كل مقالات سوف عبيد

حول سوف عبيد

* من مواليد موسم حصاد 1952 وسُجّل في دفتر شيخ المنطقة بتاريخ يوم 7 أوت 1952 ببئر الكرمة في بلد غُمراسن بالجنوب التونسي درس بالمدرسة الاِبتدائية بضاحية ـ مِقرين ـ تونس العاصمة سنة 1958 ـ بالمدرسة الابتدائية بغُمراسن سنة 1960 ـ بالمدرسة الابتدائية بنهج المغرب بتونس سنة1962 ـ بمعهد الصّادقية بتونس سنة 1964 ـ بمعهد اِبن شرف بتونس سنة 1969 * تخرّج من كلية اﻵداب بتونس بشهادة ـ أستاذية الآداب العربية ـ ثمّ في سنة 1976 بشهادة ـ الكفاءة في البحث ـ حول ـ تفسير الإمام اِبن عَرْفَة ـ سنة 1979 * باشر تدريس اللّغة العربية وآدابها بـ ـ معهد اِبن أبي الضّياف بمنّوبة ـ المعهد الثانوي ببوسالم ـ المعهد الثانوي بماطر ـ معهد فرحات حشاد برادس * بدأ النّشر منذ 1970 في الجرائد والمجلات : الصّباح ـ الملحق الثقافي لجريدة العمل ـ الصّدى ـ الفكر ـ ألِف ـ الحياة الثقافية ـ الموقف ـ الشّعب ـ الرأي ـ الأيام ـ الشّرق الأوسط ـ القدس,,,وبمواقع ـ دروب ـ إنانا ـ المثقّف ـ أنفاس ـ أوتار ـ ألف ـ قاب قوسين ـ … * شارك في النّوادي والنّدوات الثقافية بتونس وخارجها : ليبيا ـ الجزائر ـ المغرب ـ مصر ـ العربية السعودية ـ الأردن ـ سوريا ـ العراق ـ إسبانيا ـ فرنسا ـ إيطاليا ـ ألمانيا ـ بلجيكا ـ هولاندا ـ اليونان ـ * من مؤسسي نادي الشّعر بدار الثقافة ـ اِبن خلدون ـ بتونس سنة 1974 واِنضمّ إلى اِتّحاد الكتاب التونسيين سنة 1980 واُنْتُخِبَ في هيئته المديرة في دورة سنة 1990 أمينا عاما ثم في دورة سنة 2000 نائب رئيس فساهم في تنظيم مؤتمر اِتحاد الأدباء العرب ومهرجان الشعر العربي بتونس سنة 1991 وفي إصدار مجلة ـ المسار ـ وفي تأسيس فروعه وفي تنظيم الندوات والمهرجانات الأدبية وشارك في الهيئة الاِستشارية لمجلة الحياة الثقافية وأسّس منتدى أدب التلاميذ سنة 1990 الذي تواصل سنويا في كامل أنحاء البلاد إلى سنة 2010 ونظّم الملتقى الأوّل والثاني لأدباء الأنترنت بتونس سنتي 2009 و 2010 وأسس نادي الشعر ـ أبو القاسم الشابي ـ سنة 2012 وترأس جمعية ـ اِبن عرفة الثقافية ـ سنة 2013 و2014 وأسس جمعية مهرجان الياسمين برادس 2018 * صدر له 1 ـ الأرض عطشى ـ 1980 2 ـ نوّارة الملح ـ 1984 3 ـ اِمرأة الفُسيفساء ـ 1985 4 ـ صديد الرّوح ـ 1989 5 ـ جناح خارج السرب ـ 1991 6 ـ نبعٌُ واحد لضفاف شتّى ـ 1999 7 ـ عُمرٌ واحد لا يكفي ـ 2004 8 ـ حارقُ البحر ـ نشر إلكتروني عن دار إنانا ـ 2008 ثم صدر عن دار اليمامة بتونس ـ 2013 9 ـ AL JAZIA ـ الجازية ـ بترجمة حمادي بالحاج ـ 2008 10 ـ ألوان على كلمات ـ بلوحات عثمان بَبّة وترجمته ـ طبعة خاصة ـ 2008 11 ـ حركات الشّعر الجديد بتونس ـ 2008 12ـ صفحات من كتاب الوجود ـ القصائد النثرية للشّابي ـ2009 13 ـ oxyde L’âme قصائد مختارة ترجمها عبد المجيد يوسف ـ2015 14ـ ديوان سُوف عبيد ـ عن دار الاِتحاد للنشر والتوزيع تونس2017

فطيرة الأربع نجوم

فطيرة الأربع نجوم

صادف أن نزلتُ في مناسبة من المناسبات بفندق صنف أربع نجوم وعندما دلفت إلى صالة المطعم الفسيحة لتناول فطور الصباح قابلتني الأطباق على يميني وشمالي من كل لون وصنف ومَذاق ولست أدري كيف وقعت عيناي على إحدى الزّوايا فإذا بي أرى صانع فطائر يُديرها بإتقان ثم يلقيها واحدة تلو واحدة في الطاجن ويتعهّدها بعد ذلك بالسّفود فتقدّمت إليه وبعد التحية والملاطفة سألته هل هو من بلد غمراسن المعروف بصناعة الفطائر والزّلابية والمخارق فقال إنّه حذق أمرها لدى أحد صنائعي غمراسن ثم سألني هل أنا من أهاليها فقلت نعم فزاد في الحديث معي وسألني كالمختبر  قائلا لابدّ أنك تعرف قَلي الفطائر فأجبته باِعتزاز نعم فتعجّب من أمري وأراد أن يمتحنني فقال إذن خُذ هذه العجينة من يدي وأدِرْ فطيرتك بنفسك إن كنت من غمراسن حقا !

لاعب الورق

****** لاعـب الـورق ******
لاعِبُ الورق المَاهِر
ليس ذاكَ الذي
يأتيهِ الحَظّ بالأوراق الثّمينةِ
دُفعةً واحدةً
أوْ… وَاحدةً…تِلْوَ واحدةٍ
المَاهرُ حَقًّا في اللّعبِ
هُو ذاكَ الّذي
يُحْسِنُ تَنسيقَ الأوراق
كَيْفمَا جَاءتْ
وينتظرُ الورقةَ الحَاسمَهْ
فإذا جاءتْ
هيّأ لها مكانها المناسب
في كفّه
ثمّ
ينظُر نَظرةً
نَظرتيْن
في العُيون المُقابلَهْ
ويَفرُشُ أوراقه
على الطّاولَهْ !
* سُوف عبيد

غزل الطفولة

متابعة قراءة غزل الطفولة

وائل

وائــــــل

على شَوكةِ الاِنتظار وَقفـتُ * مَـع الواقفينَ وبيـنَ الوُفودِ
وفِي قَلق أشْرئِبُّ بعَـيــنـِي * تُرى هل سَألقاهُ حَقّا حفيدي
تُرى هل كمِثل التّصاوير حُسْنًا * أبِي قَدْ رأيتُ ،وفيهِ جُدودي
وفــيهِ بَهــاءُ زيــــــادٍ صَبيّـــا * ببسمتِه تلكَ، تُحْـيِــي عهودي
فيا طائرًا في أعَالي الجِــواء * تَمهّلْ وحاذرْ ففِيكَ وليــــدي
ورَفْرفْ بلطفٍ وحُثُّ الجناحَ * على عجَل رغمَ ريش الحَديـد
وبعـــد اِنتظار أطلّ حفيـدي * فهَشَّ وبَـشَّ بوجه سَــعــيــدِ
إليَّ حبيبي! أشــرْتُ إليــــه * فَهَبّ لِحِضْني كطيـــر غَريـــدِ
وحَطَّ على ساعدي مِثْلَ بَاز * على أيْكهِ قـــادمٍ مِن بعـــيـدِ
فكم مِنْ جبالٍ وبحرٍ تَخطّى *وكم مِن رياحٍ ،وكمْ مِن رُعــود
وعانقتُهُ، كدْتُ أقسُــو عليـهِ * بِضَمٍّ ولثْمٍ وطــوْقٍ شَـــديــد
بشوق أقبّلهُ من يَــــديْــــه * تجُولان في لحيتي كـــالــوُرودِ
يُعابثُ نظّارتي في سُــرور * فِداهُ بعيني، وهَــل مِنْ مَــزيـدِ
يُكفْكِفُ لي دَمعتي ما دَراهُ * بأشجانِها أبحَرتْ في القَـصيـد
فباركْ ليَ اللهُ فيه وأسْعِـدْ * وحَمدًا إلاهِي فَذا يَــومُ عِـيـدي

الخمسون

هَــــــلْ لِــمَا فـَــاتَ مَـــــآبُ؟ * عَـبَـثًـــا يُـرْجَــى اَلسَّــــرَابُ!

هَـــذِهِ اَلْخَمْــسُونَ تُــطْــــوَى * مِـثـْــلَـمَا يُـــطْـــوَى الكتـَـابُ

صَـفـَـــحَـاتُ…ذِكْرَيـَــــــــاتٌ * قـَـــدْ تـَــوَالَــتْ وَ اِنْـسِيَـــاب

قَـدْ حَسِـبْـــتُ اَلْعُمْــرَ عَــــدًّا * فَــاِنْتَــهَى صِــفْـرَا حِسَــــابُ

أَيْــــنَ مِــنْ سَــبْقٍ خُـيُــولِـي * إِذْ تَـهَــــادَتْ وَاَلـــرِّكــــــابُ

عِـــنْـدَ أَعْـــرَاسِ اَلْــبَـــوَادِي * وَقَــــدِ اِخْضَرّتْ هِضَـــــــابُ

تـِــلْــكَ أُمِّــي تَـــتَــجَــلَّــى * حـُــــوشُــــنَا ذَاكَ رِحــــــابُ

جَــــــــدّتِي كَــانَتْ هـُــنَــاك * وَ حـِــــكَايـَـــاتٌ عِــــــذَابُ

وَ أَبِـــي عِنـْــدَ المُـــصَــلـَّى * وَ دُعـَــــــاءٌ مـُــسْتَـــجَابُ !

كَــــمْ بِصْــــيْدٍ قَــدْ ظَفِرْنَـا * وَ يَـــمَـــامَـــاتُ كـِــــعَــابُ

خـُـــذْ سـِــلَاحِـي يَــا بُـنــيَّ * ثـُـمّ يَــمْضِي…وَاِغْـتِــــرَابُ

زَمَــــــنٌ ذاكَ تَـــــوَلَّــــى * إنـّــــمَا اَلْآتِـــــي ضَــبَـــابُ

فـَـمَشَــيْتُ اَلْعُمـرَ وَحْـــدِي * فِــي الْمَدَى حُلْمِي شِهَـــابُ

لَـــدْغَةُ اَلْأَفْـــعَى بِــلَـيْـــــلٍ * وَ بِــلَيْــلٍ كَـــــمْ كـِــــــلَابُ

قَـــدْ أَحَاطَتْ بِاَلْـفَـتَـى..يــا * مِــــزَقًــــا صَــارَتْ ثـِـيـَـابُ

آهِ مِــنْ دَرْسٍ لِـــجَــبْــــــرٍ * كَــيْـف يَـأْتِـيـنِـي اَلْـجَــوَابُ

أَحْـــمَدُ الـــلَّـــه نَـجَـحْـــتُ * وَنــجَـا ذَاكَ اَلْـــمُـــصَـــابُ

إِنَّـــــمَا خَـــــطِّــــي رَدِيءٌ * عَــــبَـــثًا كَــانَ اِجْــتِــنَـابُ

كَــــــــمْ أَكُــفًّا قَــدْ مَدَدْنا * لِـــلْعَـصَـــا، هَانَ اَلْـعِقَـابُ

يـَــا عَــصـَـا رُدِّي صِبَـانـــا * أَيْــــنَــهُم رَاحُــــوا تِـرَابُ

يـَــا صَدِيـقِي لَا تَــلُمْــنِـي * إِنَّــمَا اَلـــذِّكْـرَى اِكْـتِـئَـابُ

رُبَّ ذِئْــــبٍ قَــــدْ دَعَــاهُ * اِنْـــــتِـــزَاحٌ أَوْ خَــــــرَابُ

صَـــــارَ أُنْــــسًا أَوْ رَفِــيقًا * لَـيْـــسَ مِنْــــهُ اَلْمُسْتَرَابُ

لَا كَـمَنْ قـُـلْتُ صَــــدِيقِي * وَ هْـــوَ فِي اَلظَّهْرِ حِـرَابُ

سـَـلَّـهَا لِلـطَّـعْـنِ يَـــوْمًـا * وَ اِنْـزَوَى عَنِّي اَلصِّــحَـابُ!

كَــاَلنَّـعَامَـاتِ وَ دَسَّـــــتْ * رَأْسَـــهَا أَخْــفَـى اَلــتُّرَابُ

كـَــــمْ زَرَعْتُ اَلْوَرْدَ فِيهِـمْ * فَــــإِذَا اَلشَّـــــوْكُ ثَــوَابُ

مِـــنْ لَــئِيــمِ أَوْ حَــسُـودٍ * ذَاكَ نَــــــمَّـــامٌ وَ نَــــابُ

أَوْ طَــــوَاوِيـــسُ تباهَـــتْ * فَـهْيَ زَيْــــفٌ أَوْ سِـبَــابُ

فـَــاِنْــبِطَـــاحٌ وَ اِرْتِـــمَاءٌ * وَالتواءٌ واِنقِــــــــــــــلابٌ

هَــمُّــهَا لَحْسُ اَلصُّــحُـونِ * قـَـــدْ سَــرَى مِنْهَا اَلْلُّعَابُ

تَـمْـــسَحُ اَلْأَعْتَــابَ لَحْسًـا! * تـَــنْحَنِــي، هـَـانَــتْ رِقابُ

قـَــلَبَتْ لَــوْنَ اَلْـقَـــمِيـصِ * فَـبِــفِـلـسٍ تـُــسْــتَـطَـابُ

عُـــمْلَـــةُ اَلـزَّيْـفِ وَ عَمَّـتْ * فَــــعَـــلَا اَلْـحـَـقَّ اَلْحُبَـابُ

بـِــيعَـــتِ اَلْأَوْطَــانُ…بَخْسًا * وَيْــحَنَا…! حَتّـــى اَلْإِهَــابُ

كَمْ شُـعُـوبٍ قَـــدْ أُبِــيـدَتْ * رُبَّـــــمَا نَــــحْنُ نُــصَـابُ !

لَا…هُــــمُ اَلْأَحْرَارُ هَـــبُّـوا * وَ بِـــهِـــمْ سَــالَتْ شِعَـابُ

مِـــنْ شَـــمَالٍ وَ جَـنُــوبٍ * مَـــــــــدَدٌ ذَاكَ رِحَـــــــابُ

قَــــــدْ تَــصَـــدُّوا لِــلْعُـدَاةِ * وَبِــــعَـــزْمٍ قَــــدْ أَجَـابُـوا

صَــــوْتُــهُمْ صَـوْتٌ يُـــدَوِّي * فَـــــإِذَا شَــــــدُّوا أَصَابُـوا

مِــــــنْ قَــدِيمٍ يَـا بِــلَادِي * حـُــــبُّــنَا فِـــيــكِ اَلْمُـذَابُ

وَ كَـــزَيْــتُــونٍ وَ نَــخْـــــلٍ * أَخْـــــضَرٌ دَوْمًــــا عُــبَــابُ

مَا اِنْــــحَــنَــى يَـوْمًا لـِريحٍ * لا رُعُــــودٌ لا سَـــــحَـــابُ

شَــــامِخٌ اَلـــرَّأْسِ أَبِــــيٌّ، * لَا بِـكِبْـــــرٍ ، بـَــلْ مُـهَـابُ

ثَــــابِـــتُ اَلْأَصْـــلِ وَفِـــيٌّ * مُـــــزْهِرُ اَلْقَــلْبِ شَـبَــابُ

لَا جِــــرَاحٌ أَوْ رِمَـــــــــاحٌ * طَاعِـنـَـــــاتٌ أَوْ صِعَــــابُ

مَــــا نَــــفَتْ عَنْهُ اَلْعَــطَاءَ * وَ لَئِـــــنْ سَــادَ اَلْـيَــبَــابُ

فَــــهْـــوَ لِلْأَحْبَابَ رِفْـــــدٌ * لَـيْـسَ يُــبْــقِـيـهِ اِحْتِـسَابُ

إِنَّـــمَا اَلْــــحُبُّ سَجَايـَــــا * لَا عَــــطَايَا وَ اِكْتِسَـــابُ!

متابعة قراءة الخمسون

كاتب في التسعين

لست أدري أين قرأت قول أحد خلفاء بني أميّ ولعله معاوية اِبن أبي سفيان ـ ما شيّبني إلا اِنتظار المواعيد ـ فغفر الله لكل الذين بقيت أنتظرهم في مناسبات عديدة وعندما يصلون متأخرين يجدون كلّ الأعذار فأبقى متحسّرا على هدر وقتي فمن النادر جدّا الالتزام بالمواعيد لدينا معشر التونسيين إلا بعض اِستثناءات نادرة تشفي غليلي وآخرها ما كان مع الصّديق الأديب مصطفى يحي الذي وصل إلى الموعد قبل ساعة أو أكثر وذلك بمناسبة الاِحتفاء به في نادي الأدب بجمعية اِبن عرفة الذي تديره الأديبة سُونيا عبد اللطيف وأظنه تفاجأ عندما وجدني في اِنتظاره لعله اِعتاد مثلي الاِنتظار في المواعيد

متابعة قراءة كاتب في التسعين

مع أصدقاء مدينة المهدية

مع أصدقاء مدينة المهديّة
ــ 1 ــ
ما أبهجها من لحظات عندما تجد الأصدقاء القدامى في اِنتظارك وأنت قادم إليهم من تونس العاصمة وتنزل بينهم ليستقبلوك بالأحضان في مدينة المهدية هذه المدينة التونسية العريقة التي تتربع  وسط السواحل التونسية تبعد عن تونس العاصمة مسافة 250 كلم وكانت عاصمة الدولة الفاطمية على كامل أنحاء إفريقية في القرن الرّابع الهجري إنّها مدينة المعزّ لدين الله وقائد جيشه جوهر الصقلي ومدينة الشاعر اِبن هانئ الأندلسي
ــ 2 ــ  
قصدت المهدية يوم السبت 17 فيفري 2024 لأحضر اِفتتاح المكتبة الخاصة لصديقنا الفقيد الأديب عبد المجيد يوسف رحمه الله وقد هيأتها عائلته الكريمة بعناية لتكون كتبها المختلفة في متناول الأدباء  والدارسين والباحثين وهذه بادرة جديرة بالتقدير لما ترمز إليه من اِعتزاز ووفاء لصديقنا العزيز من ناحية ومن ناحية أخرى لما تُتيحه من مجالات بحث في أدبه وفي الأدب التونسي والأدب العربي وحتى في بعض الآداب الأخرى لأن مدوّنة الأديب عبد المجيد يوسف تشمل أجناسا مختلفة من الكتابات شعرا وقصة ورواية ونقدا ومقالات في اللغة ومقدّمات وغيرها من المترجمات من اللّغة الفرنسية والإيطالية وقد حملتُ معي إلى هذه المكتبة صورة جميلة كبيرة لصديقي الرّاحل لتقابل كل من يدخل إليها  بسلام… فسلام وسلام على روحك يا صديقي وأرجو من ـ الصّالون الأدبي والفكري ـ الذي تسمّى باِسمك أن يواصل التعريف بمختلف إصداراتك وأن يعمل جاهدا لجمعها ونشرها ضمن طبعة ـ أعمال كاملة ـ كي لا تضيع ويطويها الإهمال والنسيان وما هذا بعزيز إذا صحّ العزم
ــ 3 ــ
كانت مناسبة إذن للإلتقاء بأصدقائي القدامى والجلوس معهم والفضل يعود لصديقي الطبيب الدكتور المولدي فرّوج الذي أعلمهم بقدومي وهو شاعر وروائي ومسرحي وكاتب صحفي عرفته منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين عندما كان طالبا في الطب ومن روّاد ـ  النادي الثقافي الطاهر الحداد ـ ثمّ تعارفنا أكثر بمناسبات اِتحاد الكتّاب التونسيين وجلسات نادي الشعر وعلى صفحات ـ جريدة الرأي ـ وفي ملتقيات الشعر بتوزر والمتلوي وغيرها وهاهو اليوم أجده في اِنتظاري فذكرنا بأسف ولوعة أصدقاءنا الشعراء والأدباء الذين فارقونا في المدة الأخيرة واِسترجعنا بعض الذكريات معهم ولم يغب عنا كذلك الخوض في أحوال اِتحاد الكتّاب التونسيين وما يشهده من ركود في نشاطه وتواصينا أن نساند في المؤتمر القادم المترشّحين الذين نتوسّم فيهم العمل الجدّي والإضافة للخروج بالاِتحاد من أزمته الحالية ليُحقّق طموحات الأدباء وليكون صوتا متميّزا وعاليا في كل ما يهمّ الشأن الثقافي خاصة والقضايا الوطنية عامة وقد تبادلنا الحديث في هذا الموضوع مع الأصدقاء الحبيب بن فضيلة عمار العموري وخالد الرداوي الذين عبّروا عن أملهم وتمسّكهم بالاِتحاد باعتباره مكسبا يمكن أن يكون ناجعا أكثر بفضل ما في رصيده من إنجازات وبما يزخر به من طاقات وخبرات .
ــ 4 ــ
عدت من المهدية بهدايا ثمينة هي إصدارات جديدة للصديق المولدي فرّوج
 * رواية ـ في الاِنتظار
* مجموعة شعرية ـ  هذا كلام في الريح
ومجموعة قصصية للصديق الحبيب بن فضيلة
* أجراس صدئة
ــ 5 ــ
بعد الجلسة في المقهى دُعيت إلى الغداء في أحد المطاعم الفاخرة ولكني شكرتهم على كرم الضيافة واِخترت الأكلة التي تختصّ بها المهدية وهي ـ الشّاباتي ـ فأخذوني إلى دكّان مشهود له في هذه الأكلة التي تتكوّن مع عجين مطروح رقيق ثم يُحشى ببيضًا مسلوقا وجُبنًا وفُتاتَ التّن مع شيء من البهارات ويُلفّ الجميع على شكل قرص نصف دائرة ثم يوضع في الفرن وما ألذّه وأشهاه !
سألت صديقي الدكتور الطبيب مولدي فرّوج قبل أن أبدأ تناوله عن طريقة أكله ـ كي لا أوضع في حرج ـ فأرشدني ناصحًا أن أبدأ من زاويته السّفلى المكتنزة 
 إنّ حكمة طريقة أكل لحمة الكتف إذن تشبه تماما طريق أكل ـ الشاباتي ـ إذ كلاهما يؤكل بداية من الزاوية السّفلى حتّى لا يسيل ماءُ لحمة الكتف على الثياب وكي لا يتساقط ما في ـ الشّاباتي ـ بين اليدين !
ولم أبدأ إلا بعدما رأيت صديقي يتناول ـ الشاباتي ـ التي أو الذي ـ أمامه بخبرة ومهارة…كيف لا وهو الطبيب الأديب !!
* سُوف عبيد ـ تونس

شكري بالعيد شاعر أيضا

شُكري بلعيد…شاعرٌ أيضًا

– 1 –

شَاربٌ كثيفٌ أسودُ وبجانبه على اليمين شامةٌ سوداءُ على بياض ,ذلك ما تراه على غلاف ديوان الشّهيد شكري بلعيد وما الشّارب والشّامة إلا سِمتان تمتاز بهما ملامح الشهيد الذي ـ ولئن عُرف مناضلا وطنيا بارزا ـ فهو لم يُعرف شاعرًا بين الأدباء والشّعراء خاصة لكنّني عندما قرأت ديوانه – أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة – تبيّن لي أنّ النصوص الشعرية الواردة ضمنه تمثّل شاعرا من الطّراز الرّفيع فهي تؤكّد أنّها صادرةٌ من لَدُن مُهجةٍ كثيفةِ الشّجون ومُعبِّرةٍ عن مُعاناةٍ صادقةِ التجربة وهي قصائد لُحمتُها وسَداها من نَسْج ثقافةٍ عميقة وشاملة جعلت تلك القصائدَ ذاتَ أبعاد وآفاق مشحونةٍ بشواهدَ ودَلالاتٍ ذاتية واِجتماعية وتاريخية ناهيكَ عن قيمتها الأدبية فنقرأ مثل :

وجهك والريح في ما تقول الفصول

وجهك خيل المرايا

وامرأة عابرة

وجهك الآن ما خلفته الخبول

وما تركه الفاتحون على الأرض من دعوات

ومن أمنيات

وما شكلته الخفايا

إذن سوف تمضي وحيدا

إلى راية قاتلة ـ ص 58

أو كقوله أيضا :

إنّي الحلاج

هاكي الجبة فاللّه هنا يسكن فانوس الروح بأتعابي

هاكي الجبة واحتضني مسكن أيامي وعذابي

إني الحلاج

صبحي أقبل

يا امرأة من نيروز ومن شبق الذكرى

من خلجات المطلق حبن نساء الأرض تخون

فأنا المجنون

يا امرأة يخرجها الله من ضلعي أتيهُ بها في ليل الغربة

وأنادي

يا امرأة الطير، هنا حُلّي في جسدي المسجون

وانفجري كالكلمات الحبلى

بنشيجي المخزون ص54

-2-

كان من المُنتظر أن نقرأ شِعرا معناه في ظاهر لفظه ويَغلِب فيه الخطاب الإديولوجي ويطفُو عليه المنحى السياسي المِنْبري على النّواحي الفنية الجمالية فالشاعر مناضل عتيد وملتزم إلى النخاع بالقضايا الوطنية التونسية والقومية العربية في أبعادها الإنسانية ولكن ما نكاد نمضي في القراءة قصيدا تلو قصيد حتى ترتسم لدينا ملامح شاعر مُقتدر يمتلك ناصية القول الشعري فيرسل المعاني صُورا صورا فإذا المجازات والتضمينات والإلماحات تتوالى في إيقاعات متنوعة حتى تستحيل شعرا بديعا بما فيه من وهج الصدق والمعاناة وبما في أبعاده من انتصار لقيم المحبة والبذل فيبدو الكون الشعري لدى شكري بلعيد كونا قَدَّهُ من ملكوت شعريّ ذي بصمات خاصة قد اكتسبها ولا شك من اطلاعه على مدونات القدامى الشعرية ونتلمّس في بعض نصوصه صدى معاصريه من الشّعراء ولا عجب في ذلك فالإضافة لا تأتي من فراغ والإبداع لا يتسنّى إلا لمن كان مُطلعا على منجزات معاصريه.

-3-

من الخصائص الدالة على القيمة الفنية لقصائد شكري بلعيد ذلك الانصهار الذي تمكّن به من المزاوجة بين الشّجن الذاتي الحميمي وبين الهاجس الاجتماعي العام كقوله :

حين أنهض في غيبتي

أرسم عمري على راحتيك

وأمضي قليلا

لقطف الندى

ثم أكتب سيرة عشقي

على نهدك

والعيون مدى

وأشد إلي البلاد وأصرخ

يا طير

يا بحر

يا نهر

يا حجر الموج يا فتنة الفجر

يا لون زهر المنافي

ويا كبرياء الأنوثة ص55

وهو حتى عندما يعبر عن مواقفه النضالية فإنه لا يصرّح بها بإفصاح صارخ كما تُكتب الخُطب والبيانات وإنما يجعلها في صياغة فنية وبأسلوب فيه الكثير من الإيحاء كقوله :

رفاقي نشيدي الأخير

جنون حبهم للبلاد التي وزعوا نارها بينهم

ثم مالوا على جفنها.واستباحوا بريق عيونهم

وردة لانبلاج الصباح

نسجوا من الدم المتوحد

أغنية الرفض والعاشقين

ملء هذي الأرض نحن

ملء هذا العمر نحن

ملء كل الحب

شحذنا الروح من أزل

وقلنا وحدنا الباقون ص147

ـ 4 ـ

إن قصائد مثل – القرمطي ـ اِنبلاج الجسد الفلسطيني ـ للحبّ طقوس فلترحل هذه الدنيا – أعتبرها منجزات إبداعية تمكّن فيها الشاعر من الموازنة بين المنحَى الفكري والسياسي وبين الوشائج الذاتية العميقة وما كان ليصل إلى هذا المستوى من القدرة لولا تمكنّه من تجاوز الكثير من الاِختلافات الفكرية وجعلها منسجمةً في أطروحة جديدة جعَلها كسنفونية لا يمكن عزفها إلا باِنسجام عديد الآلات الموسيقية المتنوعة…تلك هي القناعة التي توصّل إليها وعيُ الثلث الأخير من القرن العشرين والمتمثّلة في ضرورة تجاوز مقولات الإديولوجيات الجاهزة لأن الممارسة والتجارب أثبتت فشلها في شتّى نواحي العالم وليس أمام البلدان العربية خاصة إلا أن تجد الحلقة المفقودة بين تراثها وواقعها من ناحية وبين تحديات العصر وآفاق المستقبل من ناحية أخرى وإنّ قصائد مثل ـ رسائل بغداد ـ أو ـ نشيد الخيول ـ أو ـ القرمطي ـ تؤكّد أنّ شكري بلعيد شاعر اِكتسب أسلوبا خاصا به يتميّز بقاموس جَزْل المفردات أي التي فيها قوّة ووضوح وبنصاعة المعاني في غير مباشرتيّة عارية وبمعمار قائم على إيقاعات متنوّعة وثمّة قصائد أخرى مثل ـ حلم ـ أو ـ لوحة ـ أو ـ طاولة المقهى ـ أو ـ وحدي ـ أو ـ إليّ ـ نلاحظ فيها محاولات البحث والتجديد في مواضيع التفاصيل الصغيرة كما ترسم بعض الظلال من سيرته الشخصية فحضور بغداد مثلا واضح المعالم وهي قصائد وردت في شجن عميق وبأشكال فنيّة قائمة على مخالفة النّمطية وبنهايات مفاجئة فشكري بلعيد شاعر واع بمسارات القصيدة العربية الحديثة ولا شكّ ,وقد كانت قصائده شاهدة أيضا على قناعاته فقد سار على منهاجها في حياته التي كانت ثمنًا لنضاله من أجلها فهو من هذه الناحية أحد الشّعراء الذين لا يجود بهم التاريخ إلا نادرًا وإنّ شاعريته الفيّاضة بمحبة الأوطان والقيم الخالدة للإنسان تلك الشّاعرية من رقّتها ولطفها وشفافيتها لامست أحيانا تخوم حالة من التصوّف في مقولة وحدة الوجود وذلك في قصيدة ـ إله ـ

واقفٌ في مَخرج الرّوح

لم يعتلّني القديم

يا رياحَ البنفسج لا تَنسيْني

بلّغي مُهرة الرّوح كلّ الجنون

سمّيني عندها بالفتى

والمدى

والحنين

ولِدِيني ثانيةً

كي يستطيع النّهارُ اِبلاع صدايْ

أنا واحدٌ في رؤايْ

عَدّدتني المراحل ثمّ هوتْ

فتَشكّلَ ثانيةً من دمايْ

ولدٌ ملأ البحر في كفّه

ومضى يُنشد انْ

لا إلهَ سِوايْ ـ ص 16

ثمّة كلمةٌ كثيرا ما تتواتر في قصائد شكري بلعيد وفي سياقات مختلفة ألا وهي ـ الدّم ـ باِعتبارها الرّمز للتضحية والفداء ولقد تحقّق له ما خطّه من نبوءته ذات صباح كأنه كان معها على موعد حيث ورد في قصيد ـ نشيد الخيول ـ مثلا :

فلتترجّلْ كل الوُعول التي أعلنت موتنا ذات فجر

فالخيول

في اِشتباك الفصول أخرجت لونها

واِحتفت بضجيج الصباح

هذا وجه الرّقفيق الأبيّ

هذا دمع الصبيّة حين يفارقها العاشقون

هذه أمّنا المتعبة تلوّح بالفجر بين يديها

وتعلن للذاهبين

دم للمرايا

دم للزوايا

دم للجسد

اِستعدْ

يا رفيق الكفاح اِستعدْ

والبلاد على دَمِنا أجمعت عشقها

ـ 5 ـ

ختامًا لابدّ من إسداء الشّكر الجزيل للجهود التي أخرجت لنا هذه المدوّنة الشعرية فهي مرجع ينير جوانب أخرى من مسيرة الشّهيد شكري بلعيد بما في بعض القصائد من شواهد وإحالات وغيرها من الإشارات وإنّ هذه المدوّنة الشعريّة ذات قيمة إبداعية كبيرة فهي إضافة متميّزة للشّعر التونسي والعربي لذلك يجب اِعتيار شكري بلعيد ـ أيضا ـ ضمن الشّعراء التونسيين والعرب المعاصرين الكبار وقصائده البديعة شاهدة على ذلك.

غير أنّه كان من الأحسن لو أنّ الدّيوان ضمّ النصوص الشّعرية كلّها متواليةً حسب تاريخها قدر الإمكان وخاصة من دون حَجب البعض منها ورقابةٍ عليها بِتِعِلّةٍ أو لأخرى وبدون إضافة عناوين للقصائد التي ليس لها عناوين في الأصل وبدون جعلها في أقسام ثلاثة ذات عناوين ليست من اِختيار الشّاعر وبذلك يتسنّى لنا قراءتُها مثلما تركها صاحبُها بلا زيادة ولا نُقصان ولعلّ الطبعة الثانية يمكن أن تضمّ ما بقي من القصائد وتتلافى ما أشرنا إليه فالشّكر لأُولِي العزم مُسْبقًا.

إنّ ما دفعني إلى تسجيل هذه الملاحظة هو ما وقع لديوان الشّابي ـ أغاني الحياة ـ الذي لم يصدر ـ إلى اليوم ـ مثلما اِختار الشابي قصائده ورتّبها وعَنونها ففي كل مرة يصدر بإضافةٍ أو نقصان وكان من الأجدر أن يصدر الدّيوان كما أراده صاحبه ثم يُضاف إليه في مُلحق خاص القصائد الأخرى وللقارئ والدارس أن ينظر وأن يُمحّص النظر بعد ذلك من دون وكيل أو رقيب أو حسيب وعسى أن يكون لنا في ذلك عبرة.

برادس في 3 فيفري 2019

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

جبل القرنين

 

جبل القرنين

سُوف عبيد

ــ 1 ــ

صديقي الشاعر معمّر الماجري هو ثالث الثلاثة من الأصدقاء المتيّمين بمحبّة مدينة حمام الأنف مع الأديب جلال المخ والشاعر عبد الحكيم زريّر هذه الضاحية التي كتب عنها ـ بالإضافة إليهم ـ عديد الأدباء من بينهم علي الدوعاجي في إحدى قصصه والشاعر مصطفى خريّف في قصيده ـ بين جبل وبحر ـ وذكرها الأديب عزالدين المدني عند سرد ذكريات طفولته عندما لجأ إليها مع عائلته إبّان الحرب العالمية الثانية التي كتب عن إحدى وقائعها في مدينة حمام الأنف الشاعر مصطفى المؤدب وللشاعر عبد الرحمان الكبلوطي قصيدة فيها أيضا وقد ذكرها كذلك الأديب ميخائيل نعيمة في إحدى رسائله على إثر زيارته لتونس سنة 1961

ــ 2 ـــ

دعاني الصديق الشاعر معمّر الماجري في يوم رائق معتدل بعد أيام قرّ شديد إلى زيارة هذه الضاحية فكانت مناسبة لزيارة قبر جدّي رحمه الله في المقبرة القديمة ثم صعدنا الهُوينا عبر دروب جبل بوقرنين حيث كان صديقي يحدّثني بحنين عن ذكريات طفولته في محتلف الأحياء والشّعاب فكان ـ سي معمّر ـ محلّ ترحاب حيث ما مررنا أو جلسنا كيف لا وهو الذي عاشر مختلف أصناف أناسها جيلا بعد جيل عن قرب وعلى مدى سنوات فعرفهم وعرفوه في عديد الظروف وله معهم حكايات طريفة وعجيبة أحيانا

يوم كأنه من أيام الرّبيع ظفرنا به في عزّ أيام الشتاء الباردة والممطرة فلاحت الأشجار خضراء يانعة لامعة بقطرات المطر المتبقّية على أوراقها تحت الشمس الدافئة فكان كلما مررنا بشجرة ذكر لي اِسمها وخصائصها وأوجه الاِستفادة منها لكأنه خبير بها كيف لا وقد كانت هذه الفجاج والشعاب والأودية مسرحا لألعاب طفولته مع أتراب حيّه بين كرّ وفرّ وبين سهر وسمر

عندما بلغنا منبسطا من إحدى الشعاب توقف وحدثني أن هذا المنبسط كان في السنين الخوالي منتزها في فصل الربيع لعائلات ـ حيّ الملاسين ـ فترى الجميع في سرور وحبور مجتمعين حلقات حلقات طاعمين مع بعضهم شاربين كؤوس الشاي والأطفال في لهوهم وألعابهم بين الأشجار فرحون فيا لها من ذكريات ممتعة اِسترجعها بحنين صديقي الذي كلّما مررنا بأحدٍ أو جماعةٍ توقّف ليسلّم عليهم فيستقبلونه بحرارة ومودة وتقدير إذْ عاد إليهم بعد غياب مثلما عاد إلى مرابع طفولته في وهاد جبل بوقرنين الذي يعرفه شجرة شجرة ونبتة نبتة من العرعار والكالتوس بالإضافة إلى الصّنوبر الذي كان يقطف منه حبّات الزّقوقو

ــ 3 ــ

كم حدّثني صديقي عن ولعه بجمع باقات زهرة السّكلمان ـ بخور مريم ـ الجميلة والنادرة الوجود والتي يختصّ بها جبل بوقرنين وكان يشير من حين لأخر إلى أصناف عديدة أخرى كالإكليل والزعتر والصبّار وإلى نبتة ( صبّاط الغول )التي كان يلُفّ بها باقة السّكلمان لتحفظها وتزيدها جمالا

ومن النباتات الجبلية الأخرى التي أرانيها صديقي نبتة القيز وأعلمني أنّ نبتة البُصّيلة هي غذاء للخنزير يستخرجها من تحت الأرض وقد صادفتنا يومئذ آثار سيره أمّا نبتة التّيفاف فهي طعام لذيذ للحيوانات العاشبة يشاركها الإنسان أيضا في أكلها وقد قيل في المثل الشعبيّ ( آش يكفي الجمل م التّيفاف ) وحين تطلّ طلائع الرّبيع بأيّامه الأولى يكتسي الجبل بحلّته المزركشة التي فيها صفرة (القْرّيسة ) وحمرة الأقحوان فيلوح جبل بوقرنين بديعا للناظرين

صعدنا رويدا رويدا حتى أشرفنا على زرقة الخليج المقابلة للاِخضرار تحت زُرقة السماء فيا لها من متعة رائقة إذ يحفّ بنا النّسيم كأنه أجنجة نرفرف بنا في خضمّ هذه الطبيعة البديعة في تونس الجميلة في كل ناحية من نواحيها حيث ما كنتَ أو اِتّجهتَ ولكنّنا لم نقدّرها حقّ قدرها مع الأسف فحينما بلغنا الربوة المطلّة على مدينة حمّام الأنف بدا لنا ـ البُرج الأخضر ـ في حالة دون ما يجب أن يكون لأنه كان في السنين الخوالي مَعلما سياحيا متميّزا أمّا عن ـ الكازينو ـ

وكذلك ـ قصر الباي ـ فحدّث عن خرابهما ولا حرج

ــ 4 ــ

لقد كان جبل بوقرنين مُلهما لبعض الشعراء والأدباء مثل الشاعر مصطفى خريّف الذي اِستقرّ بمدينة حمام الأنف مدّة من الزمن أثناء الحرب العالمية الثانية فكتب قصيدة ـ بين جبل وبحر ـ وهي في صيغة حوار بينهما وقد نشرها في ديوانه الأوّل ـ الشّعاع ـ سنة 1949 ثم أعاد نشرها في ديوانه الثاني ـ شوق وذوق ـ سنة 1965 ومنها قوله

(الجبل)

يا بحر

أيّها الغائص في بطون الأرضين

السجين في أغوار الصخور وأكناف الرمال

يا رهين القيود والأصفاد والظلمات

ما أبعد أعماقك ! وما أبهم اِمتدادك

(البحر)

يا جبل

أيّها الضائع في أجواز السماوات

التائه في آفاق الفضاء الأبدية

المتحمّل أثقال السّحب وأنفاس الكواكب

يا مُنبت الصّخر والشّوك

و القتاد والجيف المتعّفنة

ما أحمق رسوخك

و ما أحقر تطاولك

ــ 5 ــ

عندما زار الأديب ميخائيل نعيمة تونس تونس سنة 1961 أرسل رسالة إلى اِبن عمّي سي الحبيب عبيد الذي كان في توديعه ذكر فيها جبل بوقرنين قائلا ـ

لكَم وددت يا صديقي الفتيّ لو كان لي أن

أتحدّث إليك وإلى الكثير من الشبّان التونسيين أمثالك لا من على منبر المسرح البلدّي بل على شاطئ البحر أو في بستان من الزّيتون أو في سفح بوقرنينأو في أيّ مكان يطيب فيه الحديث فيجري طلقا عفويا ودونما أقل كلفة ـ

نص الرسالة منشور في العدد الأخير من مجلة الحياة الثقافية التونسية

ولصديقنا الشاعر عبد الحكيم زريّر قصيد زجلي بديع بعنوان ـ الهَمْهَامَا ـ وهو الاِسم الشّعبي لمدينة حمام الأنف وصف فيه مختلف معالم المدينة  ومناطقها التي من بينها ـ جبل بوقرنين ـ حيث ورد فيه قوله

مْدِينَة حَيَّة

مِزْوَارَة شِرْهَة شَعْبِيَّة

خْصُوصِي تْجِيهَا عْقَابْ عْشِيَّة

وْمَا نَحْكِيشْ عْلَى امَّالِيهَا

يَا مَحْلاَهَا

حِسْدُوهَا إِلِّي بَحْذَاهَا

بْخَصْلْتِينْ الْبَارِي حْبَاهَا

جْبَلْهَا وِبْحَرْ مْحَاذِيهَا

رَاهِي نَارُو

كَرْنَازِيسْ مَحْلَى خُنَّارُو

بْقِمْتِينْ وُسْطَ اشْجَارُو

قِمَّة وَحْدَة يْقُولُو بِيهَا؟

فُخْرِةْ نَارُو

تَدْفَا بْمَاهْ وْمَا تْشُوفْ نَارُو

مِنْ قْدِيمْ وْعَرْفُو كَارُو

جْمِيعْ لِبْرَايِدْ يْدَاوِيهَا

مِنْ بْعِيدْ

يْنَاجِي فِي سِيدِي بُوسْعِيدْ

الْمُوجَة تْوَصِّلْ فِي التَّنْهِيدْ

بْنِسْمَة فَايْحَة يْعَبِّيهَا

ــ 6 ــ

جمع صديقنا الأديب جلال المُخ في كتابه ـ حمّام الأنف في قلوب الشعراء ـ الصّادر عن دار المعارف للطّباعة والنشر سنة 2008 عديد القصائد لجمهرة من الشعراء والأدباء الذين كتبوا عن مدينة حمام الأنف ومن نكد الدّهر أن بلديتها رفضت اِقتناء ولو نسخة واحدة من هذا الكتاب المَرجع وهي المدينة التي كانت وماتزال سَكنا ومَزارا وقِبلة الأدباء والشّعراء والفنانين على توالي الأجيال وتتالي العصور من الشّرق والغرب على السّواء ومن أولئك الشّعراء المتيّمين بحبّها والوفاء إليها صديقنا معمّر الماجري صاحب قصيدة مبتكرة في غرض الرثاء أعتبرها إضافة جديدة لما حوته من الحنين والألفة في أسلوب سرديّ يعتمد بساطة التفاصيل الصغيرة ضمن السّهل الممتنع ولكنها بساطة وسلاسة تعبّران عن ألم ثخين بسبب فراق رفيقة عمره والقصيدة بعنوان ـ اِنعم بزوجك يا زوج الحذاء ـ

كلّ الأفضيةِ

تَنَفٌّسُ ريحَكِ

في المغازة هذا الصّباحَ

حدّثَني زوجُ حِذاءٍ

أَنّهُ يُناسبُ مقاسَكِ

وأنّ لونَهُ الذي تُفضّلينْ

وأنّه قُدّ من الجلدِ الثّمينْ

و أنّ سِعرَهُ مناسبُُ

و أنّهُ و أنّهُ

قلتُ لهُ

يا زوجَ الحذاءْ

إنّها اِرتقَتْ

ما عاد يتّسعُ المَقاسُ

ما عادت تُغريها الألوانُ

ولا الأثمانُ

حبيبتي

حلّقَتْ روحُها

لا زوجةَ لي

اِنْعَمْ بزوجكَ

يا زَوجَ الحذاءْ

والشّاعر معمر الماجري يكتب في شتّى الأجناس الأدبية سَردا ونقدا وشعرُه مختلف المواضيع والأشكال إلا أنّه إلى الطقوس العمودية أميل مثل قصيدة ـ رحلة هوجاء ـ التي كتبها عندما بلغ الستين من العمر والتي يذكر فيها الحيّ الذي مررنا به حيث يقول فيها

ستّون عاما قد ركبتُ مَطيّها

في رحلة هوجاءَ دون قرارِ

في حيّنا الشعبيٌّ نسجُ ملامحي

غصنا تربّى في حِمى الأشجارِ

و لقد نشأنا في العراكِ من الصّبا

سيزيفُ يعشق لذّة الإصرارِ

والفقرُ لمٌا سامنا بسياطه

قلنا له إنّي اِتّخذتُ إزاري

من صبر أيّوبَ الجميلِ حبكتُهُ

من قصّة الإيمان بالأقدارِ

ما زلتُ أذكر في الديار حمامتي

زجل الحمام معلّق بجداري

قد بحت بالحبّ الجميل كرامةً

لا يُفقد البوحُ الجميلُ وَقاري

ستّون عاما قد مررن بسرعة

الله أعلمُ ما مدى الأعمارِ

هي إذن قصيدة السّيرة الذاتية المفعمة بالحنين والشجون

ــ 7 ــ

ما كنت أدري قبل أربعين أن أحد تلاميذي النّجباء في معهد فرحات برادس وهو الصّديق عبد الوهّاب الهاني كان يعرض عليّ وقتها بعض القصائد لصديق له حتّى أبدي فيها رأيي فكنت أشجّع صديقه على المواصلة والمطالعة وتمرّ الأيام والأعوام لأجد نفسي أمشي مع صاحب تلك القصائد على دروب جبل بوقرنين

وبهذه المناسبة أذكر عندما كنت بالسنة الأولى أو الثانية من التعليم الثانوي بالمدرسة الصّادقية في منتصف ستينيات القرن العشرين الماضي بعثتُ مع زميلي وصديقي هشام بالشّيخ قصائدي الأولى إلى أخته الأديبة حياة بالشيخ فقد كانت من أبرز الأديبات التونسيات في تلك السنوات فقرأت قصائدي وكتبت لي ملاحظاتها القيّمة التي اِستفدتُ منها فإليها جزيل الشكر وفائق التقدير

ما أبلغ قول الجاحظ

ـ ينبغي أن يكون سبيلنا لمن بعدنا كسبيل من كان قبلنا فينا ـ

متابعة قراءة جبل القرنين

الاِسم والمسمّى

الاِسمُ والمُسمَّى

تاريخُ ميلاده غيرُ ذلك الّذي في دفاتره المدرسيّة والجامعيّة ولا حتّى في أوراقه العسكريّة والإداريّة وليس ذاك المُسَجّل في البطاقة الشّخصيّة وفي جواز سَفره.

تقول أمُّه إنّها وضعته عند الحصاد ولم يكن والدُه حاضرًا وقتَها فقد كان يعمل في تونس العاصمة… ذلك عهدٌ لم تكن الإدارة موجودةً ولا قريبة من – بئر الكرمة – القريبِ من بلد ـ غُمْراسِنْ ـ حيث رُبوعُ أهله الممتدّةُ على مدى البصر في الجنوب التّونسيّ.

كان الثّالث في المواليد.

أختُه ـ آسيا ـ هي الأولى وقد تُوفّيت بعد شُهور.

أخوه ـ الحبيب ـ مات وقد قارب عامه الأوّل.

وشاء اللّهُ للمولود الثّالث أن يعيش مِنْ بعدهما شهورًا حتى بلغ عامه الثّاني وبعد أن تأكّدت العائلةُ أنّ الموت لن يخطفه ـ مثل أخته وأخيه ـ قرّرتْ بالإجماع تسميته باِسم جدّه فقصد أبوه يومَ السّوق الأسبوعيّة شيخَ البلد وسجّله في دفتره بتاريخ ذلك اليومِ ـ وهو اليومُ السّابع من الشّهر الثّامن من سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وألف ـ لذلك يرى لزوم ما لا يلزم أن يحتفل بعيد ميلاده الذي لم ينتبه له أحدٌ قبل بلوغه العشرين وشكرا على كلّ حال لمن يُهنئنه ويذكّره بالمناسبة.

أمّا اِقتراحُ اِسمِه فقد اِتّخذه مجلسُ العائلة برئاسة الجدّات اللّواتي اِتّفقن بالإجماع أن يكون اِسمُ الحفيد الأوّل على اِسم جدّه وذلك على سُنّة قومه وتقاليدهم منذ سابق الدّهور جيلا بعد جيل.

وحكاية اِسمه…ما حكاية اِسمه؟

تَسَمّى على اِسم جدّه الّذي تَسمّى على الفارس والشّاعر اللّيبي ـ سُوف المحمودي ـ الّذي ذاع صيته وقتذاك أي في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر وكلمة ـ سُوف ـ في اللّغة العربيّة تعني الرّمل الرّقيق الليّن أمّا في اللّغة الأمازيغيّة فهي تعني ـ الوادي ـ والكلمة هي اِسم مدينة – وادي سُوف – في الجزائر وتعني كذلك اسم مدينة ـ سُوف الجين ـ أي الوادي الكبير وهي تقع في جنوب ليبيا وثمّة مدينة في بلاد الأردن قرب عَمّان تُسمّى أيضا ـ سُوف ـ وهي قائمة على وادٍ كذلك وقد زرتُها برفقة الصّديق الشّاعر يوسف رزوقة سنة 1992 بمناسبة مهرجان ـ  جرش ـ فظهر من غدٍ في إحدى الصّحف  خبرٌ عن هذه الزّيارة بعنوان “سُوف في سُوف”.

ومن طرائف المواقف التي وجدتُني فيها بسبب نُدرة اِسمي أنّه بينما كنت ضمن مجموعة من الشّعراء والشّاعرات العرب في أمسيّة شعريّة أقامها أحد الأنديّة الثّقافيّة على هامش مهرجان المربد بالعراق سنة 1986 إذ بمديرة الأمسيّة تقف على المنبر وترحّب بنا ثم تَفتتِح القراءات الشعريّة داعيّة في البداية – شاعرة تونسيّة – تكريمًا للمغرب العربي ّولتونس الخضراء قائلةً مرحبًا بالشّاعرة التّونسيّة الجميلة والأنيقة القادمة من بلاد الياسمين والزّيتون بلاد أبي القاسم الشّابي فتعجّبتُ واِستغربتُ حينها لأنّ المجموعة الّتي جئت معها إلى الأمسيّة لا شاعر ولا شاعرة فيها من تونس إلاّ أنا ثمّ أردفتْ قائلةً لتتفضّل ـ الشّاعرة سَوْفَ عُبيد ـ فاِنطلقتِ الأكُفّ بالتّصفيق الحارّ خاصةً من اِلّشباب فتسمّرتُ في مكاني لحظةً ثمّ عزمت ووقفتُ وقصدتُ خطوةً خطوةً المنبر ووقفتُ وقد ظنّ الحاضرون أنّني الشّخصُ المكلّفُ بتثبيت المِصدح والعناية به وعندما مكثتُ بُرهةً واقفا اِستثقلني الجمهور وأشار لي البعضُ بيده أن أنصرف بينما اِشرأبّتِ الأعناق باحثةً عن الشّاعرة التّونسيّة ـ الجميلة والأنيقة ـ فما كان منّي إلا أن اِقتربتُ أكثرَ من المصدح وقلتُ أهلا بكم أنا هو ـ الشّاعرُ التّونسيُّ سُوف عبيد ـ  فاِهتزّتِ القاعة الكبيرة والمكتظّة بالضّحك والتّصفيق غير أنّ تصفيق الفتيات كان أقوى وأحرّ وأظهرن الشّماتة بالفتيان…وكانت أمسيّة..!!