النقاد والمبدعين.. وهم الأستاذة سونيا عبد اللطيف وهي شاعرة وناقدة ومنشطة ثقافية.. و الأستاذ منير الوسلاتي وهوشاعر وناقدومنشط ثقافي والأستاذجلال المخ وهو باحث وكاتب واديب ومنشط
ثقافي..
وحضر الندوة جمهور مهم من الشعراء والأدباء والأستاذة الجامعيين والباحثين هو جمهور معتبر.. أضفى على فضاء المكتبة جوا متميزا وعلى الندوة الكثير من الفرح…
وفي غمرة هذا الفرح كانت هناك لحظات من المتعة مع الفنان عباس المقدم صاحب صوت شجي وعمق شاعري إذ أدي أغنيتين من شعر الصديق سوف عبيد تولي تلحينهما بروح فنان محب للشعر الجميل الذي لم يعد في أصله للغناء …
وكانت المراوحة الأخيرة التي إختتمنا بها الجلسة الممتعة مع الفن الراقي المعتق مع الفنانة الشاعرة منى بلحاج التي تعودنا على صوتها في الندوات وفي المناسبات الجميلة حيث تشنف آذان الجمهور بصوتها الغني بعمق التراث الغنائي العربي الأصيل والغناء التونسي القديم المتجدد..
ولا بد من التأكيد أن الجلسة التعريفية والنقدية عن الشاعر سوف عبيد كانت متميزة هي أيضا..
فالاستاذة سونيا عبد اللطيف تناولت بعض اشعار سوف عبيد للتوقف عند بعض محطات من طفولته منذ ولادته في أقصى الجنوب الغربي التونسي.. مع إشارات الي لحظات من نشاته وتربيته.وتعليمه.. مسشهدة ببعض أقوال الشاعر.. وبعض مقتطفات من مواقفه المستمدة من الذاكرة.. ومن عائلته بالجنوب ونقلته الي العاصمة..وطبعا بصفتها مربية فانها بحثت طويلا في ما تلقاه سوف عبيد من مبادئ التربية في العائلة وفي المدرسة..
أما الأستاذ منير الوسلاتي فإنه قدم دراسة عن أول مجموعة شعرية أصدرها سوف عبيد بعنوان *العرض عطشى * التي جاءت في كتاب صغير الحجم صدرت عام 1980.. بعد أن تحدث من الذاكرة عن أول لقاء بسوف عبيد.. وكانت لحظات ممتعة معه إذ اكتشف ساعرا.. وتعرف على انسان جميل..
وبما أنه كتب عن أول لقاء بالشاعر.. اذن اختار أن يتحدث عن أول مجموعة له.. اي انه بحسه الشعري عرف كيف يدخل الجمهور من الأبواب الأولى لتجربة الشاعر الأدبية والشرعية والثقافية.. ورأي أن يبحث من خلال قراءته لبدايات سوف عبيد التي مكنته من الوقوف عند الأفق الجمالي لمجموعة الأرض عطشى في سياق افقها الأدبي واللغوي ولكن بعلاقة مع الافق الفكري والتجربة الحياتية للمؤلف..
في حين أن الأستاذ جلال المخ قدم نبذة من حياة سوف عبيد بتفاصيل ضافية وتدرج بنا لحظة بلحظة الي كتاب *الضفة الثالثة * الذي قدمه تقديمها ضافيا.. وتوقف عند دراسة سوف للمعارضات الشعرية العربية
الشهيرة لقصيدة الحصري* يا ليل الصب متى غده*… وفاجأنا الأستاذ جلال بأن سوف عبيد صاغ معارض لقصيدة الشهيرة الحصري لكن الحياء الذي يتميز به جعله لا يستعرضهارضمن دراسته في حين انها تستحق الذكر والإهتمام وليست من الكتابات العاربة.. وهو يفعل ذلك رغم أنه هو الآخر معروف بالشعر الحديث وبالنثر الشعري…
وفي نهاية هذه الجلسة إستمتعنا بقصيدة البرنس وقصيدة الشهر التاسع.. من إلقاء الشاعر سوف عبيد الضيف والمحتفي به… وهذه الخاتمة الفرحة ازدادت بها سعادة الحاضرين.. الذين جاؤوا خصيصا لتكريم الأديب والشاعر والناقد والمربي سوف عبيد…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلس ابن خلدون الثقافي
افتتح مجلس ابن خلدون الثقافي يوم الأربعاء 2 ديسمبر 2020 لقاءاته الشهرية بدار الثقافة ابن خلدون بتونس العاصمة وذلك باستضافة الشاعر مراد العمدوني وحضور جمهرة من الشعراء والأدباء والفنانين والمثقفين نذكر منهم خاصة السيدات والسادة
مدير دار الثقافة الأستاذ فريد سعيداني ـ الأستاذ المحامي حسن المطيع رئيس جمعية ابن عرفة الثقافية ـ الفنان والشاعر محمد القماطي ـ السيد عبد العزيز بن عبد الله ـ الأديبة مسعودة بوبكر ـ الشاعرة سونيا عبد اللطيف ـ الكاتب الصحفي محمد بن رجب ـ السيد أحمد جليد ـ الفنان والشاعر سمير مجيد البياتي ـ الشاعر عبد الحكيم زريّر ـ الشاعر بوبكر عموري ـ الشاعرة إسمهان الماجري ـ الأديب الصحفي الهادي جاب الله ـ الشاعر الهادي المرابط ـ الشاعرة سلوى الرابحي….
الشاعر مراد العمدوني من مواليد 1969 بصفاقس وهم متخرج بأستاذية الفلسفة من كلية الآداب بالقيروان ويُعتبر من أهمّ الشعراء التونسيين الذين ظهروا في التسعينيات من القرن العشرين إلى جانب تمييزه بتجربته النقابية والسياسية فهو من أعضاء المجلس التأسيسي الذي أنجز الدستور بعد ثورة 2011 ثم اِستقال من العمل السياسة وعاد إلى وظيفته التربوية ونشاطه الثقافي وإسهامه الشعري وعند محاورته في هذه المجالات جميعا باح الشاعر ببعض التفاصيل الدقيقة والحاسمة في مسيرته منها أنه نشأ في حي شعبي بمدينة صفاقس معروف بالشغب من وبالسّمعة السيئة ناهيك أن الشاعر مراد العمدوني هو أول من تحصل على شهادة الباكالوريا ـ وبامتياز ـ وهو أول من درس بالجامعة من ذلك الحي الذي كان ملاذا للطلبة المطاردين من الشرطة في سنوات المظاهرات والاحتجاجات الشعبية وقد تأثر الشاعر في مرحلة مبكرة بتلك الأجواء الثائرة
ومن طريف الوقائع أنه عندما تلقى دعوة وهو تلميذ للمشاركة في مهرجان الصدى بتونس العاصمة اِستدعى مدير المعهد أباه ليسمح له بالغياب فظن الأب أن في الأمر جُرما كبيرا لذلك بادر بصفعه بحضور المدير تسبقةً له من العقاب
وقد كانت تجربته السياسية محطة بارزة في هذا اللقاء حيث اِستعرض النائب مراد العمدوني بعض الوقائع في المجلس التأسيسي مثل تقديمه لمشروع _ قانون تجريم التطبيع _ الذي وجد الصد والمعارضة الشديدة وذكر ما كان يلقاه من تضييقات وتهديدات وعنف حتى بات في فترة من الفترات مهدّدا في سلامته وحياته وهذا ما جعله ينتقل بالسكنى أكثر من عشر مرات وكشف أنّ كثيرا من القوانين والمواقف كان وراءها المصالح الخاصة وكانت مقبولة بالتصويت بفضل تدخّل الأموال والإغراءات وحتى التهديدات المختلفة ممّا جعله يتأكد أن الحياة السياسية في هذه المرحلة عبارة عن بركة عفنة لذلك قرر مغادرتها وهو مرفوع الرأس معتبرا أن مسؤولية المثقفين والمبدعين كبيرة كي تتجاوز البلاد هذه الظروف الصعبة التي حطت بكلكلها على تونس الجميلة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقاربة بُنيوية لقصيدة “لاعب الورق”
بقلم حاتم حمادي
****** لاعب الورق ******
لاعبُ الورقِ الماهرُ
ليس ذاكَ الذي
يأتيهِ الحظُّ بالأوراقِ الثمينةِ
دفعةً واحدةً
أو… واحدةً.. تلوَ واحدةٍ
الماهرُ حقاً في اللَّعِب
هو ذاك الذي
يُحسِنُ تنسيقَ الأوراقِ
كيفَما جاءتْ
وينتظرُ الورقةَ الخامسة
فإذا جاءتْ
هُيِّئَ لها مكانُها المناسبُ
ثمَّ
يَنظرُ نظرةً
نظرتينِ
في العيونِ المُقابلةِ
ويفرشُ أوراقَهُ
على الطاولةِ !
سوف عبيد
التحليل البنيوي لقصيدة لاعب الورق يتطلب تفكيك النص إلى عناصره الأساسية وفهم العلاقات بين هذه العناصر، مع التركيز على البنية اللغوية والدلالية والأسلوبية.
سأقدّم تحليلاً بنيويا لهذه القصيدة.
- عنوان القصيدة:
“لاعب الورق”: العنوان يثير فضول القارئ بتقديم صورة رمزية لشخص يمارس لعبة الورق، وهي نشاط يحمل أبعادًا دلالية عديدة (اللعبة، الحظ، التفكير الاستراتيجي).
يوحي العنوان ببنية قائمة على التلاعب بين المهارة والصدفة، كما يتضمن إيحاءات فلسفية تتعلق بمصير الإنسان وقراراته.
- بنية القصيدة:
القصيدة تتكون من مقاطع شعرية مترابطة، مقسمة عبر أسطر قصيرة، وهو ما يخلق إيقاعًا خاصًا، يتسم بالبطء والتركيز.
البداية: تبدأ القصيدة بوصف اللاعب الماهر وتمييزه عن اللاعب الذي يعتمد على “الحظ”، مما يشير إلى ثنائية المهارة مقابل المصادفة.
“لاعب الورق الماهر
ليس ذاك الذي
يأتيه الحظ بالأوراق الثمينة”
التحليل البنيوي: النص يُظهر التوتر بين القدر والإرادة البشرية. فاللاعب الماهر يمثل الإنسان الذي يتحكم في أدواته ويتجاوز العشوائية.
الوسط: ينتقل النص إلى التركيز على مهارة التنسيق والتخطيط:
“الماهر حقًا في اللعب
هو ذاك الذي
يُحسن تنسيق الأوراق”
التحليل: هنا تتحول الورق إلى رمز للحياة أو للفرص المتاحة، حيث تتطلب الحياة ترتيبًا دقيقًا واتخاذ قرارات حكيمة. اللاعب الماهر لا ينتظر، بل يرتب و”يُهيئ” كما يشير النص.
الختام: ينتهي النص بتصوير حركي ودقيق للّحظة التي تُكشف فيها الأوراق:
“ثم ينظر نظرة
نظرتين
في العيون المقابلة
ويفرش أوراقه
على الطاولة !”
التحليل: النهاية مفتوحة وتشير إلى ذروة اللعبة أو الحياة: لحظة المواجهة والكشف. التركيز على “العيون المقابلة” يوحي بحالة التوتر والرهان على النتائج.
- البنية اللغوية والأسلوبية:
التكرار:
تكرار الكلمات مثل “واحدة… تلو واحدة” يُحدث إيقاعًا هادئًا ومتتابعًا يحاكي التدرج في ترتيب الأوراق.
التكرار يعزز المعنى ويبرز دقة الحركة.
الصور الفنية والرمزية:
“الأوراق الثمينة” = الفرص الكبرى في الحياة.
“تنسيق الأوراق” = الحكمة والتخطيط.
“يفرش أوراقه” = لحظة الكشف أو اتخاذ القرار.
التقابل:
تقابل واضح بين الحظ والمهارة، وبين الانتظار والفعل، ما يعزز ثنائية الصدفة والاختيار.
الإيجاز والتركيز:
الأسلوب يتسم بالإيجاز، حيث تُستخدم جمل قصيرة وكلمات محددة تبتعد عن الزخرفة، مما يخلق توترًا يُناسب جو اللعبة.
- الدلالة والبنية العميقة:
البنية السطحية للقصيدة تُظهر لعبة ورق، لكن البنية العميقة تُعبر عن فلسفة الحياة:
اللاعب هو الإنسان،
الأوراق هي الفرص المتاحة،
التنسيق يُحيل إلى الإرادة والتخطيط،
النظرات تُوحي بالتفاعل مع الآخر والمواجهة المصيرية.
النص يكشف أن التفوق في الحياة (أو اللعبة) لا يعتمد على الحظ بل على المهارة والإدارة الذكية للموارد.
- الخاتمة:
في قصيدة لاعب الورق، تتجلى الحياة بوصفها لعبة وجودية كبرى، تتقاطع فيها مهارة الإنسان مع عبثية المصادفة. الورق، الذي يُلقى في يد اللاعب، ليس مجرد أدوات، بل هو تمثيل رمزي للفرص والاحتمالات التي تُلقى في درب الإنسان عبر مسارات الزمن. هنا، يتخذ اللاعب الماهر موقعه بوصفه تجليًا للوعي الإنساني اليقظ؛ إنه الكائن الذي يرفض الانصياع للعبة القدر الأعمى، ويواجه الوجود بوعي يتحدى الفوضى، ليخلق نظامًا منسجمًا وسط بعثرة الورق.
في هذا الصراع بين الحظ والإرادة، تتماهى اللعبة مع جوهر الإنسان الوجودي:
هل الإنسان مُسير أم مُخير؟
القصيدة لا تُقدم إجابة حاسمة، لكنها تُبرز أن الكائن الحر هو من يملك “مهارة التنسيق”؛ أي القدرة على إعطاء معنى لما يبدو عبثيًا. فالورق لا يُرتب نفسه، والوجود لا يكشف نفسه دون فعل واعٍ؛ هنا تُصبح “اليد” التي تُهيئ الورقة الخامسة رمزًا لفعل الإرادة البشرية، حين تُعيد تشكيل الفوضى وتحولها إلى قرار ومصير.
وفي اللحظة التي “يفرش فيها اللاعب أوراقه على الطاولة”، يتجسد الوجود الإنساني في ذروته:
إنها لحظة المواجهة، لحظة الكشف التي تعري الإنسان أمام الآخر وأمام نفسه. في هذه اللحظة، تُحطم الذات أقنعة التردد والخوف، وتُعلن ما اختارته وما هيّأته بوعي كامل. لكن، ومع ذلك، يبقى السؤال معلقًا في العيون المقابلة:
هل انتصر اللاعب؟ أم أن اللعبة مستمرة؟
هكذا، تتجاوز القصيدة حدود اللعبة لتُصبح تأملاً في جدلية الوجود:
الإنسان ليس ضحية المصادفة المطلقة، ولا سيدًا مطلقًا على مصيره، بل هو لاعب دائم الترقب، يفاوض الزمن والقدر بحذر ومهارة، ويُعيد تشكيل “أوراقه” وفق وعيه وحدوده.
وفي النهاية، يُوحي النص بأن الحياة هي “طاولة اللعب الكبرى” التي تُفرد عليها الأوراق بلا ضمانات، حيث تبقى كل لعبة رهينة النظر إلى الآخر، إلى المصير، وإلى المجهول؛ تلك النظرة التي تُعبر عن اغتراب الإنسان وسط عالمه، لكنها في الوقت ذاته تؤكد حريته في أن يكون ما يُريد.
حاتم حمّادي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أدب الفايسبوك
أضحت وسائل الاِتصال والتواصل من خلال الأنترنات منتشرة بين الناس كبيرهم وصغيرهم غنيّهم و فقيرهم وبين جليل القوم وبسيطهم حتى أنها غدت المصدر الأساسي للإعلام والوسيلة السهلة والناجعة للتواصل مع الآخرين بلا حواجز في جميع أنحاء العالم وفي جميع المجالات والميادين فاِتخذ منها الشعراء والأدباء منابر لنشر مختلف نصوصهم التي كانت تلقى مصاعب كثيرة في الطباعة والنشر والتوزيع فصارت النصوص الأدبية من شعر وقصة وخواطر وغيرها تمثل ظاهرة جديدة في مسار تاريخ الأدب العربي إذ شاعت كتابة اليوميات على صفحات البعض سواء منهم الأدباء والشعراء والصحافيين أو غيرهم من الذين يرُومون التواصل مع الآخرين في شتّى المواضيع والاِهتمامات ومن بين أولئك الذين دأبوا على النشر اليومي وفي كل حين وآن وعلى مدار الساعات الصديق ـ منير فلّاح ـ الذي اِكتسب قلمه حضورا لافتا بما في نصوصه من طرافة وظرافة وخصائص جديرة بالمتابعة بحيث أعتبرها نوعًا جديدا من الأدب جدير بالاِهتمام جمعا ودراسة وقد اِقترحت عليه مرات عديدة أن ينبري لها ـ مُشمّرا على قلمه ـ أو بالأحرى على ـ لوحة حروفه ـ في هاتفه أو حاسوبه ـ فينشر مختارات منها ليؤلف من شتاتها كتابا أو أكثر وفي ذلك إضافة متميّزة ضمن هذا النوع الطريف من الكتابة التي تجمع بين الإفادة والتسلية وبين الجِدّ والهزل متّبعا أسلوب القدامى فقد جمع الجاحظ طرائف البخلاء والجواري وغيرهم من أصناف الإنسان والحيوان وجمع أبو حيان التوحيدي طرائف المُلَح والنّوادر والأخبار التي سردها في مسامراته فألّف منها ـ الإمتاع والمؤانسة ــ
وعلى نهجه سار القاضي النّعمان في كتابه ـ المجالس والمسايرات ـ فجمع المسائل التي تطارحها مع المعز لدين الله الفاطمي ونقل كذلك ابن الجوزي الفقيه الجليل طرائف الأذكياء والمغفّلين وغيرهم في مصنفات كثيرة ففي المكتبة العربية عدد لا يُحصى ولا يُعَدّ من العناوين التي تخصّصت في الظرافة والطرافة والنوادر وحتى في المواضيع التي لا تتقيد بالموانع الأخلاقية والعقائدية من بينها كتاب – نزهة الألباب – لأحمد التيفاشي وكتاب ـ زَهر الآداب ـ لعلي الحصري القيرواني صاحب قصيدة ـ يا ليل الصبّ متى غده ـ ولعلّ كتاب ـ النّديم ـ للأديب التونسي الجيلاني بن الحاج يحي صاحب التآليف التاريخية والأدبية واللّغوية يُعتبر من آخر ما صدر في هذا الصّنف من الأدب الذي ظاهرُه هَزل وفُكاهة وباطنه جِدٌّ ونَقد .
وآخر هذه المصنفات الطريفة كتاب صديقنا منير فلاح ـ فايسبوكيات ـ ويضم ما تيسر لنا جمعه وإعداده من كتاباته اليومية التي دأب على نشرها في صفحته من الفايسبوك لتكون أنموذجا لبقية ما نشر وإن المتأمل فيها يجد فيها الكثير من سيرته الذاتية من حيث النشأة والتربية والدراسة والذكريات المختلفة التي
تتراوح من اللعب في الطفولة إلى هوامش المراهقة والشباب وإلى المشاركة في التظاهرات السينمائية والطلابية والسياسية وغيرها من مشاهد حياته اليومية فقارئ هذه اليوميات بما فيها من تفاصيل شخصية دقيقة ووقائع تاريخية وهوامش وذكريات وإشارات ونكت تمثل حقّا أدب الحياة لأنها نصوص حيّة بما فيها من وهج الصدق ولذة المعاناة وهي نصوص يمكن مباشرتها من المداخل الاِجتماعية والنفسية وغيرهما من المناهج المختلفة بما في ذلك الناحية الأدبية سواء من حيث المعجمية أو الأسلوبية فبعض هذه النصوص في شكل الحكمة أو المثل ومن النصوص لها شكل الخاطرة والبعض صيغ في شكل حوار مسرحي أو كأنه تصوير بالكامرا بل إن بعض هذه النصوص يكتسي بُعدا فنيا واضحا إذ نلاحظ في بعضها حذقا لغويا واضحا عندما يعكس المعنى من الضدّ إلى الضدّ مثل قوله في ـ لازمة ـ
لا يحتاج الإنسان الي شوارع نظيفه ليكون محترماً !!
ولكن الشوارع تحتاج الي اناس محترمه لتكون نظيفه!
أو عندما يكرّر نفس الكلمة ولكن يتغيّر معناها في سياقها الجديد كقوله في ـ كحل
غدوة عاشوراء النساء الكل باش تكحل
بالنسبة للرجال بطبيعتهم العام و12 شهر وهم يكحلو
ويعمد أحيانا إلى الجناس حيث يعمد إلى تبديل ترتيب نفس الحروف من كلمة إلى كلمة فيتبدّل المعنى كقوله في – جناس ـ
داخلين لشهر أغسطس وأنا لتوا ما غطسطش
وأحيانا لكأنّك تقرأ نصّا من شعر الومضة أو الهايكو أو من قصائد ـ في غير العمودي والحر ـ كقوله في ـ العشاء ـ الذي اِعتمد فيه على إيقاع الترديد والخاتمة المفاجئة
ﻓﻲ ﺗﻮﻧﺲ ﺃﻛﻬﻮ،
ﺗﻨﺠﺢ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﺸﺮﻱ ﻛﺮﻫﺒﺔ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ
ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﻌﻤﻞ ﺑﻴﻬﺎ ﺣﺎﺩﺙ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ
ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﺒﺪا ﺗﺒﻨﻲ ﻓﻲ ﺩﺍﺭ ﻳﺘﻠﻤﻮ
ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﻮﺻﻞ ﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺴﻘﻒ ﻳﺘﻠﻤﻮ
ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﻌﺮﺱ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﺠﻴﺐ ﻭﻟﻴﺪ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﻤﻮﺕ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮا ﻋﻨﺪﻙ
ﻭﺇﻧﺖ ﻓﻲ ﻗﺒﺮﻙ
ﺷﻌﺐ ﺇﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺑﺎﻟﻔﻄﺮﺓ
ﺗﻌﻤﻞ ﺟﺎﻡ ﻧﺠﻲ ﻧﺘﻌﺸﻰ
ﻋﻨﺪﻙ
صاحبنا كثيرا ما يذكر العشاء والطعام والنوم وهو لا يخفي هذه الصفات بل يعتبرها من خصائص
الشخصية الناجحة وهو معتز بعائلته التي نشأ فيها فيذكر طرائف وقعت له مع والديه وإخوته وأترابه في
صفاقس التي كثيرا ما يذكر كياسة أهلها في حسن التصرّف ولكن ضمن الاِنتقاد الظريف وهو لا يجد
حرجا كذلك في كشف وقائع محرجة له تلك التي يخرج منها كالشعرة من العجين مرّة ويكون ضحيتها
مرات عديدة فيقبل الأمر برحابة صدر
إنّ فايسبوكيات منير فلاح تمثّل سيرة شخصية وصُورًا اِجتماعية إن شئت وهي هزل ومزاح إن أردت
وهي جِدّ ونقد وتوعية إذا تمعّنت وهي كشف للتونسيين وتصوير لحالهم وأحوالهم إذا غُصت وهي سفر
بين عديد البلدان والقارات من خلال أمثالها ونوادرها إن رحلت .
فأنت مقبل على أدب فيه إبداع وإمتاع وذوق وشوق
إنه أدب جديد
هو أدب الفايسبوك!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التجريح الذاتي عند أمـل دنقـل
قراءة في قصيدة ” الخيول” !
هل قدر على الشاعر العربي المعاصر أن تكون فاجعة موته هي القصيدة الأخيرة التي تضمن له حق التواجد على الساحة الأدبية العربية؟
و الواقع الذي علينا أن ننتبه إليه انه ما عاد يكفي في هذا العصر أن يكتب الشاعر شعرا جيدا ليثبت على الساحة بل ذلك شرط أساسي و لكنه ليس كافيا وحده بالمرة … فقد تداخلت الآن العملية الإبداعية بمسألة النشر و التوزيع و الطبع, و مضى عهد الراوية ليحل محله سلطان الترويج.
و الشاعر الراحل أمل دنقل من الشعراء الذين حجبهم حاجز المعاصرة عنا, فهو من الشعراء الذين كانوا في الظل لأسباب ليس هذا مجال التعرض إليها.
خيول بيكاسو
لست أدري لماذا تذكرت لوحة غيرنيكا الشهيرة للرسام الاسباني العالمي بيكاسو و التي رسمها بعد الغارة الوحشية على تلك القرية من طرف الطيران الفاشستي في منتصف الثلاثينات. و هذه اللوحة العالمية يظهر فيها من جملة ما يظهر خيول جامحة تصهر غضبا و ثورة, و لكنها أيضا تئن من الألم و الأوجاع…كذلك هي الخيول في قصيدة امل دنقل ترزح تحت الجبروت الإنساني بعد أن كانت تنعم بالحرية إذ كانت:
تمتلك الشمس و العشب و الملكوت الظليل
ظهرها لم يوطأ لكي يركب القادة الفاتحون
و لم يلن الجسد الحر تحت سياط المروّض
و الفم لم يمتثل للجام
و لم يكن الزاد … بالكاد
لم تكن الساق مشكولة
و الحوافز لم يَكُ يثقلها السنبك المعدني الصقيل
كانت الخيل برّية
تتنفس حرّية
فالخيول في هذه القصيدة رمز للينابيع الأولى للحياة البدائية الأولى, الخالية من الاستغلال و التجبر و السوط و البعيدة عن الهموم و الكد و التعب اليومي, و الرافضة للقوانين و للأوامر المتمثلة في الساق المشكولة و في الفم الملجوم , و المتخلصة كذلك من مظاهر الحضارة التي جعلت الفطرة الأولى تنمحي تمام من حياتنا. و ما رمز السنبك الصقيل إلا دلالة على كل ذلك.
إضافات جديدة
صورة الجواد الجريح في المعركة معروفة في الشعر الحماسي. و لعل الأسماء المتعددة للخيل في القاموس العربي تدل على معاني موحية في تلك الأسماء . فالحصان مثلا ما كان من الخيل قويا حصينا يمنح راكبه المناعة و النجاة في المعارك و الأخطار ,أما الجواد فالواحد من الخيل المحفوظ النسب الجيد الأصل, و الفرس هو الذي يتصف بالذكاء و الفطنة و الفراسة.
فما الذي أضافه دنقل إلى معاني الخيل في الشعر العربي؟
- هو يجعل من الخيل ضحية حروب الإنسان , إذ القصيدة تقول :
الفتوحات في الأرض مكتوبة بدماء الخيول .
- يجعل من الراكبين المائلين رمزا للعذل الغائب في الأرض . يقول:
و الركابان: ميزان عدل يميل مع السيف حيث يميل.
- يجعلها رمزا للقوة المخيفة الباطشة في يد السلطة. فقد صارت الخيول مجرد أداة طيّعة للزينة و للرعب… رعب الأطفال و الناس.
والخيول عند أمل دنقل مسلوبة القدرة على الاغارة والركض، وعاجزة تدب إلى الموت والفناء… اذ يقول:
اركضي كالسلاحف.
نحو زوايا المتاحف
بل تصبح الخيول لعبا للأطفال من الخشب وحلوى مصيرها الى الامتصاص والذوبان وتنحت تماثيل من الحجر في الميادين العامة رمزا للتلاشي والابتعاد عن الأصلي والجوهري.
الخيل و الناس
الخيول في قصيدة دنقل خرجت عن كونها مجرد حيوانات أليفة لتكون ذات إحساس واع بالحياة وبصروفها وبالناس،وهي تصبح في مرحلة ثانية كالناس لا يفصل بينها وبينهم الا كاف التشبيه.وتكون الخيول في أخر المطاف الناس تماما تحمل همومها وتحلم احلامهموتتحمل عذاباتهم كواحد منهم اذ تقول القصيدة:
كانت الخيل في البدء كالناس برية تتراكض عبر السهول
كانت الخيل كالناس في البدء
وهذه الخيول يجعلها امل دنقل تتنفس حرية
مثلما يتنفسها الناس في ذلك الزمن الذهبي النبيل…
ونلاحظ في القصيدة مقابلة بين حالة الخيول في الماضي وحالتها في الحاضر يقول الشاعر:
ماذا تبقى لك الآن؟
ماذا؟
سوى عرق يتصبب من تعب يستحيل دنانير من ذهب
في جيوب هواة سلالاتك العربية في حلبات المراهنة الدائرية في نزهة المركبات السياحية المشتهاة
وفي متعةالمشتراة
وفي المرأة الأجنبية تعلوك تحت ظلال ابي الهول
هذا الذي كسرت انفه
لعنة الانتظار الطويل
انها الخيول العربية المجروحة بهذا الزمن الصعب، زمن الخيل الأشباح حيث كل شيء يواجه الانسان العربي بالتحدي ويهدده بالانسحاق. وكان املدنقل من الذين وضعوا اصابعهم على الجرح بألم، فكانت قصيدة ” الخيول ” قصيدة التجريح الذاتي للانا الجماعية التي فقدت كالخيول براريها وسهولها وحريتها.
سوف عبيد تونس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ