مقالات جديدة

 

ـ أدب الفايسبوك  ـ التجريح الذاتي عند أمل دنقل  ـ  بعد القراءة وقبلها ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                                          أدب الفايسبوك 

أضحت وسائل الاِتصال والتواصل من خلال الأنترنات منتشرة بين الناس كبيرهم وصغيرهم غنيّهم و فقيرهم وبين جليل القوم وبسيطهم حتى أنها غدت المصدر الأساسي للإعلام والوسيلة السهلة والناجعة للتواصل مع الآخرين بلا حواجز في جميع أنحاء العالم وفي جميع المجالات والميادين فاِتخذ منها الشعراء والأدباء منابر لنشر مختلف نصوصهم التي كانت تلقى مصاعب كثيرة في الطباعة والنشر والتوزيع فصارت النصوص الأدبية من شعر وقصة وخواطر وغيرها تمثل ظاهرة جديدة في مسار تاريخ الأدب العربي إذ شاعت كتابة اليوميات على صفحات البعض سواء منهم الأدباء والشعراء والصحافيين أو غيرهم من الذين يرُومون التواصل مع الآخرين في شتّى المواضيع والاِهتمامات ومن بين أولئك الذين دأبوا على النشر اليومي وفي كل حين وآن وعلى مدار الساعات الصديق ـ منير فلّاح ـ الذي اِكتسب قلمه حضورا لافتا بما في نصوصه من طرافة وظرافة وخصائص جديرة بالمتابعة بحيث أعتبرها نوعًا جديدا من الأدب جدير بالاِهتمام جمعا ودراسة وقد اِقترحت عليه مرات عديدة أن ينبري لها ـ مُشمّرا على قلمه ـ أو بالأحرى على ـ لوحة حروفه ـ في هاتفه أو حاسوبه ـ فينشر مختارات منها ليؤلف من شتاتها كتابا أو أكثر وفي ذلك إضافة متميّزة ضمن هذا النوع الطريف من الكتابة التي تجمع بين الإفادة والتسلية وبين الجِدّ والهزل متّبعا أسلوب القدامى فقد جمع الجاحظ طرائف البخلاء والجواري وغيرهم من أصناف الإنسان والحيوان وجمع أبو حيان التوحيدي طرائف المُلَح والنّوادر والأخبار التي سردها في مسامراته فألّف منها ـ الإمتاع والمؤانسة ــ
وعلى نهجه سار القاضي النّعمان في كتابه ـ المجالس والمسايرات ـ فجمع المسائل التي تطارحها مع المعز لدين الله الفاطمي ونقل كذلك ابن الجوزي الفقيه الجليل طرائف الأذكياء والمغفّلين وغيرهم في مصنفات كثيرة ففي المكتبة العربية عدد لا يُحصى ولا يُعَدّ من العناوين التي تخصّصت في الظرافة والطرافة والنوادر وحتى في المواضيع التي لا تتقيد بالموانع الأخلاقية والعقائدية من بينها كتاب – نزهة الألباب – لأحمد التيفاشي وكتاب ـ زَهر الآداب ـ لعلي الحصري القيرواني صاحب قصيدة ـ يا ليل الصبّ متى غده ـ ولعلّ كتاب ـ النّديم ـ للأديب التونسي الجيلاني بن الحاج يحي صاحب التآليف التاريخية والأدبية واللّغوية يُعتبر من آخر ما صدر في هذا الصّنف من الأدب الذي ظاهرُه هَزل وفُكاهة وباطنه جِدٌّ ونَقد .
وآخر هذه المصنفات الطريفة كتاب صديقنا منير فلاح ـ فايسبوكيات ـ ويضم ما تيسر لنا جمعه وإعداده من كتاباته اليومية التي دأب على نشرها في صفحته من الفايسبوك لتكون أنموذجا لبقية ما نشر وإن المتأمل فيها يجد فيها الكثير من سيرته الذاتية من حيث النشأة والتربية والدراسة والذكريات المختلفة التي
تتراوح من اللعب في الطفولة إلى هوامش المراهقة والشباب وإلى المشاركة في التظاهرات السينمائية والطلابية والسياسية وغيرها من مشاهد حياته اليومية فقارئ هذه اليوميات بما فيها من تفاصيل شخصية دقيقة ووقائع تاريخية وهوامش وذكريات وإشارات ونكت تمثل حقّا أدب الحياة لأنها نصوص حيّة بما فيها من وهج الصدق ولذة المعاناة وهي نصوص يمكن مباشرتها من المداخل الاِجتماعية والنفسية وغيرهما من المناهج المختلفة بما في ذلك الناحية الأدبية سواء من حيث المعجمية أو الأسلوبية فبعض هذه النصوص في شكل الحكمة أو المثل ومن النصوص لها شكل الخاطرة والبعض صيغ في شكل حوار مسرحي أو كأنه تصوير بالكامرا بل إن بعض هذه النصوص يكتسي بُعدا فنيا واضحا إذ نلاحظ في بعضها حذقا لغويا واضحا عندما يعكس المعنى من الضدّ إلى الضدّ مثل قوله في ـ لازمة ـ
لا يحتاج الإنسان الي شوارع نظيفه ليكون محترماً !!
ولكن الشوارع تحتاج الي اناس محترمه لتكون نظيفه!
أو عندما يكرّر نفس الكلمة ولكن يتغيّر معناها في سياقها الجديد كقوله في ـ كحل
غدوة عاشوراء النساء الكل باش تكحل
بالنسبة للرجال بطبيعتهم العام و12 شهر وهم يكحلو
ويعمد أحيانا إلى الجناس حيث يعمد إلى تبديل ترتيب نفس الحروف من كلمة إلى كلمة فيتبدّل المعنى كقوله في – جناس ـ
داخلين لشهر أغسطس وأنا لتوا ما غطسطش
وأحيانا لكأنّك تقرأ نصّا من شعر الومضة أو الهايكو أو من قصائد ـ في غير العمودي والحر ـ كقوله في ـ العشاء ـ الذي اِعتمد فيه على إيقاع الترديد والخاتمة المفاجئة
ﻓﻲ ﺗﻮﻧﺲ ﺃﻛﻬﻮ،
ﺗﻨﺠﺢ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﺸﺮﻱ ﻛﺮﻫﺒﺔ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ
ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﻌﻤﻞ ﺑﻴﻬﺎ ﺣﺎﺩﺙ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ
ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﺒﺪا ﺗﺒﻨﻲ ﻓﻲ ﺩﺍﺭ ﻳﺘﻠﻤﻮ
ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﻮﺻﻞ ﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺴﻘﻒ ﻳﺘﻠﻤﻮ
ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﻌﺮﺱ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﺠﻴﺐ ﻭﻟﻴﺪ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ
ﺗﻤﻮﺕ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮا ﻋﻨﺪﻙ
ﻭﺇﻧﺖ ﻓﻲ ﻗﺒﺮﻙ
ﺷﻌﺐ ﺇﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺑﺎﻟﻔﻄﺮﺓ
ﺗﻌﻤﻞ ﺟﺎﻡ ﻧﺠﻲ ﻧﺘﻌﺸﻰ
ﻋﻨﺪﻙ
صاحبنا كثيرا ما يذكر العشاء والطعام والنوم وهو لا يخفي هذه الصفات بل يعتبرها من خصائص
الشخصية الناجحة وهو معتز بعائلته التي نشأ فيها فيذكر طرائف وقعت له مع والديه وإخوته وأترابه في
صفاقس التي كثيرا ما يذكر كياسة أهلها في حسن التصرّف ولكن ضمن الاِنتقاد الظريف وهو لا يجد
حرجا كذلك في كشف وقائع محرجة له تلك التي يخرج منها كالشعرة من العجين مرّة ويكون ضحيتها
مرات عديدة فيقبل الأمر برحابة صدر
إنّ فايسبوكيات منير فلاح تمثّل سيرة شخصية وصُورًا اِجتماعية إن شئت وهي هزل ومزاح إن أردت
وهي جِدّ ونقد وتوعية إذا تمعّنت وهي كشف للتونسيين وتصوير لحالهم وأحوالهم إذا غُصت وهي سفر
بين عديد البلدان والقارات من خلال أمثالها ونوادرها إن رحلت .
فأنت مقبل على أدب فيه إبداع وإمتاع وذوق وشوق
إنه أدب جديد
هو أدب الفايسبوك!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التجريح الذاتي عند أمـل دنقـل

قراءة في قصيدة الخيول” !

هل قدر على الشاعر العربي المعاصر أن تكون فاجعة موته هي القصيدة الأخيرة التي تضمن له حق التواجد على الساحة الأدبية العربية؟

و الواقع الذي علينا أن ننتبه إليه انه ما عاد يكفي في هذا العصر أن يكتب الشاعر شعرا جيدا ليثبت على الساحة بل ذلك شرط أساسي و لكنه ليس كافيا وحده بالمرة فقد تداخلت الآن العملية الإبداعية بمسألة النشر و التوزيع و الطبع, و مضى عهد الراوية ليحل محله سلطان الترويج.

و الشاعر الراحل أمل دنقل من الشعراء الذين حجبهم حاجز المعاصرة عنا, فهو من الشعراء الذين كانوا في الظل لأسباب ليس هذا مجال التعرض إليها.

خيول بيكاسو

لست أدري لماذا تذكرت لوحة غيرنيكا الشهيرة للرسام الاسباني العالمي بيكاسو و التي رسمها بعد الغارة الوحشية على تلك القرية من طرف الطيران الفاشستي في منتصف الثلاثينات. و هذه اللوحة العالمية يظهر فيها من جملة ما يظهر خيول جامحة تصهر غضبا و ثورة, و لكنها أيضا تئن من الألم و الأوجاعكذلك هي الخيول في قصيدة امل دنقل ترزح تحت الجبروت الإنساني بعد أن كانت تنعم بالحرية إذ كانت:

تمتلك الشمس و العشب و الملكوت الظليل

ظهرها لم يوطأ لكي يركب القادة الفاتحون

و لم يلن الجسد الحر تحت سياط المروّض

و الفم لم يمتثل للجام

و لم يكن الزاد بالكاد

لم تكن الساق مشكولة

و الحوافز لم يَكُ يثقلها السنبك المعدني الصقيل

كانت الخيل برّية

تتنفس حرّية

فالخيول في هذه القصيدة رمز للينابيع الأولى للحياة البدائية الأولى, الخالية من الاستغلال و التجبر و السوط و البعيدة عن الهموم و الكد و التعب اليومي, و الرافضة للقوانين و للأوامر المتمثلة في الساق المشكولة و في الفم الملجوم , و المتخلصة كذلك من مظاهر الحضارة التي جعلت الفطرة الأولى تنمحي تمام من حياتنا. و ما رمز السنبك الصقيل إلا دلالة على كل ذلك.

إضافات جديدة

صورة الجواد الجريح في المعركة معروفة في الشعر الحماسي. و لعل الأسماء المتعددة للخيل في القاموس العربي تدل على معاني موحية في تلك الأسماء . فالحصان مثلا ما كان من الخيل قويا حصينا يمنح راكبه المناعة و النجاة في المعارك و الأخطار ,أما الجواد فالواحد من الخيل المحفوظ النسب الجيد الأصل, و الفرس هو الذي يتصف بالذكاء و الفطنة و الفراسة.

فما الذي أضافه دنقل إلى معاني الخيل في الشعر العربي؟

  • هو يجعل من الخيل ضحية حروب الإنسان , إذ القصيدة تقول :

الفتوحات في الأرض مكتوبة بدماء الخيول .

  • يجعل من الراكبين المائلين رمزا للعذل الغائب في الأرض . يقول:

و الركابان: ميزان عدل يميل مع السيف حيث يميل.

  • يجعلها رمزا للقوة المخيفة الباطشة في يد السلطة. فقد صارت الخيول مجرد أداة طيّعة للزينة و للرعبرعب الأطفال و الناس.

والخيول عند أمل دنقل مسلوبة القدرة على الاغارة والركض، وعاجزة تدب إلى الموت والفناءاذ يقول:

اركضي كالسلاحف.

نحو زوايا المتاحف

بل تصبح الخيول لعبا للأطفال من الخشب وحلوى مصيرها الى الامتصاص والذوبان وتنحت تماثيل من الحجر في الميادين العامة رمزا للتلاشي والابتعاد عن الأصلي والجوهري.

الخيل و الناس

الخيول في قصيدة دنقل خرجت عن كونها مجرد حيوانات أليفة لتكون ذات إحساس واع بالحياة وبصروفها وبالناس،وهي تصبح في مرحلة ثانية كالناس لا يفصل بينها وبينهم الا كاف التشبيه.وتكون الخيول في أخر المطاف الناس تماما تحمل همومها وتحلم احلامهموتتحمل عذاباتهم كواحد منهم اذ تقول القصيدة:

كانت الخيل في البدء كالناس برية تتراكض عبر السهول

كانت الخيل كالناس في البدء

وهذه الخيول يجعلها امل دنقل تتنفس حرية

مثلما يتنفسها الناس في ذلك الزمن الذهبي النبيل

ونلاحظ في القصيدة مقابلة بين حالة الخيول في الماضي وحالتها في الحاضر يقول الشاعر:

ماذا تبقى لك الآن؟

ماذا؟

سوى عرق يتصبب من تعب يستحيل دنانير من ذهب

في جيوب هواة سلالاتك العربية في حلبات المراهنة الدائرية في نزهة المركبات السياحية المشتهاة

وفي متعةالمشتراة

وفي المرأة الأجنبية تعلوك تحت ظلال ابي الهول

هذا الذي كسرت انفه

لعنة الانتظار الطويل

انها الخيول العربية المجروحة بهذا الزمن الصعب، زمن الخيل الأشباح حيث كل شيء يواجه الانسان العربي بالتحدي ويهدده بالانسحاق. وكان املدنقل من الذين وضعوا اصابعهم على الجرح بألم، فكانت قصيدة الخيول قصيدة التجريح الذاتي للانا الجماعية التي فقدت كالخيول براريها وسهولها وحريتها.

سوف عبيد تونس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد القراءة وقبلها 

 بعيدًابعيداأمضي

أقتبس الألوانَ من قوس قزحٍ

أرسمُ لوحتي من خيوط الشّـمس

أنسُجُ ستائر أحلامي

على إيقاع زخـّاتِ المطر

أظلُّ أرقُصُ وأرقصُ

حتّى قلبي ينشرحْ

فأُغنّي سنفونيـةَ الفرحْ

 اِمرأة اِستثنائية

 ترنُو إلى قوس قزح لتجعل من ألوانه ومن أشّعة الشّمس لوحةً وأحلامًا وهي ترقص وتغنّي على وقع المطر تنشُد الفرحإنها صورة شعرية جمعت فيها عناصر الطبيعة من ألوان وضياء وماء مع الحركة والنّغم فتداخلت فيها عديد الحواسّ وتمازجت لتصل إلى الغاية والذّروة عند الشعور بالاِنشراح وهو المُبتغى

 إنها صورة شعرية ننتبيّن فيها ملامح التجديد في القول الشّعريّ هذا التجديد الذي اِنبثق منذ الثلث الأول من القرن العشرين في ـ عذبة أنت كالطفولة ـ ثم تطوّر عند منتصف القرن العشرين في ـ عيناك غابتا نخيل ساعة  السّحر ـ وتواصل ضمن عدّة حركات وأصوات سواء في تونس أو في بقية الأقطار العربية حتى أضحت مُدوّنات الشّعر الجديد ـ بمختلف  تعبيراتها وألوانها وعلى مدى سنوات الهزيع الأخير من القرن العشرين علامة واضحة وإضافة بارزة إلى منجزات الشعر العربي عبر العصور ثمّ ما كادت السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين تمضي حتّى اِكتسب الشعر الجديد شرعيته إذ صارت العبرة بأن يكون النصّ الشعريّ جيّدا ومُقنعا وبديعا في نوعه مهما كان شكلهوفي ذلك فَلْيتنافس المتنافسون

 اِمرأة اِستثنائية

طموحُها أن ترتقي إلى النجوم فأشعلت الشموعوهمّت أن تعلوَ مع  الغيوم فجعلت من دموعها بُخارا لترتفع معه

اِمرأة اِستثنائية

تغامر بركوب أمواج البحر الهائج وترفض أن تكون حطبا

اِمرأة اِستثنائية

 لأنها تذوّقت كل أنواع الدّموعمن دمعةٍ ضاحكةإلى دمعة ثالجةإلى دمعة هازئةوحتّى دمعة ثَمِلة

 ما ألذّ عصير الحنظل

ما أشهى المرارةَ نبيذاً

وما أحلى الدّفلةَ

أحتسِيها من مُعتّقها

ذلك هو الشّعر أو لا يكونيتعتّق حرفًا حرفًا من ألم المعاناة وينضح كلمةً 

كلمةً من مَعين الصَوّان وصَلده

 اِمرأة اِستثنائية

 تنتصر للحرية وللقيم الإنسانية وترفض الظلم والقهر ومظاهرالتبعيّة والمذلة… أليست الشّاعرة سليلة المرأة التونسية ؟ تلك التي نشأت على الاِنعتاق والتحرّر والعزّة والكرامة من الأمازيغيات الأوائل إلى علّيسة والكاهنة ومن أروى القيروانية والسيّدة المنّوبية وعزيزة عثمانة إلى توحيدة بن الشّيخ وبشيرة مراد وزُبيدة بشير وغيرهنّ… حيث تواصل الشاعرة  السّير على درب الحرائر التونسيات قائلة

لا حاجةَ لي

بجاهٍ وتيجانْ

أنا إنسانْ

حريّتيهي الكيانْ

حريّتي أبديّهْ

أُغنيةً عالميّهْ

أردِّدُها

في كلّ مكانٍ

في كلّ زمانٍ

فهاجسُ الحريّة والرغبة في تحطيم القيود والحواجز واضح في قصائد هذه المجموعة كقولها

أنا زهرةٌ بريّةٌ

لا تسكُنُ مزهرِيّةً

أنا فراشةٌ زهيّةٌ

ترفرفُ في عفويّةٍ

أنا حوريّةٌ

تعشقُ الحريّةَ

 وفي قصائد هذه المجموعة نلاحظ الاِنتصار للحياة والاِستنهاض للإرادة والعزم كقولها أيضا

كلّما هيّأتُ قبري

وتهيـّأت لِدَفني

أعلَنتِ الحياة بعثي

وكتبتْ اِسمي من جَديدٍ

وثمّة تَوقٌ عارم إلى الأحلام وبَوح أحيانا بهواجس قد تخطر على البال عند الرغبة في الخروج عن المألوف والرّوتين لاِسترجاع حياة الإنسان الأولى عندما كان يعيش مِلء الطبيعة حرّا طليقا

ماذا لو

قفزا من أعلى شاهق الجسور

أين يحُطّان ؟

أفي غياهب الكهوفِ

أم في إفريقيا الجنوبْ

تقفز القِرَدةُ حولهما

تصادفهما الأسودُ والنّمورْ

على رؤوسهما تسقط ثمار الجوز

عراجينُ الموز

تُرفرف حولهما أسراب الفراش

ْوالطّيور

وإذا حلّقت بعض القصائد في الخيال فإن بعضها الآخر يتنزّل في خضمّ الواقع إذ تُعبّر بجلاء عن المعاناة اليومية بأسلوب البساطة والسلاسة وهي ترصد دقائق الحياة اليومية بما فيها من وقائع وقضايا وتوهّج وشجون مثلما أفضت الشاعرة بحنينها عند هجرة اِبنها قائلة

عُذرا

لا أستطيع البقاء في البيت

كلُّ أشيائك تُحدّثني عنكَ

أدخلُ مكتبك

أرى أشياءك مبعثرةً

ألتفتُ

ألقاك ورائي في المرآة

 وفي قصائد أخرى مثل ـ النادلة ـ الشكلاطة ـ اِمرأة الفسيفساء ـ القطة ـ شهيّة الطعام ـ المفتاح ـ المرآةنلاحظ ذلك البحث المقصود والتدبّر الدّقيق باِستعمال أساليب عديدة مثل السّرد والتصعيد والحوار واللّمح والرّمز والتكثيف والمُباغتة وغيرها من فنّيات البلاغة الجديدة فتبدو القصيدة بناءً مُحكما حيث تُفضي البدايات عبر ردهات ومنعطفات إلى نهايات غير متوقعة أحيانا وقد تسنّى للشاعرة اِمتلاك ناصية تلك الفنّيات بفضل مواكبتها وحضورها في نوادي جمعية اِبن عرفة الثقافية التي اِستفادت من نواديها المختصّة في الشّعر والقصة والرواية وفي الأدب الشعبيّ وفي الأدب الفرنسي وفي الفنون التشكيلية وغيرها فقد كانت سِمّيعةً ترصد مختلف النصوص الجديدة وما كان يدور حولها من حوارات وملاحظات ثريّة متنوّعة بالإضافة إلى مطالعاتها الغزيرة ولعل كل ذلك قد أكسب هذه الباكورة من أشعارها إشارات تؤكد أنها سائرة بخطوات ثابتة نحو المزيد من البذل والعطاء

إن نادي الشعر بجمعية اِبن عرفة الثقافية بتونس وهو يحتضن مثل هذه المواهب ويشجعها يطمح إلى تواصل منحى الابتكار والتجديد عسى أن يكون إضافة أخرى إلى منجزات الشعر التونسي الذي نعتبره رافدا مُهمّا في خضمّ الشعر العربي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ