
القصيدة المنوّرة


قنديل باب المنارة… وجلال المُخ
خمس مجموعات شعرية دفعة واحدة هديّة سَنيّة فاجأني بها صديقي الشّاعر والأديب جلال المخ وقد أصدرها أخيرا دُفعة واحدة كأنه يتحدّى أزمة النشر والتوزيع وأزمة القراءة ويقول للعالم ها أنا رغم كل هذه العوائق أنشر وأواصل الحضور وهذه الدواوين الخمسة الأخيرة هي :
ـ اُكتب ما أنا بكاتب
ـ كان ما كاد يكون
ـ من سفر التكوين
ـ البارحة بتّ بلا قصيد
ـ جراحي تسمع صوتي
جلال المخ يُعتبر من أغزر الأدباء التونسيين إنتاجًا إذ في رصيده أكثر من ثلاثين عنوانا شعرًا وقصةً ودراساتٍ وترجمةً باللغتين العربية والفرنسية وبهذه المناسبة أتساءل أين المتابعة الإعلامية وأين الدّراسات النقدية في الصحف والمجلات وأين الأطروحات الجامعية في مختلف الكليات التونسية التي من المفروض أن تهتمّ بالأدب التونسي وتواكب أدباءه الذين ترسخت مسيرتهم لتقف على خصائصهم وإضافاتهم ولكن مع الأسف كأن الدراسات النقدية والجامعية تدير ظهرها للأدب التونسي إلا بعض الاِستثناءات التي لا تجد متابعة ولا اِهتمامًا
قَلْبِي حَوَتْهُ اَلْــبِـــلَادُ * ضَاقَتْ بِـهِ وهيَ رَحْبُ
فَلا اِخضِرارٌ بَـهِـيــــجٌ * وَلا زُهُـورٌ وعُـشْــــبُ
وَلَا تَبـــاشِـيـرُ خَــيْــرٍ * إلَّا اَلْجَـنَـازَاتُ رَكْــبُ
أعْوامُ قَحْطٍ تَوالَتْ * عَمَّ الفَــسَـادُ وخَـطْـبُ
فِي كُلِّ يَوْمٍ جَدِيـــدٌ * شَيْءٌ غَريبٌ وَعُجْـــبُ
وتُـونِــسٌ أوْحَـشُـوهَا * وبالشّعَاراتِ صَــخْـبُ
أَبْـنَــاؤُهَـا أَهْـمَلُـوهَـا * فَــمَــا أَشَــدَّهُ كَـــرْبُ
فَــكُـــلُّ سَــاعٍ إلَيْـــهَـا * إلّا وَسَــعْــيُــهُ إرْبُ
مِنْ مَشْرقٍ ذَا يَـكِـيــدُ * وَذاكَ مَكْـرُهُ غَـــرْبُ
كَاَلْكَعْـكَةِ اِقْـتَـسَـمُوهَا * فَأرٌ وأفْـعَـى وَذِئْــبُ
وَيْحِــي أَضَاعُوا اَلْبِـلَادَ * يَا لَوْعَتِي أيْنَهُ شَـعْـبُ؟
نَادَيْتُ ـ وَاَلصَّوتُ بَـحَّ ـ * وَاحَـرَّ قَلْبَاهُ هُـبُّــوا !
شعراءُ ـ سِيكا الكاف ـ وشاعراتُها
سُوف عبيد
ـ 1 ـ سِيكَا أو المدينة التونسية ـ الكاف ـ
أصل الكلمة “سِكّا فِنِيرِيَا” Sicca Veneria وهي من التسميات الرومانية التي ربما تعود إلى اللغة الأمازيغية وهي مدينة عريقة بالشمال الغربي تبعد عن العاصمة تونس 160 كلم ويمكن اِعتبارها المنارة الثقافية الأولى في الشمال التونسي فقد أنجبت منذ أوائل القرن العشرين على الأقل أجيالا متوالية في مختلف الفنون من الغناء والمسرح والسينما إلى الشعر والقصة وغيرها
فهذا التميّز الثقافي لمدينة الكاف جعل من المبدعين المنتسبين إليها وإلى ربوعها يشعرون بنخوة خاصة تلاحظها في أحاديثهم بحيث لا يكاد أحدهم يمضي معك في الكلام حتى يذكر لك شيئا عن الكاف سواء عادة من عاداتهم أو مكانا فيها أو بالقرب منها أو أغنية من أغانيها أو حادثة وقعت له فيها أو شخصا تعرفه وكم يكون سعيدا بل مفتخرا به عندما يعلمك أن ذلك الشخص الذي تعرفه هو من الكاف فليس عجبا إذن أن يترك صديقي الشاعر ـ المهدي القاطري ـ اسمه ويتسمّى ـ الحلاج الكافي ـ وصديقنا هذا كأني به ـ بمعية الصديقين الشاعرين بوبكر العموري وعماد الزغلامي وغيرهما بصدد تجميع شعراء الكاف وأدبائها في رابطة أو جمعية أو ودادية ليتنظّموا فيها من أجل تنسيق نشاطهم الثقافي في الجهة وفي خارجها وبهذه المناسب أعبّر لهم عن مساندتي المبدئية يقينا منّي أن العمل الجمعياتي هو أساس المجتمع المدني أوّلا وثانيا أعتبر أن المجهود الثقافي الفردي لا يمكن له أن يستمرّ ومصيره لامحالة إلى التلاشي .
ـــــــــ مع الزّعيم ياسر عرفات ــــــــــــ
منذ الصّبا كنت أستمع إلى أحاديث الرٌجال الكبار في تخوم الجنوب التونسي وهم يتذاكرون خبر عدد كبير من المتطوّعين التونسيين الذين قصدوا المشرق العربي للمشاركة في حرب فلسطين 1948ولكنهم ظلوا مرابطين على الحدود لأن السلطات هنا وهناك في ذلك الزمن لم تسمح لهم بالمرور إلى المواجهات والجبهات! بعضهم بقي هناك في مصر أو في ليبيا….بعضهم عاد يجرٌ الأحزان والمرارة …وبعضهم اِنضمٌ إلى حركات المقاومة المسلحة التي اِنطلقت من جديد في أوائل الخمسينيات في تونس والجزائر …ومن ـ بُور سعيد ـ إلى الأطلس
رحم الله ياسر عرفات… عند أوئل الستينيات وفي شتاء 1963 وبعد تحرير مدينة بنزرت إلتقى عدد من الزّعماء العرب في الذكرى الأولى فكانت مناسبة تاريخية رائعة جمعت الحبيب بورقيبة وجمال عبد الناصر وأحمد بلة وولي العهد السنوسي وقتذاك وقد رافقت والدي رحمه الله_إلى بنزرت في ذلك اليوم فرأيت موكبهم المهيب يمر بين هتافات الجماهير المتحمسة للوحدة والأخوة ولتحرير فلسطين أيضا …ولكن …تمر السنوات بالشقاقات والخلافات والنكبات
رحم الله ياسر عرفات… بعد حرب1967 بدأنا نسمع بالمقاومة الفلسطينية وبعمليات الفدائيين وخاصة بشعراء الأرض المحتلة وبقضية اللاجئين وصارت الكوفية الفلسطينية ترمز إلى النضال وتحدي الاِستعمار تماما مثل جاكيت الكاكي التي كان يرتديها كاسترو وغيفارا وياسر عرفات الذي بدأنا نعرفه بالصورة أكثر عندما فتح مكتب منظمة التحرير قرب ساحة روما بتونس
رحم الله ياسر عرفات… كيف اِستطاع أن يخترق ألسنة اللّهب وأن يقفز على حقول الألغام وأن يطوّع قضبان الفولاذ ويُليّن حيطان الإسمنت المسلح ويجعل فلسطين علما يرفرف بين أعلام الأمم والشعوب !؟…من معركة ـ الكرامة ـ إلى ـ تل الزعتر ـ ومن ـ دير ياسين ـ إلى ـ صبرا وشاتيلا ـ ومن ـ أيلول الأسود ـ في الأردن إلى إجتياح لبنان ومن حصار بيروت إلى ـ حمّام الشط ـ ومن بحر …إلى صحراء ….إلى….ومن مطار إلى ميناء …سفر على سفر.. وخطر على خطر …كذلك عاش بين الأِحتراق والغرق
المرٌة الأولى التي التقيته كانت في دار الثقافة إبن خلدون بعد نزول كثير من الإخوة الفلسطينين في تونس إثر جلائهم من بيروت1982 وكان ذلك بمناسبة إحدى التظاهرات الوطنية الفلسطينية التي كنا كثيرا ما نشارك فيها بإلقاء القصائد فلم نلبث وقتا قصيرا حتى حضر بيننا الزعيم ياسر عرفات مع مرافقيه وجلس ينصت إلينا في آخر القاعة من الطابق الأرضي ثم ألقى كلمة حماسية على عجل وغادر بعد ذلك المكان فكانت من أجمل ذكرياتي في دار الثقافة ابن خلدون
بمناسبة ذكرى رحيل الشاعر مُعين بسيسو في أوائل سنة1991 دُعيت إلى إحياء ذكراه في منزله الكائن وقتذاك بشارع إفريقيا في المنزه الرابع او الخامس من ضواحي تونس العاصمة القريبة فحضر عدد من الأدباء ومن أصدقاء عائلة الشاعر الكبير فلاحظت المودّة والألفة بين جميع الحاضرين وماهي إلا برهة من الزمن حتى وجدتني وجهًا لوجه ياسر عرفات يدخل من أحد الأبواب برفقة ـ أبو إياد ـ وقد أصرّ على حضور هذه المناسبة تكريما لروح الشاعر معين بسيسو ومساندة أخوية لأرملته ووفاءً للذكريات التي جمعت شملهم في سنوات الخمسينيات في عهد الشباب والدراسة والأسفار والنضال …..في تلك السّهرة الطويلة والممتعة عرفت أن ياسر عرفات إنسان يهوى الأدب ويحفظ الشعر ويقدّر الأدباء بالإضافة إلى عفويته وأصالة اخلاقه ولطف حديثه مع كل الحاضرين وقد نقلت إذاعة المنستير صورا صوتية من تلك المناسبة أتمنى أنها مازالت مسجلة في خزينتها
المرة الثالثة التي إلتقيت فيها بياسر عرفات كانت بمناسبة تنظيم مؤتمر الأدباء العرب قُبيل إندلاع حرب الخليج وإجتياح الكويت بثلاثة أسابيع وقتها كانت العلاقات العربية الرسمية على المحكّ وفي مفترق الطرق فإمّا الوفاق أو الأفتراق الذي لا ريب فيه وفي تلك الظروف الصعبة نظم إتحاد الكتاب التونسيين مؤتمر الأدباء والكتّاب العرب ومهرجان الشّعر وشعراء العرب الذين وعلى هامش هذه المناسبة دُعي البعض من المشاركين إلى تناول الغداء مع ياسر عرفات في مقرّ منظمة التحرير وقتذاك ـ بخليح ڨمرت ـ قرب ضاحية المرسى وإستقبلنا الزعيم الراحل في صالون فسيح الأرجاء وكنت برفقة الأستاذ محمد العروسي المطوي رئيس اِتحادنا ورئيس المؤتمر فتحدث ياسر عرفات عن تلك الأزمة الخطيرة وعبّر عن أسفه من بلوغ الخلافات العربية تلك المرحلة الجارفة بالحدّ الأدنى من التضامن العربي وقال إن أول من سيدفع ثمن تلك الأزمة هم الفلسطينيون غير ان السّحب المتلبدّة على ذلك المؤتمر وحوله وخلال ذلك اللقاء لم تحجب عنٌا ترحيب ياسرعرفات بنا فقد كان حريصا على ملاطفتنا على المائدة بنفسه وبمعيّة الشاعر محمود درويش حيث دعاني أبو عمّار أن أجلس بينه وبين محمود درويش وقد أخجلاني حقّا وهما يقدّمان لي أصناف الطعام بأريحية ولطف
رحم الله ياسر عرفات ياسر عرفات لقد كان من صنف اولئك الزعماء الذين يعرفون منزلة الكلمة وقيمة الأدباء لذلك قرّب إليه العديد من المثقفين الفلسطينين والأدباء العرب باِعتبارهم ذاكرة الأمّة كي تحافظ على قيمها الأصيلة
أولئك هم المثقفون والمبدعون الحقيقيون
من الماضي يستلهمون
عن الحاضر يُعبّرون
…وبالمستقبل يحلمون
à Toi, les révolutions, oh patrie
ِمازلتُ لم آت
ـــــــــــ مازلت لم آت ــــــــــ
مَازلتُ لمْ آت
لَا الشّمسُ …لا اَلْقَمر
لَا النّجُوم
أظهَرتْ فِي هَذَا الزّمَن
آيَاتِي
*
مازلتُ لم آتِ
حتّى ضاربُ الرّمل
لا يعلمُ
ولا قارئُ الكفّ
ولا عرّافةٌ
من العرّافاتِ
*
مازلت لم ٱت
وَحدَها جنيّةُ النّبع
في جُزُر واق الواقِ
تَعْرفُ أوْصَافِي
وَمِيقَاتِي
*
ما زلتُ لم آتِ
عاليا وبعيدا
حَرْفًا حَرْفًا
تَحْبُو
مازالت كَلِماتِي
*
مازلتُ لمْ آت
حِبْري يُخْضُورٌ
ونَسْغٌ في الجُذُور
قَطرةً
يَرْشَحُ قطرةً فِي دَواتِي
*
وإنّي آتٍ
لستُ على عَجَل من أمْري
بِالخَطوةِ الأولى
تبدأ كُلّ المَسافاتِ